رواية يوسف وليلي الفصل الاول1بقلم اميرة عمرو


رواية يوسف وليلي الفصل الاول1بقلم اميرة عمرو

أنتِ طالق يا ليلى ..

الكلمة نَزلت عليا كالصاعقة ، النَّهاردة كان طلاقي مِن "نادر" حبيب عمري و زوجي بعد زواج ٨ سنين ..

"نادر" اللي وقفت قدام أهلي اللي كانوا رافضينه و قولتلهم يا إما هو يا إما مش عايز أتجوز نهائي ..

"نادر" اللي أول ما جاتله الفرصة رماني و اتخلى عني بعد ما اكتشفت إنه متجوز قريبته من ورايا و مِخلف منها كمان ..

كُنت فكراه غيرهم لما قالي إن موضوع الخلفة مش فارق معاه و إنها مسألة وقت زي ما الدكاترة قالوا طالما مَفيش أي مشاكل صحية ..

عشان بعد السنين دي كلها أكتشف إنه متجوز و مخلف ولد عنده خمس سنين ..

يعني إيه طول السنين دي كلها كنت عَايشة في وهم إنه الزوج الوفي و العاشق الولهان ..

يمكن حياتنا مكنتش مستقرة بسبب تدخلات أمه و إخواته الكتيرة في كل كبيرة وصغيرة بس كنت صابرة عشانه هو ..

بعد ٨ سنين جواز عن حب النهاردة اتحررت من أكبر وهم كنت عايشاه .

خَلعت الدبلة اللي كانت رابطاني بيه و رَمتها في وشه قدام الكل ، أمه و إخواته و حتى الست اللي اتجوزنا عليا و كانت بتبصلي بشماتة ، حسيت بنار قايدة جوايا لكن أخلاقي متسمحش إني أعمل كده ، أنا أرقى بكتير من أسلوبهم المتدني .

بَصيتله في عيونه اللي باين عليها البرود و كأنه ملاك مأذاش و جرح انسانة وقولت بسعادة :

-الحمدلله و أخيرًا اتحررت من قرفكم ، مبروك عليكي يا حلوة المقلب الكبير اللي هتشربيه منهم .

خرجت أنا و بابا و ماما و إخواتي اللي كانوا سند ليا في المحنة دي ..

فَاتت الشهور الأولى من طلاقي كنت عايشة فيها في حُزن و اكتئاب ولولا تدخل عيلتي و مساندتهم ووقفتهم معايا كان زماني اتجننت ..

خِلصت شهور العِدة و بابا فاتحني و شجعني إني لازم أنزل اشتغل ، بس انا من وقت ما اتخرجت ما اشتغلتش ..

اتخليت عن تحقيق حلمي إني أفتح حضانة للأطفال عشان "نادر" كان رافض ، إزاي كنت غَبية كده و اتنازلت عشانه .

لكن بابا مسكتش و أصر إني أنزل أشتغل ، ده الحل الوحيد اللي هيخرجني من اللي أنا فيه لحد ما قدر يلاقي لي شغل في حضانة كبيرة و سمعتها كويسة .

كان وجود الأطفال حواليا الحاجة الجميلة اللي هَونت عليا مرارة الأيام ..

شوفتهم قدام عنيا ببراءة خلتني أتمنى لو يفضلوا بنفس البراءة دي و الدنيا متغيرهمش للأسوأ ..

فاتت سنة من وقت طلاقي و حياتي اتحسنت كتير ، ابتديت أخرج للدنيا و أشوفها بعيون مختلفة ، مش الكئيبة اللي كنت عايشاها .

وِ في يوم كانوا الأطفال كلهم روحوا مع أهاليهم ما عدا طفلة واحدة كانت قاعدة علة السلم حاضنة شنطتها وباين عليها الزعل ..

حَسيت قلبي بيتقطع عليها ، مكنش باقي غير أنا و الناني و البسكوتة الصغننة دي ..

قربت مِنها و قعدت جمبها ، للأسف مكنتش أعرف اسمها لأنها كانت في الكلاس التاني و لحظي النهاردة انا المسئولة عن الإشراف ..

ابتسمتلها و أنا بقول:

-اسمك إيه يا عسولة ؟!.

رفعت البنوتة عيونها ليا و بصتلي بدهشة ، كأنها متوقعتش إني أعمل كده ، بعدين جاوبت برقة:

-اسمي يارا .

اسمها جميل شبهها ، يلبقلها ، ضحكت و أنا بقولها بحنية:

-الله اسمك جميل شبهك ، قوليلي مالك بقا زعلانة  و قاعدة كده ليه ؟

عَبست بوشها بزعل و عنيها بان فيها الحزن اللي ميلقش بسنها:

-عشان صحابي رفضوا يلعبوني معاهم و بيقولوا عني كلام وحش .

-أنتِ عملتي حاجة تزعلهم ؟.

سألتها و أنا مستغربة و "يارا"هزت رأسها بنفي وقالت:

-لاء خالص.

-يبقا هما اللي وحشين ، ومسمهمش أصحابك عشان الصاحب الجدع و الكويس ميقولش كده على صاحبه ولا يجرحه .

نَظرة عنيها اتبدلت لاستغراب و دهشة وهي بتقول:

-يعني إيه ؟

-طالما هما بعدوا عنك من غير سبب و عاملوكي وحش متروحيش ليهم ، سيبيهم يندموا و يعرفول قيمتك لما تنسيهم و تعملي صحاب جداد أحسن منهم و تكوني مبسوطة .

-تفتكري ؟

هَزيت رأسي بـ أَيوة و أنا بأكدلها:

-أكيد يا يارا ، إزاي مامتك مقالتلكيش الكلام ده ونصحتك بيه .

-ماما آآ ..

-يـــــــارا .

-بــابي !

نَهضت "يارا" و جريت ناحية باباها بسعادة ، حسيت قلبي هيقف قدام الصوت اللي مش غريب عليا ..

التفت و اتسعت عيني بصدمة و أنا شايفة "يارا" حاضنة آخر شخص كنت أتوقع أقابله هنا بالذات وهو بيقولها بحنية:

-حبيبة قلب بابي حقك عليا إتأخرت عليكي لكن الطريق كان زحمة ..

-مفيش مشكلة أنا محستش بالوقت أصلا عشان كنت قاعدة مع الميس العسل دي ..

قالت "يارا" كلامها وهي بتشاور بإيدها عليا ، وقتها انتبه باباها لوجودي و بصلي بصدمة حقيقية ، كأنه متوقعش وجودب هنا وده بان في صوته:

-ليلــــــى

-يوســـــف .

قولتها و حسيت الدنيا بتنهار حواليا ، معقولة بعد كل السنين دي كلها نرجع نتقابل وفي التوقيت ده بالذات ، وهو حاله مختلفش عني لدرجة إنه مَسك إيد بنته و مشي من غير ما ينطق بحرف ..

أوقات كتيرة الصمت وقت الصدمة أفضل من أي كلام ..

                                   *********

-أنا مش هقدر أكمل في الخطوبة دي يا يوسف ؟.

نَطقت بالكلام ده و أنا قاعدة مع "يوسف" خطيبي ، قريبنا الشاب المحترم و الوسيم اللي أهلي أجبروني اتخطبله ..

و "يوسف" اتصدم ووشه اتغير لونه بخوف إنه يكون عمل حاجة تضايقني من غير ما ياخد باله:

-ليه يا ليلى أنا عملت حاجة تضايقك أو زعلتك مني ؟.

لكن العكس "يوسف" كان مريح في التعامل ، لين و مُهذب و طول الوقت شاري راحتي ، بس قلبي بيكنله الاحترام مش الحب :

-بالعكس أنتَ شخص جميل و محترم لكن العيب فيا أنا ..

-ليلى أنا بحبك وأكيد ده خوف و توتر عشان حددنا معاد الفرح .

حَسيت بوجع في قلبي عليه ، هو ميستاهلش يترفض بالشكل ده ، لكن زي ما قلبه اتعلق بيا أنا كمان قلبي اتعلق بغيره و مش قادرة أعيش معاه و في قلبي راجل تاني فقولت:

-للأسف حُبك من طرف واحد يا يوسف لأني بحب شخص تاني ، زميلي في الجامعة و اتقدملي أكتر من مرة لكن أهلي رافضينه عشانك أنتَ وأجبروني أتخطبلك ، صدقني أنا عمري ما خونتك لكن غصب عني قلبي بيحبه هو .

لمعة عنيه بَهتت و فقدت بريقها ، وجع الحب صعب ، غمض عنيه وهو بيسألني بأنفاس متقطعة:

-اشمعنا دلوقت ، ظهر في حياتك تاني .

-أنا أسفة والله العظيم مش بإيدي ، أنا حاولت أدي فرصة لعلاقتنا كتير بس مقدرتش و فشلت و أنتَ تستحق واحدة أحسن مني بتحبك بجد من قلبها .

مفيش أي كلمة أسف أو اعتذار في الدنيا هتبرد قلبه ، أنا النهاردة حطمتهُ ..

فتح "يوسف" عنيه و بصلي بألم و كسرة وهو بيقول:

-كتر خيرك يا ليلى ، خلاص مبقتش عايز الحب في حاجة طالما بيجرحنا كده ، بتمنالك التوفيق في حياتك مع البني آدم اللي بتحبيه .

خلص كلامه وخلع الدبلة من إيده و ساب المكان ومشي ، ودي كانت آخر مرة أشوفه فيها ..

رِجعت من دوامة الذكريات و أنا بتندم إني فرطت فيه ، يمكن كنت سعيدة في حياتي دلوقت ، لكنه النصيب و أنا اخترت الحب ، اتنهدت بألم وقولت بهمس:

-أسفة يا يوسف .

خرجت من تفكيري على صوت "غادة" أختي الصغيرة و آخر العنقود وهي بتقول:

-ليلى واقفة عندك بتعملي إيه .

التفت لها و اتنهدت و أنا بجاوبها:

-حسيت إني مخنوقة فطلعت أشم شوية هواء .

-طب متقفيش كتير بتقولك ماما عشان متتعبيش و تاخدي دور برد .

هزيت رأسي وكانت لسه هتتحرك لكن فضولي غلبني و سألتها:

-بقولك يا غادة فاكرة يوسف خطيبي القديم .

و اتفاجئت "غادة" من سؤالي الغير متوقع ووققت جمبي و سألتني:

-يوسف سلطان ، أنا فكراه أنتِ إيه اللي فكرك بيه ؟.

اتنهدت و بصيت على الشارع وجاوبتها:

-أبدًا قابلته صدفة في الحضانة النهاردة ، بنته كانت قاعدة لوحدها بتبكي بعد ما كل الأطفال روحا مع أهلها وهي لاء ، كان شكلها يزعل حقيقي فكنت بتكلم معاها و بواسيها، مقدرتش أسيبها لوحدها لحد ما باباها جيه واكتشفت إنه باباها .

ارتسم الحزن على ملامح "غادة"اللي قالت بصوت مبحوح:

-الله يصبره يوسف هو وبنته على اللي هما فيه ، أكيد الموضوع صعب عليه .

استغربت كلامها ، ماله "يوسف" و أيام صعبة إيه اللي بيمر بيها فسألتها:

-ليه إيه اللي حصل .؟.

و "غادة" اتكلمت بصوت مليان شفقة عليه:

-زوجته اتوفت من سنة و أهله بيضغطوا عليه يتجوز تاني عشان يارا لكنه رافض ، قال إنه هيعيش عازب طول عمره وهو أخد نصيبه خلاص .

أشفقت عليه ، اللي بيمر بيه صعب ، الله يكون في عونه:

-للدرجة دي .

كملت "غادة" كلامها واستفاضت فيه بكل محبة استغربتها حقيقي:

-مراته كانت شخصية محبوبة ، بلسم والله ، قابلتها كلم مرة و قعدتها و روحها ميتشبعش منها حقيقي لكن للأسف كانت مريضة و اتوفت و يوسف من الصدمة رافض الحقيقة دي .

-وأنتِ عرفت منين كل ده ؟..

-يا بنتي يوسف بيكون ابن عم خطيبي ولولا إن يوم خطوبتنا اشتد التعب بمرات يوسف و نقلوها المستشفي كان حضر الخطوبة. 

أَول مَرة أعرف المعلومة دي ، أيوة احنا قرايب بس من طرف ماما و أنا علاقتي بعيلة ماما محدودة ، هو أنا كنت بعيدة قوي كده عشان معلومة زي دي معرفهاش ..

حسيت إني هدخل في دوامة الندم فاتنهدت وقولت قاطعة اي مشاعر حسرة جوايا على تضحيات بلا فائدة:

-ربنا يرحمها .

-يارب ، أنا هدخل عشان تلجت من البرد .

دخلت "غادة" وفضلت أنا واقفة في البلكونة لوحدي ، بدندن مع صوت أم كلثوم أغانيها ، الحياة جميلة و تتعاش بس تكون مع ناس سوية مش مُؤذيين .

                              *********

بعد المقابلة دي كان صعب اقابله تاني ، خصوصا إنه اتجاهلني لما اتقابلنا و اتعمد يتجاهلني في كل مرة تجمعنا صدفة نتقابل فيها في الحضانة ..

كان كل يوم بيوصل "يارا" للحضانة ، أنا حبيت بنوته قوي و زعلانة إنها اتحرمت من وجود مامتها بدري قوي كده ..

"يارا" كانت طفلة جميلة و شقية ، من غير مجهود خلتني أحبها و أتمنى لو يكون عندي بنوتة شبهها...

الميس المسئولة عن فصل "يارا" حصلتلها ظروف صحية و اضطرت تاخد أجازة ، فقررت المديرة إني أكون مسئولة عن الفصل مكانها ، و حقيقي كان قرار في محله لأني علاقتي بـ "يارا" قويت أكتر ..

-تحبيني أساعدك يا يورا .

-أكيد يا ميس. 

-شطورة يورا ، مين علمك الرسم الجميل ده .

-بابا .

جاوبتني "يارا" وهي بتلون العصفور اللي رسمته ، حبيت أنكشها فقولت:

-امممم بس شكله مش شاطر شبهك .

أنا عارفة إن "يوسف" شاطر في الرسم لكن مناقرة العيال الصغيرة بتكون لطيفة قوي ..

بصتلي بحدة و قالت بدفاع عن باباها:

-لاء بابا شاطر قوى بس هو بقاله فترة كبيرة مش بيرسم من بعد ماما طلعت السما .

طبطبت عليها بحنان ، كلامها يوجع و يعور حقيقي ، 

-هي في مكان أحسن يا حبيبتي ولو احتاجتي حاجة كلميني .

أنا عندي عيب غريب إني بتعامل بمشاعري كلها ، بستنزفها في حاجات كتيرة و ده أكتر عيب فيا. .

-السلام عليكم .

اتنفضت مكاني من الصوت اللي صدح فجأة ، وقفت ولفيت لُه ، كان شكله مرهق ، عنيه حمرا و باين فيها التعب ، بصيتلُه و رديت بهدوء و ابتسامة عملية:

-وعليكم السلام .

بَعد عنيه عني و بَص لـ "يارا" ، بيتجاهلني عمدًا ، وقال:

-يلا يا يارا .

عقدت حواجبي بدهشة وقولت:

-لسه بدري يا يوسـ .. حضرتك على معاد الخروج .

-للأسف أنا استأذنت من الشغل ساعتين عشان ألحق أوصلها و مسبهاش زي امبارح ، وورايا مواعيد تانية .

فِهمت من كلامه كم المُعاناة اللي بيعيشها فاقترحت بحُسن نية:

-هي ممكن تفضل هنا معايا لحد ما تخلص شغلك و تيجي .

-يارا بتقعد مع سِتها طول ما أنا مش موجود .

ختم عِبارتهُ واتجه ناحيتها ومُسك إيدها :

-يلا يا يارا .

-يوسف البقاء لله .

اتسمر "يوسف" مكانهُ ، يبدو إن كلمتي جات على الجرح ، ملامحه اتبدلت وعيونه غرقت في الوجع وهو بيرد:

-ونعم بالله .

مشي "يوسف" و بنتهُ "يارا" وفضلت مكاني براقب مكان خروجهم بشفقة ، هو ميستحقش اللي بيحصله ده ..

فات كام يوم على المقابلة دي ، علاقتي بـ "يارا" اتوطدت أكتر ، و بقينا أصحاب جامد ..

وفي يوم  حصلت مشكلة بين "يارا" و بنوتة تانية و اتأذت فيها "يارا" و نزفت من رأسها ، ساب "يوسف" شغله و وجيه الحضانة ووشه مَليان هلع ..

اطمن عليها و المديرة استدعت والدة البنوتة التانية ، كانت شخصيتها مستفزة ، شايفة الغلط كله من "يارا" مع إن الأذى كان من نصيبها هي ..

اتدخلت المديرة وحلت المشكلة بنقل البنت التانية للفصل التاني ، مع اعتذار منها ومن بنتها ..

خرج "يوسف" و هو شايل بنتهُ و أنا كنت واقفة وراه ، كلن بيتحرك بعصبية فحاولت أهديه وقولت:

-ممكن تهدأ يا يوسف و تسيب يارا ترتاح شوية على الكرسي ، وتشرب العصير ده ..

لكن كلامي الظاهر زاد من عَصبيتهُ اللي رماها ليا:

-وأنتِ مالك ، دي بنتي وانا حر فيها ، خليكِ في حالك .

-أنا عايزة أساعدها .

كرر "يوسف" كلامه وهو بيكز على أسنانهُ بانفعال:

-وبنتي مش محتاجة مساعدة منك أنتِ بالذات ، وتاني مرة بقولها خليكي في حالك و ابعدي عنها .

خَلص كلامهُ و مشي بدون أن يلتفت ليا حتى أو يعتذر ، راقبته بهُدوء ، على ما يبدو إن الدنيا قسوتها مطالتنيش أنا لوحدي بالعكس طالته و غَيرتهُ ، حَولته لـ "يوسف" تاني غير اللي عرفتهُ زمان ..

اتمالكت أعصابي و سكت مقدرة الظروف اللي بيمر بيها ، لكن كبريائي أَهم بالنسبالي ..

*****

بعد فَترة كبيرة ، انشغلت فِيها بتجهيزات فرح "غادة" أختي و النهاردة كان الفرح ..

كانت زي القمر وهي جمب عريسها ، بتضحك من قلبها ، يا ترى السعادة هتستمر والا هيتغير بعد كده زي كل الرجالة ..

أنتِ بتقولي إيه يا "ليلى" ؟ ، مش كل الرجالة شبه "نادر" طليقك الواطي ..

كان "يوسف" و بنته "يارا" حاضرين ، سلمت عليها و اتجاهلته ، مش بعد إهانته ليا و أسلوبه الحاد هكلمه ..

وطبعًا مناسبة زي دي و تجمعات العيلة مش هتخلو من تلقيحاتهم عن طلاقي ..

حسيت بضيق و خَنقة فقررت أخرج بره القاعة أشم شوية هواء ..

غمضت عيوني و أخدت نفس عميق و خرجته على مهلٍ ، الحياة أكبر درس للبني آدم ، بنعيش تجاربنا فيها ..

كنت مَبسوطة بوحدتي الجديدة ، اوقات الوحدة افضل من وجودك في مستنقع مزيف ..

لكن وحدتي متهنتش بيها لما سمعت صوت "يوسف" وهو بيقول:

-ليلى ..

فتحت عيوني و لَفيت لُه ، كان واقف في كامل شياكتهُ ، ببدلتهُ السودة اللي بتلائم حالته ، بصيت لُه ببرود و اتحركت بدون ما أنطق بكلمة أسيبله المكان لكن يبدو إنه مُصمم يتكلم لما اتنهد وبنبرة حزينة قال:

-ليلى أنا أسف على كلامي اللي قولته ليكي ، كنت مرهق حقيقي واتعصبت عليكي .

وقفت مكاني ، قلبي مُشفق عليه وعلى ظروفه الصعبة و في نفس الوقت كرامتي بتصُرخ ، لكن رَديت بكل برود و حِيادية:

-عادي ولا يهمك أكتر وقت بيكون فيه كلامنا صادق لما بنقوله وقت عصبية و أنتَ مكدبتش ، بنتك وأنتَ حر فيها .

كلامي البارد وصلُه غضبي ، كان هادي زي المعتاد وهو بيقول:

-صدقيني المسئولية كبيرة و صعبة مع وجود بنوتة بشقاوة يارا و مامتها ميتة كله بيكون ضغط كبير .

قَررت أعطيله فُرصة ، أنا عمري ما شوفت منه حاجة وِحشة ، وقفت قُصاده و اتكلمت بعقلانية:

-الأمور مش بتتحل كده ولا بأسلوبك الحاد اللي اتعاملت بيه معايا ، مش معنى إنك بتمر بظروف صعبة أتعامل على إني السبب فيها .

-بس أنا مقولتش إنك السبب فيها .

قالها بإنكارٍ لكن كل حاجة في طريقته واضحة ، دايما العيون بتنطق اللي لساننا مش قادر يقوله:

-مقولتش لكن أسلوبك و نظراتك قالوا يا يوسف ، بتعاقبني عشان سيبتك زمان و دلوقت شمتان فيا عشان اتطلقت صح فبتنتقم مني .

"يوسف" بَصلي بضيق و رَفض شديد لاتهامي الصريح لهُ و بذات الوقت بان عليه الدهشة و المُفاجئة وهو بيقول بذهول:

-إتطلقتي ، ليلى صدقيني أنا مكنتش أعرف بموضوع طلاقك ده لكن انا لما قابلتك مكنش في دماغي أي حاجة من اللي بتتهميني بيها ، بالعكس أنا واحد مكسور بموت مراته اللي فُراقها سايب فراغ كبير في كل حاجة .

مَقدرتش وقتها أداري فضولي وأنا بسأله:

-كنت بتحبها .

وَ رده و نبرة صُوته قالت كلام كِتير لسانه مقالوش:

-شمس كانت أجمل حاجة حصلتلي في حياتي إزاي محبهاش ..

بَعدها التفت لِيا و سألني باستغراب:

-وأنتِ إيه اللي وصلكم للإنفصال ، ده كان بينكم حب .

في الوقت ده كنت محتاجة أفضفض لحد ، يسمعني و ميحكمش عليا ، ميحسسنيش إن اختياري كان غلط حتى لو حقيقة ، و مش عارفة ليه مِن بين الجميع اخترته هُو ، اشمعنا "يوسف" ، فقولت:

-عشان موضوع الخلفة ..

هَمهم بتفهم و كَملت كلامي:

-الدكاترة قالوا مفيش عيب يمنع الخلفة و إنها مسألة وقت مش أكتر ، عشان نقعد ٧ سنين متجوزين و معيشني في وهم الزوج الوفي وهو متجوز من ورايا و مخلف كمان .

-لا حول ولا قوة إلا بالله ، متزعليش نفسك لعله خير .

ابتسامة باهتة كانت مرسومة علي شفايفي و أنا بتكلم بحسرة:

-مش زعلانة عليه قد ما زعلانة على سنيني اللي عشتها معاه في خداع ، أنا اتنازلت عن حاجات كتير عشانه و ضحيت بمستقبلي كمان و في الآخر خاني ، اتجوز عليا بعد ٣ سنين من جوازنا ، خَمس سنين كنت مغفلة فيهم .

فوق كل رفضت احكيله عن ضربه ليا و تقليله طول الوقت ، خبيت النقطة دي واحتفظت بيها لنفسي ، عشان الحاجة الوحيدة اللي لسه بتحافظ على كرامتي ، ساعتها "يوسف" رد بشفقة:

-العلاقة اللي بتكون مبنية على تضحية و استنزاف لطرف واحد على حساب سعادة الطرف التاني بتكون توكسيك يا ليلى .

هَزيت رأسي بتأكيد و أنا بؤيده:

-عندك حق أنا كنت في علاقة توكسيك فعلا ، بس خلاص اتعلمت الدرس عن إذنك يا يوسف .

رِجعنا القاعة تاني ، كل واحد قعد على تَرابيزة مختلفة ، لكن كلامنا لسه مِخلصش ..

******

-ليلى جايلك عريس .

وَقفت مكاني بصدمة ببص لماما اللي قالت الكلام ده ، غلي الدم في عروقي من مفاجأتها ، الموضوع ده بقا محظور و مرفوض بالنسبالي ..

-عريس إيه يا ماما أنا مستحيل أرجع أعيد تجربة الجواز دي تاني كفاية اللي شوفته في جوازتي الأولى .

لكن ماما اتكلمت بهدوء و تعقل:

-أنتِ شوفتيه ولا عرفتي هو مين حتى ؟!

-من غير ما أعرف ولا أشوفه يا ماما أنا كرهت الجواز و الرجالة بعد نادر.

مَسكت إيدي و ضغطت عليها تتوسلني بعيونها ، نظرات فيها وجع و رَجاء وهي بتقول:

-يا حبيبتي صوابعك مش زي بعضها و مش معنى انك وقعتي مع واحد حيوان يبقى الكل شبهه ، عشان خاطري يا ليلى أنا حابة أطمن عليكي قبل ما أموت وانك مرتاحة.

و اضطريت أَرضيها ، الكَسرة اللي في صوتها وَجعت قلبي ..

فات يومين و العريس المجهول قاعد مع بابا برا ، لبست هدوم عادية ، محطتش أي ميكب أو زينة ، حبيت أكون أنا من غير تَزييف. 

بابا ناداني و طلب مني أدخل العصير و أقعد مع العريس نتكلم ، دخلت حطيت الصينية على الترابيزة و قعدت على الكرسي باصة للأرض ..

أَنا رَافضة الموضوع ده ، لكن مجبورة عشان ماما .

-إزيك يا ليلى ؟.

كان صوته اللي بقيت حفظاه كويس ، رفعت عيوني و بصيت لُه ، كان آخر شخص اتوقعت إنه يكون العريس ..

-يوسف !!

و بَعدين سألتهُ بدهشة:

-أنتَ العريس ؟

هَز رأسهُ بتأكيد:

-أيوة 

اشمعنا أنا ، بعد كل ده لسه عنده أمل ، معقولة يا "يوسف" .. فقولت باستغراب:

-طب ليه ، واشمعنا انا بالذات .

وكان رَده أغرب شئ صريح سمعته:

-عشان يارا محتاجة أم في حياتها  ، من يوم الفرح و الفكرة مش بتفارق عقلي ، يارا محتاجة أم تراعيها وتعوضها عن شمس الله يرحمها وأنا مهما حاولت عمري ما هقدر أملى المكان ده ، أنتِ ربنا بعتك ليها طوق نجاة و هي عمرها ما هتعترض صدقيني يارا بتحبك و متعلقة بيكي .

اعترضت :

-بس أنا ..

و مِن الواضح إنه مُصر وعنده أمل ، اتكلم "يوسف" بتنهيدة:

-فكري يا ليلى قبل ما ترفضي ، ومهما كان جوابك أنا هتقبله و هنفضل أصدقاء زي ما احنا ، قدامك يومين و تردي عليا مناسب معاكي .

انتهت الرؤية الشَّرعية بسرعة ، مِشي "يوسف" اللي كان حضوره طاغي ، ما زال وَسيم بالعكس ده بقا أوسم من زمان ، الزمن مغيرش في شكله على قد ما ضغوط الحياة أنهكت روحه ..

الحياة أخدت مني سنين من عمري مع شخص ميستاهلش ، و أنا مش هوقف حياتي على اللي حصلي ..

لكن هقدر أعيد التجربة تاني ، أنا فقدت الثقة في الحُب و الحياة ..

بعد يومين كلمته وقولت:

-يوسف أنا مـــــــ ....

                   الفصل الثاني من هنا
تعليقات



<>