رواية يوسف وليلي الفصل الثاني2بقلم اميرة عمرو
-"يوسف" أَنـا مُـوافقة عَلى جَوازنا ، بَس عَندي شَـرط !
سَمعت صوت تَنهيدة قوية مِن على الناحية التانية مِن المُكالمة ..
الصمت كان ثَواني لدرجة إني خوفت يكون رَفض لكن صوته جيه كـالماية الباردة اللي هَدت براكين خوفي:
-شـروطك مُجابة كُلها يَـا ليلى .
و "يوسف" دَايمًا خارج التوقعات ، اتنهدت و قولتله:
-مِـش عَايـز تِعـرف إِي هِي حتى قبل ما توافق .
-صَدقيني أنا كُل اللي مِحتاجه إنك تكوني أُم لـيارا ، زي ما أنتِ محتاجة وجودها .
مِش هَبالغ لَو قولت إني أكتر حاجة بحبها في "يوسف" هو إنه صادق ، مُش منافق أو شخص مُزيف ، بالعكس شخص ناضج وواضح ...
فَـسألته و أنا مُتلهفة أعرف الإجابة:
-دَه بالنسبة لينا احنا ، طَب و أنتَ يـا يوسف ؟
-أَنـا أَخدت نَصيبي مِن الدنيا وَجـع يا ليلى و مَعنديش استعداد أَغامر بمَشاعري و أتجرح تاني ، يمكن أبان عَديم الكرامة إني رجعت اتقدمتلك تاني بعد ما رَفضتيني زمان بس أنا بَعمل كل ده عَشان يارا مش عشاني .
-وَ لا أَنـا مُستعدة أتجرح مِنها تاني يا يوسف و دَه أَول شروطي .
-طب و باقي الشروط !؟
مَسكت نفسي عَن الكلام ، أنا جوايا حاجات كتيرة اتعلمتها من اللي شوفته عَشان كده قولتله بثبات :
-هتعرفها لما تيجي أنتَ و أهلك تتفقوا مَع بابا وَقتها هقول على كل شروطي .
خَلصت كلام وقفلت المكالمة ، يا ترى يا "يوسف" هتوافق على باقي الشروط والا هتقول لاء ..
الليلة اللي بعدها كان هو و أهله عندنا بيطلبوا إيدي من بابا ، أنا مقولتش لحد من أهلي على الشروط اللي بينا لكن "يوسف"فاجئني لما نطق في نص القعدة:
-ليلى عندها كام شرط حابة تقولهم لينا ..
الكل اتفاجئ مِن كلامه ، إتحولوا لجماد مفيش غير نظرات بس و صمت بتحلق فوقه الطيور ، كأنه قال حاجة غريبة أول مرة يسمعوها..
قطع الصمت ده والد "يوسف" عمو "سلطان" بنبرة مندهشة:
-شروط إيه يا بَنتي ؟ ده جواز مش صفقة بيع و شراء .
-وده لأنه جَواز يا عمي فَأنا مش مستعدة أعيش تجربة فاشلة تانية.
لكن الاعتراض ده جيه مِن "يوسف" اللي قاطع باباه وهو بيبصلي بطرف عينه بتحذير لو هنطق أي كلمة مش هتعجبه:
-سيبها يا بابا تقول كُل شروطها ، أنا موافق عليها قبل ما تقولها .
و بـالفعل بعد كلامه الكل سكت لأن هُو مش معترض أَساسًا فـليه يتدخلوا بينا ، مَعرفتهم بالوضع شَهادة على اللي هيحصل مِش أَكتر ..
اتبدلت جَلستي مِن الخوف و التوتر إلى الثقة ، هُو إزاي قادر يبدد و يمنع أَي خوف جوايا و يخليه يتلاشى بالسرعة دي ، ابتسمت وَأَنا بتكلم بقوة افتقدتها لـسنين طويلة:
-أول شرط هو إني مش هتجوز لمُجرد الهروب مِن لقب مُطلقة ، أَنا محتاجة بيت و استقرار حقيقيين مش مُجرد صورة قُدام الناس ، بالنسبة لـ "يارا" ..
وَقتها "يوسف" اتنفض مِن مكانه زي ما يكون لَدغه عَقرب وقال بحدة طفيفة:
-عمري ما هتخلى عنها يا "ليلى" ، "يارا" مش هتكون شرط من ضمن شروطك .
وهِنا أَدركت إن "يارا" بالنسباله خَط أَحمر و كَان نفسي أَقوله مِش لوحدك يا "يوسف" لأَن بعتبرها بنتي اللي مخلفتهاش :
-وأنا عُمري ما هقبل إنك تتخلى عنها ، اللي يرمي لحمه و دمه معناه إنهُ مستعد في أي لحظة يرميني أنا كمان و عمري ما هحس بالأمان معاه ، يارا هتكون بنتي اللي ربنا عوضني بيها حرماني من الخلفة و أنتَ ربنا رزقك بيها ، عشان كده عايزاك تُقسم قدام الكل إنك عمرك ما هتفتح معايا موضوع الخلفة أو إنك هتتجوز عليا ، وقتها بس هتكون نهيت علاقتنا بايدك .
زَفر "يوسف" براحة و دَه بان في حركة جسمه اللي ارتخى في قعدته وقال:
-أُقسملك بالله إن عمري ما هبص لواحدة غِيرك أو أتجوزها ، أنا اكتفيت في الدنيا بيكي أنتِ و يارا .
ارتاح قلبي بعد مَا أَقسم لأَنه شخص طَالما أَقسم يبقى القَسم سيف على رَقبتهُ ، أَعلنت لِيهم الخبر اللي اتمنوه:
-كِده يبقى أنا موافقة .
-نقرأ الفاتحة يا جماعة .
قَالها عَمو "سلطان" و الكل رَفع إيده يقرأ الفاتحة ، عَشان تكون المرة دي قراية الفاتحة برِضايا و مِش بالغصب ، لكن الفرق إِني حاسة بالرضا المرة دي و اختياري بالعَقل طالما الحب بيفتحلنا أَبواب الوَجع فَـ أَنا مِش عايزة الباب دَه و هَقفله نهائي ..
ـ________________
كُل حاجة تَمت بسرعة التجهيزات و الاستعدادت ، مَاما كان باين عليها الفرح ، مِش زي ما كانت أَيام تجهيزات جَوازتي الأولى الفرحة مِش من قلبها وكَأنه كان حاسس إِني داخلة على جَنازة مِن جوازة ..
لكن المرة دي كان باين في عنيها الرضا و الفرحة حَقيقيين مِن القلب ، إِخواتي البنات مش محتاجين وِصاية في الكلام و التلميحات السخيفة بتاعة البنات دي ..
اتكتب كتابنا في المِسجد و مَكنش فِيه غير عيلتنا و عيلة "يوسف" و "يارا" اللي لبست شبهي فُستان أَبيض و طوق ورد زَينت بيه شعرها ، كانت شبه الملاك حقيقي ، أَما أَنا استكفيت بفُستان أَبيض رَقيق و حجاب أَبيض و ميكب آب خَفيف .
وَدعت أَهلي عَند باب الشقة ، دموع كتيرة من ماما و مِني ، أَنا اللي بعد ما قولت إني هقفل باب الجواز بعد التجربة مع شخص غلط النهاردة اتقفل عليا باب واحد مَع الشخص اللي قولتله لاء زمان و كَان النَّصيب في النهاية..
قَفل "يوسف" باب الشقة ، حسيت بخَضة و خجل وخوف كتير كَأنها أَول مَرة ليا أَتجوز ، لكن المرة دي مُختلفة في كل حاجة ..
التفت لي و هو بيحط المفاتيح على علاقة المفاتيح و ابتسم بتوتر باين عليه:
-نَـورتي بِيتك يا ليلى .
ابتسمتلُه أَنا كمان بارتباك و رَديت عليه:
-تِسلم يا يوسف البيت منور بأصحابه .
حَسيت إِن مُرتبكة أَكتر فاتهربت مِن النظر لِيه و إتأملت الشقة اللي أَول مرة أَدخلها و تهربت مِن نظراته وأَنا بقول:
-فِين يـارا .
جَاوبني وهو بيقعد على الأَريكة عَشان يطمني و يعطيني مساحة إني اتفرج براحتي :
-يـارا ماما أَصـرت الليلة دي تاخدها تِبات عَندها مَع إني إعترضت لكنها صَممت بحجة إننا عِرسان .
بَيلمح ابن عمو "سلطان" المُحترم لكن أَنا قَررت أَتعامل بنُضج بحكم إني امرأة في الثلاثين من عمرها و قَعدت قصاده و اتكلمت بوضوح:
-تَـمام ، البيت شكله حلو بس كئيب.
-ده ذوق شمس ، هِي اللي اختارت كل حاجة فيه ، كان مليان دفا و ألوان و ضحك لكن مبقاش كئيب غير لما اتوفت ..
ذَوق "شمس" زوجته الأُولى ، بِداية مُبشرة و في نفس الوقت حسيت بتأَنيب ضمير و شفقة عليه ، لِسه عايش في ذكرياته معاها ، ياريت كُل الناس عَندها وَفاء للمشاعر لأَزواجهم زيك يا "يوسف"..
-الله يرحمها ، كانت جَميلة قوي.
لَقيته بَصلي بعيون مليانة توتر و خُوف و بعدين اتكلم:
-ليلى ، شمس هتفضل ذِكراها موجودة في حياتنا ، ده شرطي الوحيد .
هَزيت رأَسي بتفهم و أَنا بقول بهدوء:
-عارفة يا يوسف و أنا مش ممانعة ، دي مامت يارا وَ هتفضل ذكراها موجودة وَ ده حقها ومليش أعترض ، أنا مُجرد مُسكن للفراغ ده .
مَسح بإيده على وِشه وكأَنه بين نارين ، ذِكرياته مع "شمس" وحَياته الجديدة مَعايا فقال بصوت مخنوق و تَعبان:
-أَنـا أسف ..
اتكلمت أَنا بكل هُدوء عَشان عارفة إِننا مش نفس الاتنين بتوع زمان اللي كانوا عايشين بمشاعرهم ، النهاردة احنا اتنين مختلفين بيتكلموا بصوت العقل و المنطق:
-بتعتذر على إيه ، احنا كنا واضحين مِـن البداية و عارفين الغرض من جَـوازتنا دِي ، أنا كل اللي مِحتجاه استقرار و هُدوء مِش أكتر يا يوسف ، أنا مِش حِمل وجع جديد ..
كَلامه شَجعه و خلاه يرمي من على كِتافه حِمل الإحساس بالذنب ، مَسك إيدي لأَول مرة مِن وقت ما عِرفنا بعض من سنين و ضغط عليها يبث جوايا إحساس الأَمان وهو بيقول:
-و هُو كذلك يا ليلى ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كُل اللي كنت محتاجاه هُو الإحساس بالأَمان ، و لَقيته أَخيرًا بَعد سنين عِيشتها في تَوهان و غُربة وِسط نَاس كُنت فاكرة إِنهم أَقرب ليا ..
فَاتت شهور قَليلة وَأنا عَايشة باسم جديد زوجة السيد "يوسف سلطان" ..
فِي البداية اللقب كان غَريب عليا ، بعدين بقيت بحب أَسمعه ، دَه أَنا بقيت أَنتهز الفُرصة عشان أَسمعه مِن الكل ..
اللقب إِحساسه حِلو ، كـحَلوى المارشيملو اللي بحبها ..
الشتاء هَل ببشايره و جَمالهُ ، نِسمة الهواء الباردة خِلتنا نتكتك مِن البرد ونتلم تلاتنا كل ليلة بعد العشاء قدام التليفزيون نتفرج على مسلسل "لن أعيش في جلباب أبي" ، مسلسل الطفولة و على قلبنا زي العَسل وبنعيده و نزيده ..
هُو في أَجمل مِن قصة الحاج "عبدالغفور البرعي" و "فاطمة كشري" ...
-أحلى كيكة برتقان لأحلى يورا في الدنيا .
قولتها وَ أَنا بقعد على الكنبة جنب "يوسف" و "يارا" في النص ما بينا ، نَاولتها طَبقها فَأخدته بلهفة و ضحك وهي بتقول:
-ميرسي يا ماما .
مَيلت عليها و بوستها مِن خدها بحُب أُمومي حقيقي:
-حبيبة قلب ماما مِن جـوه .
كُل ده و "يوسف" قاعد ساكت و مُبتسم شبه الطفل الصغير منتظر دوره فقال:
-طب و بابا ملوش نصيب مِن الكيكة الحلوة دِي .
"يارا" حَضنت الطبق و بصلته بغضب طفولي بريئ شَبه روحها:
-لاء ، دي ليا أنا .
عقد "يوسف" حواجبه بضيق مصطنع وقال:
-كده يا يارا .
لَكن على ما يبدو إن "يارا" خرجت مِن حِصن أَبوها ووقعت أَنا فيه بكامل رضايا ، هَزت رَأسها وقالت:
-متزعلش يا بابا ، بس تقدر تطلب من ماما تعملك غيرها عشان دي بتاعتي أنا .
خَتمت كلامها وهِي بتشاور عَليا فضحكت على كلام "يوسف" المصدوم مِنها ومِن تحولها:
-البت دي كانت نِسمة ، جابت الشر ده مِنين .
بَصتله وقتها بشك و بنبرة قوية سأَلته:
-بتلمح صح !
رفع إيده ليا باستسلام وهو بيتراجع:
-مَقدرش طبعًا .
هَهمت ساعتها وَأنا بميل برأَسي على "يارا" بَهمس لها :
-إيه رأيك نديله حِتة صِغننة ، ده مهما كان بابا برضو .
والصغيرة على ما يبدو لانت واقتنعت نوعًا ما وهي بتقول:
-اممم ، موافقة بس بشرط .
سَألتها بلهفة:
-إيه هو ؟!
-بابا يخرجنا و نروح الملاهي بكره .
خَرج صوت "يوسف" اللي كان بيتنصت علينا أَو احنا اللي كان صوتنا عالي فسمعنا وهو بيقول :
-كُل ده عشان حِتة كيكة ، هتغرموني أضعاف أضعاف تمنها ، كنت اشترتيتها أحسن .
إلتفتت لُه "يارا" وهِي بتبصله بانفعال بريئ و دفاع عَن الكيكة بتاعتي:
-بس كيكة ماما ليلى أحلى من بتاعة برا يا بابا ، مش هخليها تعملهالك تاني .
رِجع "يوسف" بضهره لـورا و رَبع إِيده وقال:
-ده أنتوا عملتوا عِصابة عليا بقا .
هَزيت لُه رأَسي وأَنا بضحك بقوة بأَكد لُه شكوكه :
-أيوة ، عِصابة النَّساء .
ــــــــــــــــــــــــ
-بابا أنا عايزة أيس كريم مانجا .
صوت "يارا" الشقي اقتحم وداننا كالمزمار وهي بتحضن باباها بعد ما خلصنا نص الألعاب في الملاهي ، لكن رغم كل ده يكفي الفرحة المرسومة على وِشها ، لَفيت لـ "يوسف" وعَملت زَيها بالظبط ..
أَنا بقيت بحب أَتشاقي عليه زَيها وببقى سعيدة بده جِدًا:
-وأنا عايز بالفراولة .
وهُو هَز لنا رَأسه وقال :
-حاضر ، أي أوامر تانية يا أميرات .
مِطت الشقية بوزها بتفكير بعدين رَدت بشقاوة:
-حاليًا لاء .
وَقفنا على جنب و "يوسف" راح اشترى لنا آيس كريم بالنكهات اللي بنحبها ، أَخدناه منه ومستنناش حتى يكمل كلامه:
-اتفضلوا الأيس كريم يا حِلـــ .
كُنا عِيلة سعيدة كاملة مُتكاملة ، عايشين حياتنا قلوبنا على بعض ، مكنتش بحس إني وحيدة وسطهم ، كانوا بيحترموني قوي عشان "يوسف" خلى الكل يحترمني غصب عنهم..
"يوسف" أَثبت لي إن احترام الزوجة وسط عيلة زوجها مِن احترام زوجها ليها ، أَنا كأني بكتشف معنى العلاقات الصحيحة على إيده ..
-بابا أنا عايزة أجرب اللعبة دي .
قطع تفكيري صوت "يارا" وهي بتطلب تركب لعبة المرجيحة السفينة و اعترض "يوسف" الفكرة بغضب:
-دي لاء يا يارا هتدوخي منها و تقعي.
لمعت عنيها بالدموع وهي بتبصلُه ، فاقترحت بلهفة أُم لم تعرف معني الكلمة دي غير على إيد الكتكوتة دي:
-خلاص يا يوسف ، أنا هركب معاها .
بصلي بانفعال و الخوف في عينه :
-يعني أنا خايف على الصغيرة و بحاول أقنعها بلاش ، عشان الكِبيرة توافقها كمان ، حاسس إني من حزب المُعارضة قدام حِزب النساء .
حَاولت أَحول العصبية دي لموقف كوميدي بحنكة و ذكاء اكتشفت انهم بينفعوا معاه:
-حظك يا يوسف بقا ، عندك اعتراض .
وغصب عَنه ضحك وتقبل قراري و اللي أَنا عايزاه:
-هو أنا أقدر أعترض ، تعالي يا ستي هركي معاكم و أمري لله ، بس مسمعش صوت واحدة فيكم بتقول آه .
أَومأنا برأسنا احنا الاتنين في نفس الوقت وقولنا..
-حاضر .
بعد الاتفاق ده و عينك ما تشوف إلا النور ، الملاهي كلها سمعت بينا حرفيا ، و "يوسف" جاب آخره مننا:
-أنا قولت مسمعش كلمة آه تقوموا تصوتوا و تسمعوا بينا أُمة لا إله إلا الله.
وَ "يارا" مجادلتش بالعكس دي اشتكت وقالت:
-كانت صعبة قوي يا بابا .
-ما أنا عارف إنها صعبة يا عيون بابا أومال أنا كنت بتنيل بحذركم ليه .
اتكلمت أَنا بصوت اشتد بيه التعب ، أَنا بقالي يومين حاسة بتعب و دوخة ملهمش سبب وأَخدتلها مسكنات ومفيش فايدة:
-المرة الجاية هنسمع كلامك يا يوسف .
وصوتي كان الانذار اللي خلاهم يبصولي و قربلي "يوسف" بخوف و لهفة :
-مالك يا ليلى .
سندت بجسمي عليه بتعب و عيني بتزغلل وأَنا بكلمه:
-حاسة إني دايخة قوي ، مش قادرة .
بعدها فقدت الوعي على صوت "يوسف" اللي اتنفض بجزع:
-ليلى .
ومصحتش غير على صوت الدكتور في الطوارئ وهو بيقوله:
-ألف مبروك المدام حامل .
ـــــــــــــــــــــــــ
رِجعنا البيت وَأنا ساكتة مبتكلمش ، أَنا مصدومة فعليًا ، يعني إيه حامل ؟ ..
هُو اللي أَنا سمعته ده حقيقي بجد والا الدكتور بيكذب ..
معقولة بعد السنين دي كلها ربنا كرمني ، هشيل في رحمي بيبي ، لا لا أَكيد ده حِلم جميل مش عايزة أَصحى مِنه ..
أَنا هَكون أُم أَخيرًا و مِن "يوسف" كمان دي أَجمل حاجة حصلتلي ، الحمدلله ليك يارب على الهدية دي والنعم الكتيرة اللي عَوضت صبري خير..
-واقفة لوحدك في الساعة دي ليه .
كان صوت "يوسف" اللي صحي مِن النوم وأَنا منمتش و فضلت سهرانة ، حسيت إني عايزة أَقعد شوية مع نفسي أَستوعب المفاجئة دي فخرجت للبلكونة ..
خلص كلامه وهُو بيحط الشال عليا ووقف جمبي فَسندت برأَسي عليه وَانا بجاوبه:
-مِش قادرة أَصدق لحد دلوقت ، حاسة إني في حِلم يا يوسف .
مَلتفتش ليا بس حَسيت بتشنج عضلات جسمه وَبان أَكتر وهو بيقولي:
-أنتِ زعلانة إِنك حامل مِني .
اترعشت في مكاني بس مِش مِن البرد لاء مِن الغضب ، أَنا أَكتر إنسانة سعيدة إن "يوسف" هيكون باباه :
-إي اللي بتقوله ده ، لاء طَبعًا ، أنا أكتر انسانة مبسوطة دلوقت في الدنيا ، إن ربنا كرمني و عوضني بحاجة اتمنتها سنين و اتحرمت مِنها إني أكون أُم .
التفت بِوشه ناحيتي وبَص لعيوني وسَألني باللي جواه:
-ويارا ..!
مسكت إِيده بقوة ، أَنا شوفت في عيونه خُوف أَكتر مِن شك ، خوف إني أَهمل "يارا" يتيمة الأم ، فرديت عليه بدون تفكير:
-إياك تنطقها يا "يوسف" أنا مِش هسمحلك تشكك في حُبي لـ "يارا " ، هِي هتفضل بنتي الأولى مهما حصل ، هحبها أكتر مِن ابني أو بنتي الجايين ، يكفي إن ربنا كرمني و حِملت عشانها هقوم أنا أفرط في هدية ربنا دي ، "يارا" أكبر نعمة في حياتي و أنا مش هفرط فيها .
طَمنته و بَددت خَوفه ، زَي ما كان ليا الأَمان اللي اتحرمت منه هكون أَنا أَمانه ، شَدني ناحيته وحضني كأَني ملاذه الآمن اللي لقاه وقال:
-شكرًا يا "ليلى" إنك موجودة في حياتي .
سندت عَليه وابتسمت براحة و دَفا :
-شكـرًا ليك أنتَ يا "يوسف" عَشان عوضتني عَن كل اللي عِشتهُ ، أنتَ أجمل اختيار أَنا اخترتهُ يا "يوسف".
ـــــــــــــــــــــــــ
خَبـر حملي كَان قنبلة الموسم في العيلتين ، مَحدش كان يتخيل إن "ليلى" الشابة اللي اتطلقت بسبب إنها عاقر النهاردة سمعوا خبر حملها ..
أَصبحت بعدها مُدللة العيلتين ، الكل بيهتم بيا بمحبة و رِضا مِن قلوبهم مِش مجرد تسديد أَوامر ..
بالعكس كُنت بالنسبة لهم ابنتهم مش مرات ابنهم و دَه خلى "يوسف" يحس بالغيرة ..
كان معاد المتابعة عند الدكتور و هنعرف جِنس البيبي و نوعه النهادرة ، طلعت العيادة في الدور الرابع و "يوسف" أَخد "يارا" السوبرماركت اللي في المكان يشتريلها الجيلي كولا اللي بتحبها وقولتله إني هسبقهم فوق للعيادة ..
دخلت العيادة و حجزت مع السكرتارية متابعة مع الدكتور ، التفت عشان أَقعد على الكرسي ، الحمل متعب جدًا ..
لكن المفاجئة إني خبطت في آخر شخص أتخيله موجود هنا واننا نتقابل مرة تانية ,,
-ليلى !
كان آخر صوت اتمنيت اسمعه هِنا بالذات لكن لساني خاني وانا بقول بصدمة:
-نـادر !
كان "نادر" طليقي ومعاه مراته اللي اتجوزها عليا ، كان بيبصلي بصدمة وكأنه متخيلش إنه يقابلني تاني بعد ما خاني و رماني ، كان بيبصلي بنظرات مُستفزة بالنسبالي و سألني وهو مش عامل أَي اعتبار لمراته اللي هتطق من الغيرة:
-أنتِ اتجوزتي ؟!
حَسيتها فرصة إني انتقم مِنه على السنين اللي ضيعتها في خدمته هو أَهله و هما مراعوش العِشرة ولا إني بنت ناس مليش في البهدلة :
-أيوة اتجوزت مالك مستغرب ليه ؟ ، فَاكر إني بعد خِيانتك هقعد أبكي على الأطلال و الذي مَضى تبقى غلطان ، أَنـا معرفتش للحياة طعم غِير بعد ما اتطلقت مِنك و ربنا عوضني بإنسان جميل عمره ما زَعلني ولا اشتكى من موضوع الخِلفة بالعكس كان مُكتفي بيا و بيتمنى راحتي .
كان واضح إنه متكاد و محروق قوي ، هُو فاكر إن "ليلى" هتعيش على أَطلاله لكنها الحياة ، كان بيلمح بخبث لما شاف "يارا" اللي شايلها أَبوها فقال بغيظ:
-وأنا بقا كنت الزوج الغدار و الخاين صح !
ابتسمت لُه ببرود واستفزاز قولت:
-كويس إِنك عارف نفسك يا "نادر" ، كل إنسان أدرى بطبعه ، أنتَ مصبرتش على ابتلاء ربنا في تأخيرنا للخلفة عشان لما نتطلق يعوضني بـراجل ولا كنوز الدنيا تعوضه ولا أنا هفرط فيه ، إنسان علمني إن الحُب بالفعل الطيب مش مُجرد كلام بنضحك بيه على العقول ، راجل يعرف إن اللمسة الحنينة و الإيد اللي تطبطب أحسن ميت مرة مِن اللي تهين و تضرب .
-ليلى .
قاطع كلامي صوت "يوسف" اللي شايل على دراعه "يارا" وكان وشه مكبوت من العصبية ، استغل "نادر" الموقف أَسوأ استغلال عشان يرد لي الاستفزاز و الشماتة:
-لاء ما هو واضح إنك مش جاية عشان الخلفة !
مقدرتش أَسكت أَو اتقبل أَي إهانة تتقال في حق "يوسف" فقولتله بانفعال:
-مش كل الناس أَندال شبهك يا نادر ، على العموم أنا جاية مُتابعة حمل ، ربنا أراد إن ولادي يكون أبوهم "يوسف" أجمل شخص في الدنيا و أحن قلب ربنا عوضني بيه .
-حامل !
مِن صوته و نظراته هو مراته بان في عنيهم الصدمة ، مكنش حد فيهم أَخد باله من بطني الكبيرة ، نظراتهم اتنقلت ناحيتها و "يوسف" عنيه بتطلع شرار مِن الغيرة وهو بيقول:
-يلا يا ليلى .
مشيت معاه وفي نفس اللحظة اتدخلت السوسة الصغيرة بتمد ايدها بعلبة عصير مقفولة :
-مامي افتحيلي العصير .
-حاضر يا عيون مامي .
قَعدنا على الكراسي و فتحت علبة العصير ليها و ناولتها لـ "يارا" ، أَما "يوسف" اللي كان متضايق إلا إِنه قال بقلق حقيقي:
-تعبانة ؟..
هَزيت رَأسي بــ لا وقولت:
-عمري ما حسيت بالتعب في وجودك يا "يوسف".
لَف وِشه بعد ما أَطمن عليا و عنيه على "نادر" اللي كان فاضله درجة وينافس الشمس في لهيبها ، نَظرات شرسة من الطرفين ، لكن القتيل فيها طليقي السابق ..
اتنحنحت بارتباك ومَيلت عليه أَبررله ، أَنا معنديش أَي استعداد أَخسره:
-يوسف أنــا ..
وبصوت حاد مقتضب قال وهو بيبصلي بطرف عنيه:
-مِش وَقته يا ليلى ..
سَكت عَشان أَوقات السكوت بيحل مشاكل كتيرة إنها تتفاقم ، و "يوسف" على تكة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
فَات كام يوم على يوم العِيادة المشؤوم ، "يوسف" أَعلنها صراحةً الصمت والتجاهل ، كُنت خلاص جبت أَخري من التجاهل ده ..
أَنا اتعودت على الاهتمام و الدلع منه ومعنديش أَي استعداد أَفقدهم ..
كان راجع من شغله و غير هدومه وهينام لكن أَنا وقفت لُه بعصبية وهرمونات الحمل ابتدت تشتغل:
-يوسف هتفضل لحد امتى ساكت و مش بتتكلم معايا .
اتعدل في قعدته على السرير و رد عليا ببرود:
-عايزة إيه يا ليلى ؟
-مِن وقت ما كنا عند الدكتورة و أنتَ متغير معايا .
-أنا زي ما أنا يا ليلى متغيرتش .
بروده هيشلني أُقسم بالله ، على قد ما هو حنين على قد ما عنده برود يشل بلاد:
-يوسف متخليش احساس الامان اللي بحسه في وجودك يختفي أرجوك ، مِتبقاش زي كل الرجالة لأني شيفاك مُختلف ؟.
غَمض عنيه و فرك رأسه بتعب شديد حَسيتهم فيه فقربت منه وسَألته بلهفة:
- مالك يا "يوسف" ..؟!
وكان الجواب حاجة متوقعتوش ، صدمني و زلزل كياني :
-غَيـــــــران يـا "ليلى" ارتحتي ؟!.
اتسعت عيوني بصدمة و فرحة في نفس الوقت ، بيغير عليا بجد ، مش مصدقة إن مجرد كلمة بسيطة زي دي غير كلمة بحبك ترفرف قلبي كده:
-بتغيــر عليا يا يوسف ، معقولة ..
-أكيد يا ليلى ، أنتِ مراتي
لكن "يوسف سلطان" هيفضل "يوسف سلطان" مِش هيتغير أَبدًا ، شخص غير متوقع ، قعدت قصاده على السرير بملامح منطفية واتكلمت:
-عشان مراتك بس !.
اتنهد وقال:
-عايزة توصلي لإيه يا ليلى ؟ ..
قَررت أنسحب بهدوء بعد ما رفعني لسابع سما و نزلني سابع أَرض ، فقومت من على السرير اللي ملحقتش اقعد عليه وقولت ببرود:
-ولا حاجة يا يوسف تصبح على خير ..
قومت عشان أَتحرك وأَسيبله الأوضة وهنام مع "يارا" ، أَنا مش هفرض نفسي عليه ، لكن هو وقف بسرعة ومسك إيدي يوقفني وهو بيقول:
-أَنا أسف يا ليلى ..
بصتله بعتاب وقررت أَواجهه:
-بتتأسفلي على إيه يا "يوسف" ، أَنا إحساس الأمان اتسرب من إيدي فجأة اليومين اللي فاتوا ، "يوسف" بالله عليك لو متجوزني انتقام عشان سيبتك واتجوزت غيرك زمان فبالله عليك أَنا مش حمل وجع قلب جديد ، أَنا استكفيت بجد .
وهُو كمان بيعاتبني لما قال:
-معقولة يا "ليلى" دي فكرتك عني ، أَنا عمري ما أَئذيكي يا "ليلى" ، محدش بيإذي روحه ..
_أَومال اتجوزتني ليه يا "يوسف" ومتقوليش عشان "يارا" ..؟
ايده اللي كانت ماسكة ايدي تمنعها لمستها اتحولت لـحِنية وهو بيقول:
_اتجوزتك عشان لسه بحبك يا "ليلى" ، أَنا عمري ما فكرت انتقم منك لأن اللي يعمل كده عديم النخوة ومش راجل ، أَنا عمري ما نسيتك ، رغم إن "شمس" كانت اختيار العقل و منكرش إن حبيت عشرتها الطيبة ولسه بحبها إلا إنك الحُب نفسه ، زَمان مكنتش قادر أَخليكي تحبيني بالغصب ، قلوبنا مش بإيدينا عشان أَجبرك تحبي إنسان زيي.
اتهزيت قدام كلامه وقولت:
_متقولش على نفسك كده ، أَنتَ إنسان جميل الروح ، تعرف يا "يوسف" لو كنا اتجوزنا زمان كان زماننا كارهين بعض دلوقت ، ربنا كان ليه حكمة لما افترقنا عشان لما نتجمع تكون قلوبنا عارفة يعني إيه حب حقيقي ..
_فِعلًا أَنا وأَنتِ اتغيرنا ، تجاربنا صعبة لكن اتجمعنا ، تعرفي أَنا كنت خايف اترفض للمرة التانية لما اتقدمتلك.
بصتله بذهول وقولت:
-ليه اشمعنا..
رد عليا وابتسملي ببهوت:
_أَنا كنت عايش مستكفي بـ "يارا" و رافض إني اتجوز بعد "شمس" رغم ضغط أهلي عليا ، لكن لما اتقابلنا رجع قلبي يدق تاني ليك ، لسه فاكرك و بيحبك ، عِيشت حياتي قرارتي بالعقل إلا أَنتِ قراراتي عندك قلبي اللي بيتحكم فيها و بخضعلها ، أَنتِ بتعملي فيا إيه يا "ليلى".
وَأنا كلبشت في إيده زي ما أكون صدقت واعترفت:
_الحياة دي غريبة ، افترقنا و كل واحد فينا مشي في طريق الحياة المختلف لكن يشاء رَبك اننا نتجمع تاني و نحقق اللي فِشلنا فيه زمان وهو جوازنا .
اتردد كتير قبل ما يسألني بخوف:
_مش ندمانة على جوازك مني ؟
سندت برأسي على صدره وحضنته وقولت:
-أَنتَ أَجمل ندم في حياتي يا "يوسف" ، مش عارفة امتى و إزاي بس أَنا حبيتك بكل كياني يا "يوسف" ..
سكت ثواني وهو مصدوم وكملت:
_أَنا مُتيمة بيك يا "يوسف"..
شدد على أَحضاني وقال:
-وأَنا بموت فيكي يا قلب يوسف ..
لتعود المياة لمجاريها و تستقر الأمور بيننا ، الحب كالترياق ..
بعد كام شهر مِن المعاناة من الحمل ، كنا في المستشفي والنهاردة ولدت ابني العزيز و طفلي التاني بعد "يارا" اللي أَصرت تسميه هِي وكان اتفاقنا السري ..
العيلة كلها متجمعة في الأوضة وواقفين حوالين سرير البيبي أَما "يوسف" فكان قاعد جمبي ماسك إيدي ، الشخص الخجول قرر يتخلى عن خجله في اعلان حبه ..
-هتسموه إيه يا ليلى ..
-السؤال ده لـيارا اللي اختارت الاسم وهي اللي هتسميه ..
الكل بص ناحية الكتكوتة الشقية اللي ابتسمت وقالت :
-ريان يوسف سلطان .
ابتسمت و أَنا عيوني عليه ، عيلتي الجميلة اللي ربنا عوضني بيه..
_ليلى ..
_اممم..
_أنا بحبك ..
بَصتله بعيون ضوت في وجود مَن أُحب:
_وأنا كمان بحبك يا يوسف ..
مش لازم يكون اختيارنا بالحُب هو يكون سعادتنا ، أوقات لما نختار بعقلنا ناس تشبهنا ، تتمنى راحتنا ، و تريحنا يكون أفضل مليون مرة من اختيارنا لشخص نحبه لكنه مش شبهنا ، علاقتنا مليانة مشاكل ، وبنسعى لتدمير روحنا طول طول ما احنا مستمرين في علاقة سامة بتستهلك من روحنا ..
ربنا قال وجعل بينكم مودةً و رحمة اللي هُما أساس أي علاقة ..
و"يوسف" أثتبلي مع الوقت إن الاختيار المناسب هيجي في الوقت المناسب حتى لو قولت قبلها ميت لاء ومكتوبالك ، هِي مكتوبالك ، و أنا قدري و نصيبي الحلو كانوا "يوسف"..
