رواية الطفلة والوحش الجزء الثاني2الفصل الرابع عشر14بقلم نورا السنباطي

رواية الطفلة والوحش الجزء الثاني2الفصل الرابع عشر14بقلم نورا السنباطي



يزن بقلق ـ آريان في إيه؟!

ارتجفت شفتاه، وانهمرت الدموع من عينيه دون أن يشعر، وكأن الخبر الذي سمعه هدم آخر شيء كان يستطيع التمسك به.

خطف هاتفه من على الطاولة واندفع إلى الخارج مسرعًا، والجميع خلفه.

فهد بقلق ـ آريااان!

يزن بحدة ـ آركان... مراد... حمزة... وراه!

أومأ الثلاثة بسرعة وخرجوا خلفه.

كان آريان يقود السيارة بجنون، ويداه ترتجفان فوق المقود، بينما الدموع تعيق رؤيته.

آريان بصوت متقطع ـ لا... يارب... ونبي لا...

كان يحاول إقناع نفسه أن كل ذلك مجرد كابوس، وأنه عندما يصل إلى المستشفى سيجدها بخير، ستبتسم له كعادتها، وستقول له إنها كانت تنتظره.

لكن قلبه كان يخبره بعكس ذلك.

وبعد نصف ساعة بدت له كأنها دهر، توقفت السيارة أمام المستشفى.

لم ينتظر حتى يغلق الباب، بل تركه مفتوحًا واندفع إلى الداخل.

كان يركض بين الممرات يبحث بعينيه في كل مكان، حتى اصطدم بشخص أمامه.

رفع رأسه بسرعة...

وكان آيان يقف أمامه.

توقف آريان في مكانه، وكأن قدميه فقدتا القدرة على الحركة.

آريان بصوت مخنوق ودموع  ـ هي فين يا آيان؟

لم يستطع آيان الإجابة للحظات، فقط نظر إليه بعينين ممتلئتين بالحزن.

آريان بلهفة ـ آيان... رد عليا! دموع فين؟!

آيان بصوت مكسور ـ فوق... في الغرفة.

آريان ـ هي كويسة؟

صمت آيان.

وكان ذلك الصمت وحده كافيًا ليُسقط قلب آريان.

آيان ـ دموع تعبانة أوي يا آريان.. حالتها صعبة..
تجمد آريان.
آيان تابع بصعوبة ـ هي... بتحتضر يا آريان

شهق آريان وكأن الهواء اختفى من حوله.

آريان بدموع ـ لا...لا...لا 

ثم دفع آيان جانبًا واندفع نحو السلم.

آيان ـ آريان!

لكن آريان لم يسمع شيئًا.

وفي اللحظة نفسها وصل آركان ومراد وحمزة.

مراد بقلق ـ إيه اللي حصل..فيه اي ؟!

نظر إليهم آيان والدموع في عينيه.

آيان ـ  حبيبة آريان.

تبادل الثلاثة النظرات.

حمزة  بصدمه ـ حبيبته؟!

آيان ـ أيوه..آريان بيحب بنت ومرتبط بيها من تلت سنين وهي مريضه سرطان و.. ودلوقتي هي بتحتضر. 

وقف الثلاثة مصدومين.

آركان بصوت منخفض ـ تحتضر.. 

آيان ـ آريان بيحبها جامد جدا لازم نكون جمبه دلوقتي عشان هيا قدامها ساعتين بالكتير 

مراد وضع يده على كتف حمزة.

مراد ـ لازم نطلع له.

حمزة أخرج هاتفه بسرعة واتصل بالعائلة.

حمزة بصوت مرتجف ـ ألو... اسمعوني كويس... لازم تيجوا المستشفى 

يزن من الهاتف ـ ليه؟ حصل إيه؟

حمزة ابتلع غصته.

حمزة ـ آريان كان بيحب بنت وهيا مريضه سرطان ودلوقتي هيا بتحضر وآريان محتاج عيلته دلوقتي جمبه 

يزن بصدمة ـ ا.. ايه 
وافتكر آرين من سنين ونظر لها بسرعة والم يعصف داخل قلبه لتلك الذكري 
ساد الصمت على الطرف الآخر.

ثم بدأت الأصوات تتداخل، والجميع يسأل ماذا حدث.

حمزة ـ تعالوا بسرعة.

وأغلق الهاتف، ثم نظر إلى آركان ومراد.

حمزة ـ يلا.

وصعدوا خلف آريان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في غرفة هادئة بإضاءة خافتة...

كان صوت الأجهزة الطبية مسموعًا في الخلفية، والمحاليل معلقة بجانب السرير.

كانت دموع مستلقية على السرير، شاحبة ومرهقة، وقد فقد شعرها الكثير بسبب رحلة علاجها الطويلة، وبدت ملامح التعب واضحة عليها.

لكن رغم كل ذلك...

كانت لا تزال جميلة.

جمالها لم يكن في شعرها أو ملامحها فقط، بل في ابتسامتها الهادئة التي كانت تحاول أن تمنح من حولها الطمأنينة رغم ألمها.

وفجأة...

انفتح باب الغرفة.

دخل آريان.

توقفت أنفاسه.

رآها.

ولم يستطع التحرك.

دموع رفعت عينيها إليه، وما إن رأته حتى امتلأت عيناها بالدموع.

رفعت يدها بصعوبة، وابتسمت ابتسامة صغيرة.

دموع بتعب ـ قرب... تعالى.

كانت تلك الكلمة كافية.

اندفع آريان نحوها.

جلس بجانبها، وأمسك يدها.

آريان الذي كان الجميع يعرف أنه لا يسمح لأحد بالاقتراب منه، ولا يحب أن يلمسه أحد، كان الآن يمسك يدها وكأنه يتمسك بالحياة نفسها.

آريان ببكاء ـ دموع.. لا 

دموع ابتسمت وحطت إيدها علي خده

دموع بتعب ودموع ـ هشش بس مش عايزة دموع

آريان ـ هتبقي كويسه 

دموع ـ آريان.. انت احلي حاجه حصلت في حياتي كلها 

آريان هز رأسه بعنف واختنق بالبكاء الحاد 

آريان بعياط  ـ دموع متسبنيش 

دموع بتعب وعيناها تتلألأ بالدموع ـ آريان غصب عني 

آريان بإنهيار ـ لااا.. مش هقدر.. أرجوكي خليكي معايا مش هقدر

ارتجف صوتها.

دموع ـ بصلي.

رفع عينيه إليها.

دموع ـ مش عايزة اخر حاجه اشوفها في الدنيا دي تكون دموعك 

آريان والدموع تنهمر من عينيه ـ هموت من غيرك 

دموع ـ أنا معاك دايما.. لو جسمي مش موجود روحي دايما موجوده معاك 

آريان بعياط ـ انا بحبك.. بموت فيكي انتي حياتي مش هقدر اعيش من غيرك يا دموع 

ساد الصمت.

دموع نظرت إليه طويلًا.

دموع ـ فاكر أول مرة قابلتك؟

آريان ـ فاكر كل حاجة.

دموع ـ كنت متعصب أوي.

آريان بابتسامة باكية ـ وإنتِي كنتِي مستفزة.

ضحكت ضحكة صغيرة، ثم توقفت من شدة التعب.

دموع ـ مكنتش اعرف انو هيجي اليوم اللي اودع فيه اكتر حاجه حبيتها في حياتي 

أغمض آريان عينيه، وانهمرت دموعه أكثر.

آريان ـ وأنا حبيتك... والله حبيتك.

دموع ـ آريان.. ودعن.. 

آريان بعصبية ودموع ـ لااا متقوليهاش فااهمه.. انتي هتعيشي ونكمل حياتنا سوا 

دموع ـ لازم أروح 

آريان بعياط ـ لا.. مش هقدر 

دموع ـ هتقدر 

آريان ـ مش هقدر 

دموع ابتسمت وسط دموعها.

دموع ـ آريان.. بصلي 
آريان بإنهيار ـ مش هقدر يا دموع مش هقدر وحط راسه علي صدرها وحضنها بقوة وهو يبكي بصوت عالي وهو يترجاها ألا تتركه 

دموع ـ ودعني يلا 

هز رأسها بعنف وهو يدفن وجهه في صدرها ويبكي بعنف 

آريان ـ خديني معاكي.. متسبنيش لوحدي. مش هقدر اعيش من غيرك 

دموع ـ آريان...

آريان ـ عشان خاطري لا ااااه ياارب لاا 

دموع بدموع ـ احضني جامد يا آريان 

حضنها بقوة وهو يبكي وينادي ربه بألم والدموع تعرف طريقها وقلبه يتمزق من شده الالم هل سيودعها الان.. لن يراها مره أخري ااااه ياالله 

دموع بتعب ـ آريان...

آريان ـ لا.. لا ونبي لا 

دموع بعياط ـ متنسانيش 

آريان بعيون حمراء وهو ينظر إلي عيونها ودموع ـ هتبعدي عني. 

دموع بتعب وهيا تغمض عيونها ـ ودعني 

وضع جبينه علي جبينها وقال ـ استني... متغمضيش عينيكي، عشان خاطري.

أنا لسه ماشبعتش منك... لسه عندي كلام كتير ماقولتوش، ولسه عندي أحلام كتير كنت عايز أعيشها معاكي.

فاكرة لما كنتِ بتقوليلي: "أنا هفضل جنبك مهما حصل"؟

طب ليه دلوقتي أنا اللي ماسك إيدك وخايف إنها تفلت مني؟

أنا مش مستعد أودعك...

مش مستعد أقولك آخر مرة "بحبك".

لأني عارف إن كلمة "آخر مرة" دي هتفضل تطاردني طول عمري.

بصيلي...

أنا هنا.

أنا نفس الشخص اللي كان بيهرب من كل حاجة، إلا منك.

نفس الشخص اللي عمره ما عرف يقول اللي جواه، إلا لما يكون معاكي.

أنا اللي كنت فاكر نفسي قوي...

طلع كل قوتي كانت في وجودك.

كنتِ بتدخلي حياتي بهدوء، وتخرجي مني الخوف من غير ما أحس.

كنتِ بتخليني أضحك في أيام مكنتش عايز أبتسم فيها.

وكنتِ بتقوليلي إن الدنيا لسه فيها خير...

طب أعمل إيه دلوقتي لو مشيتي؟

مين هيقولي إن كل حاجة هتعدي؟

مين هيفهم سكوتي من غير ما أتكلم؟

مين هيناديني باسمي بالطريقة اللي كنتِ بتناديه بيها؟

أنا خايف...

ولأول مرة في حياتي بقولها بصراحة:

أنا خايف جدًا.

خايف من اللحظة اللي هبص فيها جنبّي ومش ألاقيكي.

خايف من الأماكن اللي كنا بنقعد فيها.

من الأغاني اللي كنا بنسمعها.

من الرسائل القديمة.

من كل حاجة هتفضل موجودة بعدك وتفكرني إنك كنتِ هنا.

بس إنتِ مش هتكوني هنا...

ليه؟

ليه لازم الحكايات الحلوة يكون ليها نهاية؟

أنا كنت عايز أكبر معاكي...

كنت عايز أشوف أيامك الحلوة.

كنت عايز أكون جنبك في كل خطوة.

كنت عايز أشوفك بتضحكي على حاجات تافهة، وتزعلي مني وانا أصالحك. 

كنت عايز خناقاتنا السخيفة...

كنت عايز حتى زعلك مني.

كنت عايز كل حاجة...

إلا الوداع.

عشان خاطري...

لو تقدري، متودعيش.

خليكي ساكتة بس، وأنا هتكلم عننا لحد ما نتعب.

هحكيلك عن أول مرة شوفتك.

وعن أول مرة ضحكتي فيها.

وعن أول مرة حسيت إنك بقيتي أهم شخص في حياتي.

هحكيلك كل حاجة...

بس متقوليش "سلام".

أنا مش مستعد أسمعها منك.

تعرفي إيه أكتر حاجة بتوجعني؟

إن آخر ذكرى ليا معاكي ممكن تكون إني كنت ببكي.

وأنا كنت عايز آخر ذكرى تكون ضحكتك.

كنت عايز أقولك:

"تصبحي على خير."

مش " مع السلامه ".

كنت عايز أقولك:

"أشوفك بكرة."

مش "هتوحشيني."

كنت عايز المستقبل يكون لينا...

مش مجرد ذكريات.

أنا عارف إنك تعبانة...

وعارف إنك بتحاولي تطمنيّني.

بس متطمنيّنيش.

أنا مش عايز أبقى قوي دلوقتي.

عايز أبقى ضعيف.

عايز أبكي.

عايز أقولك إني محتاجك.

محتاج صوتك.

محتاج وجودك.

محتاج حتى سكوتك.

بس متسيبينيش لوحدي مع كل ده.

لو غبتِ عن عيني...

أوعي تفتكري إنك غبتي عن قلبي.

إنتِ مش هتكوني مجرد ذكرى.

إنتِ هتكوني جزء من كل يوم جاي.

في كل دعوة هقولها.

في كل مكان هعدي منه.

في كل مرة هفتكر فيها إن في إنسانة واحدة قدرت تغيرني من غير ما تحاول.

دموعه انهمرت أكثر، وهو يضغط على يدها بين يديه.

ـ أنا آسف...

آسف على كل مرة زعلتك فيها.

آسف على كل كلمة كان ممكن أقولها ومقولتهاش.

آسف على كل لحظة كنت محتاجاني فيها وأنا كنت بعيد.

لو كنت أعرف إن الوقت قصير...

كنت هقولك "بحبك" كل دقيقة..

كنت هخليكي تعرفي قد إيه إنتِ مهمة بالنسبة لي.

بس إحنا دايمًا بنعرف قيمة الوقت بعد ما يعدي.

ويمكن دي أكتر حاجة هتوجعني...

إن كان نفسي أديكي عمر كامل من الحب، والوقت ماادانيش الفرصة.

نظر إليها طويلًا، ثم ابتسم وسط دموعه.

ـ فاكرة وعدك ليا؟

قلتيلي مرة إنك مش هتنسيني.

أنا كمان بوعدك...

مش هنساكي.

بس عايز منك وعد أخير...

عايزك تزوريني علي طول 

بس اسمحيلي بحاجة واحدة...

اسمحيلي أفتقدك.

اسمحيلي في بعض الأيام أضعف.

اسمحيلي أبكي لما أشتاقلك.

لأنك مش شخص عادي دخل حياتي وخرج منها.

إنتِ كنتِ أجمل حاجة حصلتلي.

وأصعب حاجة هتعلم أعيش بعدها.

سكت لحظة، ثم همس:

ـ بحبك...

مش عشان آخر مرة.

بحبك عشان دي الحقيقة الوحيدة اللي عمري ما شكيت فيها.

ولو كان ينفع أديكي من عمري...

كنت هديكي كل اللي باقي من عمري. 
هفتكرك
كل يوم.
وكل دقيقه
وكل ثانية
كل ليلة.
وكل لحظة

ثم قرب يدها من قلبه وقال بصوت مكسور:

ـ مع السلامه يا اغلي حاجه في حياتي كلها 

ومش عارف إزاي الواحد يقول "وداعًا" لحد كان بالنسباله كل معنى كلمة "وطن".

ابتسمت له ابتسامة صغيرة، فابتسم رغم دموعه.

( وكما يقال في الوادع.. مع السلامه ولكن أخبروني أين السلامه في وداع المحبين.. ❤️‍🩹) 

دموع بألم وتعب ـ اااه وفجاة ارتخت يداها وتوقف النبض 

وضع جبينه على جبينها، وبكى بوجع وصوت عالي 

في الخارج، كان آركان ومراد وحمزة يقفون أمام باب الغرفة.

سمعوا صوته.

نظر آركان إلى مراد بحزن.

ثم فتحوا الباب ودخلوا.

لكنهم توقفوا عند رؤيته.

آريان كان جالس علي الارض بجوار سريرها ويبكي بقوة 

اقترب آركان منه ووضع يده على كتفه.

آركان بصوت مكسور ـ آريان هيا في مكان أحسن دلوقتي إدعيلها 

مراد وقف بجانبه.

حمزة مسح دموعه سريعًا، محاولًا أن يبدو قويًا.

لكن المشهد كان أكبر من أي قوة.

آريان انهار.

اقترب منها واحتضنها بقوة، ودفن وجهه عند كتفها، بينما دموعه تنهمر بلا توقف.

ثم رفع وجهه إلى السماء وكأنه يبحث عن أي باب للنجاة.

آريان ـ يارب. اااااااااه وبكي بقوة وهو يحتضنها 

مراد أغمض عينيه، بينما حمزة أدار وجهه ومسح دموعه.

ظل ممسكًا بها بقوة، وكأن مجرد تركها للحظة قد يجعلها تختفي.

وخارج الغرفة...

كانت أصوات أفراد العائلة تقترب، والجميع جاءوا وهم لا يعرفون كيف سيواجهون المشهد

اما آريان 

كان يبكي بشده ويحتضنها فقد أتي ذلك الوقت الذي كان يخشاه.

وهو « الوداع» 

( ااه والله عيطت 🙃💔) 

لم يكن أحد منهم مستعدًا لما سيراه...

انفتح باب الغرفة ببطء.

دخل يزن أولًا، وخلفه آرين وباقي أفراد العائلة.

لكن بمجرد أن وقعت أعينهم على المشهد...

تجمدوا في أماكنهم.

لم يسمعوا سوى صوت بكاء آريان.

كان جالسًا بجوار السرير، ممسكًا بيد دموع بكلتا يديه، وكأنه يرفض أن يصدق أن اللحظة التي كان يخشاها طوال السنوات الماضية قد جاءت بالفعل.

يزن بصوت مخنوق ـ آريان...

رفع آريان رأسه ببطء.

كانت عيناه حمراوين من شدة البكاء.

نظر إلى يزن، ثم إلى الجميع.

آريان بصوت مكسور ـ راحت.

ساد الصمت.

آرين وضعت يدها على فمها، وانهمرت دموعها دون أن تشعر.

آريان هز رأسه بعنف.

ـ قولولي إنها هتفتح عينيها...

لم يجد أحد كلمة واحدة يقولها.

اقترب يزن منه وجلس بجواره.

يزن بحزن ـ آريان... ربنا يرحمها.

آريان أغمض عينيه بقوة، وكأن الجملة كانت أقسى من أن يحتملها.

آريان ـ لا...

ثم نظر إلى دموع.

ـ هي كانت بتقولي إنها هتفضل معايا 

يزن ـ آريان

آريان ـ قالتلي "أنا معاك دايمًا"... قالتلي إنها مش هتسبني

ثم نظر إلى يزن بعينين ممتلئتين بالانكسار.

ـ طب أعمل إيه دلوقتي يا عمي مش هقدر اعيش من غيرها 

لم يستطع يزن الرد.

فقد رأى أمامه ابنه الذي كان دائمًا يظن أن القوة تعني ألا يبكي...

والآن لم يبقَ منه شيء سوى قلب مكسور.

آرين اقتربت منه، وجلست على الأرض بجانبه.

آرين وهي تبكي ـ آريان...

نظر إليها.

آريان ببكاء ـ سابتني ومشت 

آريان ـ أنا مش عايز أبقى بخير من غيرها.
آرين بدموع شاورت علي قلبه

ـ هتفضل جوا قلبك.

آريان  بدموع ـ أنا كنت عايزها تفضل قدامي...

ثم نظر إليها مرة أخرى وقال بإنهيار

كنت عايز المستقبل كله يبقي معاها هيا 

مش شوية ذكريات.

انخفض رأسه، وبدأ يبكي من جديد.

اقترب آركان 

آركان ـ إحنا هنا يا آريان.

مراد ـ ومش هنسيبك لوحدك.

فراس بحزن ـ مهما حصل.

رفع آريان عينيه إليهم، وكأنه لأول مرة يستوعب أنهم جميعًا بجانبه.

ثم عاد ينظر إلى دموع.

آريان بصوت هامس ـ هي كانت عارفة إني بحبها؟

يزن ـ كانت عارفة.

آريان ـ كنت أتمنى أقولها أكتر...

صمت قليلًا.

ثم ابتسم وسط دموعه.

ـ كانت كل ما أقولها بحبك تضحك وتقولي: "قولها تاني."

أغمض عينيه.

ـ لو كنت أعرف إنها آخر مرة...

كنت هفضل أقولها لحد ما صوتي يختفي.

ساد الصمت داخل الغرفة.

ثم اقتربت إحدى الممرضات بهدوء، فابتعد الجميع قليلًا.

أما آريان...

فبقي للحظات ممسكًا بيد دموع.

قال بصوت منخفض مليان وجع:

ـ عمري ما هنساكي يا نور عيني 

هفتكر ضحكتك.

هفتكر صوتك.

هفتكر أول يوم دخلتي فيه حياتي.

وهفتكر إنك كنتِ أجمل صدفة حصلتلي.

ثم وضع يدها بهدوء على جانبها، ونهض ببطء.

لكن قبل أن يبتعد...

توقف.

نظر إليها للمرة الأخيرة.

آريان ـ مع السلامة يا دموع...

ثم همس:

ـ المرة دي مش هطلب منك ترجعي...

هطلب من ربنا يكتبلك الرحمة والسلام.

خرج من الغرفة بخطوات بطيئة.

وبمجرد أن أغلق الباب خلفه...

أسند ظهره إلى الحائط وانزلق إلى الأرض.

وضع يديه على وجهه.

وبكى.

اقترب منه آركان، وجلس بجانبه دون أن يتحدث.

وبعد لحظات...

مال آريان برأسه على كتف أخيه، وكأنه عاد طفلًا صغيرًا لا يعرف كيف يواجه العالم.

آريان ـ آركان 

آركان بحزن ـ إدعيلها يا آريان

آريان بدموع ـ مش هقدر أعيش من غيرها 

ضمّه آركان إليه بقوة.

أما يزن...

فنظر إلى آرين.

كانت تقف بعيدًا، تبكي في صمت وبجوارها بناتها الذين يبكون 

نظر إليها للحظات، وشعر بوخزة غريبة في قلبه.

فقد أعادت إليه تلك اللحظة ذكرى قديمة...

ذكرى كان يظن أنه دفنها منذ سنوات.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(أحيانًا أصعب وداع... مش إنك تقول "مع السلامة"،
أصعب وداع إنك تعرف إنك مش هتقدر تقول "أشوفك بكرة" تاني. 💔)

خرجت لاري بسرعه بره الغرفة وهي تبكي بشده رأها مراد فخرج وراها 

وجدها تجلس علي مقعد وتبكي بدون صوت إقترب وجلس بجانبها 
مراد بحنان ـ لاري 
نظرت له بدموع وقالت ـ اصعب حاجه في الدنيا انك تشوف اكتر شخص بتحبه بقي بعيد عنك ومش هتشوفه تاني 
مراد مسح دموعها بحب وقال ـ ده قدرها وعمرها يا لاري.. إدعيلها 
لاري بعياط  ـ ا.. انا كنت عارفها آريان عرفني عليها. كانت حنونه وطيبه اوي وآريان كان بيحبها جدا. يتري هو حاسس بإي دلوقتي. صعبان عليا اوي يا مراد 
احتضنها مراد بحنان وهو يقول بصوت هادئ رغم الحزن الذي يملأ عينيه:

مراد ـ عارف يا لاري... آريان دلوقتي محتاجنا كلنا، بس أكتر حاجة محتاجها إنه يحس إن عيلته حواليه ومش هتسيبه لوحده.

لاري وهي تبكي ـ بس وجعه كبير أوي...

مراد ـ عارف.

لاري ـ أول مرة أشوف آريان بالشكل ده... آريان اللي عمره ما كان بيبين ضعفه قدام حد، النهاردة انهار.

مراد ـ لأنه خسر حد كان جزء كبير من حياته.

لاري مسحت دموعها وقالت بصوت مرتجف:

ـ هيتوجع اوي 

سكت مراد قليلًا، ثم قال:

ـ يمكن إحنا مش هنقدر نشيل وجعه منه، لكن نقدر نشيله معاه.

رفعت لاري عينيها إليه.

مراد ـ ادعيلها بالرحمه 

هزت رأسها وهي تمسح دموعها.

لاري ـ حاضر.

ثم نظرت إلى باب الغرفة.

ـ يلا نرجعله.

مراد ـ يلا.

نهض الاثنان، لكن قبل أن يعودا...

سمعا صوتًا قادمًا من آخر الممر.

كان صوت يزن.

يزن ـ آريان!

التفت الجميع.

كان آريان واقفًا في منتصف الممر، ووجهه شاحب، وعيناه ممتلئتان بالدموع.

يزن اقترب منه بسرعة.

يزن ـ إنت رايح فين؟

آريان بصوت ضعيف ـ عايز أمشي.

يزن ـ هنمشي كلنا.

آريان ـ لا...

نظر حوله وكأنه لا يعرف أين هو.

ـ أنا عايز أروح لوحدي.

آركان اقترب منه.

آركان ـ مش هينفع يا آريان.

آريان ـ أنا عايز أكون لوحدي.. مش عايز حد معايا 

آركان ـ إحنا مش أي حد.

سكت آريان.

ثم انخفض رأسه.

آريان ـ أنا تعبان

آركان ـ عارف.

آريان ـ كل ما أغمض عيني بشوفها قدامي.

آركان ـ طبيعي.

آريان ـ وكل ما أفتح عيني أفتكر إنها مش موجودة.

لم يجد آركان ما يقوله.

اقترب يزن منه ووضع يده على كتفه.

يزن ـ تعالى معايا 

آريان هز رأسه.

نظر يزن إلي آركان وقال خلي الكل يروح القصر واعملو اللازم فاهمني 

اومأ آركان وهو ينظر إلي آريان اللي كان تايهه

وفي تلك اللحظة خرج الطبيب من الغرفة.

توقفت العائلة كلها عن الكلام.

اقترب يزن منه.

يزن ـ هي...

صمت الطبيب للحظة، ثم قال بحزن:

ـ البقاء لله.

خفض الجميع رؤوسهم.

أما آريان...

فأغمض عينيه.

وكأنه كان يعلم الإجابة، لكنه كان يحتاج أن يسمعها من شخص آخر حتى يدرك أن الأمر أصبح حقيقة.

الطبيب ـ كانت في أيامها الأخيرة متعبة جدًا، لكنها كانت صابرة.

آريان رفع عينيه إليه.

آريان ـ كانت بتتكلم عني؟

ابتسم الطبيب بحزن.

ـ كانت بتتكلم عنك كتير.

تجمد آريان.

الطبيب تابع:

ـ قبل ما تتعب أكتر، كانت بتقول إنها مش خايفة... وإن أكتر حاجة مطمناها إنها قضت آخر فترة من حياتها مع الشخص اللي بتحبه.

انهمرت دمعة من عين آريان.

آريان بصوت خافت ـ قالت كده؟

الطبيب ـ أيوه.

ثم وضع يده على كتفه.

ـ حاول تفتكر إنها كانت عايزة تشوفك قوي، مش مكسور.

وغادر الطبيب.

ظل آريان واقفًا مكانه للحظات.

ثم قال:

ـ هي كانت عايزاني أكون قوي...

نظر إلى يزن.

ـ بس أنا مش عارف.

يزن ـ مش لازم تكون قوي النهاردة.

ثم احتضنه.

ـ النهاردة ابكي... وبكرة نحاول نقف سوا.

انهار آريان بين ذراعي يزن من جديد.

وفي الطرف الآخر من الممر...

كانت لاري تبكي بصمت.

مراد وقف بجانبها وقال:

ـ خلي دموعها سبب إننا نفتكر ندعيلها.

لاري أومأت.

ـ هفضل أدعيلها.

اومأ مراد
ثم نظر إلى آريان.

كان المشهد أمامه مؤلمًا...

شاب فقد الإنسانة التي أحبها، وعائلة كاملة تحاول أن تمنحه القوة رغم أن الحزن أصاب الجميع.

وبعد دقائق...

خرج آريان من المستشفى مع يزن 
والباقي اتوزعو علي العربيات يتجهون إلي القصر 
انا يزن ق أخذ آريان إلي... 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي مكان آخر...

كانت شاشة هاتف مضيئة في غرفة مظلمة.

ظهرت عليها صورة قديمة لدموع وآريان.

وتحت الصورة رسالة واحدة:

"تم" 

ثم اختفت الرسالة.

وظل صاحب الهاتف يبتسم في الظلام..

في أحد الأماكن المعزولة...

كان ليونارد جالسًا خلف مكتبه، ملامحه جامدة بشكل مخيف، وأمامه دانيال واقف ينتظر كلمته.

ساد الصمت للحظات...

ثم رفع ليونارد عينيه ببطء.

ليونارد ببرود ـ مارفي داخل على صفقة كبيرة.

دانيال ـ صفقة إيه؟

ليونارد ـ صفقة متفجرات 

دانيال بقلق ـ وإنت ناوي تعمل إيه؟

ابتسم ليونارد ابتسامة خفيفة، لكنها لم تحمل أي شيء من الطمأنينة.

ليونارد ـ مش ناوي أعمل حاجة دلوقتي.

دانيال باستغراب ـ مش فاهم.

ليونارد ـ متخليهـوش ياخد الصفقة دي بأي تمن... لحد ما أشوف لوسيڤر.

دانيال ـ لوسيڤر؟

ليونارد ـ أيوه... لوسيڤر.

دانيال ـ بس دي صفقة خطيرة، ولو مارفي سبقنا...

ليونارد مقاطعًا ـ مارفي عمره ما كان المشكلة.

دانيال ـ أمال المشكلة مين؟

ليونارد ـ اللي واقف وراه.

سكت دانيال.

فهم من نبرة ليونارد إن الموضوع أكبر من مجرد صفقة.

دانيال ـ وإنت شاكك في مين؟

ليونارد ـ أنا مش بشك.

ثم وقف ليونارد واتجه ناحية النافذة.

ليونارد ـ أنا بستنى الحقيقة تظهر لوحدها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد ساعات...

في مكان آخر، كان مارفي جالسًا بهدوء شديد.

أمامه ملفات مغلقة، وعلى وجهه نفس البرود المعتاد.

دخل رجل دون أن يطرق الباب.

مارفي من غير ما يبصله ـ اتأخرت.

االرجل بابتسامة خفيفة ـ كنت مستنيك تخلص شغلك.

مارفي ـ شغلي مبيخلصش.

الرجل ـ ولا المشاكل بتخلص.

رفع مارفي عينيه إليه.

 ـ اتكلم.

 ـ لوسيڤر

تغيرت ملامح مارفي للحظة.

 ـ ماله؟

 ـ بيحفر ورانا 

 بغضب ـ كنت عارف 

 باستغراب ـ عارف؟

 ـ لوسيڤر مش شخص عادي وهو ليه وزن في عالم المافيا. بس اللي مش فاهمه ليه بياخد كل الصفقات ليه 

 ـ حاولنا نعرف طريق ليه.. لكن صعب شيطان بمعني الكلمه 

ـ  مش هسمح ليه المره دي يعمل اللي هو عاوزه .

 ـ هتعمل اي 

بشر  ـ يبدو انو حان وقت أميرة الوحش 

 ـ اخيرا هنتقم 

 ـ دي هتكون الورقة اللي هتخلينا نكسر لوسيڤر وبعد ما نكسب الصفقة اعمل اللي انت عاوزه يا محمد.... 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عند يزن كان بيسوق العربية وجمبه آريان اللي كان ماسك سلسله في إيده والدموع متحجرة في عيناه 

آريان بتعب ـ إقف علي جمب يا عمي 
تنهد يزن وركن العربية كانت جمب البحر 

نزل آريان من السيارة وهو ياخد نفسه بصعوبه ويضع يده هلي قلبه والدموع تنهمر من عيناه بألم 
نزل يزن بسرعة وهو يذهب بإتجاه 
يزن ـ آرياان.! 

صرخ آريان بألم ـ اااااااه لااااااااااااااا.. اااااااااه 

حضنه يزن بقوة والتمعت عيناه بالدموع 
آريان بعياط ـ لييييه. لييييه راحت مني ليييه.. ااااه دموووووووع. 

لم يعرف يزن ماذا يحكي ف الالم الذي يشعر به الان قوي جدا نزلت دموعه عليه وهو يشعر بالعجز لرؤيه إبن من أبنائه يتألم بهذة الطريقه وهو غير قادر علي فعل شي 

نزل آريام علي الارض بكسر وهو ينهار بشدة ف حبييته قد تركته وذهبت حبيبته تركته يحارب هذا الالم وحده 

كان البحر أمامهما هادئًا بشكلٍ غريب...

وكأن العالم كله قرر أن يصمت في تلك الليلة، احترامًا لقلبٍ كان ينهار.

جلس آريان على الأرض، ويداه ترتجفان، والسلسلة ما زالت بين أصابعه.

نظر إليها طويلًا...

ثم ضمها إلى صدره.

آريان بصوت متقطع ـ دي آخر حاجة سابتهالي...

رفع عينيه للسماء، والدموع تنهمر من عينيه بلا توقف.

آريان ـ كانت لابساها يوم ما قابلتها لأول مرة...

ابتلع غصته.

ـ قالتلي وقتها إنها هتفضل معايا...

ضحك ضحكة قصيرة مكسورة، سرعان ما تحولت إلى بكاء.

ـ وأنا صدقتها...

وضع يده على قلبه.

آريان ـ صدقتها يا رب...

ثم صرخ من أعماق قلبه:

ـ اااااااااااااااه 

ارتد صوته في المكان الخالي.

ـ ليه يااااارب؟!

يزن جلس بجانبه، واحتضنه بقوة، لكن آريان لم يستطع التوقف.

آريان ـ أنا كنت بطلب منك حاجة واحدة بس...

شهق وهو يبكي.

ـ كنت بطلب إنها تفضل معايا...

ـ أنا مش طلبت فلوس... ولا طلبت دنيا... ولا طلبت حاجة كبيرة...

ـ كنت عايزها هي بس!

ضم يزن إليه أكثر، ونزلت دموعه رغم محاولته أن يتمالك نفسه.

يزن بصوت مبحوح ـ ربنا يرحمها يا آريان...

آريان ـ رااحت خلااص راااحت 

انهار صوته.

ـ راحت 

صمت للحظات.

ثم قال:

ـ أنا كنت فاكر إن بكرة هييجي...

ـ كنت فاكر إن عندنا وقت.

ـ كنت فاكر إننا هنكمل.

ـ كنت فاكر إني هصحى بكرة وأكلمها 

ابتسم ابتسامة موجوعة.

ـ كنت مستنيها تزعل مني وأراضيها...

ـ كنت مستني أسمع صوتها وهي بتضحك عليا...

ثم انخفض رأسه.

ـ أنا حتى مالحقتش أقولها كل الكلام اللي كان جوايا.

يزن وضع يده على رأسه بحنان.

يزن ـ قول لها دلوقتي...

رفع آريان عينيه إليه.

يزن ـ ادعيلها... واتكلم عنها... واحكي لها كل اللي نفسك تقوله.

سكت آريان.

ثم رفع وجهه للسماء.

وبدأت قطرات المطر تسقط على وجهه.

قطرة...

ثم أخرى...

حتى تحول المطر إلى ستارٍ من الماء.

آريان بصوت مكسور ـ ياااارب...

أغمض عينيه.

ـ لو هي مش سامعاني...

ـ إنت سامعني.

ـ لو أنا مش قادر أوصلها...

ـ إنت قادر توصل دعائي ليها.

شهق وبكى.

ـ يا رب ارحمها...

ـ يا رب اجعلها في مكان أحسن...

ـ يا رب طمن قلبي عليها...

ثم وضع يده على صدره.

ـ وخفف الوجع اللي هنا يا رب...

ـ أنا تعبت...

ـ والله تعبت.

احتضنه يزن بقوة.

يزن ـ ابكي يا آريان... متكتمش جواك.

آريان ـ أنا مش عايز أنساها يا عمي.

يزن ـ مش هتنساها.

آريان بدموع ـ وحشتني اوي وحشتني 

صمت يزن.

فهو لم يجد جملة تستطيع أن تصلح قلبًا مكسورًا.

نظر آريان إلى البحر.

وتذكرها...

أول مرة ضحكت فيها أمامه.

أول مرة غضبت منه.

أول مرة نادته باسمه.

أول مرة أخبرته فيها أنها تحبه.

كل التفاصيل الصغيرة التي لم يكن يعرف أنها ستصبح يومًا أغلى ما يملك.

آريان بابتسامة باكية ـ كانت بتكره المطر...

ثم ضحك وسط دموعه.

ـ كانت كل ما الدنيا تمطر تقولي: "يلا ندخل."

سكت.

ـ وأنا كنت بقولها: "خليكي هنا."

انخفض صوته.

ـ دلوقتي المطر نازل...

ـ وأنا لوحدي.

اقترب يزن منه.

يزن ـ يلا نرجع يا آريان.

هز آريان رأسه ببطء.

آريان ـ دقيقة واحدة.

يزن ـ براحتك.

نظر آريان للبحر مرة أخرى.

ظل آريان صامتًا.

والمطر يبلل وجهه وملابسه...

ولم يعد يعرف أيهما كان أغزر...

المطر الذي نزل من السماء...

أم الدموع التي نزلت من قلبه.

بعد دقائق، وقف بصعوبة.

مد يزن يده إليه.

أمسك آريان بيده، ونهض.

لكن قبل أن يعود للسيارة، التفت مرة أخيرة إلى البحر.

آريان بهمس ـ مع السلامة يا دموع...

ثم وضع السلسلة داخل كفه.

نظر يزن إليه بحزن.

ثم وضع يده على كتفه

ـ ولما الوجع يزيد، هتلاقينا جنبك.

آريان لم يرد.

لم يحاول أن يبدو قويًا.

فبعض الأحزان لا تحتاج إلى قوة...

تحتاج فقط إلى قلبٍ يحتضنك حتى تستطيع أن تتنفس من جديد.

عاد الاثنان إلى السيارة.

وأغلق يزن الباب.

تحركت السيارة ببطء، بينما ظل آريان ينظر من النافذة إلى البحر حتى اختفى من عينيه.

وفي يده...

كانت السلسلة.

وفي قلبه...

كانت دموع.

وفي السماء...

استمر المطر.

وكأن الليل نفسه كان يودع عاشقًا...

ترك نصف قلبه عند البحر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد مرور يومين...

كان القصر هادئًا بشكل لم يعتده أحد.

لا أصوات ضحك...

لا مشاجرات...

لا موسيقى تأتي من إحدى الغرف...

حتى خطوات أفراد العائلة أصبحت ثقيلة، وكأن الحزن جلس بينهم وأصبح فردًا منهم.

وفي غرفة آريان...

كان كل شيء مختلفًا.

الستائر مغلقة، والغرفة غارقة في نصف ظلام، والهواء ساكن بشكل خانق.

كان آريان جالسًا على طرف السرير، مرتديًا نفس الملابس السوداء
لم يهتم بتغييرها.

لم يهتم بشكله.

لم يهتم بأي شيء.

وجهه الذي كان دائمًا يحمل ملامح القوة والغرور، أصبح شاحبًا ومتعبًا.

عيناه كانتا حمراوين من كثرة البكاء والسهر، وتحت عينيه ظهرت علامات الإرهاق بوضوح.

شعره كان مبعثرًا، وملامحه فقدت حيويتها.

حتى جلسته لم تعد تشبه آريان الذي يعرفه الجميع.

كان منحني الظهر، ساكنًا، وكأنه يحمل فوق كتفيه عمرًا كاملًا من التعب.

وفي يده...

كانت السلسلة.

يمرر أصابعه عليها ببطء، وكأنه يخشى أن يتركها فتضيع منه آخر قطعة تربطه بدموع.

دخل يزن الغرفة بهدوء.

وقف للحظات عند الباب.

لم يقل شيئًا.

فمجرد النظر إلى ابنه كان كافيًا ليؤلمه.

اقترب منه وجلس بجواره.

يزن بحنان ـ آريان...

لم يرد.

يزن ـ كلت حاجة؟

صمت.

يزن ـ آريان، أنا بكلمك.

رفع آريان عينيه ببطء.

نظرة واحدة كانت كافية لتخبر يزن أن ابنه لم ينم منذ وقت طويل.

آريان بصوت خافت ـ مش قادر آكل يا عمي.

يزن ـ لازم تاكل.

آريان ـ مش قادر.

يزن ـ حتى لو لقمتين.

هز آريان رأسه.

ـ مفيش طعم لأي حاجة.

صمت يزن.

ثم وضع يده على كتفه.

يزن ـ إنت مش لوحدك.

آريان ابتسم ابتسامة صغيرة بلا فرحة.

آريان ـ عارف.

ثم نظر إلى السلسلة.

ـ بس هي مش هنا.

انخفضت عينا يزن.

آريان ـ كل الناس بتقولي إنها راحت لمكان أحسن...

ـ وأنا فاهم ده.

ـ بس محدش فاهم إن أنا مش زعلان عشان هي ماتت وبس...

رفع عينيه.

ـ أنا زعلان عشان حياتي اللي كنت متخيلها معاها راحت في لحظة.

سكت.

ـ أنا مش هقدر أشوفها تاني.

ـ مش هسمع صوتها.

ـ مش هتخانق معاها.

ـ مش هسمعها وهي بتقولي "قولها تاني" لما أقولها بحبك.

ارتجف صوته.

ـ كل حاجة كانت عادية...

ـ دلوقتي بقت ذكرى.

احتضنه يزن.

وظل آريان ساكنًا للحظات، ثم أسند رأسه على كتف عمه.

آريان بصوت خافت ـ الحزن وحش أوي يا عمي...

يزن ـ عارف.

آريان ـ بيغير الإنسان.

ـ أنا مش حاسس إني نفس الشخص.

نظر يزن إليه بحزن.

يزن ـ لأنك فقدت حد كان جزء من حياتك.

آريان ـ حاسس إني بقيت فاضي من جوا.

ثم صمت طويلًا.

خارج الغرفة...

كانت آرين تقف أمام الباب، تسمع حديثهما، والدموع تملأ عينيها.

وبجانبها كانت لاري.

لاري بصوت منخفض ـ هو مش زي الأول...

آرين ـ الحزن عمل فيه كتير.

لاري ـ خايفة عليه.

آرين نظرت إلى الباب.

ـ وأنا كمان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحزن لا يغيّر ملامح الإنسان فقط...

أحيانًا يغيّر صوته.

نظرته.

طريقته في الكلام.

حتى الأشياء التي كان يحبها تصبح بلا معنى.

الإنسان الحزين ممكن يضحك...

لكن ضحكته تكون ناقصة.

ممكن يتكلم...

لكن عينيه تقولان كلامًا آخر.

ممكن يجلس وسط عشرات الأشخاص...

ومع ذلك يشعر بأنه وحيد.

الحزن يجعل أبسط الأشياء ثقيلة.

القيام من السرير يصبح صعبًا.

الكلام يصبح مجهودًا.

والأيام تمر ببطء شديد.

وأصعب ما في الحزن...

أنه لا يطرق الباب قبل أن يدخل.

يدخل فجأة...

ثم يجعلك تعيد ترتيب حياتك كلها حول غياب شخص واحد.

وهذا ما حدث مع آريان.

كان يعيش يومه بشكل طبيعي...

حتى أصبح كل شيء يذكره بها.

فنجان قهوة كانت تحبه.

مكان كانت تجلس فيه.

أغنية سمعها معها ذات يوم.

رسالة قديمة على هاتفه.

حتى ضحكة أحدهم كانت أحيانًا تجعله يتوقف للحظة...

لأنها تشبه ضحكتها.

كان يحاول أن يكمل يومه...

لكن كل طريق كان يعيده إليها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

دخل آركان الغرفة.

نظر إلى آريان طويلًا.

آركان ـ آريان...

رفع آريان عينيه.

آركان ـ تعالى ننزل تقعد معانا شوية.

آريان ـ مش عايز.

آركان ـ كلنا قاعدين تحت.

آريان ـ عايز افضل لوحدي مش عايز أشوف حد 

اقترب آركان منه.

آركان ـ حتى إحنا؟

سكت آريان.

ثم قال:

ـ عايز اعيش الصدمه اوحدي 

آركان جلس بجانبه.

آركان ـ بس احنا جمبك عايزين نشيل معاك وجعك 

آريان ـ مش عارف أعمل إيه.

آركان ـ ولا مطلوب منك تعرف دلوقتي.

آريان نظر إليه باستغراب.

آركان ـ إنت فقدت إنسانة مهمة في حياتك... طبيعي تكون تعبان.

ـ بس أوعدني بحاجة.

آريان ـ إيه؟

آركان ـ متبعدش عننا.

ظل آريان صامتًا.

ثم أومأ برأسه.

آريان ـ حاضر.

في تلك اللحظة دخلت لاري وهي تحمل كوبًا من الماء.

اقتربت منه.

لاري ـ اشرب.

آريان نظر للكوب.

ثم أخذه منها.

شرب قليلًا وأعاده إليها.

لاري ابتسمت رغم دموعها.

ـ كده أحسن.

آريان نظر إليها.

آريان ـ لاري...

لاري ـ نعم؟

آريان ـ هي كانت بتحبك.

ارتجفت شفتا لاري.

لاري ـ وأنا كمان كنت بحبها.

آريان ـ ادعيلها.

لاري ـ كل يوم.

ابتسم آريان ابتسامة صغيرة.

ولأول مرة منذ يومين...

ظهرت على وجهه لمحة بسيطة تشبه آريان القديم.

لكنها اختفت سريعًا.

نظر إلى السلسلة مرة أخرى.

وهمس:

ـ وحشتيني يا دموع...

ساد الصمت.

لم يحاول أحد منعه من البكاء.

لأنهم أدركوا شيئًا...

أن بعض الدموع ليست ضعفًا.

أحيانًا تكون الطريقة الوحيدة التي يحاول بها القلب أن يتنفس.

وفي تلك الليلة...

لم يكن آريان بحاجة إلى شخص يقول له:

"انساها."

كان بحاجة إلى من يقول له:

"خد وقتك... إحنا جنبك."

لأن الفقد لا يُقاس بعدد الأيام...

ولا ينتهي بمجرد أن يغلق الناس أبواب العزاء.

الفقد الحقيقي يبدأ عندما يعود الجميع إلى حياتهم...

ويبقى الشخص وحده أمام مكانٍ كان يجلس فيه من رحل.

ويبقى الهاتف صامتًا...

ولا تأتي الرسالة التي اعتاد انتظارها.

ويبقى القلب...

ينادي شخصًا يعرف أنه لن يجيب.

وهذا كان أصعب ما في الأمر بالنسبة لآريان...

أنه لم يفقد دموع في يوم واحد فقط...

بل كان يفقدها من جديد...

كل صباح.

#رواية_الطفلة_والوحش2
الساعة 9:00 مساءً...

توقفت سيارة سوداء فارهة أمام البوابة الحديدية الضخمة لقصر الصياد.

انفتح باب السيارة ببطء...

وترجل ليونارد منها بخطوات ثابتة، مرتديًا بدلته السوداء، وملامحه جامدة لا تكشف شيئًا عما يدور داخل رأسه.

خلفه مباشرة نزل دانيال، وأغلق باب السيارة بهدوء، ثم رفع عينيه إلى القصر.

دانيال بنبرة منخفضة ـ المكان ده هادي زيادة عن اللزوم.

لم يجبه ليونارد.

ظل واقفًا أمام البوابة للحظات، ينظر إلى القصر بنظرة طويلة، وكأنه يحاول قراءة شيء مخفي خلف تلك الجدران.

ثم تحرك.

دانيال تبعه بصمت.

وبمجرد اقترابهما من البوابة...

كان إدوارد يقف هناك، بكامل هيبته، ونظرته حادة وهو يراقبهما.

توقف ليونارد أمامه.

إدوارد ببرود ـ ليونارد.

ليونارد ـ لوسيڤر مستنيني.

إدوارد أومأ بهدوء.

ـ مستنيك جوا.

ثم ابتعد عن طريقه وفتح البوابة.

دخل ليونارد دون تردد، وخلفه دانيال.

لكن...

ما إن خطا ليونارد بضع خطوات داخل القصر حتى شعر بشيء غريب.

تسارعت دقات قلبه فجأة.

دق... دق... دق...

توقف للحظة.

وضع يده على صدره دون أن يشعر.

دانيال باستغراب ـ في إيه؟

ليونارد لم يجبه.

رفع عينيه ببطء، وأخذ ينظر حوله.

المكان هادئ...

هادئ بشكل غير طبيعي.

أشجار القصر تتحرك مع نسمات الهواء، وأضواء الحديقة الهادئة تنعكس على الممر الطويل.

لكن وسط كل ذلك...

لفت انتباهه شيء.

أو بالأحرى...

شخص.

على بُعد خطوات منه...

كانت تقف فتاة بجوار أحواض الزهور.

تمسك بخرطوم المياه وتسقي الزرع بهدوء، وكأنها لا تعلم أن أحدًا دخل القصر منذ لحظات.

كانت ترتدي فستانًا أبيض طويلًا، تتناثر عليه نقوش ورود زرقاء رقيقة.

 والنسيم يحرك أطراف فستانها بخفة.

كانت غارقة في عالمها...

لا تلتفت يمينًا أو يسارًا.

ولا تدري أن هناك من وقف يراقبها من بعيد.

توقف ليونارد تمامًا.

دانيال نظر إليه باستغراب.

دانيال ـ ليونارد؟

لكن ليونارد لم يسمعه.

كانت عيناه معلقتين بها.

ولأول مرة منذ وقت طويل...

اختفت تلك القسوة من ملامحه للحظة.

لم يفهم السبب.

ولا فهم لماذا شعر بذلك الشعور الغريب بمجرد أن رآها.

ظل واقفًا مكانه...

ثم بدأ يقترب منها ببطء.

خطوة...

ثم أخرى...

وكانت دقات قلبه تزداد مع كل خطوة.

حتى أصبح على بُعد أمتار قليلة منها.

أما هي...

فكانت لا تزال تسقي الزهور بهدوء، غير مدركة أن شخصًا ما يقترب منها.

رفع ليونارد عينيه إليها مرة أخرى...

وتوقفت خطواته وووو

تعليقات



<>