رواية احببت متسوله الفصل الثاني2بقلم ملكة الروائع
خرجت فرحة تجري والدموع تغرق وجهها الذي زينه المكياج الوردي لأول مرة منذ سنوات...
كانت تجري حافية، فقد خلعت الكعب العالي الذي لم تعتد عليه، وتحمله في يدها وفستانها الأسود الطويل يتعثر بين رجليها، الناس ينظرون لها كأنها مجنونة هاربة من حفلة.
"يا فرحة استني!! يا فرحـــة!!"
كان هشام يجري خلفها، بدلة الغاليه اتبهدلت وهو بيجري وراها في الشارع، لأول مرة في حياته يجري خلف بنت بالشكل ده.. طول عمره البنات هي اللي بتجري وراه.
وقفت أخيرا عند الكوبري القديم، نفس الكوبري اللي كانت بتنام تحته بقالها شهور. ارتمت على الرصيف وبدأت تبكي بحرقة، بتبكي على جوعها، على موت أهلها، على كرامتها اللي اتداست في الحفلة.
لحقها هشام، كان بينهج.. قعد جنبها على الأرض ببدلته اللي تمنها مرتب سنة كاملة لموظف عادي.
بتجري ليه؟ أنا زعلتك في حاجة؟
رفعت عينيها له، كحلها سايح:
أنت اترفدت بسببي.. مديرك طردك قدام كل الناس.. أنا وش فقر.. من يوم ما أهلي ماتوا وأنا وش فقر على أي حد يقرب مني.
ابتسم هشام، وبهدوء شديد مسك طرف فستانها ومسح به دموعها..
تصدقي أول مرة أحس إني عملت حاجة صح؟ الراجل ده أنا كنت بستحمله بقالي ثلاث سنين وهو بيذل فيا عشان الترقية.. وأنتِ جيتي في ثانية خلتيني أقول لا.. لأول مرة أحس إني راجل بجد مش مجرد سكرتير بينفذ أوامر.
سكت لحظة وبصلها بعمق:
وبعدين مين قال إني اترفدت؟ هو فاكر شركته هتقف من غيري؟ أنا اللي كنت شايلها على كتافي.. بكرة هيجي يبوس إيدي عشان أرجع.
فرحة شهقت:
بجد؟ يعني مش هتبات في الشارع زيي؟
ضحك هشام ضحكة عالية رجت الكوبري:
لا يا ستي.. أنا عندي بيت.. وعندي شركة صغيرة كنت بأسسها في السر من وراه.. كان خايف منها عشان كده كان بيحاول يكسرني.. ودلوقتي جه الوقت اللي أبدأها بجد.
ومد إيده ليها:
قومي.. ما ينفعش أميرة تنام تحت الكوبري.
أميرة؟ أنا؟ أنا متسولة..
لا.. أنتِ فرحة.. والفرحة ما بتنامش في الشارع.
أخذها ورجعوا الفيلا.. طول الطريق كانت ساكتة وبتبص للطريق كأنها بتحفظه خايفة يطلع حلم وتصحى منه.
في الفيلا، الخادمة "أم زينب" استقبلتها كأنها بنتها:
يا لهوي يا بيه جبتها تاني؟ طب والله وشها زي القمر.
دخلت فرحة تاخد دش دافي لأول مرة من 8 شهور.. المية السخنة كانت بتنزل على جسمها كأنها بتغسل معاها كل الوجع والبرد والجوع.. لما خرجت لقت على السرير بيجامة حرير وردية.
في نفس الوقت، كان هشام في مكتبه بيكلم في التليفون ونبرة صوته اتحولت تماما.. بقت نبرة رجل أعمال قوي:
أيوه يا متر.. عايزك تخلص إجراءات شركة "الفرحة للاستيراد والتصدير" بكرة الصبح.. أيوه سميتها الفرحة.
قفل ودخل لقى فرحة قاعدة على طرف السرير زي القطة الخايفة، شعرها مبلول وريحتها فل.
قعد قدامها:
فرحة.. أنا عايز أسألك سؤال.. أنتِ كان نفسك في إيه قبل ما أهلك يموتوا؟
سكتت كتير وبعدين قالت بصوت واطي:
كان نفسي أدخل كلية فنون جميلة.. كنت برسم حلو أوي.. بابا كان بيقولي إيدي فيها سحر.
هشام عينيه لمعت:
ولسه السحر موجود؟
جاب لها ورقة وقلم.. في الأول إيديها كانت بتترعش.. وبعدين بدأت ترسم.. رسمت الكوبري.. ورسمت نفسها وهي نايمة تحته.. ورسمت هشام وهو بيمد إيده ليها في أول مرة عند المطعم.
هشام اتصدم من جمال الرسم:
أنتِ عبقرية!
لكن فجأة.. باب الفيلا اترزع جامد..
البواب يوسف دخل يجري:
يا بيه.. يا بيه.. في رجالة كتير برا ومعاهم الأستاذ رشاد!!
رشاد دخل ومعاه اتنين بودي جارد وضحكة شريرة على وشه:
فاكر إنك لما تضربني في حفلتي هتعدي كده؟ أنا جاي آخد حقي.. .. أنتِ فاكرة إنه هيحبك؟ ده هيتسلي بيكي يومين ويرميكي.
هشام وقف قدام فرحة يحميها بجسمه:
اطلع برا يا رشاد.. أنت مالكش حاجة هنا.
رشاد شاور للبودي جارد:
هاتوا البت دي.. دي سرقت عقد ألماظ من الحفلة.. وأنا شفتها!
كانت كذبة.. خطة رخيصة عشان ياخد فرحة..
فرحة صرخت ومسكت في دراع هشام جامد..
وهنا.. حصل اللي محدش توقعه..
هشام بكل هدوء راح لدرج المكتب، طلع مسدس مرخص كان يخص والده الله يرحمه..
وصوبه ناحيتهم وقال بصوت بارد يرعب:
اللي هيقرب خطوة من فرحة.. هفرغ المسدس ده في دماغه.. أنا اتحملت إهانتك ليا سنين.. لغايه مقف علي رجلي.. لكن كرامة فرحة.. خط أحمر.
رشاد اترعب، هو عارف هشام مجنون وممكن يعملها..
أنت اتجننت؟ هتضيع مستقبلك عشان متسولة؟
هشام بص لفرحة اللي كانت بتبصله كأنه بطل خارق جه ينقذها، وابتسم:
لا.. عشان حبيبتي. واللي هيقربلها هو الجاني علي روحه.
الكلمة نزلت على قلب فرحة زي الصاعقة.. حبيبتي؟
رشاد ورجالته تراجعوا عندما وجدو الشرر يتطاير من عنيه. خرجوا وهو بيهددوا:
هتندم يا هشام.. هخليك تشحت معاها!
بعد ما مشيوا، فرحة كانت بتترعش.. هشام رمى المسدس وحضنها بسرعة.. أول حضن دافي تحسه من يوم موت أبوها..
ما تخافيش.. طول ما أنا جنبك محدش هيقدر يلمسك.
رفعت وشها ليه وهمسها بيترعش:
أنت قولت.. حبيبتي؟
هشام اكتشف لأول مرةانه يري وجه مبتسم احمر من الخجل"
آه.. من أول مرة شفتك فيها عند المطعم.. وأنتِ جعانة بس عينيكي فيها عزة.. حبيتك.. حبيت المتسولة اللي رفضت تاخد الخاتم واعتبرته مش من حقها.. حبيت البنت اللي عندها كرامة أغلى من الألماظ.
فرحة ما قدرتش ترد.. دموعها نزلت بس المرة دي دموع فرح..
هشام مسك إيديها المتسخة سابقا، الناعمة حاليا، وطلع علبة القطيفة الصغيرة.. نفس علبة الخاتم اللي رمته حبيبته القديمة..
فتحها.. الخاتم كان بيلمع..
فرحة.. تقبلي تلبسي الخاتم ده.. مش كشفقة.. كوعد مني إني هخليكي أسعد واحدة في الدنيا؟ وهخلي اسمك على اسم أكبر شركة فنون في مصر؟
فرحة بكت وضحكت في نفس الوقت.. وهزت راسها بموافقة..
لبسها الخاتم.. وكان مقاسها بالظبط كأنه معمول ليها.
وفجأة.. تليفون هشام رن.. كان المحامي:
يا أستاذ هشام.. الحق.. رشاد قدم بلاغ فيك وفي البنت.. والبوليس جاي في الطريق على الفيلا دلوقتي!!
تفتكروا البوليس هيعمل ايه؟ وهل شركة الفرحة هتكمل ولا رشاد هيبوظها؟ وهل فرحة هتدخل كلية فنون جميلة ولا الماضي هيرجع يطاردها؟
