رواية خيوط لاتري الفصل الواحد والعشرون21بقلم فاطمة مالكي


رواية خيوط لاتري الفصل الواحد والعشرون21بقلم فاطمة مالكي

الفصل الحادي والعشرون: ثورة القوارير.. وميثاق العشيرة
عادت طائرة عائلة "الحكيم" الخاصة تخترق سماء القاهرة بعد رحلة تحليق طويلة، تحمل بين جنباتها أنفاس المحيط الهندي وعبير جزر المالديف الساحرة. كان ياسين ومازن يترجلان منها بملامح يكسوها الارتياح، وتتأبط ذراعيهما حنين وحنان في مشهد يُعلن انقضاء عهد الصراعات المريرة، وطيّ صفحة الأوجاع التي أنهكت العائلة طويلاً.
وصل أسطول السيارات الفاخرة إلى مدخل القصر الملكي، ودلف الجميع إلى الردهة الرئيسية. لم تكن الردهة كعادتها؛ فالأرضيات الرخامية الصافية والنجف الكريستالي الضخم المعلق في السقف كانا يسبحان في هدوءٍ غريب وغير معتاد. لم يكن "عبد المعز باشا" يقف بهيبته المعتادة عند منتصف الدرج الرخامي، ولا كانت "الست أمينة" تستقبلهم برائحة البخور والزغاريد الدافئة.
وفجأة، قطعت رانيا ذلك الصمت المريب وهي تخرج من صالة المعيشة بخطوات مرحة، وفي يدها ورقة مطوية، واقتربت منهم بابتسامة واسعة وهي تقول:
— حمد الله على السلامة يا عرسان! لو بتدوروا على بابا وماما وعمي مصطفى والخالة زليخة.. فالباشا سابلكم الرسالة دي ومعينّي أنا السفيرة اللي تسلمهالكم!
سحب ياسين الورقة من يد رانيا بفضول ونظرات متسائلة، وفتحها بينما تجمهر حوله مازن وحنين وحنان يرتقبون محتواها. كانت الرسالة مكتوبة بخط عبد المعز باشا العريض الواثق، وبـ العامية المصرية:
(ولادي الحبايب ياسين ومازن..
أنا أخدت أمينة مراتي وطلعنا نعمل شهر عسل محترم نجدد بيه شبابنا بعد كل اللي مرينا بيه. إدارة الشركة والقصر بقت في رقبتكم، وممنوع منعاً باتاً حد فيكم يفكر يتصل بيا أو يدور عليا إلا بعد 3 شهور! اللي هيتصل بيا هيعكر مزاجي وهيزعل مني جامد.. خلو بالكم من زوجاتكم).
انفجر مازن ضاحكاً بصوت هز أرکان البهو، وضرب كفاً بكف وهو ينظر لأخيه بذهول:
— لا ده الباشا قرر يعيش حياته بجد! تلات شهور وممنوع الاتصال؟ ده انقلاب في القصر يا ياسين!
ابتسم ياسين ابتسامة دافئة هادئة تحمل كل المعزة لوالده، وهو يطوي الرسالة بحرص ويضعها في جيب سترته قائلاً:
— حقه.. ربنا يسعدهم ويرجعهم بالسلامة.
صعد الجميع إلى الطابق العلوي لينالوا قسطاً من الراحة بعد رحلة السفر الإضافية. في جناح ياسين الفاخر، خلع سترته وألقاها على الأريكة بتعب، ثم التفت ليرى حنين تقف عند خزانة الملابس تحاول ترتيب بعض الحاجيات.
فجأة، شحب وجه حنين الأبيض الناصع ليميل إلى اصفرار مفاجئ، وشعرت بدوار جامح جعل الأرض تميد تحت قدميها واختلت وقفتها. وقبل أن يتفوه ياسين بكلمة واحدة، ركضت حنين فوراً نحو الحمام الملحق بالجناح، وانحنى ظهرها وهي تستفرغ بتعب وإرهاق شديدين.
في تلك اللحظة، انخلع قلب ياسين من الخوف، وتلاشت منه كل معالم الرزانة والهدوء التي طالما عُرف بها! ركض خلفها كالمجنون، وأمسك شعرها وجبينها بيده القوية الرقيقة في آنٍ واحد، وقال بنبرة يكسوها الذعر والارتباك:
— حنين! في إيه يا حبيبتي؟ مالك؟! قومي يلا بينا نروح لدكتور حالاً!
مسحت حنين وجهها بالماء البارد وهي تحاول استعادة أنفاسها، ثم نظرت إليه بعينيها الخضراوين المجهدتين، وقالت بلكنتها الجزائرية الدافئة لتهدئة ذعره المعلن:
— ماكان والو يا عمري.. برك من التعب و السفر.
تنفس ياسين الصعداء وحاول التماسك، مقتنعاً كلامها تحت تأثير جهَد السفر، فحملها بين يديه برفق شديد وأرقاها على السرير، ليستلقي بجوارها ويغطا معاً في نوم عميق ليسترجعا قواهما.
مع إشراقة صباح اليوم التالي، نزل الجميع لتناول طعام الفطور في الصالة السفلى. جلس مازن وحنان ورانيا حول الطاولة، بينما ظل مقعد حنين فارغاً. تساءلت رانيا باهتمام أخوي، فرد ياسين وهو يرتشف قهوته والقلق ما زال يساوره:
— حنين نايمة فوق.. تعبانة شوية من السفر ومحبتش أصحيها.
ابتسمت حنان برقة، وقالت بلكنتها الجزائرية العذبة:
— أنا نطلعلها وناخدلها قهوة باش تصحصح.
صعدت حنان إلى الجناح وهي تحمل فنجاناً من القهوة الساخنة ذات الرائحة النفاذة. فتحت الباب برفق ورأت حنين تجلس على طرف السرير واضعة يدها على رأسها بتعب، فاقتربت وقدمت لها الفنجان. لكن ما إن استقرت رائحة القهوة في أنف حنين، حتى انتفضت من السرير وركضت مجدداً نحو الحمام لتستفرغ بعنف!
هرعت حنان خلفها ووضعت يدها على ظهرها وقالت بذهول وقلق:
— وشبيك حنين؟ هذا كامل من تعب تاع لفواياج؟!
ردت حنين بصوت متعب خافت وهي تمسح شفتيها بالماء:
— والله ما علابالي ياختي.. وضرك غير شميت القهوة قلبي دار!
في هذه اللحظة، دخلت رانيا الجناح ونظرت إليهما بتعجب وتساءلت:
— مالكم؟ ونتي يا حنين ياسين قال انك تعبانه!
أجابتها حنين بضيق وإرهاق:
— والله ماني عارفه وشبيا.. لبارح قلبي دار و ضرك نفس الشي، غير شميت القهوة حسيت روحي حابه نرجع!
في نفس اللحظة بالتمام، رن هاتف رانيا وكانت المتصلة والدتها الست أمينة لتطمئن عليهم بعد وصولهم. ردت رانيا بسرعة وفتحت مكبر الصوت:
— أيوة يا ماما.. إحنا كويسين بس حنين تعبانه والغريب ان ريحه القهوة تعبتها و هي عماله تستفرغ فالحمام!
ساد الصمت عبر الهاتف لثانية واحدة.. ثم انطلقت زغروتة مصرية مدوية من الست أمينة عبر الهاتف هزت أرجاء الجناح!
صدمت رانيا وصاحت بذهول وهي تبعد الهاتف عن أذنها:
— في ايه يا ماما بتزغرطي على ايه؟!
ردت أمينة بفرحة عارمة وصوت يفيض زغاريد:
— البت حامل! يلا بسرعه جيبيلها اختبار حمل و اول ما تتاكدو اتصلي بيا!
استوعبت رانيا الحكاية فوراً، واتسعت عيناها بذهول وفرحة عارمة. التفتت إلى حنين وسألتها بلهفة:
— حنين هي الدوره امتا اخر مره جاتلك؟
ردت حنين بخجل وهي تحسب بأصابعها:
— قبل العرس بسمانه..
وهنا، صرخت حنان بصوت هز الغرفة ووضعت يدها على فمها بذهول:
— انا قبل العرس ب 10 ايام هو ممكن نكون ؟؟
أطلقت رانيا صرخة فرحة جنونية وقالت وهي تركض نحو الباب:
— يا لهوي على الفرحة! استنوا هنا أروح صيدلية أجيب اختبارات حمل بسرعة!
لم تكن سوى دقائق معدودة حتى ظهرت الخطوط الوردية المزدوجة في كلا الاختبارين! حنين وحنان حوامل معاً في نفس الوقت. وقررتا، بمعاونة رانيا، إعداد مفاجأة ساحرة لزوجيهما عند عودتهما في المساء.
جناح ياسين:
في المساء، دخل ياسين الجناح وهو يحل ربطة عنقه بتعب بعد يوم عمل شاق. وما إن خطى إلى الداخل حتى اتسمر في مكانه وشُدِهت حواسه!
كان الجناح متحولاً إلى جنة غناء مليئة بالورود والبالونات الهيليومية العائمة في السقف، وكل بالون مُعلّق به كارت صغير مكتوب عليه بخط يدي رقيق: (بابا ياسين).
توقف الزمن عند "الأسد الجليدي"! اغرورقت عيناه بالدموع من هول المفاجأة، وسجد فوراً على الرخام سجدة شكر لله من فرط الفرحة والامتنان. ثم قام وركض نحو حنين الواقفة تتأمل فرحته بدموع السعادة، واحتضنها بقوة وشوق، ولف بها في الهواء وهو يضحك بحماس لم يره أحدٌ منه من قبل!
جناح مازن:
أما في جناح مازن، فقد كان الممر المؤدي للغرفة ممهداً ببتلات الورد الأحمر والشموع المضيئة. وكانت حنان تقف في المنتصف بفستان أبيض أنيق، كُتب عليه بالأسود العريض: (بابا انا جاي بعد 9 شهور).
دخل مازن، وما إن وقعت عينوه عليها وقرأ العبارة، حتى تراجع خطوة إلى الخلف وصرخ بذهول كوميدي:
— والله لو بتكدبي لعلقك في نجفه الصاله! مقالبك ما توصلش لهنا!
تقربت منه حنان بابتسامة دافئة، ووضعت يديها على صدره وقالت برقة وعذوبة:
— بابا انا جاي في السكة عاوزك تكلمني كل يوم انا سامعك.
لم يتحمل مازن طوفان المشاعر؛ فخطفها بـ قبلة رقيقة، ثم أخذها في عناق قوي ولف بها في أرجاء الغرفة وهو يصرخ بفرحة جنونية هزت أركان الجناح!
قطع عبد المعز باشا والست أمينة إجازتهما وعادا سريعاً إلى القصر فور معرفتهما ببشرى الأحفاد القادمين. وقرر عبد المعز خفض أعباء العمل عن مازن وياسين ليتفرغا للارتقاء بزوجتيهما الحوامل.
في تلك الأثناء، قررت رانيا أن تترك الفتيات برفقة والدتها، وتلتحق بالعمل في الشركة لتبدأ برنامجها التدريبي تمهيداً لتسُّلمها رئاسة قسم الهندسة.
وفي اليوم الأول لرانيا في الشركة، كانت تسير بوقار في أحد الممرات وهي تحمل بين يديها مجموعة من الملفات الفنية، وفجأة اصطدم بها شاب طويل القامة، كان مشغولاً بالحديث في هاتفه المحمول دون أن ينظر أمامه! تطايرت الأوراق على الأرض، وثارت أعصاب رانيا وانتابها غضب عارم، فصاحت فيه بحدة:
— من امتا الشركة بقت تشغل تيران؟! في إيه ما تفتح يا أخ!!
التفت مروان إليها بغضب ناري، ورد باستهزاء واستفزاز وهو ينظر إليها من الأعلى إلى الأسفل:
— ماهو لو كنتي بني ادمه اقدر اشوفك من هنا!
ومنذ تلك اللحظة، اندلعت شرارة العداء بينهما! وكانت المفاجأة القاسية أن برنامج رانيا التدريبي قبل أن تتولى إدارة قسم الهندسة كان تحت إشراف مروان شخصياً، لتنطلق سلسلة لا تنتهي من المشاحنات، والشجار، والجنون اليومي داخل أروقة المكاتب.
غير أنه مع مرور الوقت، كتم مروان إعجابه الشديد بحضورها وشغفه بكبريائها؛ ولأنه رجل أصيل ذو أخلاق عالية، لم يلمّح لرانيا بأي شيء، ولم يطلب منها التعارف بطرق غير رسمية، بل توجه مباشرة إلى مكتب ياسين ليطلب يدها برقيٍّ ورسمية.
وكان ياسين شاهداً على شجاراتهما اليومية المستمرة، وحينما تثبّت من أن مروان شابٌ لا غبار عليه وينتمي إلى عائلة كريمة ومحترمة، غمرته سعادة بالغة؛ إذ كان يرى قصة حب ناصعة تتشكل وتنمو أمام عينيه.
توقف مروان أمام مكتب ياسين بثبات ورجولة، وقبل أن يخرج، التفت إليه وقال بنبرة صادقة:
— باشمهندس ياسين.. أنا طالب إيد الآنسة رانيا أختك على سنة الله ورسوله، وأنا شاري ومستعد لكل شروطك وطلباتك.
ابتسم ياسين بوقاره المعهود، ونظر إليه بهدوء واعتبار ثم أردف:
— مروان.. أنا شايف خناقاتكم اليومية وعارف إنكم زي القطبين والمغناطيس، بس في نفس الوقت أنا واثق في أخلاقك وعارف إنك راجل لا غبار عليك ومن بيت محترم.. لكن طبعاً القرار الأول والأخير لرانيا، هسألها الأول وأرد عليك.
هز مروان رأسه باحترام وارتياح قائلاً:
— ده حقها الطبيعي يا باشمهندس، وأنا منتظر ردكم في أي وقت.
وبعد مغادرة مروان، استدعى ياسين رانيا إلى مكتبه. وما إن دخلت وقصّ عليها طلب مروان، حتى توردت وجنتاها بحمرة الخجل الشديد، وفركت يديها بتوتر رقيق، ثم أطرقت رأسها إلى الأسفل وردت بصوت خفيض:
— اللي تشوفه يا أبيه..
وافق ياسين بابتسامة راضية، وأُقيم لهما حفل زفاف أسطوري شَهِده الجميع، لسافر رانيا بعدها مع مروان لقضاء شهر العسل.
توالت الأشهر سراعاً، حتى بلغت حنين وحنان الشهر التاسع من الحمل. وفي هذه الأثناء، عادت رانيا ومروان من رحلة شهر العسل بعد أن قضيا شهراً كاملاً من السعادة والبهجة.
وااحتفاءً بهذه المناسبة السعيدة، أقام عبد المعز باشا مأدبة عشاء فاخرة في القصر على شرف العروسين العائدين، تجمعت حولها العائلة الكبيرة وسط أجواء من الضحك والمرح.
وفي منتصف مأدبة العشاء، شحب وجه حنين فجأة، وأمسكت ببطنها بوهنٍ وشدة، ثم التفتت نحو ياسين وقالت:
— ياسين.. راني نولد!
ابتسم ياسين بروتين وهدوء، وقال وهو يضع الطعام في طبقها:
— كلي يا حبيبتي بقالك شهر كل يوم تقولي انك بتولدي!
فجأة، صرخت حنين بصوت هز أرجاء القصر وقالت بالجزائري:
— راني نولد!!
في نفس اللحظة بالتمام، صرخت حنان هي الأخرى وتشبثت بذراع مازن وهي تئن بقوة:
— أنا تاني ااااه!
اضطرب الرجال وارتبكوا تماماً، فلم يدروا ما العمل وظلوا يدورون حول أنفسهم حيرة وهلعاً!
صرخ عبد المعز باشا فيهم بصوت جهوري زلزل المكان:
— كل واحد يحمل مراتو وياخدها عالمستشفى!!
وسط هذا الصراخ والركض المربك، لم تتحمل رانيا هول المشهد وشدته، ففقدت وعيها فجأة وسقطت مغشياً عليها بين ذراعي مروان!
صاح مروان من فرط ارتباكه ورعبه وهو يراها غائبة عن الوعي:
— رانيا! انتي بتولدي كمان؟!!
صرخ فيه عبد المعز باشا وهو يضربه على كتفه بغضب كوميدي:
— ولادة إيه وهي مش حامل أصلاً؟! إيه الجنان ده!! يلا شيلها واخلص عالمستشفى!
في المستشفى، نُقلت حنين وحنان فوراً إلى غرفتي الولادة، بينما أُدخلت رانيا إلى غرفة الكشف الطبي.
وبعد فترة عصيبة حُبست فيها الأنفاس ترقباً ودعاءً، خرج الأطباء يحملون أبهى البشائر:
رُزقت حنان بمولود ذكرٍ يرفل بالصحة والعافية.
وأنجبت حنين توأماً كالقمر (بنت وولد).
وفجأة، خرج الطبيب الذي تولى فحص رانيا، واقترب من مروان وعبد المعز باشا مبتسماً وقال:
— اطمنوا، الإغماء كان بسبب التوتر وهبوط الضغط.. والتحاليل الفورية أظهرت إن المدام حامل في شهرها الأول!
تسمر مروان في مكانه من شدة الذهول، ثم انفجر ضاحكاً بحماس وغبطة واحتضن عبد المعز باشا، الذي ابتسم من أعماق قلبه وقال:
— مبروك يا مروان يا بني.. ليلة مباركة، ودخلة أحفاد آل الحكيم هتهز الدنيا كلها!
تجمعت العائلة بأكملها في الممر يلهجون بالحمد والشكر لله، لتُتوَّج ليلتهم بالفرحة العارمة، والبركة، واكتمال شمل العائلة.
تعليقات



<>