
رواية راكان زيدان واصحابه الفصل الواحد والعشرون21 بقلم داليا السيد محمد
عشاء.. صدمة
استقر رائد بغرفة خاصة بقصر راكان وبالطبع التقى بسارة التي تحسنت كثيرا وبدا أنها تستطيع الحركة بعصا واحدة وأحيانا دون وجودها
استعاد راكان نشاطه واندمج بالعمل حتى أخمص قدميه لتعويض ما فات حتى أنه كان لا يطيل المرور على رائد باليومين التاليين من أجل انشغاله
انتهى من لقاء رائد وخرج من غرفته ليرى سيف يقول "الآنسة سارة بمكتبك"
لم يرد وهو يتحرك لمكتبه وعندما دخل رآها تقف أمام صورة جدهم زيدان فلم يهتم وقال "أهلا سارة"
التفتت إليه على عصاها وقالت "ما زلت تذكرني؟"
كان يقف أمام مكتبه ويده تعبث بالجهاز وقال "كما تذكريني بالضبط"
تحركت تجاهه حتى وقفت بجواره وقالت "أنا أصبحت بخير وأريد العودة للعمل"
لم ينظر لها أيضا وقال "بالتأكيد، متى ستبدئين؟"
وكأنها لا تصدق، ولكنه حقا أخبرها من قبل أنه لا يمانع وهو لا يعود بكلماته عندما لم ترد رفع وجهه لها فقالت "حقا أنت لا تمانع؟"
رفع حاجبه وقال "ألم أخبرك بذلك من قبل؟"
هزت رأسها فعاد للجهاز وقال "تعلمي أن تثقي بي سارة"
كان على حق فقالت "المخرج ينتظر أن أهاتفه"
قال "افعلي والسائق سيكون معك كما كان، العلاج الطبيعي سيتوقف بنهاية الشهر"
لم ترد فأغلق الجهاز وعاد لها وقال "هل انتهيتِ مني؟"
هزت رأسها فلم يرد وهو يتحرك ليخرج ولكنها قالت "ربما أتقدم للدراسة بمعهد التمثيل"
توقف لحظة ثم التفت لها وقال "فكرة جيدة، لكن هذا سيكون على بداية العام الدراسي القادم"
هزت رأسها وقالت "لا أعلم نظام التعليم هنا ربما تفعل أنت"
قال بهدوء "هل لديكِ سواي؟"
ردت بلا تفكير "كما هو أنت"
صمت قليلا ثم قال "لذا أحاول الحفاظ عليك ولكنك لا تدركين ذلك"
قالت بعصبية "بالقوة والغصب؟"
رفع رأسه وقال "عندما تلغين عقلك ولا تستمعين للنصيحة، تكون القوة هي الحل"
هتفت "بل لأنك قاسي ولا تعرف عن الحنان شيء، كيف ستعرفه وأنت لم تناله بأي يوم؟"
لم يغضب ولم يتأثر وهو يقول "هذا صحيح، أنا لا أسير بالعاطفة سارة، العقل والصواب فقط هما الطريق الذي أتبعه"
لم تفهم كيف يفوز بكل محادثاته معها، أشاحت بيدها الحرة وقالت "ستظل ذلك الوحش للأبد وستعيش عمرك كله وحدك لأن لا أحد يحبك"
ابتسم وقال "الناس لا تموت بدون حب سارة، وأرى أنني نجحت بأن أعيش ثمانية وثلاثين عاما دون حب وما زلت أعيش"
ثارت بغضب من كلماته "أنا أكرهك"
لم ترحل ابتسامته وقال "وما الجديد؟"
ثم التفت وخرج بهدوء وهي تكاد تصرخ به مرة أخرى أنها تكرهه ولكن من داخلها كانت تتساءل هل حقا يستحق منها الكره؟
ماذا فعل لتكرهه؟
هل أساء إليها أو جرحها مثلما فعل حاتم معها؟
هل ألقى بها بالشارع وتخلى عنها؟
هل أهمل علاجها ولم يهتم؟ ماذا تكن له حقا داخل قلبها؟
بل ماذا يستحق منها على ما يفعله معها؟ هذا هو السؤال
****
دخل ظافر مكتب وافي الذي رفع رأسه له فتراجع وقال "أهلا ظافر"
جلس ظافر أمامه وبدا متعب وهو يقول "متى الاجتماع؟"
نهض وافي وتحرك ليجلس أمامه وقال "لم يأتي راكان بعد ولكنه بالرابعة، ماذا بك؟"
أبعد وجهه وهو متعب، يومان منذ تشاجرا سويا لم يراها ولم يهاتفها ولم يجيب اتصالاتها، عاد وافي يسأله "تشاجرت مع مي؟"
هز رأسه وقال "اكتشفت أنها تأخذ حبوب منع الحمل"
تراجع وافي بالمقعد وسأل "والسبب؟"
عاد ظافر له وقال "العمل والأحلام، اختارت طموحاتها على أن يكون لنا أولاد، هي حتى لم تأخذ رأيي، أرادت أن تحرمني من أن يكون لي ابن أو ابنة وافي"
انحنى وافي للأمام وقال "مي ليست المرأة التي تضع العمل فوق الجميع"
نهض وتحرك بلا هدى من الغضب وقال "هي من قالت"
تراجع وافي بالمقعد وقال "أعلم ولكننا نعلم أنها بالفعل ناجحة بعملها وهي تخطط لفرعها الجديد بأروبا والزواج لم يوقفها ولا أظن الأولاد ستفعل"
التفت له ظافر بغضب وقال "وماذا وافي؟ هل أنا السبب؟ لا تريد أن يكون لها أولاد مني"
نهض وافي وتحرك ليقف أمامه وقال "بالتأكيد لا، مي تحبك وكلنا نعرف ذلك وأنت أولنا، ولكن بالتأكيد هناك سبب آخر"
أشاح بيده وهتف وهو يبتعد "أي سبب وافي؟ لا تبحث لها عن مبررات، أنا منحتها وقت لتختار بين العمل والأسرة التي أريدها"
رد وافي "ليس هذا حل ظافر، أنت تفرض قيودك عليها دون أن تعرف الأسباب"
التفت له وقال بغضب "أخبرتك أنها تريد تحقيق أحلامها بالعمل"
انفتح الباب ودخل راكان ناظرا لهما وهو يقول "أكاد أسمع صوتك من على باب المبني ماذا حدث؟"
أغلق الباب ونظراته لظافر الذي التفت مبتعدا فتحرك راكان ووقف بجوار وافي الذي قال "هو غاضب"
نظر له راكان وقال "بالتأكيد غاضب ولكن لماذا؟ هل الأمر متعلق بمي؟"
صمت وافي محترما خصوصيات صديقه رغم أن لا شيء يخفى على راكان فتحرك راكان لظافر وقال "ماذا حدث؟"
وقف أمامه فأخبره ظافر بالأمر فضاقت عيون راكان وقال "لا أظن أن هذا هو السبب"
كان وافي قد جلس وقال "هذا ما أتحدث عنه"
الغضب لم يترك ظافر وهو يقول "ومن أين سأعرف السبب الحقيقي؟"
ظل راكان واقفا يواجه وقال "منها هي، غضبك هذا لن يفيد بشيء ووضعها بموضع الاختيار أيضا ليس حل، اهدأ وتحدث معها وأخبرها أن ما تدعيه لا يقنعك"
ابتعد وقال "نحن لا نتحدث ولم أعد البيت من وقتها"
قال وافي "من الجنون ترك بيتك مهما كان غضبك ظافر، زوجتك تحبك ولن تجري خلفك لتعيدك، عد لبيتك وابحث عن السبب الحقيقي لما فعلته"
نظر لوافي وقال "ولو ظلت متمسكة برأيها وافي هل تريدني أن أقبل بذلك؟"
أجاب راكان "لا ولكن يمكنكم التفاهم ظافر والوصول لحل وسط يرضي كلاكم لا ترك بيتك بأول مطب بزواجكم"
حدق به ظافر وقال "أنت تريدني أن أقبل ألا يكون لي أولاد راكان؟ أنا لست مثلك لا أهتم بأن يكون لي أسرة وعائلة"
اعتدل وافي بينما لم تتبدل ملامح راكان وظل جامدا ينظر لظافر بينما نهض وافي وقال "ظافر كفى"
لكن راكان قال "لا أحد يختار قدره ظافر، تعلم مكانتي جيدا والمخاطر التي تحيط بي وأسرة وأولاد تعني الكثير بعالمي"
لم يتراجع ظافر وهو يقول "حتى لو راكان، الوحدة تقتل"
أجاب بهدوء "ولكني لم أمت ظافر"
تحرك وافي بينهما وقال "ظافر لم يقصد راكان"
لم يبعد نظراته عن ظافر وقال "أعلم" ثم عاد بنظراته لوافي وقال "وأنا لا يمكنني مصادرة أفكار أحد وافي حتى ولو كانت عني"
ابتعد ظافر وهو يدرك ما قال بينما قال وافي "كلنا نعرف أن حياتك مختلفة راكان ولكن هذا لا يعني أننا نوافق على ذلك، كلنا نتمنى لك الأفضل"
ابتسم راكان وقال "لطالما تنجح بتجميل الحقائق وافي ولكني لست بحاجة بذلك لأني لا أغضب من الحقيقة وظافر لم يخطئ، لكن من يعرف ما الذي يخفيه لنا القدر؟"
التفت ظافر له وقال "لا تغضب مني راكان أنا حقا لا أجيد التفكير وقت الغضب"
عاد لظافر وقال "قلت أني لست غاضب منك ظافر أنا غاضب من أجلك، أريدك أن تعود لبيتك وزوجتك وتحل مشاكلك معها دون غضب لأن الغضب كما قلت أنت يجعلنا لا نجيد التفكير"
هز ظافر رأسه وقال "معك حق، فقط لا تغضب مني فأنت تعلم ما أكنه لك"
ابتسم وقال "بالتأكيد أعلم، فقط ابحث عن السبب الحقيقي لما فعلته مي وحتى لو هي رفضت إخبارك به ابحث أنت حتى تصل له"
صدق وافي هو الآخر "راك على حق ربما هي لا ترغب بإخبارك السبب الحقيقي لذا ابحث أنت وأكيد ستصل له"
****
لم تذهب كالعادة مع ذهاب الجميع، تلك التجربة الجديدة تشغلها جدا والشركة تستحق مثل هذا الانجاز لذا ظلت منكبة على الجهاز دون أن تشعر بالوقت حتى سمعت صوته يقول "أنتِ حقا بحاجة لمن ينتزعك عن هذا الجهاز بالإجبار"
فزعت وانتفضت من صوته وهي تلتفت له ومنظارها الطبي على عيونها اللامعة وهو يقف على باب مكتبها عاقدا ذراعيه أمام صدره ومستندا بكتفه على جانب الباب وعيونه تحدق بها
وضعت يدها على قلبها الذي كان يدق بقوة من الفزع وهي كانت مندمجة بالعمل وبالأساس لم تظن أنها ستراه مرة أخرى فمنذ هاتفها بذلك اليوم لم تراه أو تسمع عنه، وظنت أنه أدرك أن ليس من الصواب أن يتنازل ويعرف امرأة بمكانة تقل كثيرا عن مكانته
أغمضت عيونها لحظة ثم فتحتها وأبعدت نظارتها وقالت "ألا تعرف شيء عن دق الأبواب؟"
جرأتها معه تعجبه تجعله يتأكد أنها مختلفة ولا تتملق لتحقق معه أي نجاح، تحرك للداخل وقال "لقد فعلت ولكنك لم تسمعي، بدا عليكِ الانهماك بالجهاز"
ظلت تنظر له وهي جالسة مكانها وشعرت بأنها أرجعت رأسها كثيرا للخلف لتصل لنهاية قامته وعندما وقف أمامها تطاير عطره الرجولي لها والذي أصبحت تعرفه ولولا سعره المرتفع جدا لاشترت عبوة منه ووضعتها مع المجموعة الخاصة بها
استجمعت نفسها وأبعدت عيونها عنه وقالت "تلك التجربة ستكون مفيدة لشركتك لو نجحت وتبقى لي خطوة واحدة لأنتهي منها"
نظر للجهاز أمامها وقال "يمكنك الانتظار للغد"
هزت رأسها بالنفي وقالت "لا، أحيانا تسقط مني الأمور إذا قطعت العمل"
وضع يداه بجيوبه وعاد لوجهها وقال "هل فكرتِ في عرضي؟"
احتارت وهي تردد "عرضك!؟ أي عرض؟"
كان يحب التجول داخل عيونها الجميلة فظل ينظر لها وهو يقول "ألم أفعل؟"
هزت رأسها بالنفي فابتسم وقال "هل يسمح وقتك بكوب من العصير معي وشرح العرض عليك؟"
تراجعت بدهشة واضحة بعيونها وهي تقول "عم ممدوح رحل فمن أين نأتي بالعصير؟ يمكنك التحدث فكلي آذان صاغية"
أعجبه ذكائها وهي تمنحه كتفها وتعود للجهاز ولكن بالحقيقة هي كانت تفهم جيدا ما يقصده
ظل مبتسما وانحنى ليصل لأذنها وقال "المكان هنا غير آمن عليكِ وأنتِ وحدك مع رجل، لذا اقترحت مكان عام وليس عم ممدوح، دكتورة"
ابتعدت عندما لفحتها أنفاسه الدافئة على عنقها والتفتت تنظر لوجهه القريب منها واندفعت حرارة لجسدها جعلت وجهها يتورد وخجل يأخذها ونظراته تجمدها بمكانها
لم يصمت بل قال بصوت ليس صوته وكأن لسانه انفصل عنه "عيونك جميلة دكتورة حتى وأنتِ غاضبة"
واعتدل مبتعدا وهو يقول "أنتظرك بالسيارة"
تنفست وقد أوقف قربه أنفاسها وأخذ كل الهواء من حولها، ألم ينساها بالأيام السابقة وظنت أنه لن يذكرها مرة أخرى؟
لماذا عاد من جديد؟ وما الذي يريده منها؟
هي لم توافق على الخروج معه فكيف يظن أنها ستفعل؟
حاولت العودة للجهاز والعمل ولكن ذهنها كان مشغول فأغلقت الجهاز وتأخرت على قدر ما استطاعت فالعمدة لن ينتظر امرأة مثلها، لملمت أشيائها وأخذت نفس عميق ثم تحركت للخارج
ما أن نزلت حتى رأته يقف بجوار السيارة يتحدث بالهاتف ولا تعلم لماذا شعرت بالسعادة لأنه ينتظر؟
قبل أن تتحرك سمعت فتاتان بالجوار تتحدثان، أحدهما قالت "يبدو واثق من نفسه جدا"
لفت نظرها للفتاة الأخرى التي قالت "بالطبع، ألا تلاحظين ملابسه الفاخرة ووسامته التي تأخذ العقل؟ ليته ينظر لي أو حتى يمنحني أي اهتمام"
شعرت بالغيظ من كلماتهم عنه ونظراتهم له فعادت له وهو تقريبا مندمج بالحديث وعندما تحركت واقتربت سمعته يتحدث بلغة أخرى خمنت أنها الإيطالية وما أن ظهر جسدها من ظلام المبنى حتى لمحها
التفت لها وتحرك تجاها وهو ينهي حديثه حتى توقف أمامها فتوقفت وقال "ألا تشعرين بالبرد؟"
الجو كان برد بالفعل ولكنها تحب الشتاء ولا تفضل ارتداء الكثير من الملابس، بل بدلتها الرسمية تكفيها
لمعت عيونه القاتمة وهي تقول "لا أحب كثرة الملابس"
هز رأسه وقال "هل نذهب قبل أن تمطر؟"
أجابت ببرود "ومن قال إني سأذهب معك لأي مكان؟"
ابتسم ورغم الظلام إلا أن وسامته كانت واضحة، ماذا يفعل ذلك الرجل معها؟ لا هي ثرية مثله ولا جميلة ولا تملك أي شيء يجعله يهتم بها؟
أجاب بهدوء يثير جنونها "عيونك أخبرتني"
شعرت بوجهها يلتهب من نظراته عندما سقطت نقطة مياه على وجنتها فزعت منها وهي تقول "لن أذهب معك لأي مكان"
لم يمكنها التحرك لأنه كما لو كان يسجنها بمكانها بقيود من حديد تمثلت بنظراته القوية وهو يقول "هل تكفين عن عنادك هذا؟ سنكون بمكان عام وليس غرفة بفندق"
غضبت أكثر وقالت "هل تكف عن حديثك هذا؟ لست خائفة من كل ما تقوله هذا"
أبعد وجهه والقطرات تزداد ثم عاد لها وقال "ماذا إذن؟"
قالت بحدة "ليس هناك ما يجعلني أخرج معك لأي مكان، أنا أصلا لا أخرج مع أي رجال فلماذا أفعل معك؟"
انحنى عليها وقال بحزم "لأنكِ مدينة لي باعتذار، ولأن هناك ما يجب أن نتحدث عنه من اقتراح نوهت عنه لكِ، ولأن المطر يزداد ولن نبقى حتى نغرق، ولأني لا أقبل كلمة لا رهف"
بدا الغضب بكلماته حتى أنها تراجعت لأنه لأول مرة ينطق اسمها ولا يستخدم دكتورة
تراجعت وهو يتحرك للسيارة ويفتح لها الباب ولم ينظر لها والمطر يزداد فتحركت بخطوات غاضبة ودخلت السيارة وأغلق الباب
تحرك بثبات لمقعد السائق ودخل وحل الصمت عليهم وبدت ملامحه جامدة وقلبها يدق بقوة مفرطة لا تعلم سببها
هل هزتها كلماته الغاضبة أم ضعفها أمامه أم منبهرة بالسيارة الحديثة جدا التي يخترق بها الطرق؟
بلا وعي لفت وجهها له لتتأمل ملامحه الجامدة، وسيم، قوي، واثق حقا من نفسه، نزلت بعيونها ليده التي تقبض على المقود ولا ترى بهما أي خواتم ولا دبل زواج، كيف؟
رجل مثله بأواخر الثلاثينات كما عرفت ولا توجد امرأة بحياته؟ لا توجد له أي صورة مع امرأة على الميديا سوى أخته التي أصيبت بحادث من شهور
أبعدت وجهها للمطر المتساقط على الزجاج والماسحات تقذف بالقطرات بعيدا لتمنحه رؤية للطريق، رأت المكان الفاخر الذي وصل له، مكان لم تجرؤ يوما على المرور من جواره..
شخص ما فتح له الباب ورأته ينزل وسمعت الرجل يقول "نورت يا عمدة"
بابها انفتح هي الأخرى فانتبهت لرجل الأمن يفتح لها فنزلت وتحركت لتجده ينتظرها والرجل يقول "مائدتك جاهزة"
هز رأسه بصمت وهو ينظر لها وهي تتحرك بجواره والرجل يفتح لهما الباب وهو يلمس ظهرها ليرشدها وسط الموائد حتى رأت مائدة بركن مزين بأباريق ذهبية ويكاد ينعزل عن باقي المطعم
جلست وهو فتح جاكته وجلس أمامها وتبعهم الرجل وهو يحني رأسه وكأنه أمام ملك ويقول "هل تأمر بشيء الآن؟"
نظر لها ولم تلين ملامحه وهو يقول "العشاء أولا أم تتناولين مشروب؟"
عشاء!؟ هي لم تفكر بذلك، هي ترغب بشيء يعيد لها صوتها وهدوءها فقالت "ليمون"
لم ينظر للرجل وهو يقول "ليمون وقهوتي"
انحنى الرجل وابتعد فقالت "تأتي هنا كثيرا؟"
تراجع بالمقعد وقال "ألتقي هنا بمواعيد خاصة بالعمل"
قالت بلا وعي "فقط؟"
بالطبع فهم سؤالها وهي ندمت عليه وعلى اندفاعها فقالت "أقصد"
قاطعها "أنا ليس لدي وقت للنساء والعلاقات العابرة كما تظنين"
احمر وجهها وشعرت بالخجل ولم تنظر له وهي تقول "أنا لم أظن شيء" ثم رفعت عيونها له وقالت "أنا لا أعرفك"
التقط عيونها التي أعادته للهدوء بعد الغضب الذي كان يغلي داخله بلا سبب وقال "ولا تريدين أن تعرفيني"
عادت الحرارة ترتفع لجسدها وهي تخفي عيونها بأصابعها التي ضمتهم على المائدة وقالت "أخبرتك أني لا أرغب بأي رجال بحياتي"
وضع أحدهم الرجال العصير أمامها والقهوة أمامه وكوب ماء ومن خلفه الرجل الأول والذي قال "بانتظار أوامرك للعشاء يا عمدة"
هز رأسه أيضا دون النظر للرجل وهي تتابع الرجل يبتعد فعادت له وهو ينظر لها فقالت "هل الكل يخاف منك بتلك الطريقة؟"
أجاب بلا تفكير "أنتِ لا تخافين مني فقط تستمتعين بإغضابي"
أخفضت عيونها ولم ترد فأخذ القهوة وقال "فايز كان أول رجل بحياتك؟"
سؤاله الصريح جعلها تنتبه وتشعر بالإحراج وترفع رأسها له وهي تقول "ألا ترى أنك تتدخل بحياتي الشخصية؟"
تناول القهوة وقال "التي يمكن أن أعرفها بسهولة دون سؤالك؟"
ظلت تنظر له بقوة وقالت "لماذا تسألني إذن؟"
أنهى القهوة وعاد لعيونها وقال "لأني أريد ذلك، لماذا هذا العناد معي؟"
قالت "لأن غرورك يصور لك أنني سأركع لك"
ابتسم أخيرا ولانت ملامحه من كلماتها وقال "لا أحب النساء الراكعات"
تورد وجهها وذلك الرجل جعلها تشعر بأشياء كثيرة لم تعرفها، أشياء تجعلها تخجل وترتجف كورقة شجر هشة
تجنب ردها وقال "أنتِ مدينة لي باعتذار"
تنفست براحة وقالت "على ماذا؟"
قال "على سوء الظن، منذ التقينا وأنتِ تجديني فايز آخر"
حدقت بعيونه ثم أخفضت عيونها وقالت "أخبرتك أني لا أعرفك، هل من المفترض أن أتصرف بشكل طبيعي معك وأنت تخترق حياتي بطريقة غير طبيعية؟"
اعتدل وقال "وماذا أفعل وأنا أجد رجل يحاول التهجم عليكِ ببيتك مرة وخطفك مرة أخرى؟ هل استأذنك وأعرفك على نفسي أولا ثم أنتظر الإذن للدفاع عنك؟"
سخريته جعلت الدماء ترتفع لوجهها وقالت بصوت منخفض "لماذا بالأساس اهتممت بما يخصني؟"
أجاب بهدوء "ألا تملين من ذلك السؤال؟ لأن ملفك الشخصي أشار بأن فايز يطاردك ولا وسيلة لديك لوقفه، ولأنك كدكتورة ذات مركز هام لدي أردت حمايتك كي لا تضيع خبرتك خارج شركاتي"
لا تصدق أنه وجد سبب مقنع لها وبعيدا جدا عن أفكارها التي كانت تثير غضبها فأبعدت وجهها وهو ظل يتأمل ملامحها الرقيقة، بها جاذبية غريبة، كاذب بكل كلمة قالها..
هو أراد حمايتها ليس لأنها تعمل عنده، بل لأنه منذ رآها وشعر أنها تخصه وعليه حمايتها وليس من حق أحد آخر دخول حياتها، هو فقط من يحق له ذلك وقد فعل
صمتها جعله يقول "لم لا تتوقفين عن هذا العناد وتحاولين اكتشاف ما إذا كنت جيد أم لا؟"
لفت وجهها له فكانت نظراته هادئة، رفعت العصير وتناولته ثم عادت له وقالت "وكيف أفعل؟ وهل ستمنحني أي شيء عنك؟"
ابتسم وهو يتراجع بالمقعد وقال "فقط اسألي ولكن ليس لماذا تفعل ذلك معي؟"
ابتسامته زرعت راحة غريبة داخلها جعلتها تبعد كل الغضب بعيد فقالت "لماذا مجال الالكترونيات بالذات؟"
لم ترحل ابتسامته وهو يقول "لأنه لغة العصر، وبمصر هو بحاجة لنقلة كبيرة قد يساهم بها مشروعي"
تناولت الليمون وقالت "وهل لديك خبرة به؟"
قال بهدوء "وماذا أفعل بأربع خبراء من أفضل الموجودين بمصر؟"
هزت رأسها وقالت "أنت لم تدرس الكترونيات؟"
هز رأسه وقال "لا، إدارة أعمال"
لم تبعد عيونها عنه وقالت "الميديا تقول أن ليس لك عائلة سوى أخت"
كان هادئ بتلقي الأسئلة وقال "نعم، سارة كانت تعيش بإيطاليا"
تراجعت وقالت "ولماذا هناك وأنت هنا؟"
ظل صامتا لحظة ثم قال "ما رأيك بالعشاء ونحن نكمل؟"
هزت رأسها فرفع يده دون أن يبعد عيونه عنها فظهر الرجل بالحال يقول "أوامرك يا عمدة"
سألها "ما رأيك بطعام إيطالي؟"
هزت رأسها مرة أخرى ربما تقلل من العناد كما قال فنظر للرجل "طعام إيطالي محب"
انحنى الرجل ورحل فقالت "أخبرني لماذا يتعامل هكذا معك؟"
ابتسم وقال "لأني المالك دكتورة، أنا صاحب المكان"
هزت رأسها وقالت "كان لابد أن أعرف، العمدة لقب كبير"
هز رأسه وقال "بالتأكيد، جدي كان العمدة الكبير وورثته عنه"
ظلت تنظر له حتى قالت "أنت ترد بكلمات مختصرة جدا تشعرني أنك جدار صلب من الصعب اختراقه"
ظل ينظر لها حتى نفخ وأبعد وجهه لحظة ثم عاد لها وقال "هذا ما اعتدت أن أكونه طوال سنوات عمري، الحديث عن نفسي أمر لم أعرفه لأن ليس لدي ما أتحدث عنه، تقريبا حياتي على الملأ"
هزت رأسها بالنفي حتى قالت "بالعكس، لا شيء عنك على الميديا، تقريبا كله خاص بالعمل، الخبر الشخصي الوحيد عنك هو أختك"
ابتسم وقال "أخبرتك أن ليس لدي شيء، لماذا لم تعرفي والد حبيبة؟"
تراجعت وهو يدير دفة الحديث ولكنها قالت "كنت صغيرة جدا وقتها ولم يكن هناك زفاف ولم نراه، ابنة خالتي اختفت فترة ثم عادت وهي متزوجة وحامل"
وصل الطعام وثلاث رجال تضع الأطباق باحترام وهما يتأملان ما يتم وهي تحاول التأقلم مع ما يحدث لها فهذا عالم لم تعرفه من قبل
ابتعد الرجال فظلت جامدة مما جعله يقول "ألا يعجبك؟"
رفعت وجهها له وقالت "نعم، أنا لم أعتد كل هذا الثراء يا عمدة، أنا لست من هذا الوسط"
ابتسم وقال "بالمرة القادمة سأترك لكِ الاختيار"
حدقت به وقالت "المرة القادمة!؟"
رفع الشوكة وقال "لنترك الجدال والاعتراض لبعد العشاء، وجود الطعام أمامي فرصة لا أحظى بها إلا نادرا فأنا أنسى تقريبا متى تناولت الطعام"
ابتسمت وقالت "تكذب كثيرا والعمدة لا يكذب"
ابتسم وقال "لم لا نجعلها راكان؟"
تورد وجهها وقالت "تتنازل عن لقبك بسهولة"
ابتسم هو الآخر وقال "بمقابل"
مال وجهها وقالت "الذي هو"
أجاب "تتنازلي عن دكتورة"
ظلت تنظر بعيونه حتى هزت رأسه وقالت "لا تحب كلمة لا"
تنهد وقال "فقط وقت الغضب، ألا تتوقفين عن الجدال أبدا أم هذا معي فقط؟"
كشرت وقالت "العمدة يبدو متذمر"
تراجع وقال "العمدة فقد كل طرقه معك"
ضحكت وقالت "نفسك قصير"
نظراته ظلت تلاحقها حتى قال "ضحكتك جميلة"
ثبتت ابتسامتها وقالت "أنت لا تقبل الهزيمة"
تناول الطعام وقال "كما هو أنتِ"
تناولت الطعام مثله وبدا جيد بالفعل فقالت "تبدو مغرم بكل ما هو إيطالي"
أجاب "نعم، لي عمل كثير هناك وصديقي أيضا هناك وجدي اهتم بأن أجيد أكثر من لغة"
سألته "والدتك؟"
أجاب "ماتت بولادتي ووالدي رحل لبلد آخر وأنا بالثانية عشر، جدي من تولاني منذ كنت رضيع وجدتي نالت نصيبها مني"
كانت تتابعه وهو يأكل بشهية فقالت "ألم تحتاج لأيا منهم؟ والديك؟"
رفع نظراته لها وقال "لم يكن عندي وقت، جدي عرف جيدا كيف يلغي أي مشاعر داخلي"
كانت تتابعه وهي تتناول طعامها وقالت "هذا يعني أنك لم تعرف الحب بيوم؟"
رفع عيونه لها فلم تفر منه حتى قال "الحب رفاهية لا أملكها"
شعرت بقلبها ينقبض بلا سبب، تناولت بعض الماء وكأنها تبتلع كلماته ثم عادت للطعام فقال "وأنتِ؟"
عادت له وهي تسأله "أنا ماذا؟"
أجاب "الحب؟"
أخفضت وجهها وقالت "لم أعرفه، موت ماما المبكر دفع المسؤولية كلها على عاتقي والأمر لم يقتصر عليّ، بل حبيبة أيضا والأقارب اختفت فجأة فكان علي العمل والدراسة حتى ننجو من فخاخ الدنيا فأين الوقت للحب؟"
انتهى من الطعام وتراجع بالمقعد وقال "وفايز"
انتهت هي الأخرى وقالت "لاحقني بشكل غير طبيعي، ضغط علي ومنحني أفكار كاذبة أنه سيحمل معي المسؤولية، وظننت أن وجود رجل معنا سيكون أفضل لكن الحمد لله انكشف بسرعة، اسبوع كان كافي لألقيه خارج حياتي"
تحرك الرجال على الفور لإزالة الأطباق وما أن اختفوا حتى ظهر سيف وهو يقول "مساء الخير"
لم ينظر له وقال "سيف، رجلي الأول ووجوده يعني انتهاء تلك الأمسية"
منحت سيف ابتسامة هادئة ثم عادت له وقالت "بالتأكيد أنت شاكر له وجوده"
اعتدل وقال "بالتأكيد بدليل أني أرغب بلكمه بوجهه حتى يختفي من أمامي"
شحب وجه سيف وكتمت هي ضحكة وهو يرفع وجهه لسيف الذي انحنى وقال "مشاكل بالجونة، تعلم أنها لم تنتهي"
نظر له وقال "ووافي؟"
أجاب "لم ينهيها بسبب حادث سيد رائد والأفضل تدخلك"
عاد لها وقال "هل نذهب؟"
هزت رأسها وقالت "بالتأكيد"
نهض وأغلق جاكته كما فعلت وأسرع له الرجل وهو يقول "نورت يا عمدة"
انتظرها حتى تقدمت أمامه وقال "الطعام جيد محب"
تحرك خلفها وسيف يتبعه ومحب يقول "في خدمتك دائما"
لم يجيب حتى خرجا فقالت "لو مشغول يمكنني.."
قاطعها "لا يمكنك"
توقفت سيارته أمامهم ففتح لها الباب ودخلت ونزل الرجل من مكان السائق فالتفت هو لسيف وقال "اتبعني وسنرحل سويا للجونة بعد توصيل الدكتورة"
هز سيف رأسه وتحرك للسيارة، دخل وقاد وهو يقول "تتركين حبيبة وحدها كثيرا؟"
قالت "للأسف بسبب الجامعة والعمل وهي ما بين المدرسة والدروس"
التفت لها وقال "بخصوص الجامعة لم لا تتقدمين بطلب اجازة وتعملين معنا بشكل كامل؟ سيتضاعف راتبك لدوام كامل وسيكون مجهودك أقل، ستكونين المسؤولة عن القسم كله"
لم تنظر له وهي تفكر كثيرا، يمنحها منصب رائع حقا ومع ذلك تشعر بالخوف بلا سبب لذا قالت "أحتاج للتفكير، منصب الجامعة هام لي جدا فأنا أحب التدريس"
نظر لها وقال "ولكنك تحبين أبحاثك وتجاربك أكثر، وهو ما توفره لكِ الشركة وهو ما نحتاج له"
عاد للطريق وهي تبعد رأسها للخارج ولم ترد وهو الآخر تركها للتفكير بلا ضغوط
توقف بالسيارة أمام بيتها ثم التفت لها وقال "غدا ستمنحينني موافقتك على العمل معنا"
قالت بجدية "ستتركني أنا أقرر متى تنتهي مهلة التفكير وماذا سأقرر لأنه أمر يخصني"
أبعد وجهه فقالت "أنا لا أحب فرض الآراء"
التفت لها وقال "وأنا لا أحب العناد"
ابتسمت وقالت "حاول أن تعتاد"
والتفتت لتنزل لكنه أمسك يدها فالتفتت لتنظر ليده ثم رفعت وجهها له فقال "ولو لم أفعل؟"
لم تبعد عيونها ولكنها أبعدت يدها وقالت "لا تبحث عني، يا عمدة"
ونزلت وهو يتابعها بنظراته وهي لم تنظر حتى له
كانت قوتها تعجبه وعنادها يمنحه لذة غريبة بعلاقتهم، السهل ليس بمثير، لذا كل ما يتعلق بها يجعله مستمتع
انفتح الباب وركب سيف بجواره فأبعد وجهه وقاد السيارة وسيف يقول "تفضل أن أقود أنا؟"
رد باختصار "لا"
سيف يعرفه جيدا لذا التزم الصمت، وما زال ذهنه يسترجع كل الأمسية وما دار بينهم وتحول الغضب لمتعة وللأسف كل متعة لابد أن تنتهي كما اعتاد وعليه ارتداء قناع العمدية مرة أخرى
ألقت حقيبتها على فراشها وخلعت جاكتها وأبعدته واستلقت على الفراش جاذبة الوسادة لأحضانها وهي تتذكر كل ما دار بينهم
ذلك الغامض المثير شغل كل عقلها وجرها له بشكل غريب، لا تعرف لماذا تعاند معه ولكنها استمتعت بكل لحظة أمضتها معه وكل كلمة
ذلك الرجل كثير عليها جدا، العمدة، الرجل الذي لم تخترقه امرأة من قبل
علاقاته تكاد لا تذكر فهل يمكنها اختراق حياته المجهولة؟ هل ستسمح لرجل باختراق حياتها؟
التفت على ظهرها وحدقت بالسقف فوقها وهي تذكر ابتسامته وغضبه بذات الوقت والعالم الذي يعيش به، رحلت ابتسامتها وهي تذكر عالمها المختلف نهائيا عنه ولا تعلم هل يمكن تجاوز الفروقات؟؟
****
منذ سافر يحيى إيطاليا عائدا لعمله لم تتواصل معه، كلاهم لم يفعل، لم تبكي ولم تنهار ولم تندب حظها بل دفنت رأسها بالدراسة وتدريبات العزف
بعد المسابقة وفوزها انفتحت لها طرق كثيرة وانشغل وقتها حتى مر وقت كبير ورأت هاتفها يضيء باتصال على النت باسمه
كان عليها أن تجيب ولكنها تمهلت قليلا حتى أجابت "مرحبا يحيى"
أجاب بصوت هادئ "مرحبا مليكة، اشتقت لك؟"
سألته ساخرة "حقا؟"
نفخ ثم قال "تعلمين أني عدت للعمل وكان هناك الكثير متأخر بغيابي"
جلست بمنتصف الفراش وقالت "بالتأكيد"
قال "كنتِ غاضبة مليكة وتركت لكِ الوقت كي تستعيدي نفسك وظننتك ستهاتفينني ولكنك لم تفعلي"
رفعت وجهها وقالت "أهاتفك؟ أنت رحلت ونحن أنهينا كل شيء يحيى"
قال بسرعة "لا مليكة، أنا لم أنهي أي شيء، كان مجرد خلاف كأي خطيبين"
هتفت "أي خطيبين لا يوقفان الاتصالات لأكثر من اسبوعين يحيى"
نفخ وقال "حسنا كنت غاضب مليكة وانتظرت حتى أهدأ وأنتِ تعيدي التفكير"
تجولت عيونها حولها وقالت "بماذا؟ أعيد التفكير بماذا؟"
قال "العزف والموسيقى والزواج"
ردت "ليس هناك أي جديد بتفكيري يحيى، أنا لن أتوقف عن العزف، سأكون زوجة وأم وعازفة، غير هذا لن أكون"
هتف "لا تفرضي شروطك مليكة، أنا الرجل"
هتفت "الأمر لا يتعلق بالرجولة، الأمر يتعلق باحترام كلانا للآخر، احترامنا لرغباتنا وأحلامنا، أنت تريد أن أكون ما ترغب به ولا يهمك ما أرغب أنا به، أن أتنازل عن أحلامي وطموحاتي لأحقق رغباتك أنت وأنا لا أوافق على ذلك"
صمت قليلا وكلاهم يستعيد أنفاسه حتى قال "مليكة أنتِ تدمرين كل شيء"
ظلت قوية وقالت "أفضل من أن تدمرني وأندم باقي حياتي"
صمت مرة أخرى ثم قال "أنا أحبك مليكة"
سقطت دمعة من عيونها وقالت "أنت لا تحبني يحيى، أنت تحب نفسك فقط، وللأسف حياتنا لن تكون ناجحة لأنني أرغب بالكثير وأنت ترغب بالكثير أيضا لذا طرقنا ليست واحدة"
قال "أنتِ تنهين خطوبتنا؟"
سقطت دموع أخرى وقالت "أنا آسفة يحيى"
وأغلقت وتركت الهاتف ثم نظرت لدبلتها وبأصابع حاولت أن تكون ثابتة خلعتها ووضعتها بعيدا والتفت بالفراش وتركت دموعها تشاركها لحظتها
****
لم تستطع رؤية رائد منذ انتقل لبيت راكان، الذهاب إلى هناك كان صعب فهي لم تفعلها من قبل إلا مرة وقت مرض سارة، ووافي قد لا يقبل ذلك لو علم
انتهت من امتحاناتها ورحلت للشركة وهناك التقت بعماد ولم تكن بحالة تسمح لها بأن تقابل أحد، الهاتف لم يمنحها أي راحة فهو كان دائما مع أحد
عماد أصر على توصيلها للسيارة وهي ابتسمت له ابتسامة باهتة وهي تركب عندما رن هاتفها باسم وافي فأجابت فقال "مرحبا حبيبتي هل انتهيت؟"
قالت "نعم وافي، أين أنت؟"
قال "بطريقي للجونة، راكان سبقني وأنا خلفه هناك مشاكل كثيرة هناك، هل أنتِ بخير؟"
اعتدلت وقالت "نعم متى ستعود؟"
قال بهدوء "لا أعلم بعد"
ترددت قليلا ثم قالت "سارة هاتفتني وتريد رؤيتي"
صمت قليلا ثم قال "هل بدأت تخرج؟"
قالت بجدية تخفي دقات قلبها "ليس بعد، ولكن المخرج حصل على موعد معها وأظن أنها تحتاج رأيي، سأمر عليها قبل العودة للبيت ما زال هناك وقت"
عاد للصمت مرة أخرى فنادته فقال "حسنا ليان لكن لا تتأخري"
تنفست بقوة وقالت "لن أفعل، شكرا وافي"
منحت السائق المكان وهي سعيدة، أخيرا ستراه بعد يومان لم تفعل تشعر وكأنهم عامان، حديثهم الأخير بالمشفى كان يعني لها كل ما تمنت، هو لها كما أرادت، هو يفكر بها كما تفكر به ولو يعلم أنها تحبه سيخبرها بحبه هي متأكدة من ذلك
مشاعره واضحة بعيونه وكلماته وحتى لمسة يده، وافي سيتفهم ما بينهم، لابد أن يفعل فهي لن تقبل الفراق مرة أخرى فقد تألمت منه بما يكفي
وصل السائق للقصر وما أن وصلت حتى فتح لها أحد رجال الحراسة، ليست أول مرة تأتي ذلك القصر، هو غريب حقا وكبير جدا بمكان يكاد يكون منعزل وتحيط به أراضي واسعة وحدائق كبيرة والقصر تم تجديده من وقت قريب فبدا رائعا
فتحت لها الخادمة فدخلت وتأملت القصر المهيب كالعادة، كان رائع، ضخم ولكنه من أفضل ما رأت وصلت لمنتصف البهو الواسع والأرض الجرانيت صلبة تحت أقدامها المهزوزة
التفتت للخادمة وقالت "الآنسة سارة من فضلك"
هزت المرأة رأسها وقالت "خرجت يا آنسة ولم تعد حتى الآن"
لم تهتم وهي تقول بصوت غير جريء "السيد رائد"
أشارت المرأة لغرفة جانبية وقالت "بغرفته، من هنا، ماذا تفضلين تناول؟"
ابتسمت لها وقالت "لا شيء شكرا"
ابتعدت المرأة وتحركت هي حيث أشارت المرأة وقلبها يدق بقوة، ما تفعله خطأ، لا يجب أن تأتي وحدها وحتى سارة غير موجودة،
سكنت مكانها قبل أن تصل للباب وظلت تحدق به والتفتت لتعود ولكن.. صوت ضحكة نسائية جعلتها تتوقف وتعود للغرفة وقلبها فزع من الصوت ورأسها يحاول التركيز حقا بما سمعته..
ضحكة جديدة صدرت وهي بالتأكيد من خلف هذا الباب
حرارة صعدت لوجهها وارتعاشه أصابت جسدها ووهن ضرب ساقاها حتى أنها لم تجد قوة لتخطو بها نحو الباب وصوت من داخلها يصرخ بها "ارجعي، لا تتقدمي خطوة واحدة، الجحيم هو ما ستجدينه"
ولكنها هزت رأسها وكأنها ترد بأن ذلك غير صحيح، نظراتها كانت جامدة لا تحيد عن الباب وظلت تلح على جسدها ليستجيب لها حتى فعل
تقدمت خطوة وأخرى ببطء حتى ازداد الصوت وأمام الباب توقفت، صراع داخلي ما بين أن تدخل وتواجه لهيب الألم والعذاب وبين العودة ولا تعلم ماذا ستواجه؟
حتى انتصر الفضول ومدت يدها للمقبض وأدارته وانفتح الباب وتركته يرتد للخلف وهي تتقدم خطوة أخرى حتى رأت ما كانت تخشاه
بأحضانه، هي، امرأته، عشيقته، يلفها بذراعه وهو على الفرش وهي تكاد تكون نائمة فوقه وقبلتهم تُخجل من يشاهدها..
كادت تشهق من تلك الدموع التي خنقتها، هو لن يكون مخلص، أخبرها أنه ليس ذلك الرجل ولن يكون ولكنها ظنت.. ماذا؟
كانت غبية وقت ظنت أنه سيتنازل عن ماضيه وحياته من أجلها
لا تعلم كيف مال جسدها واصطدم بالباب فأحدث صوت جعل رائد ينتبه ويدفع ميرندا عنه بقوة لم تلاحظها حتى رآها
شحب وجهه وهو يلتقي بعيونها وقبل أن تلتفت المرأة وتراها كانت قد التفتت هي وأسرعت بكل قوتها خارج هذا المكان وهي تحاول أن ترى طريقها من بين الدموع وذلك المشهد الذي لا يتركها
ألم، ألم لا يحتمل كان يضربها داخل صدرها جعلها تتخبط بطريقها وهي تصل للسيارة والسائق يقود بها
انهارت بالبكاء رغما عنها ولم تفكر بالسائق الذي تابعها بالمرآة ولا بما تركته خلفها
كانت تستعيد ما رأته ولا تصدق أن كل ما بنته من أحلام سقط منهارا عليها ودفنها تحت أنقاضه ولن يمكنها أن تنهض مرة أخرى.. صدمتها كانت قوية، بقوة أكبر مقياس للزلازل على ريختر، صدمة هزت كيانها وزلزلت كل ذرة داخلها ولا مجال للنجاة من العذاب الذي حكمت به على نفسها
ما أن دفع رائد تلك المجنونة بعيدا عنه حتى رأى ليان، الصدمة لم توقف عقله بل هتف بكل قوته "ليان"
ولكنها كانت قد اختفت فأدرك أنها رأته وميراندا تحاول تقبيله ولم تراه وهو يحاول إبعادها
تحرك بالفراش راغبا بالنهوض واللحاق بمجنونته رغم الألم الذي صرخ بضلوعه، دفع ساقه التي بالجبيرة بيده لينهض من على الفراش وما زال يهتف بقوة "ليان انتظري"
حركته كانت صعبة، وجراحه كثيرة والألم كان كالنيران التي تحرق كل جزء بجسده لكن نظرتها له كانت جحيم يستعر به
ميرندا هتفت بدهشة "رائد ماذا تفعل؟ رائد من هي ليان هذه؟ رائد ماذا تفعل؟"
هتف بها بغضب "اخرسي، كله بسببك"
وما أن تحرك جسده ودفع ساقه السليمة على الأرض وحاول النهوض، حتى سقط على الأرض وما زال يهتف باسمها بلا فائدة والألم يكاد يقضي عليه وميرندا انحنت لتساعده
لكنه دفع يدها بعيدا وهو يهتف "ابتعدي عني واخرجي، لا أريد رؤيتك، اخرجي من هنا"
وبلحظة وصل رجال الحراسة على صوته وأعادوه على الفراش وسط ألامه وأغمض عيونه وهو يدرك أن كل الأحلام التي كان يحلم بها بالأيام السابقة ضاعت ورحلت بسبب تلك الغبية التي فرضت نفسها عليه وهو يحاول إبعادها لتختار صغيرته ومعذبته الوقت ذاته لتدخل وتراه وأبدا لن تصدق براءته
هو الخائن، رجل النساء
هذا هو رائد المسلماني وسيظل كذلك للأبد
****
عاد ظافر البيت بعد انتهاء اجتماعه، لم تكن مي قد عادت، دخل غرفتهم وقد افتقد البيت، بل وافتقدها هي كثيرا، لم يمكنه إنكار أنه يحبها جدا والبعد عنها كالجحيم
تذكر كلمات وافي وراكان، ابحث عن سبب آخر
ترى ماذا يمكن أن يكون السبب وراء ما فعلته؟
نهض وتحرك لخزانة الملابس وفتح خاصته ولكن، لا يعلم لماذا عاد لخزانتها وفتحها وتوقف أمامها ولا يعرف ماذا يفعل ولكنه اتخذ قراره ولم يتراجع ربما وجد أي شيء يعيد له هدوئه
ما أن أوقفت مي سيارتها أمام الفيلا حتى رأت سيارته فشعرت بسعادة وأسرعت تجذب حقيبتها ونزلت والخادمة تفتح لها الباب وهي تسألها "ظافر هنا؟"
ابتسمت المرأة وقالت "نعم مدام بغرفتكم"
أسرعت للأعلى والسعادة تأخذها، يومان لم تراه ولا يجيب اتصالها ولا تعرف أين هو، فتحت باب الغرفة وهي تلتقط أنفاسها وابتسامة تعلو وجهها وهي تهتف "ظافر حبيبي"
تجمدت مكانها ورحلت ابتسامتها وهي تحدق به وهو يلتفت لها ويلتقي بعيونها التي سقطت على الأوراق التي بيده وملامحه متجهمة وهي تشعر بأن الدنيا تلف بها وترنحت وهي تقاوم دوار يصيبها
أسرع لها وهي تستند على الباب حتى وصل لها ورفعها بين ذراعيه وهو يناديها