رواية خادمتي الصامته الفصل الواحد والعشرون21 بقلم اسماعيل موسي

رواية خادمتي الصامته الفصل الواحد والعشرون بقلم اسماعيل موسي
همس محروس بقا كده يا اولاد؟ بعد كل إلى خططته تيجى البت مفعوصة الرقبه دى بمسكنتها وسهوكتها تبوظ كل حاجة ؟
ضحكت مريم بتشفى هتعمل ايه يا محروس بيه؟
رمقها محروس بغضب ،اسكتى يا بت مقصوفة الرقبه انتى
ما هو يا حماره لو عرفتى مكان الدهب مكنش بقا دا حالنا

وانى هعمل ايه عاد يا محروس؟ البيه مش بيسيب غرفته ولا بيطلع من القصر.

غورى من وشى أمرها محروس وهو يشعل سيجاره لف
يابت استنينى فى غيط مرزوق بعد المغرب
ابتسمت مريم فى دلال، طوحت طرحتها ومشت بغنج.

لم يكن محروس ليرضى ان يفقد مكتسباته، تعود على عيشة الراحه واكل السمن البلدى والدجاج وتدخين التبغ الفاخر

سار وسط الحقل واحاطت به ازرع الذره  حبلى تحنى رؤسها
وقد استوت ،راح يضرب الافرع وهو يمشى فى حيرة
قطع كوزين ذره وجلس جوار الساقيه واشعل الحطب
تقى؟
وديتك عند العمده وقلت خلصت منك قوم يجى الباشا يدفع دينك ودين ابوكى عويس
لا وايه كمان يرجعك القصر، تذكر عندما احتضنها عنوة وسط الطريق ،ارتجافة جسدها وملمس جسدها الناعم
هيجرى ايه يعنى ؟ منا عملتها قبل كده كتير ودى بت خرصه ومش هتعرف تتكلم ؟
راح ينهش كوز الذره باسنانه الصدئه وفى عقله استقرت فكره.

بعد تلك الليلة عادت حياة تقى إلى القصر، لكنها لم تعد كما كانت من قبل، فقد عادت وهي تحمل في داخلها شيئًا جديدًا لم تعرفه طوال حياتها، شعورًا بأن لها مكانًا تستطيع أن تختاره بنفسها، وأن العمل الذي تؤديه لم يعد ثمنًا لدين أبيها ولا وسيلة لإنقاذ أسرتها من غضب رجل أقوى منهم، وإنما أصبح عملًا لها أجر ثابت عليه، ومكانًا تستطيع أن تعيش فيه دون أن تكون رهينة لأحد.

ومع ذلك، لم تسمح تقى لنفسها أن تتغير كثيرًا، فقد استيقظت في الصباح الباكر كعادتها، وبدأت عملها قبل أن يستيقظ أهل القصر، تحمل الماء، وتنظف الغرف، وترتب المكان، وتتابع ما يحتاج إليه القصر من أعمال، وكانت تتحمل عبء العمل كله بصبر اعتادته منذ طفولتها، حتى بدا لمن يراها أنها لم تعرف في حياتها طريقًا آخر غير التعب
وكانت مريم تراقبها في صمت
كانت مريم هي الخادمة الأخرى في القصر، لكنها لم تكن تشبه تقى في شيء، فقد كانت تحسن اختيار اللحظة التي تظهر فيها أمام الباشا، فإذا كان نوح في القصر رأيتها تتحرك بخفة بين الغرف، تحمل شيئًا أو ترتب آخر، وتحرص على أن يسمع صوتها وأن تقع عينه عليها وهي تعمل، أما إذا غاب عن المكان، خفتت حركتها شيئًا فشيئًا، ووجدت دائمًا عذرًا يبعدها عن الأعمال الثقيلة، حتى أصبحت تقى تحمل الجزء الأكبر من عبء القصر دون أن تشكو.

وكان أكثر ما يضايق مريم أن نوح لم يكن غافلًا عن ذلك
لم يكن يتحدث كثيرًا، لكنه كان يلاحظ، وكان يرى تقى وهي تبدأ عملها قبل الجميع، ويرى مريم حين تظهر فجأة إذا مر من المكان، ثم تختفي عندما ينشغل عنها، ولذلك لم يكن يمنحها ذلك الاهتمام الذي كانت تسعى إليه، الأمر الذي زاد الضيق في قلبها يومًا بعد يوم،ومع مرور الأيام بدأت مريم تغير طريقتها
لم تعد تترك تقى تعمل وحدها في صمت، بل صارت تلقي عليها الأعمال الثقيلة وكأنها صاحبة حق في إصدار الأوامر، فإذا فرغت تقى من تنظيف غرفة وجدتها تنتظرها في أخرى، وإذا انتهت من ترتيب شيء طلبت منها أن تعود إليه بحجة أنها لم تحسن ترتيبه، وكانت تتعمد أن تختار الأعمال التي تحتاج إلى جهد أكبر، ثم تقف بعيدًا تراقبها وهي تقوم بها
أما تقى فلم تكن تجيبها
كانت تنظر إليها لحظة، ثم تعود إلى عملها، فقد تعلمت أن الصمت في كثير من الأحيان أقل كلفة من الدخول في خصومة مع شخص يبحث عن سبب للنزاع،وكان هذا الصمت يزيد مريم غيظًا
فهي لم تكن تريد منها مجرد الطاعة، بل كانت تريد أن ترى في عينيها الهزيمة، وكانت تريد أن تشعر بأنها استطاعت أن تنتزع منها المكان الذي عادت إليه، لكن تقى كانت تمضي في عملها دون أن تمنحها ذلك الانتصار.

وفي إحدى المرات كانت مريم قد تركت بعض الأعمال التي كان ينبغي أن تقوم بها، ثم خرجت من المكان، وعندما دخل نوح باشا إلى القصر وجد تقى تقوم بها وحدها
نظر إليها لحظة، ثم سألها عما تفعل
رفعت تقى عينيها إليه، ثم أشارت بيدها إلى ما حولها، وكأنها تقول إن هذه هي أعمال القصر
ظل نوح ينظر إليها قليلًا، ثم قال بهدوء إن عليها ألا تحمل فوق طاقتها، وإن لكل عمل صاحبه،خفضت تقى عينيها، ولم تقل شيئًا
لكن مريم التي كانت تقف على مسافة منهما شعرت بأن الكلمات أصابتها في موضع لم تستطع أن تخفي ألمه، فقد فهمت أن الباشا بدأ يرى ما تحاول إخفاءه، وأن وجود تقى في القصر لن يكون عابرًا كما كانت تتمنى.

ومنذ ذلك اليوم، لم يعد غضب مريم من تقى مجرد غيرة عابرة، بل تحول إلى حقد صامت، وصارت تبحث عن طريقة تجعلها تبدو مقصرة أمام نوح، دون أن تظهر هي في الصورة
أما محروس خولي العزبة، فقد كان الأمر بالنسبة إليه أكثر من مجرد كراهية لخادمة
كان يرى في عودة تقى إلى القصر خطرًا على نفوذه، فقد كان يعرف أن نوح باشا ليس رجلًا يسهل خداعه، ويعرف كذلك أن ما حدث لتقى في العزبة قد ترك أثرًا في نفسه، وأن قربها منه قد يجعله أكثر انتباهًا لما يجري بين أهل العزبة وخدمها
وكان محروس لا يريد ذلك
كان قد اعتاد أن تكون أمور العزبة تحت يده، وأن تمر الأخبار إليه قبل أن تصل إلى الباشا، وأن يعرف من يدخل ومن يخرج، ومن يقترب ومن يبتعد، ولذلك لم يكن مرتاحًا إلى وجود تقى بالقرب من نوح، خصوصًا بعدما عادت إليه وهي تحمل في داخلها معرفة بما حدث لها على أيدي رجال العمدة ومحروس نفسه.

بدأ محروس يفكر في التخلص منها بطريقة لا تترك عليه أثرًا
لم يكن يستطيع طردها من القصر، فنوح هو صاحب المكان، ولم يكن يستطيع أن يأمرها بالرحيل، لأن الباشا أعلن بنفسه أنها ستعمل في القصر بأجر ثابت، ولذلك كان عليه أن يجد طريقًا آخر.

كان يريد أن يجعل وجودها في القصر عبئًا على نوح
مرة عن طريق خطأ صغير في العمل، ومرة عن طريق اتهام لا يمكن إثباته، ومرة عن طريق إشاعة تصل إلى الباشا في الوقت المناسب، حتى يبدو الأمر وكأن تقى هي مصدر المشكلات التي بدأت تظهر في القصر.

وكان محروس يعرف أن أفضل المكائد ليست تلك التي تصرخ في وجه صاحبها، وإنما تلك التي تجعله يظن أنه اكتشف الحقيقة بنفسه،وفي الأيام التالية بدأ يتحرك بحذر
كان يسأل عن تقى دون أن يبدو مهتمًا بها، ويتحدث عنها أمام بعض رجال العزبة بكلمات عابرة، ثم يترك لهم مهمة نقل الكلام، وكان يعرف أن كلمة صغيرة في العزبة يمكن أن تتحول في يوم واحد إلى حكاية كاملة، وأن الحكاية إذا وصلت إلى المكان الصحيح قد تصبح حقيقة في عيون الناس
ولم يكن وحده من يبحث عن ذلك الطريق
فقد كانت مريم، من جانبها، قد بدأت تدرك أن محروس يحمل الضيق نفسه من عودة تقى، فوجدت في ذلك فرصة، وصارت تقترب منه كلما سنحت لها الفرصة، وتتحدث عن تقى بطريقة تبدو في ظاهرها بريئة، لكنها كانت تختار كلماتها بعناية، وكأنها تريد أن تضع حجرًا صغيرًا فوق حجر حتى تبني بينهما جدارًا لا تراه تقى
وكان محروس يستمع إليها دون أن يجيب كثيرًا
لكنه في كل مرة كان ينصرف وفي ذهنه فكرة جديدة
حتى جاء اليوم الذي قرر فيه أن يبدأ أولى مكائده الحقيقية، مكيدة لا تحتاج إلى مواجهة مباشرة، ولا إلى رجل يشهد عليه، وإنما تحتاج فقط إلى أن تختفي أشياء من مكانها الصحيح، ثم تظهر في المكان الخطأ، وحينها لن يكون على أحد سوى تقى أن يدفع ثمن الشبهة
وكان محروس يعرف أن الباشا لن يصدق اتهامًا بسهولة
لذلك لم يكن يريد أن يتهمها مباشرة
كان يريد أن يجعل الأدلة تتحدث بدلًا منه، وأن يجعل تقى تجد نفسها مرة أخرى واقفة أمام سؤال لم ترتكب ما يستحقه، لكنها عاجزة عن إثبات براءتها منه
ومن خلف أسوار القصر، كانت الحياة تسير في هدوئها المعتاد، والحقول تمتد تحت الشمس، والعاملون يمضون إلى أعمالهم، بينما كان خولي العزبة يخطط في صمت، وقد بدأ يضيق الخناق حول تقى من جديد، دون أن تعرف بعد أن الخطر هذه المرة لم يأتِ من خارج القصر، بل بدأ يتسلل إليها من الأشخاص الذين يحيطون بها كل يوم
وبدا ان كلامه عن تقى انتشر داخل العزبه وبين رجالها
كلام يطعن فى شرفها وكان الكلام يتحرك فى كل مكان ويقف آمام أبواب القصر ولم يصل إلى نوح باشا
ولم يجد محروس فرصه افضل لينفذ خطته انتظر خروج تقى إلى مزرعة الدجاج ولحق بها.

تعليقات



<>