
رواية خلف أسوار الحماية الفصل الرابع والعشرون24بقلم ملك أحمد
ـ هيثم: ليان هيثم الفارس... لابن زوجتي حمزة يحيى فؤاد.
توقفت الكلمات في أذن ليان للحظات، وكأن عقلها رفض أن يستوعب ما سمعه للتو.
ظلت واقفة في مكانها دون أن تتحرك، تنظر إلى هيثم بنظرات ممتلئة بالصدمة، وكأنها تنتظر منه أن يضحك ويخبرها أن الأمر مجرد مزحة ثقيلة.
لكن ابتسامته لم تختفِ.
بل على العكس...
ازدادت اتساعًا.
وفي اللحظة التالية، تبدلت إضاءة القاعة بالكامل.
توجهت الأضواء نحو ليان، فأصبحت فجأة محط أنظار الجميع.
التفتت الصحافة إليها، وبدأت الكاميرات تلتقط الصور من كل اتجاه.
فلاشات متتالية أضاءت وجهها، بينما بدأت همسات المدعوين تنتشر في القاعة.
ـ "دي ليان الفارس؟"
ـ "هي كانت تعرف؟"
ـ "واضح إن الخطوبة كانت مفاجأة."
ـ "شكلها مصدومة!"
كانت تسمع الكلمات من حولها، لكنها لم تستطع التركيز في أي شيء.
كل ما كانت تفكر فيه هو جملة واحدة.
أنا اتخطبت... من غير ما أعرف؟
نظرت إلى هيثم مرة أخرى، ثم التفتت تلقائيًا نحو تميم.
كان يقف على مسافة ليست بعيدة عنها.
التقت عيناه بعينيها، وفهم من نظرتها كل شيء.
لم تكن بحاجة إلى أن تتحدث.
كان واضحًا أنها لا تريد هذا.
لكن أمام كل هؤلاء الناس، لم يكن هناك مجال لصنع مشهد.
وفجأة...
شعرت بيد تمسك بيدها.
التفتت بسرعة، فوجدت حمزة يقف بجانبها.
حاولت سحب يدها فورًا، لكنه اقترب منها قليلًا وتحدث بصوت منخفض حتى لا يسمعه أحد.
ـ حمزة: الصحافة كلها بتصور يا ليان.
نظرت إليه بحدة.
ـ ليان: سيب إيدي.
ـ حمزة: لو عملتي مشكلة دلوقتي، الخبر هيطلع أكبر من مجرد خطوبة.
سكتت للحظة.
ثم أكمل:
ـ حمزة: وانتي أكيد عارفة إن أبوكي نفسه هو اللي أعلن الخبر قدام الناس كلها.
نظرت إليه بصدمة.
ـ ليان: مين قاله يعمل كده؟
ـ حمزة: مش مهم مين قاله... المهم إن الخبر بقى رسمي.
ضغطت ليان على أسنانها محاولة السيطرة على غضبها.
ـ حمزة: يلا يا ليان... ابتسمي للصحافة.
نظرت إليه وكأنها لا تصدق ما تسمعه.
ـ ليان: أنت فاكر إني هعمل كده؟
ـ حمزة: مش عشانك... عشان سمعة أبوكي وسمعتك.
وقبل أن ترد، التقت عيناها بعيني تميم مرة أخرى.
كان ينظر إليها بثبات.
ثم أومأ لها بهدوء.
كانت نظرة واحدة منه كافية لتفهم ما يريد قوله.
اصبري... لحد ما نخرج من هنا.
أخذت ليان نفسًا عميقًا، ثم تحركت بجانب حمزة.
وقف الاثنان أمام الكاميرات.
بدأت الصحافة في التقاط الصور.
ابتسم حمزة بثقة، بينما ظلت ابتسامة ليان باهتة، بالكاد تظهر على وجهها.
كانت تشعر وكأنها تقف داخل شيء لا يمت لها بصلة.
كل شيء حولها كان صاخبًا...
لكن داخلها كان هناك صمت مخيف.
صمت يشبه الوقوف على حافة شيء لا تعرف كيف تنجو منه.
بعد دقائق انتهت الصور.
وبعد وقت قصير، انتهت الحفلة.
بدأ المدعوون في المغادرة، بينما وقفت ليان في مكانها تحاول استيعاب ما حدث.
اقترب هيثم منها.
ـ هيثم: مبروك يا حبيبتي.
لم تجبه.
فقط نظرت إليه.
كان في عينيها سؤال واحد:
ليه؟
لكنه لم يمنحها فرصة للسؤال.
ابتسم وغادر باتجاه بعض الضيوف.
وقبل أن تتحرك، اقترب حمزة منها.
أمسك يدها وحاول تقبيلها.
سحبت ليان يدها بسرعة.
ـ ليان: أنت اتجننت؟ بتعمل إيه؟
نظر إليها بابتسامة.
ـ حمزة: اتجننت فعلًا لما حبيتك.
نظرت إليه بسخرية.
ـ حمزة: وبعدين عادي... أنا وانتي كده مخطوبين.
ضحكت ليان ضحكة قصيرة خالية من أي فرح.
ـ ليان: في أحلامك.
ثم أدارت ظهرها له، وأمسكت بجاكتها الفرو، واتجهت نحو تميم الذي كان يقف بعيدًا قليلًا.
ـ ليان: يلا يا تميم.
أومأ لها دون أن يسألها شيئًا.
ثم تحرك معها.
كانت خطوات ليان سريعة، وكأنها تريد الهروب من المكان بأكمله.
بينما ذهبت تحت أنظار حمزه الذي كان يضغط علي يده بغضب ...
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
في السيارة...
جلست ليان بجانب تميم في صمت.
كانت تنظر من النافذة طوال الطريق.
أضواء الشوارع تمر أمام عينيها، لكنها لم تكن تراها حقًا.
كان عقلها مشغولًا بما حدث.
والدها...
حمزة...
الصحافة...
الخطوبة...
كل شيء حدث في دقائق.
رفعت يدها إلى جبينها وأغمضت عينيها.
وفجأة...
رن هاتفها.
فتحت عينيها ونظرت إلى الشاشة.
كان اسم والدها ظاهرًا.
توقفت أنفاسها للحظة.
تركت الهاتف يرن.
ثم توقف.
وبعد ثوانٍ...
عاد للرنين مرة أخرى.
نظرت إليه، لكنها لم تمد يدها.
ـ تميم: ردي يا ليان.
ـ ليان: مش عايزة.
ـ تميم: ليان...
ـ ليان: مش قادرة.
نظر إليها للحظات، ثم أعاد عينيه إلى الطريق.
ـ تميم: أكيد مش هتفضلي تتهربي منه طول الوقت.
ظلت صامتة.
ـ تميم: مهما حصل، ده أبوكي.
نظرت إليه.
ـ ليان: ومين قال إن ده سهل؟
سكت تميم.
ثم قالت بصوت منخفض:
ـ ليان: أنا مش قادرة أواجهه... مش عارفة أقول له إيه.
كان صوتها يرتجف قليلًا.
ـ ليان: إزاي ممكن حد يعمل كده؟ إزاي أبويا يقرر حاجة زي دي من غير حتى ما يسألني؟
لم يجبها تميم فورًا.
كان يعلم أن أي كلمة في تلك اللحظة قد تزيد ألمها.
وفجأة أوقف السيارة جانب الطريق.
نظرت إليه باستغراب.
ـ ليان: وقفت ليه؟
لم يجب.
فقط نظر إليها.
كانت عيناه هادئتين، على عكس الاضطراب الذي كان يملأها.
حاولت ليان أن تبتسم.
مسحت بسرعة طرف عينها.
ـ ليان: مش عارفة بعيط على كل حاجة ليه الفترة دي.
ظل تميم ينظر إليها دون أن يبتسم.
ثم قال بهدوء:
ـ تميم: عشان انتي مش مضطرة تكوني قوية طول الوقت.
خفضت عينيها.
ـ تميم: لو عايزة تعيطي... عيطي.
نظرت إليه.
ـ تميم: مش لازم كل مرة يحصل فيها حاجة تفضلي تقولي أنا كويسة وأنا مش كويسة.
كانت تلك الكلمات كأنها فتحت بابًا ظلت تغلقه طويلًا.
حاولت ليان أن تتمالك نفسها.
لكنها فشلت.
دفنت وجهها بين يديها، وانهمرت دموعها.
ظلت تبكي بصمت في البداية...
ثم ازداد بكاؤها شيئًا فشيئًا.
لم يحاول تميم إيقافها.
لم يقل لها "متعيطيش".
لم يخبرها أن الأمر بسيط.
فقط ترك لها المساحة التي تحتاجها.
وبعد لحظات، قال:
ـ تميم: أنا عارف إن الموضوع صعب.
مسحت دموعها بيدها.
ـ تميم: بس مفيش مشكلة ملهاش حل.
رفعت رأسها ونظرت إليه.
ـ تميم: يمكن الحل مش واضح دلوقتي... بس ده مش معناه إنه مش موجود.
أومأت له وهي تحاول التقاط أنفاسها.
أخرج تميم منديلًا ومده إليها.
أخذته ومسحت دموعها.
ـ ليان: شكرًا.
ـ تميم: العفو.
سادت لحظة صمت قصيرة.
ثم قال:
ـ تميم: لما تحبي تتكلمي... أنا موجود.
نظرت إليه طويلًا.
لم تعرف لماذا شعرت بالراحة لمجرد سماع تلك الجملة.
ربما لأنها للمرة الأولى منذ بداية الليلة، شعرت أن هناك شخصًا لا يطلب منها شيئًا.
لا يريد منها ابتسامة.
ولا موافقة.
ولا حتى تفسيرًا.
فقط يريدها أن تكون بخير.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
عند سارة...
كانت سارة تجلس في القصر وهي تفكر في الخبر الذي انتشر خلال الحفلة.
لم تكن تستوعب حتى الآن أن ليان أصبحت مخطوبة لحمزة.
هي تعرف جيدًا طبيعة العلاقة بين الاثنين.
وتعرف أن ليان لم تكن يومًا مرتاحة لوجود حمزة في حياتها.
كانت تريد أن تسألها بنفسها.
وفجأة دخل أحمد إلى المكان.
وما إن رأى سارة حتى توقف للحظة، ثم استدار ليغادر.
ـ سارة: أحمد.
توقف.
ثم التفت إليها.
ـ أحمد: نعم؟
ـ سارة: هي ليان جاية إمتى؟
ـ أحمد: شوية.
ـ سارة: يعني جاية دلوقتي؟
ـ أحمد: أيوه، تقريبًا عشر دقايق.
ـ سارة: ماشي تمام.
أومأ لها، ثم غادر.
دون التحدث ...
بقيت سارة مكانها.
ظلت تفكر في كلام أحمد.
عشر دقائق فقط...
لكنها شعرت وكأنها عشر ساعات.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
بعد قليل...
انفتح باب القصر.
دخلت ليان.
كانت خطواتها هادئة، لكنها بدت مرهقة.
وما إن رأتها سارة حتى وقفت بسرعة.
ـ سارة: ليان!
رفعت ليان رأسها.
ـ ليان: إيه يا سارة؟ عاملة إيه؟
اقتربت منها سارة.
ـ سارة: أنا تمام الحمد لله... تعالي بس.
جلستا معًا.
نظرت سارة إليها للحظات قبل أن تسأل:
ـ سارة: اللي أنا سمعته في الحفلة ده صح؟
تنهدت ليان.
ـ ليان: لا طبعًا.
ثم بدأت تحكي لها كل ما حدث.
من لحظة إعلان هيثم للخطوبة، وحتى وقوفها أمام الصحافة.
ظلت سارة تستمع إليها دون مقاطعة.
وحين انتهت، قالت:
ـ سارة: ليه خالو اتحول كده؟
خفضت ليان عينيها.
ـ ليان: مش عارفة.
ـ سارة: بس هو كان كويس معاكي.
ـ ليان: أنا نفسي مش فاهمة.
ثم رفعت رأسها.
ـ ليان: أنا مش عارفة هو عايز يوصل لإيه.
سكتت سارة قليلًا.
ـ سارة: طيب هتعملي إيه؟
أخذت ليان نفسًا عميقًا.
ـ ليان: أكيد شوية وهُلغي الخطوبة دي.
نظرت إليها سارة.
ـ سارة: يكون أفضل.
ثم أمسكت يدها.
ـ سارة: أهم حاجة متخليش حد يجبرك على حاجة انتي مش عايزاها.
ابتسمت ليان ابتسامة صغيرة.
ـ ليان: عارفة.
لكن داخلها لم تكن مطمئنة.
كانت تعرف أن إلغاء الخطوبة لن يكون بهذه السهولة.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
في اليوم التالي...
انتهت ليان من العمل.
خرجت من المبنى واتجهت نحو السيارة.
كان تميم ينتظرها.
ركبت بجانبه، ثم انطلق بها.
ظل الصمت مسيطرًا على السيارة.
بعد دقائق، أوقف تميم السيارة أمام أحد المقاهي.
نظرت إليه ليان باستغراب.
ـ ليان: في إيه؟
ـ تميم: عايزة حاجة أجيبهالك؟
ـ ليان: لا.
ـ تميم: متأكدة؟
ـ ليان: أيوه.
أومأ لها ثم نزل من السيارة.
انتظرته ليان.
وبعد دقائق عاد.
فتح الباب وجلس، ثم مد لها كوبًا.
نظرت إليه.
ـ ليان: إيه ده؟
ـ تميم: آيس كوفي.
ـ ليان: شكرًا... بس أنا مكنتش عايزة.
ـ تميم: عادي.
أخذته منه وهي تبتسم.
ـ ليان: إنت ليه مصمم تجيبلي حاجات أنا مش بطلبها؟
ـ تميم: عشان ساعات الواحد بيكون محتاج حاجة ومش بيطلبها.
نظرت إليه للحظات.
ثم ابتسمت.
ـ ليان: غريب.
ـ تميم: عارف.
صمتت قليلًا.
ثم قالت:
ـ ليان: طيب ممكن أنزل شوية؟
ـ تميم: تمام.
نزلا من السيارة.
بدأ الاثنان في السير على الرصيف.
كان الجو هادئًا نسبيًا.
مرت لحظات دون أن يتحدث أي منهما.
حتى قطع تميم الصمت.
ـ تميم: هتعملي إيه؟
نظرت إليه.
ـ ليان: في إيه؟
ـ تميم: حمزة.
أخفضت عينيها للحظة.
ـ ليان: ولا حاجة.
ـ تميم: يعني؟
ـ ليان: هُلغي كل ده.
أومأ تميم.
ـ تميم: كويس.
نظرت إليه.
ـ تميم: اعملي اللي انتي مرتاحة فيه.
ابتسمت له ليان.
ـ ليان: شكرًا.
ـ تميم: على إيه؟
ـ ليان: على إنك مش بتضغط عليا.
نظر إليها تميم.
ـ تميم: دي حياتك يا ليان.
وقبل أن ترد...
شعرت بحركة مفاجئة بجانبها.
التفتت.
لكن كل شيء حدث في لحظة واحدة.
أمسك شخص بكتف تميم وأداره نحوه، ثم وجه إليه لكمة قوية.
تراجع تميم خطوة.
شهقت ليان من الصدمة.
ـ ليان: تميم
رفعت عينيها نحو الشخص الذي هاجمه.
وتجمدت في مكانها.
كان حمزة.