
نيران تحرق
هاتف راكان تمارا وأخبرها بما حدث وطلب منها إخبار ليان لأنها ترفض الرد على اتصاله وبالطبع تمارا أخبرت سفيان الذي هتف "ماذا!؟ ليان ورائد؟ هل تمزحين تمارا؟"
أجابت "لا سفيان أنا لا أمزح، ليان تحب رائد وظنت أنه يحبها ولكنها رأته مع ميرندا التي عرفت بقصتهم وأخبرت بها وافي"
كان عائدا للبيت عندما أوقف السيارة وقال "يا الله! وبالطبع وافي لم يقف صامتا، أغلقي تمارا علي البحث عنه"
دخل وافي ذلك البار الغريب بعيدا عن مكان الأصدقاء وتناول ما يمكن أن يجعله ينسى أن صديقه خانه وخان العهد وتلاعب بأخته، صحيح هي ليست أخته حقا ولكنه اعتبرها كذلك وكلهم يعرفون هذا والعهد ينص على إخراج الأخوات خارج اللعبة
لقد خسر اثنان من أصحابه، كلاهم مقربين له، بل كلهم، هم أهله وأقاربه، التف بهم منذ عرفهم، أحبهم وأخلص لهم ولم يتمنى لهم سوى كل خير لكن اليوم هم من أخلوا بكل شيء
شعر بصداع يضربه فترك المال ونهض خارجا وقاد بلا وعي حتى عاد بيته ليجد سفيان واقفا على بابه وتلقاه وهو كاد يسقط من الثمالة فهتف "وافي، وافي ماذا بك؟"
رد بلا وعي "أنا بخير"
أخذ منه المفتاح وما زال يسانده بيد وفتح الباب باليد الأخرى وساعده على الدخول حتى سقط جسده على الأريكة وسفيان يتابعه وهو يقول "أنت ثمل وافي؟ تلك أول مرة"
لم ينظر له وهو يقول بحزن "وما المانع سفيان؟ حتى الثمالة كان عليّ تجربتها، ألم أجرب كل شيء؟"
تحرك سفيان للمطبخ ووضع البن والماء ووضعهم بالقدر على النار وقال "اهدأ وافي"
لم يرد حتى أفرغ سفيان القهوة بالكوب وعاد لصديقه الذي بدى تائه وسفيان يقول "عليك بالتروي قبل إصدار الأحكام"
تناول القهوة ثم وضع رأسه بين يداه وقال "لم يمنحاني الفرصة لأي شيء سفيان"
قال سفيان "ربما هي تحبه حقا"
لم يرد فعاد سفيان يقول "وهو .."
رفع رأسه وبدت عيونه حمراء كالدماء وقاطعه بقوة وغضب "هو ماذا سفيان؟ هو يحبها؟ هل عرف أحدكم عن رائد أنه يعرف الحب؟ كلكم تعرفون حقيقته والنساء بحياته، كلكم تدركون جيدا أن المرأة تدهس تحت أقدامه"
سفيان شعر بالنيران التي تحرق وافي، حتى ولو لم تكن أخته لكنه تولاها بالفعل ومنحها أخوته
رنين جرس الباب جعل سفيان ينهض ليفتح فرأى ليان تقف أمامه والدموع تغرق وجهها فتراجع لتدخل وهي تنظر باحثة عنه حتى رأته بمكانه دافنا رأسه بين يده فنادته
"وافي"
لم يرد، ليس لديه ما يقوله لها، هو لم يحميها، هو من وضعها بطريق صديقه وقد ظن أنه لن يخونه، ركعت بالأرض أمامه وقالت "وافي أرجوك اسمعني"
رفع وجهه لها ورأى وجهها الملطخ بالدموع فقالت "لم يحدث شيء بيني وبينه يجعلك تخجل أو تغضب"
ظل ينظر لها بعيونه الدموية فعادت تقول "لم يحدث شيء وافي، كنت غبية وبلا عقل وظننت أني معجبة به ولكني كنت فقط.. مبهورة به"
نهض من أمامها، لن تبرر خطأ بخطأ، لم تنهض خلفه وقالت "لا تظلمه وافي"
هتف بها بغضبه النابض بكل كيانه "لا تدافعي عنه، كان عليه دفعك بعيدا"
هتفت "لقد فعل ولكني"
قاطعها بقوة "كفى، لن أصدق أي قصة ستخبرينني بها، أنا من وضعك بطريقه وأنا من علي إبعادك عنه"
رفعت وجهها الحزين له ولا تفهم كلماته وهو يرتد لها ويقول "لن تخرجي من البيت ليان طالما هو بمصر ولن تدخلي الشركة بعد اليوم وانسي أن تجتمعي مع واحد منهم بأي وقت هل تسمعيني؟"
كان يصرخ بها فتدخل سفيان "وافي كفى واهدأ"
رفع وجهه لسفيان والغضب يعميه وهتف به "لا تخبرني ماذا أفعل سفيان فأنت لن تقف معي ضد من كانوا معك منذ الميلاد، لن تقف مع رجل لطالما كان أقل منكم بكل شيء، رجل لا أصل له ولا فصل ما أن عثر عليكم وهو تائه بلا أهل حتى ظن أنه عثر على أهل، ولكن لماذا تكون الدنيا كريمة معي وهي بالأصل لم تفعل بأي يوم؟ لن تخسر أصحابك من أجلي سفيان ولا راكان لأنه يعلم أني لن أخرج رأسي من الرمال لأقف أمامكم وأرفض ما يحدث"
نطق سفيان "ما الذي تتحدث عنه وافي؟ كلنا نحترمك ونحبك، أنت واحد منا وما حدث حتى ولو كان خطأ لا يجب أن يفرقنا"
حدق به وافي وقال "ولكنه فعل وافي، فعل لأن رائد تخطى الممنوع وتجاوزه وراكان وافقه وهو ما لن أسمح به"
نهضت وهي تهتف "أخبرتك أني المسؤولة"
هتف بها "أنت لا تتحدثي هل تسمعيني؟ اسمع سفيان ما حدث لن يمر هكذا ورائد لابد أن يدفع الثمن"
ظل سفيان صامتا حتى قال "لن نتحدث الآن وافي أنت بحاجة لأن تهدأ وتعيد التفكير وتستمع لأختك"
وتحرك للخارج دون أن يزيد بينما ظلت هي واقفة وقالت "وافي صدقني لم يحدث شيء لكل ما تفعله، لا تخسر أصحابك بلا سبب، كانت نزوة مني وانتهت أقسم أن الأمر لم يتعدى زيارة من أجل مرضه"
التفت لها وقال بغضب لم يرحل "منبهرة به أليس كذلك؟ أغواكِ بكلماته المعسولة حتى سقطِ بهواه، ولكنك عرفتِ بنفسك بل رأيتِ بعيونك حقيقته، لن ينظف أبدا ليان، كان عليكِ إدراك ذلك"
كان محق وهي تعلم ذلك ولم تجد أي كلمات تهون بها الأمر على أخيها فقط يؤلمها أن تكون سبب بفراق الأصحاب
****
لم يجتمعوا باليوم الثاني وودع راكان صديقه بالصباح ولم يهاتفها فقط منح تعليماته بما يخصها بالعمل وظل بالقصر طوال اليوم
لم يفكر بالذهاب للشركة حتى انتهى من التفكير وخرج ففتح له السائق فقال "بيت وافي سيف"
لف سيف وجهه له فلم ينظر لسيف وإنما تحرك السائق بلا تردد وهو ما زال يتذكر ملامح رائد وهو يركب الطائرة وكلماته له "لا تتركها راكان، ليان لا ذنب لها فيما حدث، ولا تغضب من وافي كنا نتوقع تلك العاصفة، فقط لا تخسره فهو القلب الصادق بيننا"
لم يرد على صديقه ولكنه أيضا لم ينسى كلمات وافي "أنت كنت تعلم بالتأكيد فهو قرينك وربما سهلت له الأمور"
منذ متى كان يتلاعب بهم وبما يخصهم حتى يقود ليان لرائد وهو يغصبها عليه؟
ربما هو فعلا شجع علاقتهم لكن لأنه رأى صدق مشاعر رائد وليان، الحب صادق بينهم رغم الفروقات فما المانع لو ساعد بجمع قلبان يحتاج كلا منهما للآخر؟
دق باب وافي مرة واثنان حتى انفتح فرأى ليان الباكية تقف أمامه فاندهش وقال "ليان!؟"
مسحت دموعها وقالت "كان ثمل وبحالة سيئة وخشيت تركه"
هز رأسه ودخل فأغلقت الباب وهو يقول "أين هو؟"
جاء صوته خارجا من غرفته بملابس الأمس مشعث الشعر أحمر العيون وقال "هنا"
التفت له راكان والتقى بعيونه الغاضبة فقال وافي "قهوة ليان، هل تناسبك قهوتي يا عمدة؟"
ضاقت عيون راكان محاولا عدم الانجذاب لطريق وافي وقال "قهوتي سادة ليان"
تحركت الفتاة واختفت بالمطبخ وتحرك وافي بعيدا عن عيون راكان وهو يقول "بيتي ليس بالمكان المناسب لك بالطبع ولا لأي واحد منكم، أنا.."
قاطعه راكان "كف عن هذا الهراء وافي، تعلم أن لا واحد منا يراك هكذا"
لم ينظر لراكان وهو يقول "ربما لم تفعلوا أمامي.. لكن"
تحرك راكان له وجذبه من ذراعه ليواجه وقال بغضب "أنت تعرفنا جيدا وافي، خمس سنوات كافية لتعرف جيدا من هم أصحابك، دع جنونك هذا جانبا وانصت لصوت العقل"
أشاح وافي بيده وقال بغضب "عقل؟ أي عقل يا عمدة؟ هل العقل هو من جعل رائد يغوي فتاة بنصف عمره ليمارس عليها هوايته المفضلة؟ أي عقل راكان الذي تريدني أن أتخذه وأنت تساعده على ما فعل؟ كلاكم تلاعب بي وبالفتاة، أنت أكثر الناس دراية بالنار التي أشعر بها بعد ما فعله حاتم بسارة"
كان وافي يضرب بلا إبصار وراكان كان يعلم ذلك فقال "رائد ليس حاتم وافي، رائد لم يغوي أختك ولا هي فعلت أي شيء خطأ، كل ذنبها أنها أحبته"
سمعا صوت تهشم زجاج على الأرض فالتفتا ليريا ليان تقف بباب المطبخ وأكواب القهوة بالأرض وقد تهشمت وتناثرت القهوة بكل مكان فتحرك لها وافي والفزع بعيونها والخوف واضح ووافي يلمس ذراعيها وهو يقول "ليان هل أنت بخير؟"
كانت تبكي بقوة فضمها له فرفع راكان يده لشعره الممشط بعناية ودفع أصابعه به للخلف ودار حول نفسه رغم أنه لم يندم على ما قال ولكن الفتاة لا تستحق قسوته
هدأت ليان ووافي يبعدها ويقول "هل أنتِ بخير؟"
هزت رأسها فابتسم لها وقال "ادخلي لترتاحي وأنا سأهتم بتلك الأشياء"
لم ينظر لهم راكان، كان يعلم حنان صديقه جيدا، هو الأفضل بينهم بتلك الأمور ومع ذلك هو الآن يقسو عليهم هم، أصحابه
شعر بليان تذهب فالتفت لوافي الذي كان يتبعها بنظراته ثم حدق براكان وقال "هل تدرك ما تقول راكان؟ هي طفلة، لا تفهم شيء عما قلت"
تحرك راكان له ووقف أمامه وكلاهم يتواجه بنظرات قوية وراكان يقول "تعلم أني أفعل وافي، أختك أحبت رائد من أول نظرة وللأسف أنت لم تدرك ذلك ولكني أدركته، كما رأيت الإعجاب بعيون رائد وحذرته من التلاعب بها، وهو ابتعد ولو رجعت بذاكرتك للخلف لأدركت ابتعاده عنها لكن المشاعر من الصعب التحكم بها وافي وأظن أنك تدرك ذلك جيدا"
تاهت نظرات وافي بين عيون راكان الثابتة حتى ابتعد من أمامه وقال "حتى لو راكان، كان عليه الاستمرار بالبعد، لا أن يفعل بها ذلك"
هتف راكان "وماذا فعل بها وافي؟ هل وعدها بشيء وأخلفه وهو؟ هل تجاوز معها أي حدود؟ هل عاملها كالنساء اللاتي كانوا بحياته؟"
لم يرد وهي قالت المثل، لم يحدث شيء بيننا تخجل منه وافي، ولكنه لم يقتنع، تحرك راكان له ووقف خلفه وقال "أعلم أني شجعت علاقتهم"
التفت له وافي وعيونه تلمع بالغضب من جديد ولكنه أكمل "لأن كلاهم كان يستحق فرصة وافي، ليان تحب رائد ولن يمكنك إيقاف ذلك بغضبك هذا ورائد.."
هتف وافي "رائد لا يعرف الحب راكان وقد أثبت وجود ميرندا ذلك، لو أحب ليان لما خانها"
أجاب راكان "لم يفعل، ميرندا من زرعت ذلك بعقلك، المشهد كان مؤلم لليان ولكنها لم تدرك أن رائد أبعد ميرندا و.."
أشاح وافي بيده وقاطعه بحدة "أيا كان ما ستقوله راكان فرائد سرعان ما سيعود لما كان عليه، هو لم يخلق للإخلاص وكلنا نعلم ذلك، فقط أبعده عن ليان راكان وأنا كفيل بليان"
ظل الصمت بين الرجلان ثقيلا حتى هز راكان رأسه وقال "حسنا وافي هو بالفعل ابتعد فقد رحل بالصباح ورفض البقاء، لكنه طلب مني إخبارك أنه لم يمس أختك بأي سوء ولن يفعل لأنه ما زال يحترمك ويحبك كأخ وصديق ولن يخون العهد كما نفعل جميعا"
وتركه راكان وتحرك خارجا ووافي لا يتحرك والباب يصفع بقوة تدق داخل قلبه وعقله
كلاهم اعتادوا على حب واحترام بعضهم البعض بالفعل، لكن ما حدث أحدث شرخ بينهم ووافي ساعد على ازدياد الشرخ بكلماته وظنونه وغضبه ولا يعلم هل هو على حق أم راكان؟
****
تمارا بالطبع لم تترك ليان بالأيام التالية وسفيان ابتعد عن وافي كما فعل راكان، ظافر هو الوحيد الذي لم يتركه، لم يتطرق معه للموضوع لأن ظافر كان يعلم معنى الحب ولو تحدث لا يعلم لمن سينحاز
اقترب الافتتاح والكل انشغل بدرجة كبيرة بالعمل ورحل راكان لروما لرؤية الفرع الجديد هناك ورؤية صديقه الذي لم تتحسن حالته النفسية
ليان انكمشت على نفسها بمتابعة امتحانات الترم وعادت الشركة بعد عدة أيام بعد صراع مع وافي، كانت متعبة من كل ما مر بها ومع ذلك اختارت الخروج من الأحزان بالدراسة والعمل
رهف طلبت الاجتماع بكل العاملين بالقسم بعد أن أصبحت المسؤولة وقد أرادت وضع قواعد للأيام القادمة ومنحتهم أفكار جديدة من أجل الافتتاح ولم يعارضها أحد
عرفت أنه رحل إيطاليا والغريب أنه حتى لم يهاتفها منذ ذلك اليوم، خلافهم كأصحاب وقع أمامها ومع ذلك حاول أن يبدو طبيعيا ولكنه لم يستطع وابتعد فهل تراجع عنها؟
أنهت الاجتماع ونهضت والسكرتيرة تقول "تبقى المتدربين"
هزت رأسها وتذكرت ليان ولكنها لم تملك الحق بالتدخل، العلاقات لم تكن وطيدة لتسمح لنفسها بذلك، قالت "أعلم ادعيهم بعد نصف ساعة لدي بعض العمل لهم"
هزت الفتاة رأسها وقالت "حاضر يا فندم"
هاتفت حبيبة التي قالت "غدا آخر يوم بالسنة ماذا سنفعل برأس السنة؟"
ابتسمت وقالت "ككل عام حبيبة، نبتاع التسالي ونجلس أمام التلفاز"
قالت حبيبة "ألا أخبار عن راكان؟"
ضربها السؤال وجعل قلبها ينتفض وهي تقول "لا، هو ليس بمصر"
حاولت أن تكون طبيعية من أجل حبيبة التي قالت "ألا يهاتفك؟"
رفعت وجهها وقالت "لا حبيبة، لماذا سيفعل؟"
أجابت الفناة "لا أعلم ولكن ظننت أنه يهتم لأمرنا"
هي أيضا ظنت ذلك ولكن كانت على خطأ فهو رحل ولم يهتم لذا قالت "لقد فعل حبيبتي، ولكن هو مشغول وأكيد سيتواصل معك عندما يكون متفرغ"
أنهت الاتصال وبعد وقت وصل المتدربون وبالطبع ليان كانت منهم، بدت متعبة وفقدت وزنها وعيونها محلقة ومع ذلك ابتسمت لرؤية رهف كما فعلت هي
اندمجت معهم بالاجتماع وما أن انتهت حتى نهضوا ليذهبوا ولكنها أوقفت ليان وهي تقول "تبدين على غير ما يرام ليان"
أخفضت الفتاة وجهها وقالت "سأكون بخير"
نهضت لها ووقفت أمامها وقالت "ترغبين بالعودة للبيت والراحة؟"
هزت رأسها دون النظر لها وقالت "لا، أحتاج لشغل وقتي كي أمنع التفكير، أقصد، أنا لابد أن أذهب"
أمسكتها من ذراعها وقالت "ليان انتظري، لماذا لا تعتبريني كأخت أو صديقة؟ لدي أخت بمثل عمرك ربما أصغر بعدة سنوات ولكن أعلم تفكيركم جيدا"
ظلت ليان تنظر لها وهي لا تفهمها، هي لا ترغب بالحديث يكفيها تمارا فهي الوحيدة التي كانت تعرف مشاعرها ولكن الآن لم تعد تمار فقط بل الجميع أصبح يعلم ولكن لا أحد يجرؤ على التدخل..
الكل ابتعد وتوقفت الدائرة عن الدوران وهي فقط من تلف حول نفسها بلا هدى حتى تمارا لم تعد تمنحها ما يريح قلبها وربما لم تعد ترغب بالحديث عن الأمر
نظرات رهف كانت تحمل حنان الأم التي لم تعرفها ليان، وجود حبيبة بحياة رهف علمتها معنى الأمومة المبكرة وهو ما رأته ليان بنظرات رهف
عادت رهف تقول "أنا أعلم أنك تخجلين مني لأني كنت أستاذة بالجامعة وتضعين حدود بيننا، لكن الآن اختلف الأمر"
هزت ليان رأسها وقالت "لا داعي لكل ذلك دكتورة، أظن أن الجميع أصبح يعلم بالأمر"
حدقت بها رهف، هي فعلا تعلم ولكن لأنها كانت بالقصر بذلك الوقت ولكنها لا ترغب بإخبارها بذلك، لمست ذراع الفتاة وجذبتها للأريكة وجلستا وهي تقول "لكن أنا أريد أن أسمعك ليان، المشاعر لا يعرف حقيقتها سوى أصحابها وهي الشيء الوحيد الذي يدمرنا"
دمعت عيون ليان وهي تقول "هل جربتِ الحب؟"
هزت رأسها نافية وهي تقول "للأسف لا، لم يكن لدي وقت لأفعل أو ربما لم أجد الرجل الذي يسلبني قلبي ماذا عنكِ؟ ماذا فعل الحب بكِ"
سقطت دموعها وبدأت تحكي لها حكايتها المؤلمة
****
عاد بنهاية الاسبوع ولم يتحسن مزاجه، ما زال غاضب للصدع الذي أصابهم، غدا رأس السنة، كان الحفل السنوي يضمهم جميعا لكن هذا العام لن يكون
رائد لن يأتي بسبب إصابته، وافي غاضب ولا يهاتفه، ظافر تزوج، سفيان مع تمارا
جلس على مقعده ووجه للنافذة وشرد بالحدائق الممتدة، هو المكان الذي يشرد به ليستعيد هدوئه بعيدا عن صالة التمارين، دق الباب ولم ينظر حتى قال سيف "المسؤول عن حفل الافتتاح بالخارج، لديه موعد الآن"
لم ينظر لسيف وقال "أين هم؟"
صمت سيف قليلا ثم قال "الأستاذ ظافر بالشركة كعادته، السيد سفيان مع خطيبته لمتابعة شؤون الزواج"
صمت فالتف له راكان ففهم نظرته وأكمل "لم يذهب للمجموعة منذ ذلك اليوم، فقط يذهب لشركاته"
ظل صامتا بلا رد حتى قال "ادخل الرجل " تحرك سيف للباب ولحظة وكان المسؤول يدخل
****
ربتت على يد ليان بحنان وقالت "لن يمكنني إصلاح أي شيء ليان فما حدث قد حدث، لكن يمكنني القول أن رائد ليس بالسوء الذي يتحدث عنه وافي أو الباقين، لقد اختار الرحيل كي يوقف غضب أخيك ويثبت أنه يفضل صداقته على مشاعره"
هتفت ليان بدموع "وليهرب بما فعله دكتورة، هل نسيتِ ما أخبرتك به؟ ما فعله مع ميرندا"
قالت رهف بتفكير "وأين هي ميرندا ليان؟ هل ظلت معه بعد ما حدث؟"
ضاقت عيون ليان المتعبة من البكاء وقالت "لا أعلم ولكني لم أراها"
نهضت رهف وقالت "عموما أنا لا أظن أن رائد تلاعب بكِ، فلو كان لادعى الكثير لينقذ نفسه أمام أخيك لكنه تلقى غضب وافي بلا جدال ورحل"
أخفضت وجهها لأصابعها وقالت "وأنا؟"
التفتت لها بقلب متألم وقالت "كنتِ تعرفين كل الفروقات التي بينكم ليان وكان عليكِ توقع كل ذلك، كنتِ تعرفين بأمر عشيقته وتدركين عاصفة وافي وبالتأكيد فارق العمر لم يكن يهمك"
نهضت ليان وتحركت لها وقالت "وماذا دكتور؟ ما زلت أحبه رغم كل ذلك"
حدقت بها ثم قالت "أعلم، الحب ليس كلمة يمكن مسحها بالممحاة، بل هو صاعقة تضرب القلب والوجدان ولا يمكن التخلص منها مهما حاولنا، لكن هو حب خطأ ليان، كل شيء يخبرك بذلك، رائد لن يمكنه اختيارك لأسباب كثيرة تعرفينها وهو بالفعل فعل، اختار البعد وإنهاء كل شيء وعليك المثل، احتفظي بمشاعرك داخل قلبك وعودي للحياة فهي وحدها القادرة على مداواة جراحك، ما فعلته بالدراسة والعمل هو الصواب ولكن أيضا قرارك لابد أن يسبق كل ذلك بأن هذا الحب سيبقى بقلبك فقط ولن يخرج مرة أخرى للواقع إلا لو تبدلت الظروف وأصبح من الممكن له أن يخرج ويحيا بينكم"
كانت تسمعها، هي الوحيدة التي لم تخبرها أن ذلك ليس حب ولم تطالبها بتصحيح الخطأ بل طالبتها بالاحتفاظ بمشاعرها لها وحدها ومنحتها ولو أمل ضئيل به
قالت "أليس صعب أن أفعل؟"
ابتسمت وقالت "بالبداية، ولكنك فتاة قوية وستتخطين الأزمة بسرعة ولن تستسلمي لليأس والحزن فلا فائدة منهم"
مسحت ليان دموعها وقالت "أنتِ تؤمنين بالحب حقا؟"
ضحكت وقالت "ومن لا يؤمن به ليان؟ الحب تقام به حضارات وبالكره تسقط أخر"
ابتسمت ليان وقالت "شكرا لك"
أجابت بمرح "أنتظر ثمن النصيحة"
ضحكت ليان وخرجت من عندها وهي تشعر براحة كبيرة بينما رن هاتف رهف فعادت لمكتبها وتوقفت يدها عندما رأت اسم العمدة على هاتفها، قلبها دق بقوة، اسبوع لم يهاتفها واليوم يفعل، لا لن تجيبه هي ليست تابعة من توابعه يأمر وهي تجيب
أبعدت يدها ولم ترد وعادت لجهازها ولكن بلا تركيز ومع ذلك كانت غاضبة لأنه يلغيها من حياته وقتما يشاء
رفعت وجهها والمنظار الطبي وهي تسأل نفسها عن الجنون الذي تفكر به، من هي لتكون بحياته ويفكر بها؟
حتى لو كان قد أمضى وقت معها فهذا كان خطأ ولا يعني أنه سيعيد ما كان مرة أخرى وعليها أن تعود لعملها وتنسى أنه كان موجود بحياتها بيوم ما
انتهى دوامها وكالعادة لم ترحل بموعدها بل ظلت أمام الجهاز حتى سمعته يقول "عرفت أني سأجدك هنا"
انتفضت بفزع من صوته والتفت لتراه واقفا بالباب ممسكا بمقبضه وينظر لها بقوة، هدأت وأبعدت وجهها عنه وهو يدخل وهي تقول "أنت فعلا لا تعرف عن دق الأبواب شيء"
تحرك حتى جلس أمام مكتبها وقال "لقد فعلت ولم تجيبي، كما لم تجيبي الهاتف"
لم تنظر له وقالت "كنت أعمل"
كان يرى الغضب على ملامحها وعدم مواجهته فقال "غاضبة؟"
ظلت تحدق بالشاشة وبتركيز أجهدها أنهت ما تفعله وهي تقول "من ماذا؟"
أغلقت الجهاز والتفت له وهي تنزع نظارتها فالتقى بعيونها الجميلة وأدرك أنه أراد حقا رؤيتها طوال الأيام الماضية ومقاومته لذلك ذهبت مع الريح
قال بهدوء "مني"
نهضت لتفر من عيونه وهي تجذب أشيائها وحقيبتها دون النظر له حتى وجدت يده على يدها لتوقفها عن الحركة وانتبهت أنه يقف بجوارها فرفعت وجهها له
كان أطول بكثير من قامتها القصيرة، لكن عن قرب كان أكثر من وسيم وجذاب، يده الدافئة كانت ما زالت تمسك يدها وهو يقول
"أعتذر"
لم تعرف ماذا أصابها بقربه ولا بلمسة يده، أما نبرته وهو يعتذر جعلتها ترتجف وقلبها يعود لجنونه بدقاته المتسابقة وعيونها تعلقت بعيونه وانحنى وهو يكمل "لم أشأ رؤيتك بالفترة السابقة وأنا غاضب"
كان وجهه قريب من وجهها ومرة أخرى نفس الرغبة بأن يقبلها ونظراته تسقط على شفتيها وهي أدركت ذلك فاستعادت نفسها وأخفضت وجهها وهي تقول "كان يمكنني التفهم"
نفخ من هروبها منه وهي تبعد يدها ولكنه لم يبتعد وهو يقول "أنتِ تهربين مني"
بالفعل تحركت من الجانب الآخر للمكتب وقالت "لست أنا من ابتعد"
نظراته كانت هادئة لها كما هي حركته وهو يتحرك ليصل لها ويقف أمامها ويقول "أنا لا أهرب من شيء، فقط أكره نفسي وقت الغضب وهذا يمكن أن أتحمله لكن أن يمسك غضبي فهو ما لن أتحمله"
كانت ترفع وجهها لتنظر بعيونه التي لمعت ببريق غريب لم تعرفه وكلماته تهاجم كل ذرة من مشاعرها فتضعفها وتقلبها عليها كي تستسلم له
تحركت لتهرب مرة أخرى ولكنه أمسك ذراعها وقال "توقفي أنتِ عن الهرب رهف، لقد رأيتٌ بنفسك ما كان ولم يكن من السهل تجاوز الأمر"
لم تبعد ذراعها من يده وتحدثت أخيرا "وهل فعلت؟"
ظل يتجول داخل عيونها ولا يعلم ما الذي يصيبه بوجودها وقربها؟
نظراتها تصعقه وتثبته بالأرض أمامها، العمدة الذي لا يقهره أحد تلك العيون تهزمه، لم يعتذر لأي مخلوق بحياته لكنه فعل معها فلماذا هي؟
هز رأسه بالنفي وقال "لا"
ترك ذراعها ورفع يده لخصلة شعرها ودفعها خلف أذنها وقال "لكن تجاوزت الغضب"
أخفضت وجهها وقالت "لدي قدرة على تحمل غضب الآخرين" ثم رفعت وجهها له وأكملت "لقد تحملت الكثير بحياتي"
انتقلت أصابعه على وجنتها ولمس نعومة بشرتها وهي لم تبعده كالمرة السابقة فقال "أنا رجل سيء رهف ومن الصعب الاقتراب منه دون الاحتراق بنيرانه"
ظلت تنظر بعيونه ولمسته حقا تحرقها ومع ذلك لم تبعد يده وكأنها سعيدة بها وقالت بضعف "لكنك لن تفعل معي، لقد اخترت البعد"
هو بالفعل فعل، ابتعد كي لا يحرقها غضبه، أكملت "لست بالسوء الذي تراه بنفسك"
وابتعدت من أمامه فتنفس بعمق لبعدها وقد شعر برغبته كرجل تتحرك تجاها بقوة، هي فقط من أثارت داخله تلك الرغبة، هي الوحيدة التي يجد نفسه يرفض أي قوة معها وقوتها هي معه تعجبه
جذبت الجاكيت الخاص بها وقالت "أنت بالتأكيد مشغول فالافتتاح اقترب"
لف وجهه لها وقال "ليس الآن بالطبع"
وقفت أمامه مرة أخرى وقالت "أنهيت اجتماعاتك؟"
ابتسم وقال "بل أتيت من المطار إليكِ، اشتقت لعيونك"
تورد وجهها وتحركت للخارج فضحك وتابعها وأعجبه خجلها وفرارها منه وحتى لحظات جدالهم تعجبه
دخلا المصعد وانغلق الباب فقالت "ليان تحدثت معي اليوم"
رحلت ملامح الراحة من على وجهه وأدركت خطأ ما قالت وهو يلتفت لها بوجه جامد فأكملت "كانت بحالة سيئة"
أبعد وجهه عنها وقال "توقفي"
لم تقبل وقالت "هي بحاجة لمن يسمعها وكلكم تهتمون ببعضكم وتتجاهلونها"
التفت لها وهتف بقوة أخافتها "قلت توقفي رهف"
ارتجفت من نبرته وملامحه وتراجعت حتى التصقت بجدار المصعد الذي انفتح بابه وعيونهم ما زالت على خط واحد وكاد الباب يغلق مرة أخرى ولكنه وضع يده وأبعد وجهه وهو يقول
"لنذهب"
كان عليها أن تتحرك معه فقد أخبرته أنها ستتحمل غضبه ولكن الكلمات غير الواقع
تحركت بخطوات غاضبة وبالخارج كانت السيارات السوداء بانتظارهم والسائق يفتح لها فدخلت بلا جدال وهو حاول أن يستعيد هدوئه..
لا أحد يتدخل بينه وبين أصحابه، بالأساس الموضوع يثير جنونه
سيف لم يدخل معهم والسائق يقود وهو رفع الزجاج الفاصل وهي لا تنتبه وهي تنظر بالنافذة دون النظر له
السيارة اخترقت الزحام حتى انتبهت للطريق فقالت "إلى أين؟"
لم ينظر لها وهو يقول "المطعم"
كان عليها تجاوز الأمر ولكن ليس بالهروب تلك المرة فقالت "أنت ترفض التحدث فلماذا تأخذني المطعم؟"
لف وجهه لها بلا تعابير عليه وقال "أرفض التحدث بما يخص أصحابي"
أبعدت وجهها وقالت "وأنا تحدثت عن ليان، هي أيضا بحاجة لصديق وقد حاولت أن أفعل لأساعدها"
لم يترك وجهها وهو يقول "لم أطلب رأيك بالأمر، تعلمي ألا تدخلي تلك المنطقة دكتورة لأنها مظلمة"
قالت "ولماذا أتعلم؟ لن أضطر لذلك"
قال "لا أفهم"
لفت وجهها له وقالت "أريد العودة للبيت وتوقف عن رؤيتي، أنا لست رهن إشارتك وقتما يحلو لك رؤيتي تفعل وما تريد إشراكي به تختاره، أنا لا أقبل ذلك فأعدني البيت الآن"
ظل متابعا لها والغضب جعل وجهها يتورد وهو كأن لم يسمع شيء وهو يرد "هل حقا تخبريني ماذا أفعل؟"
لم تتراجع عن غضبها وهي تقول "نعم فأنا لست ممن يخضع لك، العمدة هناك بمكتبك ومع عملائك ورجالك أما أنا فلا ولو على العمل يمكنني.."
لم تعرف كيف ومتى جذبها له ووجدت شفتيه تقبض على فمها بقوة وسرعة لم تشعر بها، لكن ما أن شعرت بفمه حتى قاومته ولكنه كان يحيطها بذراعه بقوة أوقفتها
حاولت الإفلات من شفاهه ولكن تعبت وهو لا يفلتها حتى هدأت وسكنت وهو يشعر بنعومة شفتيها وهي تنهدت لتنظم أنفاسها مما جعله يزداد قوة ورغبة واقتحم فمها برغبة أكبر حتى شعر أنه يفقد نفسه بشكل لم يعرفه من قبل فتوقف
كان شفاهه ما زالت على شفتيها وعيونها مغمضة ووجهها زاد احمرار وأدرك أنفاسها الغير منتظمة وهي لا تبتعد وكأنها تخدرت وتلك القبلة التي لم تعرفها من قبل، سرقت روحها وأنفاسها وسمعته يهمس أمام شفتيها
"قبلتك كالنيران تحرق بلا رحمة دكتورة"
فتحت عيونها لتلتقي بنظراته الناعسة والثابتة على وجهها فاستوعبت وضعهعها كأنها عادت من عالم الأحلام واصطدمت بما فعلت، خجلت وغضبت من نفسها وظهر الفزع بعيونها الدامعة وتراجعت مبتعدة عن حرارة جسده التي جعلتها تنصهر وتذوب ولا تشعر بالعالم وشعرت بالدموع تحرق عيونها وهي تقول
"أعدني البيت"
أبعد وجهه ونفخ وهو يجذب الهاتف الداخلي وهتف "بيت الدكتورة"
وأعاده مكانه وقد أدرك أنه سيدفع ثمن تهوره معها وهو يتصرف كالمراهق بكل مرة يكون معها
الصمت سقط عليهم حتى توقفت السيارة فنزلت بلا انتظار وأسرعت للبيت وهو يعلم أنها تبكي مما كان، هو يعرف جيدا أنها ليست امرأة ممن مروا عليه ومع ذلك لم يتحكم برغبته وهي استجابت له، لديها نفس الرغبة به ولكنها قوية وتحاربه
رن هاتفه فأخرجه وأجاب وسيف يقول "هل هناك خطأ؟"
أغمض عيونه وقال "لا، البيت سيف"
وأغلق الهاتف وما زال يشعر بغضب من نفسه مما فعل وتركها تذهب بلا كلمة واحدة مما سيجعلها تدرك أنها امرأة رخيصة وأنه حصل على مراده
الغريب أنه يريدها ولكن بطريقته، هكذا هو، كل شيء يسير حسب ما يخطط له، رفع السماعة وهتف "توقف"
ولم ينتظر والسيارة تقف فجأة وهو يفتح وينزل ويتحرك للخلف بخطى ثابتة وسيارة سيف كادت تصطدم بسيارته وسيف نزل وتابعه وهو يعود لبيتها بلا تفكير ولا تردد
أغلقت الباب واستندت عليه وبكت، بكت كثيرا، ما الذي فعلته بنفسها؟
ظلت طوال عمرها تحافظ على شرفها وسمعتها وسط كل من حولها واليوم ضعفت، نعم ضعفت واستسلمت له وخسرت كرامتها
بكت وغضبت وكرهته وكرهت نفسها التي وهنت أمامه، الأكثر إيلاما أنها أرادته واستجابت له وهو أدرك أنها امرأة رخيصة أعادها البيت وألقاها بلا اهتمام..
هي تستحق هي رخيصة، رخيصة
دق قوي على الباب أفزعها وصوته القوي يقول "افتحي رهف، افتحي قبل أن أكسره"
ابتعدت بفزع وفتحت الباب وتراجعت للداخل بظهرها كي لا يشعر أحد بهم ولأنها لا تصدق أنه عاد ولم يرحل
رأته أمامها وهو يتحرك للداخل وهي ثابتة مكانها وعيونها الباكية تحدق به فتوقف أمامها وقال "أنا لا أعلم لماذا أنتِ من بين كل من عرفت من نساء من تفعل بي ذلك؟ أنا أرغب بكِ بجنون، أريدك بشكل لم أعرفه من قبل، ومع ذلك شيء كبير يوقفني عن أخذك بالقوة، شيء لا أعرفه وأقف لأول مرة بحياتي عاجزا عن إدراكه وهذا يغضبني جدا رهف، يغضبني بشكل لا يمكنك تخيله"
كانت ما زالت تبكي وقلبها يرتجف وهي تقول "لأنك تعلم أني لست مثل تلك النساء التي عرفتها، ربما ضعفت بلحظة ولكن أنت.."
أمسكها من ذراعيها ونظراتها امتلأت بالخوف وهي تحدق به وهو ما زال غاضبا ويقول "أنا أمنع نفسي عنكِ بشكل لا يمكنك تخيله، أعلم أنكِ مختلفة وربما هذا ما يوقفني عنك"
نفضت ذراعيها وقالت "وكأني سأمنحك ما تريد وأنت الذي ترفض"
تراجع وهتف "لم تملك امرأة حرية الرفض معي"
ابتعدت وقالت "أخبرتك أني لست أي امرأة ممن عرفت ولن تنال مني أي شيء بعد اليوم"
جذبها من ذراعها لتواجه وهتف "كاذبة، أنت ترغبين بي مثلما أرغب بكِ"
هتفت "مغرور، أنت أجبرتني واستخدمت قوتك لتهزمني وكنت تعلم أني أضعف منك، أنت تظن أني لن أرفض العمدة؟ نعم راكان أنا أرفضك وأرفض طريقتك وأرفض كل ما تفعله معي، والآن اخرج لا أريد رؤيتك"
ولكنه لم يتركها وقربها منه وهو يغلي من كلماتها وقال بعيون حارقة كأشعة الشمس "ارفضي رهف وأنا لن ألمسك مرة أخرى حتى تطلبين ذلك بنفسك وستطلبين"
وتركها وكاد يبتعد ولكنها قالت "أنت تحلم يا عمدة، لن أخضع لك"
لف وجهه لها وابتسم بلا معنى "سنرى"
وتحرك خارجا فتحركت وصفعت الباب خلفه وبلحظة كانت تنهار بالبكاء بقوة ووجها على الباب وأدركت أنها خسرته بعد أن خسرت نفسها وبلا توقع سمعت حبيبة تقول
"أنتِ تحبينه رهف"
التفت من الصدمة وقد نست وجودها بالبيت وكل ما كان حدث أمامها، لم ترد وحبيبة واقفة بمكانها تحدق بها وهي الذهول سقط عليها ولم تجد إجابة
الحب لم يخطر على بالها أبدا، كانت تتحدث عنه مع ليان ولم تتخيل أنها ستقع فريسة له
كانت تهز رأسها بلا وحبيبة تتحرك لها حتى وقفت أمامها ورددت "لماذا تبكين رهف؟ لأنه كان غاضبا؟ أم لأنه رحل وربما لن يعود؟ أم لأنكِ أدركتِ أنكٌ تحبينه؟"
هتفت "كفى، كفى حبيبة لا يجوز أن تتحدثي بتلك الأمور"
وابتعدت من أمامها لغرفتها حتى جلست على طرف الفراش وما زالت تبكي وحبيبة لم ترحمها وهي تقول "ربما هو الآخر يحبك؟"
لم تنظر لها وهي ما زالت تسمع كلماته وغضبه بل كلاهم غاضب
أغمضت عيونها وتركت الدموع تنساب بلا توقف وقالت "اتركيني حبيبة، من فضلك اتركيني"
لم ترد حبيبة وتحركت خارجة فسقطت على الفراش ودفنت وجهها بالأغطية وانهارت ببكاء قوي كانت تتخلله شهقات مؤلمة تؤازر ألم قلبها
لم يركب بالخلف بل دفع السائق بعيدا بقوة ودخل وقاد بجنون، السيارة ليست كسياراته الأخرى ولكن الغضب كان يحتاج لباب كي يندفع خارجه والقيادة هي ما وجدها وهو ينطلق وسط الزحام حتى انطلق خارجا لأماكن خالية وضغط دواسة البنزين بجنون وهو يذكر كلماتها
"مغرور"
"أنا أرفضك يا عمدة"
"اخرج لا أريد رؤيتك"
كلماتها تصفعه بقوة، أعتى الرجال لم يواجه هكذا بحياته لكن هي فعلت، هي تحدته وأعلنت الحرب عليه وهو قبل فهل يمكنه الاستمرار بحربه تجاها؟
ضرب المقود بقبضته وهتف "أنت جننت راكان، جننت بامرأة طردتك من بيتها، جننت بتحديك لها، أنت كنت كالمجنون ببعدك عنها فكيف ستكمل حربك وهي ليست بأرض المعركة؟"
والصمت هو ما أجابه