رواية عشق ملوث بالانتقام الفصل الثامن والعشرون28بقلم ريتاج حبيب
نظر إليها بسخرية باردة وقال:
أسر: كنت بتجوز
تجمدت في مكانها وكأن نيزكًا سقط فوق رأسها. اتسعت عيناها بذهول، وبدأت الدموع تتجمع في مقلتيها وهي تحدق فيه غير مصدقة ما سمعته. راحت تبحث في عينيه عن أي أثر لمزحة ثقيلة أو سخرية عابرة، لكن ملامحه بقيت جامدة لا تحمل سوى البرود. أخذ صدرها يعلو ويهبط بعنف، وشعرت كأن الهواء ينسحب من رئتيها شيئًا فشيئًا. أغمضت عينيها للحظة تحت وطأة الوخز المؤلم الذي اجتاح قلبها، ثم أعادت النظر إليه واقتربت بخطوات متعثرة، بينما كان نفسها يتقطع والحروف تخرج من بين شفتيها بصعوبة بالغة:
ليان: إنــــت... انــــت بــتــهزر و بتــتــكلــم جــد.... إنــــت.. انــــت كنــت فيــــن يــــا أســر لــــو سمــــحــت مش بحب الهزار ده
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، فيما كان يرى بوضوح مقدار الألم المنعكس في عينيها والدموع التي أوشكت على الانهمار، لكنه لم يتراجع، بل بدا وكأنه يرغب في زيادة جرحها عمقًا. اقترب منها أكثر، ثم أمسك كفيها بقسوة وجذبهما إلى صدره وهو يقول بحدة:
أسر: شمي كدا ريحتي و هتعرفي أنا بهزر و لا بتكلم بجد... إنت بنفسك اللي قولتي برفان حريمي .. أنا لسه جاي من عندها .. و على فكرة هي تحت مع عمك و مراته... وحابب أوي أعرفكوا على بعض هتعشقيها يا ليان
ظلت واقفة أمامه تحدق فيه بعينين متسعتين، كأنها تنظر إلى شخص لا تعرفه. انهمرت الدموع على وجنتيها بغزارة، بينما كانت ملامحها مشدوهة من هول الصدمة، ولم تعد قادرة على استيعاب ما تسمعه أو تصديقه. همست دون وعي، وكأن السؤال أفلت من أعماق روحها قبل أن يخرج من شفتيها:
ليان: إنــــــت ميــــن...؟
وفي اللحظة التالية ارتفعت يدها الصغيرة وهوت على وجهه بصفعة قوية دوى صداها في المكان. أغمض أسر عينيه بقوة وشد على فكيه محاولًا السيطرة على الغضب العاصف الذي اجتاحه، كان يشعر بأن أعصابه على وشك الانفجار وأنه لو ترك لنفسه العنان لفعل ما سيندم عليه لاحقًا. أما هي فلم تتراجع، بل انهالت على صدره بضربات متلاحقة، تضربه بكل ما تبقى لديها من قوة، بينما كانت كلماتها تخرج ممزقة ومختنقة بالبكاء والانهيار:
ليان: بتتــــجوز عــــليــــا انــــا يــــــا حيــــــوااان ...انــــــا...انــــــا قــــــاعدة هــــــنا قلبــــــي بيتــــــقطــــــع علــيــــــك خايــــفــة لا تكــــون جــرالــك حاجــــة وانــــت ســــايبــــني فــي الــــمستــشــفي بتتــجــــوز ....إنــــت إزاي بتــــعــــمل فــــيا كــــده ...انا بكــرهــــــك ..بكــــرهــــك يــــا أســــــر وعــــــمــري ما هــــسامحــــك علــــى عمــلتــه فــــيــــا ولــا زمــــان ولا دلوقــــــــتي ...لــــــاااا لــــااا انــــــا مــــــش قــــادرة استــــحمــــــل كــــفااااية كــــده بقــــــى طلــــقنــــي و سيبــــــني امــشــــــي و خلــــــيــــك فــــي حضــنــــها ...طلــقنــــي خــلــــي عــــندك دم و ســــيــبني بقــــى انــــت ايــــه مــــش هاتــــرتــــاح غيــــر لــمــــا تجــــــيب اجــــلي سيــــبنــي بــــقــــى و ارحمنــــي ارحــــمنــــي بقــــــى
لم تعد ساقاها قادرتين على حملها أكثر من ذلك، فسقطت جالسة على الأرض. كانت تبكي بحرقة موجعة، تبكي عمرًا ظنت أنه سيعوض يومًا، وفرصة أخيرة منحته إياها بكل ما بقي في قلبها من أمل، فإذا به يسحقها بيديه. وفجأة انتفضت كأنها فقدت صوابها، وأخذت تحطم كل ما تصل إليه يداها، تلتقط الأشياء وتلقيها بعنف، فيما كانت كلمة واحدة فقط تتردد على لسانها كصرخة مستمرة:
ليان: طــــلــــــــــقنــــــي...
كان أسر لا يزال واقفًا مكانه، عيناه مغمضتان وأسنانُه تصطك من شدة الغضب، لكن أصوات التحطم المتتابعة أجبرته على فتح عينيه. نظر إليها فرأى امرأة لم تعد تشبه نفسها، وجهها متورد بصورة مخيفة، وشعرها مبعثر، وأنفاسها متلاحقة بصورة هستيرية، وعيناها غارقتان في الدموع. ظل يراقبها للحظات ويداه داخل جيبيه، قبل أن يقطب حاجبيه وهو يراها تضرب جانبي رأسها بعنف وتشد شعرها في حالة أشبه بالانهيار الكامل، فاندفع نحوها بسرعة وأمسك رسغيها بقوة وأنزل يديها بعيدًا عن وجهها ورأسها، ثم جذبها إليه وهو يهدر بصوت قاسٍ:
أسر: اهــــــدي بقــــــــى و اعقــــــــلي بطلــــــي شغل الجــــــنــــان ده انــــــا ماســــــك نفــــــســي عــــنــك
لكنها لم تهدأ، بل عادت تضربه على صدره مرة أخرى وهي تنظر إليه بعينين ممتلئتين بالقهر والخذلان. لم تعد تفهمه، كيف يمكن للرجل نفسه أن يرفعها يومًا إلى السماء ويعاملها كأنها أغلى ما يملك، ثم يعود في اليوم التالي ليحطمها بهذه الوحشية؟ رفعت عينيها إليه وقالت بصوت مرتجف يفيض احتقارًا وألمًا:
ليان: إنــــــت... انــــــت بــــتعــــمل مــــعايــــا كده ليــــــه... إنــــت.. انــــت إزاي حــــــيوان كــــده وانا مكنــــتش واخــــــدة بــــالــــي
في لحظة واحدة تبدلت ملامحه، فقبض على فكها بعنف حتى تأوهت من الألم ثم قال من بين أسنانه:
أسر: لــــــمي لســــــانــــك... بــــدل مــــا اقطعــــهولــــك..... ليــــــه محــــــســــساني انــــي شيــطــــان وانــــت ملاك هــــا... ردي عــــلــــيا اللــــي في بطنــــــك ده يبــــقى ابــــن مــــــيــــن يــــا طــــــاهــــرة يــا شــــــريــفــــــــة
تجمدت للحظة، ثم رفعت وجهها المحمر من البكاء وقالت بصوت متكسر:
ليان: مــــــنك ولــــــله منــــــــك
ازداد وجهه قسوة، وأطبق على وجنتيها بكلتا يديه وهو يجاهد كي لا يفقد أعصابه تمامًا.
أسر: ابــــــن مييــــــن... متجــــننــــنيش انــــــا مــــقربــــتش منــــك لأخــــر مــــرة بــــسألــــك الــــلي في بطــــنــــك ده يبقــــــى ابــن مــــيــن يا ليــــــان انطــــــقي ولــا خايــــفة عليــــــه .... ابنــــي إزاي وانا ملمستكيش
في تلك اللحظة أدركت أخيرًا سبب كل ما يحدث. فهمت مصدر جنونه وغضبه وشكه، فهزت رأسها بعنف وهي تصرخ من بين دموعها:
ليان: ولله ابــــــنك..... إنــــت... إنــت كــــنــت تقــــدر تعــــمــل تحــلــيل DNA... بــــس انــت دايمــــا بــختــار توجعــــني من غــــير ما تــــفهم...
لكنها لم تستطع إكمال جملتها، إذ قاطعها بعنف وهو يهزها بين يديه وقد اشتعلت عيناه بغضب مخيف:
أسر: و قــــســــما بالــــــله لــو حلفتي ولــــا جيــــتي سيــــرة ربنا عــــلى لســــانك القــذر مــــا هتعــــــرفي هعــــمل فيكہــــــي ايه ..و مين قالك اني معــــملــتش عملتو خدت العينة مــــنك وانــــت نايــــمة و مستــنيها تطلع. ومن هنا لأحــــد مــــا تطــــلع هــــواريكــــي الــــعــذاب بالــأوانــه....مش انت خايفة على حبــــيب القلــــب انــا هــــواريكي هعمــــل فيكــــي إنــــت إيــه وبــردوا هــعــرف بــطــريــقــتــي
اتسعت عيناها بصدمة جديدة، وشعرت وكأن الأرض تميد تحت قدميها. لم يكتفِ بإهانتها أو التشكيك فيها، بل أخذ منها العينة وهي نائمة، وحاكمها وأدانها قبل أن تظهر النتيجة أصلًا. دفعها فجأة بعيدًا عنه، فارتطم جسدها بالحائط، ولم يكن الألم الجسدي هو ما أوجعها، بل ذلك الانكسار الذي تمدد داخل روحها حتى كاد يخنقها. وقفت للحظات شاردة الذهن تحدق في الفراغ أمامها بعينين زائغتين، ثم تمتمت بصوت خافت وكأنها تحدث نفسها:
ليان: أنــــا... انــــا بعــــمل ايــــه هــنا... انــــا لــــازم أمشــــــــــي
استدارت ببطء واتجهت نحو غرفة تبديل الملابس، فتحت الخزانة بعصبية وأخرجت حقيبة سفرها، ثم بدأت تلقي الملابس داخلها بصورة عشوائية غير عابئة بما تفعله. كل ما كانت تفكر فيه هو الرحيل... الهرب... الابتعاد عن هذا المكان وعن هذا الرجل الذي نجح في تحويل قلبها إلى كومة من الرماد. دخل خلفها بهدوء وتوقف عند إطار الباب، وأسند كتفه إليه وهو يراقبها بصمت لثوانٍ طويلة قبل أن يقول بنبرة هادئة أثارت غضبها أكثر من الصراخ:
أسر: لو فاكرة إني هسيبك تمشي عادي كدا تبقي غلطانة يا لولو
أغمضت عينيها بقوة، وضعت آخر قطعة ملابس في الحقيبة، ثم التفتت إليه فجأة وقالت بحدة:
ليان: إنــــت عــــــاوز منــــي ايــــه هــــا ...مــا تســــيبــــني فــي حالــــي طلــــقنــــي و ســيبنــــي بقــــى
ظل واقفًا مكانه مكتفًا ذراعيه أمام صدره، وكأن حديثها لا يمسه وكأن دموعها لا تعنيه.
أسر: يعــــنــــى لــــــمــــا اطــــــلقــــك هــــتروحي فــــيــــن...إنــت معندكيش حد غيري أبوكي ميت و امك ميــــتة و عــــمتــــك مرمــــية فــــي المســــتشــــفي ولا ليكــــي خــــال ولا عــــم ولا حــــتــى بيــــت تــقــعــــدي فــيــــه...هــــتروحــــي فــــيــن فــــي الشــــارع؟؟...طــــب ده إنــــــت لمــــا سيبتــــينــــي و هربتــــي رحــتــــي تبــــــيعي موبــــايــــلك اللــــي أنــــا جــيــــبتهولــــك عشــــــان تعرفــــي تدفعــــي تمــــن البانــــســــيون تقــــدري بقى تــقوليــلــــي هتروحــــي فــــين وانــــــت بتــــقوليــــه بقلــــب جــــــامد كــــده
انزلقت آخر قطعة ملابس من بين أصابعها وسقطت على الأرض، أما هي فبقيت واقفة مكانها مشلولة، كأن الكلمات التي قالها أصابتها في مقتل. لم يكن يؤلمها ما قاله فقط، بل الطريقة التي قاله بها، وكأنه يذكرها بكل ضعفها وبكل خساراتها وبكل الأبواب التي أغلقت في وجهها. رفعت عينيها إليه ببطء، نظرة واحدة فقط، لكنها كانت كافية لتجعله يشعر بشيء انقبض بقوة داخل صدره. كانت نظرة لن ينساها ما دام حيًا، نظرة امرأة سقط منها آخر ما تبقى من الأمل، وآخر ما تبقى من الحب، وآخر ما تبقى من الانكسار حتى. وللمرة الأولى منذ بدأ هذه المسرحية القاسية شعر بالندم، ندم حقيقي جارح، كاد يدفعه لأن يصفع نفسه قبل أن يصفعها.
ابتلعت ليان الغصة العالقة في حلقها، بينما كانت تنظر إليه بعينين فقدتا القدرة على البكاء من فرط ما ذرفتاه من دموع. لم يعد لديها ما تقوله، ولم تعد تملك طاقة للصراخ أو العتاب أو حتى الانهيار، وكأن كل شيء بداخلها تحطم دفعة واحدة. ارتجفت شفتاها قليلًا قبل أن ترفع رأسها نحوه وتقول بصوت مبحوح خرج من بين أنفاسها المختنقة:
ليان: هتــــطــلقــــنــــي امتــــــى؟
تجمد للحظة وهو ينظر إليها. كان يتوقع منها صراخًا جديدًا أو نوبة بكاء أخرى أو حتى توسلات يائسة، لكنه لم يتوقع أبدًا هذا الهدوء المخيف الذي سبق العواصف دائمًا. ذلك الهدوء الذي جعل شيئًا غريبًا ينقبض داخل صدره، إلا أنه أجبر نفسه على التمسك بقسوته، فشد فكيه وقال ببرود متعمد:
أسر: مــفــــيش زفت طلاق ...لأحد ما اعرف انت بتخونيني مع مين و اللي في بطنك ده يبقى ابن مين مش أسر الدمنهوري اللي مراته تمشي على حل شعرها و تمرمغ اسمه في التراب و يسكت ...ها
اتسعت عيناها بذهول وهي تحدق فيه لثوانٍ طويلة، ثم فجأة ضحكت. لم تكن ضحكة طبيعية، بل ضحكة قصيرة خالية من أي حياة، ضحكة امرأة وصلت إلى مرحلة لم يعد الألم فيها قادرًا على إيلامها أكثر مما فعل. هزت رأسها ببطء ثم رفعت عينيها إليه وقالت بابتسامة مستفزة موجعة:
ليان: طــــب اه يــا أســــر ...اللــــي فــي بــطــــنــي ده مــــش ابــنــك وانــا بــخــونــك حــلــو كــده؟؟؟؟ و اوعى بقى من سكتي خليني انزل ابارك لعروستك الجديدة ولا ايه
قالتها ثم دفعته من كتفه لتتجاوزه، لكنه ظل واقفًا مكانه كالمصدوم، غير قادر على استيعاب ما سمعه. هل اعترفت فعلًا؟ أم أنها لم تعد تبالي بشيء وأصبحت تقول أي كلام لتتخلص من هذا الجحيم؟ أما هي فلم تلتفت إليه أصلًا، بل اتجهت إلى المرآة ووقفت أمامها. أخذت ترتب خصلات شعرها بعناية مصطنعة، ثم التقطت أحمر الشفاه الزهري الذي تحبه ومررته فوق شفتيها ببطء، وبعدها رشّت عطرها وكأنها تستعد للخروج إلى مناسبة سعيدة لا إلى جنازة قلبها. كانت تحاول جمع شظايا نفسها المتناثرة خلف قناع من الكبرياء، تحاول أن تثبت له أنها ما زالت قادرة على الوقوف رغم أنه مزقها من الداخل.
وحين انتهت أخذت نفسًا عميقًا وغادرت الجناح دون أن تنظر خلفها. لم يستفق أسر من صدمته إلا بعد لحظات، فسار خلفها بخطوات سريعة. كانت تمشي أمامه بثبات مصطنع، بينما كان يعرف جيدًا أن كل خطوة تخطوها تكلفها جهدًا هائلًا حتى لا تسقط أرضًا. نزلت الدرج حتى وصلت إلى الطابق السفلي حيث وقف مصطفى وميرفت بصمت ثقيل، بينما كانت ياسمين تقف إلى جوارهما بتوتر واضح.
رفعت ليان رأسها ونظرت إليها للمرة الأولى. تأملتها طويلًا، كانت مختلفة عنها في كل شيء تقريبًا؛ حجاب أنيق يحيط بوجهها، بشرة قمحية جميلة، عينان سوداوان واسعتان، وقوام متناسق يمنحها حضورًا هادئًا. شعرت ليان بوخزة حادة في قلبها، لكنها أخفتها بسرعة خلف ابتسامة باهتة لم تصل إلى عينيها. تقدمت نحوها بثبات غريب حتى توقفت أمامها مباشرة ثم مدت يدها وهي تقول بابتسامة صفراء:
ليان: اهلا و سهلا....نورتي يا توتا معلش معرفش اسمك...أسر نسي يقولهولي...اسمك ايه؟
رمشت ياسمين باستغراب ثم مدت يدها تصافحها قائلة:
ياسمين: ياسمين
ابتسمت ليان ابتسامة أكبر قليلًا، تلك الابتسامة التي كانت تخفي خلفها ألف جرح، ثم قالت:
ليان: اهلا يا ياسمين..نورتي بيتي ياروحي
ازدادت حيرة ياسمين وهي تنظر إليها، فلم تكن تفهم شيئًا مما يجري حولها، لكنها أجابت بأدب:
ياسمين: شكرا..ده من ذوقك...بس أسى ماليش اسمك بردوا ممكن تقوليلي
أطلقت ليان ضحكة خافتة أقرب إلى الأنين ثم قالت بنبرة هادئة مؤلمة:
ليان: يالهوي معقول مقالكيش اسمي اخس عليك يا أسر ينفع كده بردوا متقولش على اسمي
ثم التفتت إليها مجددًا وأضافت:
ليان: أنا ليان يا روحي
ساد الصمت في المكان، صمت ثقيل خانق جعل الجميع يشعر بالاختناق، أما ليان فاستدارت وكأن شيئًا لم يحدث وأخذت تصعد الدرج وهي تقول بصوت مرتفع:
ليان: ام محمود أنا في الجناح لأحد م تخلصي الغداء
لكنها لم تكد تصعد بضع درجات حتى أوقفها صوته البارد:
أسر: لا تقدري تروحي اي جناح ثاني لاني عاوز الجناح ده إنت عارفة أصله مريح
توقفت في مكانها وشعرت وكأن سكينًا باردة غرست داخل صدرها. الجناح؟ جناحهما؟ غرفتهما؟ السرير الذي كانت تنام عليه بين ذراعيه؟ هل سيمنحه الآن لامرأة أخرى؟ هل ستجلس مكانها وتنام مكانها وتشاركه كل الذكريات التي كانت تعتقد يومًا أنها تخصها وحدها؟
أغمضت عينيها للحظة ثم استدارت إليه وعلى شفتيها تلك الابتسامة التي كان وحده يعرف معناها، ابتسامة امرأة تتداعى من الداخل لكنها ترفض السقوط أمام أحد.
ليان: من عيوني...ده انا اسيب البيت كله تتهنه بيه
ثم استدارت وأكملت صعودها وهي تجر قدميها جرًا، بينما ظل الجميع في الأسفل يراقبونها بذهول. مصطفى صامت، وميرفت تكاد تبكي، وياسمين تنظر بين الوجوه بحيرة كاملة، أما أسر فظل واقفًا مكانه يراقب اختفاءها عند آخر الدرج. لأول مرة منذ بدأ لعبته شعر بخوف حقيقي، لأنها لم تصرخ ولم تتوسل ولم تنهَر كما توقع، بل ابتسمت... وتلك الابتسامة كانت أكثر ما أرعبه.
ما إن وصلت إلى آخر الممر حتى دفعت باب الجناح البعيد ودخلت إليه، ثم أغلقت الباب خلفها ببطء شديد وكأنها تؤجل لحظة انهيارها قدر المستطاع. ألقت حقيبة السفر على الأرض، وما إن سقطت فوق السرير حتى انهارت تمامًا. دفنت وجهها في الوسادة وانفجرت في بكاء عميق موجع، بكاء خرج من روحها قبل عينيها. كانت شهقاتها تتلاحق بعنف حتى شعرت بألم في صدرها، ومع ذلك لم تستطع التوقف. لأول مرة شعرت أنها وحيدة تمامًا؛ لا أب، ولا أم، ولا بيت تلجأ إليه، ولا حتى الرجل الذي ظنت يومًا أنه ملاذها الأخير.
سمعت بعد دقائق طرقات خافتة على الباب. عرفت فورًا أنها ميرفت، لكن لم تكن لديها القوة لترد أو تفتح. اكتفت بالصمت حتى اختفت الطرقات وعادت الوحدة تلتهم المكان من جديد...
أما في الجهة الأخرى، فما إن صعد أسر برفقة ياسمين وفتح باب الجناح حتى توقف مكانه للحظة. كانت الفوضى تملأ كل ركن فيه؛ قطع الزجاج متناثرة على الأرض، والأثاث مبعثر، وكل شيء يحمل آثار غضب امرأة انهار عالمها في دقائق معدودة. لكن أكثر ما استوقفه لم يكن الخراب، بل عبير عطرها الذي ما زال يملأ المكان، وكأنها لم تغادر أصلًا، وكأن وجودها ما زال عالقًا بين الجدران يرفض الرحيل. شد فكيه بقوة وأدار وجهه بعيدًا بعصبية، ثم هتف بصوت مرتفع:
أسر: ام مــحــمــــود ...تــــعــالــــي نــــظــفــــي الــجــنــاح ده
أسرعت أم محمود إلى الداخل، وما إن وقعت عيناها على حال الغرفة حتى فهمت تقريبًا ما حدث. راحت تنظر إلى الفوضى ثم إليه، قبل أن يفيض ما بداخلها من غضب واشمئزاز فتقول دون أن تستطيع كتمان نفسها:
أم محمود: انت إزاي حيوان كده....بتعمل كده في مرات...
لكن كلماتها انقطعت فجأة حين اندفع نحوها في لحظة واحدة وأمسك فكها بعنف حتى شهقت من الخوف، ثم قال بصوت منخفض مرعب:
أسر: ورحمة امي لو سمعت نفسك لدفنك حية..اوعى تدي لنفسك حق انك تدخلي في اللي ملكيش فيه انا جايبك من أم الشغل تعملي مهمة عشان اخليها تتكلم و تغوري غير كده مسمعش حسك
ارتجفت المرأة وهي تنظر إلى عينيه، ثم أومأت برأسها بسرعة بينما كانت مشاعر الكره تتضاعف داخلها. تركها أخيرًا فابتعدت عنه فورًا دون أن تنطق بحرف، أما هو فبقي واقفًا وسط الغرفة، ينظر إلى آثار الخراب التي صنعها بنفسه وإلى الفراغ الذي تركته ليان خلفها، لكن كبرياءه كان أكبر من أن يعترف بشيء من ذلك.
مر ذلك اليوم ببطء قاتل، ثم جاء اليوم التالي، وليان ما زالت حبيسة جناحها. لم تنزل لتناول الطعام، ولم تتحدث مع أحد، ولم تفتح الباب إلا نادرًا. كانت تنام لساعات طويلة، وكلما استيقظت عادت للنوم من جديد، وكأنها تهرب من الواقع، وكأن النوم أصبح المكان الوحيد الذي لا يؤلمها.
وفي صباح اليوم الثالث، شعرت بيد تربت على رأسها بحنان، فانتفض جسدها بعنف وهي تظن للحظة أنه أسر، لكنها فتحت عينيها لتجد ميرفت جالسة بجوارها تنظر إليها بحزن شديد. تنفست الصعداء وقالت بصوت متعب:
ليان: اسفة مخدتش بالي
ربتت ميرفت على شعرها بحنان وقالت:
ميرفت: خلاص بقى يا بنتي عشان اللي في بطنك بكفاية إنت اللي هتتعبي...ولله ما في حد يستاهل دمعة واحدة تنزل من عينك...بالله لا تاكلي يلا ولا عاوزة تكسفيني
نظرت ليان إلى الطعام، وشعرت فجأة بمدى الجوع الذي ينهشها، فهي لم تأكل شيئًا تقريبًا منذ أيام. أخذت الطبق بصمت وأكلت القليل بصعوبة، ثم رفعت رأسها فجأة وسألت بهدوء:
ليان: أسر فين يا ماما
ساد الصمت لثوانٍ قصيرة، لكنها كانت كافية لتخبرها بكل شيء. خفضت ميرفت عينيها ولم تجب، ولم تعرف ماذا تقول لها. هل تخبرها أن الجميع يظن أنه مع زوجته الجديدة منذ يومين؟ أم تتركها لراحتها؟
أما ليان فقد فهمت الإجابة وحدها.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة موجعة، ثم أعادت الطبق إليها وقالت:
ليان: تسلم إيدك يا ماما معلش ممكن تسيبيني شوية
نظرت إليها ميرفت بحزن، ثم نهضت وغادرت بهدوء. وما إن أُغلق الباب حتى عادت الوحدة لتجلس بجوار ليان من جديد.
بقيت جالسة مكانها لعدة دقائق تحدق في الفراغ بعينين متعبتين، ثم نهضت أخيرًا. دخلت الحمام وأغلقت الباب خلفها، ووقفت تحت المياه طويلًا تحاول غسل كل ما علق بها خلال اليومين الماضيين؛ القهر، والخذلان، والخوف، والصورة التي لا تتوقف عن مطاردتها منذ أخبرها بزواجه. لكنها حين خرجت أدركت أن شيئًا لم يتغير.
بدأت روتينها اليومي المعتاد. وضعت مستحضرات العناية ببشرتها، وسرّحت شعرها بعناية، ثم اختارت ملابسها بهدوء غريب. ارتدت بنطالًا جينز وبلوزة بسيطة، ووضعت بعض مستحضرات التجميل الخفيفة. لم تفعل ذلك لأنها بخير، بل لأنها كانت تحاول التمسك بما تبقى من نفسها، وتحاول ألا تسمح للحزن بأن يسلبها كل شيء.
أخذت نفسًا عميقًا ثم خرجت من الجناح. كان الطريق إلى الدرج يمر أمام الجناح الذي يشغله أسر، ولم تكن ترغب في المرور من هناك، لكنها لم تجد طريقًا آخر. سارت بخطوات هادئة وعيناها مثبتتان أمامها، حتى سمعت صوتًا جعلها ترفع رأسها دون إرادة.
وفي اللحظة التالية...
تجمدت في مكانها.
شعرت وكأن الزمن توقف.
وكأن الهواء اختفى من حولها دفعة واحدة.
كان أسر يقف أمام ياسمين.
قريبًا جدًا منها.
ثم انحنى نحوها ووضع شفتيه على عنقها.
شهقت ليان دون وعي، وارتفعت يدها إلى فمها تلقائيًا. ظلت تحدق فيهما لثوانٍ طويلة بدت لها كأنها سنوات كاملة. كانت ترى الرجل الذي أحبته يومًا، الرجل الذي انتظرته وبكت عليه وخافت عليه، يفعل أمام عينيها ما لم تتخيل يومًا أنها ستراه.
شعرت بشيء ينكسر داخلها.
هذه المرة لم يكن قلبها فقط.
بل شيء أعمق من القلب.
شيء لا يُرمم بسهولة.
وحين رأت أسر يقترب أكثر، لم تعد قادرة على الاحتمال. استدارت فجأة وانطلقت نحو الدرج، تنزل بسرعة جنونية تكاد تتعثر في كل خطوة، بينما الدموع تغمر عينيها فلا تكاد ترى أمامها شيئًا.
خرجت إلى الحديقة واتجهت مباشرة نحو شجرتها المفضلة، تلك الشجرة التي كانت تلجأ إليها كلما ضاقت بها الدنيا. جلست على المقعد الحجري القريب منها، ثم استسلمت أخيرًا.
لم يكن هناك صراخ.
ولا شهقات.
ولا انهيار هستيري.
فقط دموع.
دموع صامتة انهمرت بلا توقف، كأنها فقدت القدرة على الكلام، أو ربما فقدت القدرة على الشعور بأي شيء سوى الألم.
ظلت جالسة هناك ساكنة تمامًا، كتمثال من الحزن، لا تتحرك ولا تنطق ولا تفعل شيئًا سوى البكاء.
أما على الجانب الآخر، فما إن ابتعدت ليان حتى دفعت ياسمين أسر بعنف وتراجعت عنه عدة خطوات، وعيناها تمتلئان بالاشمئزاز والغضب، ثم اندفعت نحو الحمام وهي تفرك عنقها بعصبية وتقول بصوت مرتجف:
ياسمين: أنا عاوزة امشي..مشيني من هنا إنت حيوان
جلس أسر على طرف السرير واضعًا رأسه بين كفيه، ثم قال بصوت خافت حاد:
أسر: شششس... اخــرســي...كــانــت واقــفــة عــمــلــت كــده عــشــان مــتــشــكــش غــوري مــن وشــي
نظرت إليه ياسمين لحظة طويلة قبل أن تقول باحتقار واضح:
ياسمين: إنت متستهلهاش
ثم خرجت مسرعة من الغرفة دون أن تنتظر ردًا.
أما أسر فظل جالسًا لثوانٍ معدودة، قبل أن يرفع رأسه فجأة وكأن شيئًا ضربه بقوة في صدره.
ليان.
انتفض واقفًا واتجه أولًا إلى جناحها. فتح الباب بسرعة لكنه لم يجدها. عقد حاجبيه وبدأ يبحث عنها في أنحاء القصر، غرفة تلو الأخرى، وممرًا بعد ممر، لكن دون جدوى.
ومع كل دقيقة تمر كان القلق يتسلل إلى قلبه أكثر.
حتى وصل إلى مرحلة لم يعد قادرًا معها على السيطرة على توتره.
توقف في منتصف الممر وأخذ يلتفت حوله بعينين مضطربتين، ثم هتف بصوت مرتفع حمل شيئًا من الخوف الذي حاول إخفاءه طويلًا:
أسر: ليــــــــــان...
"مبدئيًا كده، حياة كل واحد مش فاضية لشيء واحد بيعمله، يعني أكيد أنا عندي إشغاليات ثانية إلى جانب إن البارت بيفصل في الـ wit على الجروب لحد ما ينزل. أنا مراعية جدا تشوقكم للتكملة، بس لازم نراعي ظروف بعض."
