رواية عشق ملوث بالانتقام الفصل التاسع والعشرون29بقلم ريتاج حبيب

      


رواية عشق ملوث بالانتقام الفصل التاسع والعشرون29بقلم ريتاج حبيب

​كان يبحث عنها في كل مكان. توجّه إلى الجناح فلم يجدها،
فاشتعل القلق داخله وبدأ يفتش عنها بهستيرية واضحة، وقد اجتاحته مشاعر متضاربة بين الخوف والقلق والغضب والرعب من فكرة أنها تركته وهربت مرة أخرى. خرج إلى الحديقة وهو ينوي محاسبة الحراس الذين ظن أنهم غفلوا عنها كما حدث في المرة السابقة، لكنه لمحها جالسة على الأرجوحة، شبه نائمة وعيناها مغمضتان. توقف مكانه يتأملها لثوانٍ طويلة، وكانت عيناه تفضحان شوقًا هائلًا حاول عبثًا إخفاءه، إلا أن ذلك الشوق ما لبث أن تحوّل إلى غضب حارق حين أدرك أنها ليست داخل الجناح، وأنها نائمة في الحديقة حيث يمكن لأي شخص أن يراها.
اندفع نحوها بعصبية وأمسك ذراعها بقوة، فشهقت فزعًا على أثر لمسته المفاجئة.
أسر بعنف: إنــــــت اتــجنــــنتــــي ولا ايــــه ايــــه اللي خلــاكــــــي تــتخــــمدي هــــنــــا و بالبــــــس ده مــــــخلــي جســــمــك كــله بــرة ا بــــتعــانــديني و خــــلاص
نفضت ذراعها من قبضته بعنف، ثم وقفت في مواجهته وهي تصرخ بغضب مكتوم تراكم داخلها منذ أيام.
ليان: إنــــت مالــــــك بــــــــيــــا!!! مــــالــــــك بـ لبــــــــسي و جســــمي!! مـ تــــــــروح تــشــوف مراتــــــك أحــســــن و بتــــتكــــــلم معــــايــــا ليــــــه مــــا تسيــــبنــي فــــي حــــالــــــي ولا انــــت كــــل مــــا تــشــوف نفسك فاضــــــــي تيــجــــي تــــضــــايق فيــــا
ضاقت ملامحه أكثر، فأمسك يديها وجرّها خلفه دون أن يمنحها فرصة للاعتراض، لكنها فقدت أعصابها تمامًا وأخذت تضرب ظهره بكل ما استطاعت وهي تصرخ بصوت مرتفع:
ليان: إبعــــــد .. إبعــــــــد بقــــــى ســــيبــــني...... وســــــع بقــــولــــــك ...اوعــــى يــا بنــــــى أدم...
أدخلها القصر ومنه إلى الجناح، بينما لم يكن أمام عينيها سوى تلك الصورة التي حفرت نفسها داخل ذاكرتها، صورته وهو يقبّل ياسمين. اشتعل الغضب في عروقها من جديد وأصبحت ضرباتها أكثر عنفًا، ثم صرخت دون وعي:
ليان: إنــــت مــــــــش فــــــي كنــــت فــــــي حضــــن مراتــــــك!! جــــايلــــي ليــــه مــــا تســــيبنــــي فــــــي حــــالــــي...و تــــخليــــك مــــعاهــــــا أحســــن
توقف فجأة واستدار نحوها، ثم قال بمكر مستفز:
أسر: آه كنت في حضنها .. عندك مشكلة...ثم انك عرفتي منين ..مش عيب تتصنتي يا لولو
نظرت إليه باحتقار حقيقي، وانهالت بكفيها على صدره تضربه بقسوة وهي تصرخ بانهيار:
ليان: طــــب روح .. روح كــــــمــــل بــــوس فــــيــها...و ســيبنــــي فــــــي حــــــالي عــــــاوزنــــــي انتــــحــــر ولا عــــــاوز منــــــي ايــــه يــــــــا أســــر ارحــــمنہــــــني بقــــى لأحــــد مــــا رــــبنــــا يــــاخــــــدني و اريحــــــكــم
أسر: إنتِ زعلانة عشان بوستها و إنتِ لاء و لا إيه يا لولو
ازدادت ملامحها اشمئزازًا وهي تتراجع عنه قدر استطاعتها.
ليان بانهيار: إبــــعــــــــد عنــــي مــــــــش طــــــايقــاك..ولــا طــايقــــة نــــفســــك جمــبــــي ..انــــا بــــــــكرهــــك مــــن كــــل قلبــــي
تجمّد مكانه للحظة وهو يحدق في وجهها، غير مصدّق أنه يسمع منها تلك الكلمات. كان الغضب يشتعل داخله، لكن اشتياقه إليها كان أقوى من أي رغبة أخرى، فحاول الاقتراب منها رغم مقاومتها ورفضها المستمر.
ليان بصراخ: ابعــــــــــد عنــــــي وســــــع انــــت اتجــــــنننہــــت اوعــــى ....اوعــــــى بــــــــــابــــــــــــا 
وما إن خرج اسم والدها من بين شفتيها حتى توقف فجأة وكأن أخد صفعه بقوة. رفع عينيه إليها، فرأى نظرات حمراء غاضبة ممتلئة بالنفور والألم، نظرات جعلته يشعر بأن وجوده نفسه أصبح عبئًا عليها. بقي يحدق بها لثوانٍ طويلة، ثم تركها أخيرًا.
وفي اللحظة التي تحررت فيها من قبضته، اندفعت نحو الحمام وأغلقت الباب خلفها بعنف.
أما هو فجلس على الأريكة متجهم الوجه، يشعر بوخزات مؤلمة داخل صدره. ظل صامتًا للحظات طويلة قبل أن تقع عيناه على أثر ما فعل، فشعر بشيء ينقبض داخله بقسوة. تساءل بصدمة إن كانت قد وصلت إلى مرحلة تنفر منه فيها إلى هذا الحد. هي نفسها التي كانت يومًا تتمنى قربه، أصبحت الآن لا تطيق وجوده بالقرب منها.
اشتعلت أعصابه أكثر، فنهض من مكانه وغادر الجناح سريعًا قبل أن يرتكب حماقة جديدة يندم عليها. استقل سيارته وانطلق بها بلا وجهة محددة، تاركًا الطريق يقوده حيث يشاء، بينما كانت الأفكار تضرب رأسه بلا رحمة. ولأول مرة منذ وقت طويل شعر بالندم الحقيقي، نعم، لقد آذاها... وربما أكثر مما كان يتخيل.
عقد حاجبيه وهو يتخيل شعورها عندما رأته مع ياسمين، وللمرة الأولى حاول أن يضع نفسه مكانها، فلو انعكست الأدوار ورآها مع رجل آخر لما اكتفى بالغضب، بل لكان أشعل الدنيا فوق رأسها، مجرد تخيل الأمر كان كافيًا ليشوش أفكاره ويعصف بعقله حتى كاد يصطدم بإحدى السيارات، فانتبه في اللحظة الأخيرة وأوقف سيارته على جانب الطريق محاولًا استعادة أنفاسه، جلس للحظات طويلة يحدق في الفراغ أمامه بينما تتزاحم الأفكار داخل رأسه بلا رحمة، كان يسترجع كل ما فعله معها خلال الليلة الماضية، وكل كلمة جارحة قالها، وكل مرة رأى الدموع في عينيها وتجاهلها، وكلما تذكر نظراتها الأخيرة شعر بشيء ثقيل يطبق على صدره ويمنعه من التنفس، وظل على حاله دقائق طويلة قبل أن يدير محرك السيارة من جديد ويعود إلى القصر، فلم يكن يريد شيئًا وقتها سوى أن يراها، أن يضمها بين ذراعيه ويخبرها أن كل شيء يمكن إصلاحه، وأنه مستعد لفعل أي شيء حتى لا يخسرها.
دلف إلى القصر بخطوات سريعة فوقع بصره على ميرفت وهي تتحدث مع مصطفى بصوت منخفض، استغرب الأمر للحظة لكنه لم يمنحه أي اهتمام، إذ كان كل تفكيره منصبًا على ليان، فاتجه مباشرة نحو الدرج وصعده بسرعة ثم توجه إلى الجناح الذي أصبحت تقيم فيه، فتح الباب بلهفة ودخل الغرفة بعينين تبحثان عنها في كل زاوية، لكنه لم يجد لها أثرًا، فتجمد مكانه للحظات قبل أن يتجه مباشرة نحو الحمام ويفتح بابه بعنف، إلا أنه كان خاليًا أيضًا، وهنا بدأ القلق الحقيقي يتسلل إلى قلبه، خرج من الغرفة بسرعة وأخذ يبحث عنها في كل أنحاء القصر، يسأل الخدم والحراس وكل من يقابله في طريقه، لكن الإجابة كانت واحدة من الجميع، لم يروها منذ أن كانت جالسة في الحديقة، ومع كل إجابة كان القلق يزداد أكثر حتى بدأ يشعر بأن شيئًا سيئًا قد حدث بالفعل.
عاد إلى جناحه على أمل أن يجدها هناك، لكنه ما إن فتح الباب حتى وجد ياسمين داخله، فنظر إليها لحظة واحدة فقط قبل أن يهدر بحدة:
أسر: بــــــــــــرة اطلعــــــي بــــــــرة
انتفضت على الفور من نبرة صوته وغادرت دون أن تنطق بحرف واحد، بينما بقي هو واقفًا يحاول التفكير، وفجأة خطرت له شقة والدها، فاستدار وغادر القصر سريعًا، استقل سيارته وانطلق بأقصى سرعة نحو البناية التي يسكن فيها والدها، وما إن وصل حتى اتجه مباشرة إلى الحراس الذين وضعهم بنفسه أسفل المنزل.
أسر: مدام ليان جت هنا؟
هز الحراس رؤوسهم بالنفي، فتوقف للحظة وهو ينظر إليهم غير مستوعب ما يسمعه، لم تأتِ إلى هنا... إذًا إلى أين ذهبت؟! أخذ عقله يعمل بسرعة جنونية محاولًا تذكر أي مكان يمكن أن تلجأ إليه، لكنها لم تكن تملك مكانًا آخر تذهب إليه، ولا تعرف أشخاصًا يمكنها الاحتماء بهم، مرر يده بين خصلات شعره بعصبية ثم شدها إلى الخلف بعنف، وفي تلك اللحظة بالتحديد شعر لأول مرة بأنه خسرها حقًا، ليس خلافًا عابرًا كما في السابق، وليس هروبًا مؤقتًا ستعود بعده، بل خسرها بالكامل.
أخرج هاتفه واتصل بها مرة تلو الأخرى، لكن هاتفها كان مغلقًا، أعاد الاتصال رغم معرفته المسبقة بالنتيجة وكأنه ينتظر معجزة ما، إلا أن شيئًا لم يتغير، فعاد إلى مكتبه واتجه نحو أجهزة المراقبة، وأخذ يراجع تسجيلات الكاميرات الموجودة في القصر وعند البوابات والمخارج كلها، يراقب كل ثانية بعينين متوترتين ويعيد المقاطع مرات ومرات، لكنه لم يجد أي أثر لها، وكأنها اختفت من الوجود، وكأن الأرض انشقت وابتلعتها، شعر بالعجز ينهش صدره للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، فالتقط هاتفه واتصل بأمجد.
أمجد بمرح: ياعم انت مش لسه قايل مش هتصل بيك ثاني ولا إنت مش بتتصل غير في المصايب
رفع أسر عينيه إلى الفراغ أمامه وقال بصوت مبحوح خرج منه دون وعي:
أسر: أمجد.... مراتي
ساد الصمت لثوانٍ قبل أن يأتيه صوت أمجد المستغرب:
أمجد: ثاني؟؟ متقولش
ابتلع الغصة العالقة في حلقه ثم قال بصوت متعب:
أسر: هتقلبلي الدنيا و تلاقيها ولا هتعمل زي كل مرة
اختفت نبرة المزاح من صوت أمجد فورًا.
أمجد: اهدي بس قولي مواصفاتها و مشيت الساعة كام
أسر: كل إللى عاوز تعرفه هقولهولك بس تقلبيلي الدنيا عليها
ظل يمده بكل المعلومات التي قد تساعده في العثور عليها، من اسمها الكامل إلى أوصافها الدقيقة وكل ما يمكن أن يفيد البحث، وما إن أنهى المكالمة حتى ألقى الهاتف فوق المكتب وجلس على المقعد ببطء، منحني الظهر، واضعًا رأسه بين كفيه لأول مرة منذ سنوات، كانت أنفاسه ثقيلة ومتقطعة، وكان عاجزًا عن تخيل فكرة واحدة فقط... أن تمر الأيام دون أن يراها، أن تختفي من حياته بهذه البساطة، أن تصبح مجرد ذكرى بعد أن كانت عالمه كله، وبينما كان غارقًا في أفكاره سمع طرقات خافتة على باب المكتب، فرفع رأسه بصعوبة وقال بصوت مرهق:
أسر: إدخل
دلفت أم محمود إلى المكتب بخطوات مترددة ووجه شاحب على غير عادتها، كانت تفرك يديها بتوتر واضح بينما يراقبها أسر بنظرات مرهقة، فقد كانت ملامحها وحدها كفيلة بأن تخبره أن هناك أمرًا ليس طبيعيًا، فرفع رأسه عن كفيه وأسند ظهره إلى المقعد قائلًا بتعب:
أسر: أجلي أي كلام دلوقتي يا أم محمود أنا دماغي مش فيا
رفعت عينيها إليه للحظة قبل أن تقول بصوت متردد يحمل شيئًا من المعنى الخفي:
أم محمود: حتى لو كلام يخُص ليان هانم
وما إن سمع اسمها حتى انتفض من مكانه كأن تيارًا كهربائيًا مر في جسده، واقترب منها بسرعة ولهفة واضحة ارتسمت في عينيه.
أسر: ليان.... إنتِ عارفة مكانها يا ام محمود
هزت رأسها بالنفي بسرعة.
أم محمود: لاء يا بيه مش بالظبط بس ...بس كل الحكاية...إن...ان
مسح وجهه بعنف وقد بدأت أعصابه تتآكل من التوتر.
أسر: أومال .. إنطقي يا أم محمود أنا فيا اللي مكفيني مش ناقص تهتهة في الكلام خلصي!!
جلست على الكرسي المقابل وهي ما تزال تفرك يديها بعصبية، ثم أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تبدأ الحديث.
أم محمود: أنا ...بص يا بني... من شوية سمعت مدام ميرفت بتتكلم مع مصطفي بيه...
flashback 
وفي اللحظة نفسها عاد المشهد إلى ذاكرة أسر، فهو بالفعل كان قد لمح ميرفت ومصطفى يتحدثان عندما عاد إلى القصر، لكنه لم يهتم وقتها وصعد إلى الجناح مباشرة، أما أم محمود فكانت قد سمعت كل شيء.
ميرفت بشماتة: بس كده وهو طبعا مش فاكر انه دخل عليها لما كانت في المصحة بسبب ال... اللي حطيتهوله ف لما حملت مهما تحاول تثبتله هو عارف انه مش منه عشان يا حبيبي كان مش في وعيه في المصحة
مصطفى بابتسامة: دماغ شياطين ....طب و منة؟
ميرفت بحدة: دي واحدة غلاوية ده لولا إنها معرفانا كل حاجة عن ليان مكناش عرفنا نعمل كل ده
مصطفى: طيب ماهو بسبب غلها على صاحبتها ده اللي نفعنا دلوقتي....
ميرفت: المهم كنت عاوزة أسألك عشان كل مرة بنسي ...هو مين اللى خطف ليان يوم الفرح؟
مصطفى بابتسامة وهو يرتشف قهوته: أنا
ميرفت: ايوا عارفة مين معاك اقصد
مصطفى: منة اللى بتقولي عليها غلاوية
شهقت ميرفت بعدم تصديق.
ميرفت: إزاي ..دي مسبتهاش طول الفرحة اصلا و الفرحة تقول فرح اختها مش صاحبتها ..فهمني
مصطفى: منة دي بتعشق أسر وهي اصلا بتغير من ليان جدا بس ليان متعرفش ده المهم انا كلمتها و قولتلها تساعدني لو عاوزاه يبقى ليها وهي طبعا معندهاش اصل ف جات على طول سحبتها للحمام وانا خليت الرجالة تتعامل
ميرفت بإعجاب: وبتقول عليا انا شياطين..طب وانت عرفت منين إنها بتحبه
مصطفى: ليان معتبراني أبوها ف كانت بتحكيلي على صحابها بس على منة أكثر عشان هي معتبرها اختها بس سمعتها في مرة وهي بتكلم ام محمود و ام محمود مش فاكر قالت لها ايه بس ان مينفعش تدي لصاحبتها ثقة كبيرة كده إنها تقعد تكلمها على خطيبها و إزاي بيعاملها عشان الغيرة بس ف فهمت ان منة بتحبه هي بالصلاة على النبي أكدت اللي فهمته
ميرفت: ممم طب وانت بتعمل كل ده ليه مع ليان دي حتى هي اللي خليت أسر يرضي يكلمك
اختفت الابتسامة عن وجه مصطفى فجأة وقال بحدة:
مصطفى: ميهمنيش ...بعمل كده عشان أبوها
وقبل أن تكمل ميرفت سؤالها كان أسر قد ظهر في القصر وقتها، فانتهى الحديث.
عاد أسر إلى الواقع وهو يحدق في أم محمود بعينين متسعتين، غير قادر على استيعاب ما سمعه للتو، وكأن الكلمات ترتطم بعقله دون أن يستطيع تصديقها.
أسر: إيه... إيه اللي إنتِ بتقوليه ده...إنت اتجننتي
ارتجفت أم محمود وهي ترفع يدها إلى صدرها.
أم محمود: و حياة إبني محمود هو ده اللي حصل يابني.. و أنا مقدرتش أشوف ليان هانم مظلومة و أقف ساكتة كدا! عشان كدا قررت آجي أقول
تراجع أسر خطوة إلى الخلف، ثم أخرى، وكأن الأرض أصبحت غير ثابتة تحت قدميه، كانت الكلمات تتردد داخل رأسه بصورة مؤلمة.... مظلومة...... بريئة...... لم تخنه...
... كانت تقول الحقيقة طوال الوقت...
أسر بصوت خرج مختنقًا: يعني .. ليان....ليان مظلومة يا أم محمود
أخذ يدور في المكتب بصورة جنونية، يمرر يديه في شعره ثم يضرب سطح المكتب بعنف حتى اهتز كل ما فوقه.
أسر: لــــــيــــــــــه .. لــــــــــيــــــه...لــــــيــــــــه مــــقولــــــتــيليــــش! مــــــن بــــــــدري قــبــــــل مــــــا أبهــــدلــــها معــــايــــــا بــــالشــــكــل ده!!! مــــــا ترُدي عليــــــــا....
انتفضت أم محمود من صراخه وهي تقول بدموع حقيقية:
أم محمود: والله يابني كنت خايفة الهانم لو عرفت تقطع عيشي، كنت خايفة أوي يا بيه أعذُرني أرجوك!!!
رفع يده نحو الباب وهو يلهث من شدة الانفعال.
أسر: طــــــــب إطلــــــعــــــي .. إطلــــــعــــي بــــــرة بــــرة
وقفت بسرعة وغادرت المكتب، بينما بقي هو وحده وسط الصمت القاتل، يحدق في الفراغ أمامه غير مصدق ما اكتشفه للتو، ثم فجأة انهال بكفيه على سطح المكتب بعنف وهو يصرخ كالمجنون:
أسر: غـــبـــي!!! غــبــي غـبـي!!! إزاي أصدق إنها ممكن تخــــــونــــــي! إزاي أعــــــمــــل فــــــيهــــــا كــــــــدا!!....ثانــــــــي ......أذيــــــتــــها ثــــــانــــــــي....
ارتج المكتب تحت ضرباته، وانفلتت دموعه رغمًا عنه للمرة الأولى منذ زمن طويل، فسقط جالسًا على الأرض بجوار المكتب، وأسند ظهره إليه بينما الألم ينهش صدره بلا رحمة، دموعه نزلت وهو بيقول بصوت مكسور لم يسمعه أحد من قبل:
أسر: خســــــــرتهــــــــا .. للأبــــــد...... خــــلاص مــــــــش هشــــــوفــــهــــــا تــــــانــــــي......ااااااااااااااااه يــــــــا لــــيــــــــــــان
                     ••••••••
في الساحل الشمالي، وتحديدًا داخل أحد الشاليهات المسجلة باسم ليان محمد العزام، كانت الحياة تسير بصورة مختلفة تمامًا عما يحدث هناك. خرجت من الشاليه وأغلقت الباب خلفها بهدوء، ثم هبطت الدرجات القليلة المؤدية إلى الشاطئ بخطوات بطيئة، وغاصت قدماها الحافيتان داخل الرمال الناعمة الدافئة، بينما ارتفع صوت خلخالها الرنان مع كل خطوة تخطوها. كان الوقت وقت شروق الشمس، والسماء تتلون بألوان هادئة تنعكس فوق صفحة البحر فتمنحه جمالًا يخطف الأنفاس، فتوقفت للحظة تتأمل المشهد أمامها وكأنها تراه للمرة الأولى، ثم ركلت بعض الرمال بقدمها مبتسمة واتجهت نحو أحد المقاعد القريبة من المياه وجلست عليه، تضم قدميها إلى صدرها وتتنفس بعمق، وكأنها تحاول ملء رئتيها بكل ذرة من تلك الحرية التي افتقدتها طويلًا.
كانت السعادة مرسومة على وجهها بصورة لم تعرفها منذ سنوات، وما زالت حتى تلك اللحظة تحاول استيعاب ما فعلته. لقد هربت فعلًا... هربت بلا عودة. تركت خلفها القصر وكل ما يحمله من ذكريات موجعة، وتركت خلفها الرجل الذي جعل حياتها تتأرجح بين الحب والعذاب، وتركت خلفها سنوات طويلة من الصبر والانتظار والأمل الذي لم يتحقق يومًا. لم تتردد حين اتخذت قرارها، ولم تلتفت وراءها ولو لمرة واحدة، بل شعرت منذ اللحظة الأولى لخروجها من هناك وكأن قيودًا ثقيلة كانت تلتف حول روحها وسقطت أخيرًا.
أغمضت عينيها لثوانٍ وهي تستمتع بنسيم البحر البارد الذي يلامس وجهها، ثم نهضت من مكانها واقتربت أكثر من الشاطئ، وفردت ذراعيها على جانبيها ورفعت وجهها نحو السماء وكأنها تعانق العالم كله، قبل أن تردد بصوت ممتلئ بالامتنان:
ليان: الحمدلله .. أحمدك يارب .. أحمدك يارب...الحمد الله ...أشكرك يا حبيبي
أخفضت رأسها ببطء، ثم وضعت يدها فوق بطنها بحنان شديد، وانعكست ابتسامة مختلفة داخل عينيها، ابتسامة أم بدأت تشعر بالحياة تنمو بداخلها يومًا بعد يوم.
ليان: حاسة انك بنوتة ...مبسوطة معايا صح؟
ظلت تبتسم وهي تربت على بطنها برفق، وفجأة شعرت بوخزة خفيفة جعلتها تضحك من قلبها، وكأن صغيرها يجيبها بطريقته الخاصة، فاحتضنت بطنها أكثر وأغمضت عينيها وهي تستمتع بذلك الشعور الذي لم تكن تتخيل يومًا أنه سيصبح سببًا في استمرارها.
مرت الأيام بعدها بهدوء لم تعتده من قبل، ثم تحولت الأيام إلى أسابيع، والأسابيع إلى شهور، وشهر وراء شهر كانت تستعيد شيئًا من نفسها التي ضاعت طويلًا. أما في الجهة الأخرى، فكان الوضع مختلفًا تمامًا.
مر شهر كامل دون أن يعثر عليها.
ثم شهر ثانٍ.
ثم شهر ثالث.
وخلال تلك الشهور الثلاثة لم يصل إليه أي خبر عنها.
أصبح أكثر عصبية من أي وقت مضى، وانقلبت حياته رأسًا على عقب، فلم يعد ينام سوى ساعات قليلة متقطعة بالكاد تصل إلى ثلاث ساعات يوميًا، بينما يقضي بقية يومه بين العمل والبحث عنها. كان يخرج بنفسه إلى الأماكن التي يمكن أن تكون ذهبت إليها، ويعود منها خالي الوفاض، ثم يبدأ البحث من جديد وكأنه يرفض الاعتراف بأنها اختفت بالفعل. حتى أمجد، الذي اعتاد الوصول إلى كل شيء، فشل في العثور على أي أثر لها، وكأنها تعمدت أن تمحو نفسها من حياته بالكامل.
خلال تلك الشهور تبدلت ملامحه بصورة واضحة، فبهت وجهه، واختفى بريق عينيه، وأصبح يبدو كرجل يحمل فوق كتفيه عمرًا إضافيًا من التعب. لم يعد يطيق رؤية ميرفت، وطردها من المنزل دون تردد، أما والده فلم يكن قادرًا على طرده أو قطع صلته به، لكنه لم يعد يتحدث معه، ولم يعد يحتمل رؤيته أصلًا. كان يعيش أيامه كأنه يؤدي واجبًا ثقيلًا لا أكثر، يعمل لأن العمل هو الشيء الوحيد القادر على إسكاته لبعض الوقت، لكنه ما إن يجلس وحده حتى تعود إليه ليان من جديد، بصوتها وضحكتها ونظراتها ودموعها، فتتحول كل لحظة هدوء إلى عذاب جديد.
وفي أحد الأيام كان جالسًا داخل مكتبه في الفيلا، غارقًا في بعض الملفات دون أن يقرأ منها شيئًا في الحقيقة، فقد كانت عيناه تنظران إلى الأوراق بينما عقله في مكان آخر تمامًا، حين قطعت طرقات خفيفة على الباب شروده. رفع رأسه ببطء وأذن للطارق بالدخول، فانفتح الباب وظهرت أم محمود بوجه شاحب وملامح مرتبكة بصورة أثارت انتباهه فورًا.
أسر: مالك يا أم محمود.. حصل حاجة؟!
ارتجفت وهي تحاول ترتيب كلماتها.
أم محمود: مـ .... مافيش يابني في واحد .. ....قاعد برا .......عايزك!!!
قطب حاجبيه باستغراب ونهض من مقعده.
أسر: واحد مين!
لكنها لم تجبه، بل ظلت تنظر إليه بتوتر وكأنها عاجزة عن الكلام، فتركها وخرج بنفسه إلى الخارج، وما إن وصل إلى الصالة حتى وجد رجلًا يحمل بعض الأوراق ويرتدي نظارة رسمية، فاقترب منه بملامح جامدة وقال بنبرته المعتادة:
أسر: خير؟!
رفع الرجل نظره إليه وسأله بعملية:
المحضر: أسر الدمنهوي؟
أسر: أيوا!!
مد الرجل ورقة نحوه.
المحضر: طيب إمضيلي هنا يا حضرت، مراتك مدام ليان العزام رافعة قضية خُلع عليك.. و الجلسة يوم 1/20

تعليقات



<>