رواية عشق ملوث بالانتقام الفصل الثلاثون30بقلم ريتاج حبيب

      


رواية عشق ملوث بالانتقام الفصل الثلاثون30بقلم ريتاج حبيب

​أسر بغضب: إيــــه؟... إنــــــت اتــــــجــنــــت يــــــا جــــدع إنــــت ولا إيه؟
قــضــــيــة إيــــه وخــــلــع إيــــه؟

قالها بصدمةٍ وهو غير قادر على تصديق أنها رفعت عليه قضية خلع. ظل ينظر إلى الورقة بين يديه وكأن الكلمات المكتوبة عليها مجرد وهم، لكن الحقيقة كانت أوضح وأقسى من أن ينكرها.

نظر إليه المحضر بحدةٍ وهو يقول:

المحضر: الــــزم حــــدودك يــــا جــــدع إنــــت  أحــــسن لــك... اتفضل امضيلي هنا، والجلسة يوم 20/1.

أمسك أسر القلم ووقّع دون وعي، وما إن همّ الرجل بالمغادرة حتى اندفع نحوه فجأة وأمسك قميصه بعنف.

أسر: إنت... إنت تعرف مكانها؟

حاول الرجل أن يحرر نفسه من قبضته وهو يقول بخوف:

المحضر: يا عم وسّع... سيبني...

ازداد تشبث أسر به وهو يهتف بعنف:

أسر: انــــــطــــــــــق... تعرف مكانها؟

قال الآخر بخوفٍ واضح:

المحضر: أيوة... بس معنديش أوامر إني أبلغهولك... دي فيها حبس.

أسر: أم مــحــــــــــمــــــود.

قالها وهو ينظر إليه بابتسامةٍ مرعبة، فظهرت أم محمود سريعًا وهي تقول بقلق:

أم محمود: أيوة يا بني، خير؟

أسر بجدية: ادخلي المكتب، طلعي من الدرج ألف جنيه وهاتيهم.

أم محمود: حاضر من عينيّا.

المحضر: يا باشا... يا...

أسر: شششش... يــــــــلا يــــــا أم مــــحمــــــود.

عادت بعد لحظات وهي تحمل المال، فأخذه منها وأعطاه للرجل، ثم ابتسم ابتسامةً لم تحمل ذرة واحدة من المرح وهو يربت بالنقود على وجهه.

أسر: خد دول... وانطق دلوقتي بعنوانها. يا تقول بمزاجك وتكسب، يا تقول غصب عنك، وساعتها هتكسف أقولك هعمل فيك إيه... انــــــــطــــــــــق بــــدل مــــــا و عــزة و جــــلالــــة الله لــــا اكــــــون دفــــنــــــك مــــــكــــانــــــك

نظر إليه الرجل برعبٍ حقيقي وقال بتلعثم:

المحضر: عنوانها... شقة في مصر الجديدة بعد روكسي بالظبط... تاني بيت على أول الشارع.

أسر: طبعًا مش محتاج أقولك لو العنوان غلط أنا هعمل فيك إيه يا حبوب... يلا اتكل على الله.

خرج الرجل وهو يحمد الله على نجاته، وفي الوقت نفسه يسب هذا المجنون الذي كاد يفتك به.

أما أسر فصعد إلى غرفته بسرعةٍ جنونية، وبدّل ملابسه إلى بنطال أسود وتيشيرت أسود ومعطف أسود، ثم أخذ ساعته ونظارته ونزل بأقصى سرعة.

خرج من المنزل واستقل سيارته، وهو يشعر بألمٍ حقيقي في قلبه من شدة نبضاته. كانت فرحته هائلة، فرحة شخصٍ ظل يبحث طويلًا حتى وجد أخيرًا خيطًا يقوده إلى من يريد. لم يكن مصدقًا أنه بعد كل هذا الوقت سيعرف مكانها.

سيعرف أين ذهبت.

وسيراها.

أخيرًا.

وصل إلى العنوان الذي أعطاه له الرجل، وترجل من السيارة بخطواتٍ ثابتة تخالف تمامًا الفوضى التي تعصف بداخله. كان قلبه يضرب بقوة، لكن ملامحه بدت جامدة على نحوٍ غريب.

اتجه نحو المبنى وهو يتذكر كلمات المحضر:

"الشقة التانية على إيدك اليمين."

صعد الدرج بسرعة حتى وصل إلى الباب المقصود، ثم أخذ يطرق عليه مرةً بعد أخرى.

طرق.

ثم طرق من جديد.

ثم بعنفٍ أكبر.

كان يشعر بتوترٍ لا يصدق، وكأنه ذاهب لمقابلتها لأول مرة في حياته.

استمر في الطرق بقوة حتى فُتح الباب المقابل.

استدار بلهفةٍ هائلة، لكن تلك اللهفة تحولت إلى خيبةٍ قاسية حين وجد امرأةً مسنة تجاوزت السبعين من عمرها، تقف مستندةً إلى عكازها وتنظر إليه باستغراب.

العجوز: إنت مين يا بني وبتخبط كده ليه؟

تنحنح بحرجٍ وهو يقترب قليلًا.

أسر: حقك عليّا يا أمي... بس متعرفيش مدام ليان اللي ساكنة هنا فين؟ عشان بقالي بخبط ومبتردش.

قطبت المرأة حاجبيها باستغراب.

العجوز: مدام ليان مين دي يا بني؟ دي شقة الحاجة نوارة الله يرحمها، وست ميتة من أكتر من عشرين سنة، وعيالها قافلين الشقة ومحدش بيجي عندها.

صدمة.

صدمة كاملة.

لو كان لانكسار القلب صوت، لسمعته مصر الجديدة كلها في تلك اللحظة.

شعر بغصةٍ حادة تخنق أنفاسه، حتى اضطر إلى الاستناد على الباب وهو يقول بصوتٍ مبحوح:

أسر: إزاي...؟

العجوز: إزاي إيه يا بني؟ والله زي ما بقولك كده... إنت كنت عاوز إيه طيب؟ ولا مين ليان دي؟

ظل ينظر إلى الفراغ.

لا شيء.

لم يعد يسمع شيئًا.

شعر أن قلبه سيتوقف.

وأن الأرض تدور من حوله.

اشتد الدوار عليه حتى اضطر إلى الاستناد أكثر إلى الباب.

فشهقت المرأة بخوف.

العجوز: اسم الله عليك يا بني... ادخل... ادخل يا بني أما أسقيك شوية مية... تعال.

لم تعد ساقاه قادرتين على حمله، فدخل معها وهو يشعر بصداعٍ يكاد يحطم رأسه.

جلس على أقرب كرسي، بينما أسرعت هي إلى الداخل.

بعد دقائق عادت تحمل كوب ماءٍ بالسكر.

العجوز: خد يا بني اشرب مية بسكر... إنت شكلك ما كلتش... صح؟

ابتسم ابتسامةً خفيفة وهو ينظر إليها بعينين نصف مغلقتين.

أسر: لأ.

فضربته بخفةٍ بعكازها وهي تقول بحنق:

العجوز: إنت اتجننت يا بني؟ شاب زي الورد كده وينزل على لحم بطنه؟

رفع رأسه إلى الحائط وقال بصوتٍ مرهق:

أسر: أستأذنك... همشي... عاوزة حاجة؟

أمسكت به بسرعة وكأنها تخشى أن يرحل.

العجوز: لأ يا بني... اقعد... اقعد معايا شوية... عشان خاطري.

جلس أسر وهو ينظر إليها باستغراب، فابتسمت ابتسامةً باهتة وقالت:

العجوز: متستغربش... أنا بس وحيدة زي ما إنت شايف، وعيالي كل واحد ملهوم في بيته ومراته، مبيجوش يسألوا عليّا حتى يعرفوا أنا ميتة ولا عايشة... بس عادي، أنا متعودة. أنا بس لما شفتك كان نفسي أرجع أحس إن حد من عيالي جاي يزورني، عشان كده فتحت الباب.

نظر إليها مستفسرًا بعينيه، فأكملت وهي تبتسم ابتسامةً مؤلمة:

العجوز: أنا عندي خمسة عيال... أربعة ولاد وبنت، بس مبيجوش يطمنوا عليّا خالص. بنتي متكلمنيش في التليفون غير عشان تبعت حد من عيالها ياخد المعاش، والباقي مراتاتهم مسيطرين عليهم. كل واحد حاسس كأن لو راح زار أمه يبقى هيخرب بيته...

ثم ضحكت ضحكةً قصيرة مليئة بالمرارة.

العجوز: صحيح... هم يضحك وهم يبكي.

ظل أسر ينظر إليها بصمت، ثم تنحنح وقال بجدية:

أسر: مجربتيش تكلميهم إنتِ ليه؟

خفضت رأسها إلى الأرض بحزن، وارتسمت على شفتيها ابتسامة موجوعة.

العجوز: عشان أنا عارفة هما بيعملوا كده ليه.

ضم أسر حاجبيه باستغراب.

أسر: ليه؟

تنهدت طويلًا، وكأنها تستخرج الكلمات من بين ركامٍ من الندم.

العجوز: عشان زمان... لما كنت في عز شبابي وربنا مديني الصحة والطاقة والحركة، كنت بشتغل شغلانة جميلة أوي. كنت ببات فيها خمسة أيام كاملة، وأرجع آخر يوم في الأسبوع البيت أعمل الأكل وأشوفهم وخلاص. وكانوا كل ما يتصلوا بيا أزعق لهم وأقول لهم: متتصلوش بيا تاني. حتى لو كانوا بيتصلوا عشان جعانين ومفيش لقمة في البيت، كنت أشخط في الخمسة. وأي حد منهم كان يتصل بيا كنت أعمله بلوك لحد ما أرجع. مكنتش برد ولا بتصل على حد فيهم.

سكتت قليلًا ثم أطرقت برأسها.

العجوز: وأبوهم كان ميت من زمان... يعني المفروض كنت أخاف عليهم وأقعد معاهم، مش أبات برة وأسيبهم لوحدهم. بس كنت مبهورة بالشغلانة، أصلها كانت أول مرة أشتغل في شركة. كانوا كل يوم يقولوا لي: يا ماما، لما منردش عليكي ونكلمك، افرضي حصل حاجة؟ افرضي حصلت مصيبة؟ وإحنا بنستنجد بيكي ومترديش علينا كده؟ وأنا كنت أقول بمنتهى البرود: خير... أهو محصلش حاجة.

بدأت الدموع تتجمع في عينيها.

العجوز: لحد... لحد ما جه اليوم اللي ربنا وراني فيه نتيجة اللي كنت بعمله.

ارتجف صوتها.

العجوز: ابني الوسطاني خالد... كان عنده تسعة وعشرين سنة. شاب زي الورد... زيك كده، اسم الله عليك.

سقطت دمعة من عينها.

العجوز: يومها اتخانقت معاه. اتخانقت معاه جامد. وهو صمم يخرج من البيت. خرج فعلًا... ولما رجع بالليل عشان يدخل، أنا تربست له على الباب.

بدأت شهقاتها تتصاعد.

العجوز: وقلت له: والله ما إنت داخل لحد ما تتربى و يا حبة عيني.

وضعت يدها على صدرها وهي ترتجف.

العجوز: مشي...

صمتت لحظة طويلة.

العجوز: مشي فعلًا.

ثم انفجرت بالبكاء.

العجوز: تاني يوم الناس لقوه جثة...

شهق أسر دون إرادة.

العجوز: قــــاطــع... قاطــــع شرايين إيده...

ثم وضعت يدها على فمها وهي تبكي.

العجوز: وكاتب في ورقة جنبه: "مش هتأخر تاني يا أمي... مش هتأخر تاني."

وأجهشت في البكاء بقوة وهي تضرب وجهها.

العجوز: أنــــــا... أنــــــــا... أنــــــا الــــــسبــــب يــــــا بني... أنــــــا الــــلي موتــته... أنــــــا السبــــــــب... مــــــتعــــلمتــــش غــيــــــر لمــــــا حــــــصلــــــت النــــــايبــــــة... آآآه يــــــــا حــرقــــــــة قلــــــــبي علــــــيــك يــــــــا ابنــــــــي... آآه يــــــــــا خــــــــــالد.

أمسك أسر يدها سريعًا وهو يحاول تهدئتها.

أسر: صلي على النبي واهدي يا حاجة... حرام اللي بتعمليه في نفسك ده... هو في دار الحق دلوقتي.

واصلت البكاء وهي تتحدث بشرود.

العجوز: كنت... كنت بزعل لما كانوا يتصلوا بيا...

انكسر صوتها.

العجوز: أهو دلوقتي أنا اللي بشحتهم...

وأشارت إلى نفسها.

العجوز: أنا اللي بشحتهم دلوقتي عشان ييجوا ويكلموني.

ثم رفعت رأسها إلى السماء.

العجوز: كله من عمايلي... يا رب رجعهم لي... يا رب رجعهم لي... مكنتش أعرف إنهم ضيوف في بيتي وماشيين... مكنتش أعرف.

وانهمرت دموعها بغزارة.

العجوز: يا رب... ياريتني قويت علاقتي بيهم يا بني... ياريتني.

ربت أسر على ظهرها بهدوء.

أسر: صلي على النبي واستهدي بالله.

ثم أكمل بعد لحظة:

أسر: ربنا بيخليكي تجربي نفس الإحساس اللي كنتِ بتحسسيهم بيه. يا حاجة، إنتِ لو بنيتي ذكريات كويسة معاهم من وهم صغيرين، كنتِ هتلاقي نتيجتها دلوقتي لما كبرتي. بس كل اللي بيحصل ده من صنع إيدك. ربنا يحنن قلوبهم عليكي.

أومأت برأسها وهي تمسح دموعها.

العجوز: عارفة... عارفة.

ثم أغلقت عينيها بألم.

العجوز: وندمانة... ندمانة أوي على اللي عملته فيهم.

تنهدت بحرقة.

العجوز: يــــــــــااااه... مــــــعــــــقول أخــــــسر عيالي عــــــشــان فــــــلوس وشــــــغلــــــانة؟ أخــــــسر لحــــــمي ودمــــــي عشــــــــان حاجــــــات دنيــــوية؟ اللهم لا اعــــــــــتراض... اللهم لا اعــــــــتراض.

ظل أسر يربت على كتفها حتى هدأت قليلًا.

ثم قال بلطف:

أسر: أنا مضطر أمشي... عاوزة حاجة؟

فجأة أمسكت يده بكلتا يديها وكأنها تخشى أن يتركها.

العجوز: لأ يا بني... اقعد... اقعد معايا شوية... واحكي معايا.

مقدرش يقاوم نظرة الرجاء والانكسار الموجودة في عينيها.

فقعد من جديد.

بينما نهضت هي مستندة إلى عكازها واتجهت نحو المطبخ.

العجوز: استنى أعمل كوبايتين شاي... ده البيت نور والله.

ضحك بخفة، لكنه ما لبث أن شرد في ليان من جديد، وتحولت ملامحه إلى الحزن.وفي تلك اللحظة سمع صوتها المليء بالمرح.

العجوز: إيه اللي واخد عقلك؟ يتهنى بيه.

فابتسم أسر وقال:

أسر: يا رب.

داليا: إلا إنت اسمك إيه صحيح؟

ضحك أسر وهو يهز رأسه وقال:

أسر: حكيتي لي حكايتك كلها وإنتِ مش عارفة اسمي؟... أسر... اسمي أسر... وإنتِ بقى؟

خفضت رأسها بحرج وهي تتمتم:

داليا: متآخذنيش يا بني، حقك عليّا... بس كان نفسي أحس بالونس...

ثم رفعت رأسها إليه بابتسامة دافئة وقالت:

داليا: اعتبرني زي مامتك... أنا اسمي داليا... احكي لي بقى، إنت كمان شايل هم الدنيا كده ليه؟

تنهد أسر طويلًا وشعر براحة غريبة من ناحيتها، راحة لم يشعر بها منذ زمن، ربما لأنها كانت تستمع إليه دون أحكام، أو لأنها ذكّرته بشيء افتقده منذ سنوات، لذلك بدأ يقص عليها كل شيء؛ من أول مرة التقى فيها بليان، إلى زواجهما، إلى السنوات التي قضتها حبيسة، إلى أخطائه وشكوكه وقسوته وكل ما حدث بينهما. كانت داليا تستمع إليه وعيناها تتسعان أكثر مع كل كلمة، حتى انتهى من حديثه، فظلت تحدق فيه لثوانٍ وكأنها غير مصدقة ما سمعته، ثم قالت بذهول:

داليا: يخربيتك... ده إنت شيطان!

كان يحتسي الشاي في تلك اللحظة فكاد يختنق به، ثم انفجر ضاحكًا بقوة.

أسر: تسلمي... ده من ذوقك.

نظرت إليه باستنكار وقالت:

داليا: لا أنا بتكلم جد! إيه يا بني؟ إنت معندكش قلب؟ إزاي تعمل كده فيها؟ بعد ما حبستها وسامحتك؟ وبعد ما ربنا رزقك بطفل عشان تبدأوا حياة سعيدة مع بعض؟ تقوم إنت بغشوميتك تعمل كل ده؟

اختفت ضحكته تدريجيًا وأطرق رأسه.

أسر: معرفش...

ثم تنهد بألم.

أسر: معرفش إزاي قدرت أعمل كل ده فيها... وهي إزاي قدرت تستحملني أصلًا.

رفعت داليا وجهه بأطراف أصابعها كما تفعل الأم مع ابنها وقالت بحنان:

داليا: عشان بتحبك... وبتثق فيك... وإنت زي الحمار جيت هدمت كل ده تاني.

ثم ضربته بخفة على كتفه وأكملت:

داليا: تاني إيه؟ ده ثالث ورابع كمان! ومش عاوزها تهرب منك وتخلعك؟ يا شيخ اتلهى!

رفع رأسه إليها بغيظ وقال:

أسر: سيبك من أم الكيكة والشاي دي وقوليلي أعمل إيه.

ضحكت رغمًا عنها ثم اعتدلت في جلستها.

داليا: أهو يا سيدي... بص، حاول تدور عليها وتلاقيها.

أسر: وبعدين؟

داليا: وبعدين تعمل لها كل اللي هي عاوزاه.

أسر: كله؟
داليا: كله.
أسر: ولو طلبت المستحيل ماهي عاوزة تطلق

داليا: لأ متخافش هي بتحبك ولله بتقول كده و خلاص .

أسر بمرح: يارب .....ولو طلبت أكتر من المستحيل؟

داليا: اتشقلب يا أخويا.

ضحك رغم حزنه، فأشارت إليه بإصبعها.

داليا: أيوة... اتشقلب كده عشان تصالحك وتسـامحك.

ثم هزت رأسها بعدم استيعاب.

داليا: أنا بس عاوزة أفهم حاجة.

أسر: إيه؟

داليا: إنت ليه مبتتأكدش قبل ما تتغاشم؟

سكت للحظة ثم قال بصوت خافت:

أسر: مش عارف... والله مش عارف.

ابتسمت داليا ابتسامة مطمئنة.

داليا: متخافش... والله ربنا هيرجعهالك.

لم يرد، لكنه تمنى من أعماقه أن تكون محقة. وفجأة قالت وكأن فكرة خطرت لها للتو:

داليا: بص...

أسر: نعم؟

داليا: إنت عرفت مكاني.

أسر: أيوة.

داليا: ابقى تعالى افطر معايا كل يوم.

رفع حاجبيه باستغراب، لكنها أكملت بمنتهى الجدية:

داليا: أنا بحب الجبنة القديمة.والطعمية  والباذنجان والعيش البلدي ومتجبش فول عشان مش بحبه.

قطب حاجبيه ثم نظر إليها لثوانٍ ثم انفجر ضاحكًا.

أسر: لا والله؟

أومأت برأسها ببراءة.

داليا: أيوة والله.

أسر: وأنا يعني اللي هجيب الفطار؟

أومأت من جديد، فانحنى نحوها وقبّل رأسها.

أسر: حاضر.

اتسعت ابتسامتها بسعادة حقيقية، ثم وضعت يدها على صدره وربتت عليه بحنان.

داليا: عايزاك طيب يا حبيبي... بألف سلامة.

ابتسم لها واتجه نحو الباب، أمسك المقبض وكاد يخرج، لكن صوتها أوقفه.

داليا: أسر.

استدار فورًا، فوجدها تنظر إليه بابتسامة صغيرة.

داليا: ابقــى تعــــالــى واســــــأل علــــيّا... أنــــا هــســــتــناك... متعــملــــش زي عيــالــــي.

ابتسم لها ابتسامة هادئة وأومأ برأسه، ثم خرج من الشقة ونزل الدرج حتى وصل إلى سيارته، فتح الباب وجلس خلف المقود وأغلقه خلفه، وفي اللحظة نفسها تقريبًا رن هاتفه. أخرجه من جيبه سريعًا، نظر إلى الشاشة فوجد اسم وائل، فضغط زر الإجابة فورًا.

أسر بجدية: أيوة يا وائل... أنا جاي على الشركة.

لكن الصوت الذي جاءه من الطرف الآخر لم يكن طبيعيًا، كان مضطربًا ولاهثًا ومشحونًا بالتوتر.

وائل: الشــــــركــــــــة بــــــــتولــــــع يــــــــــا أســــــــــر!

تعليقات



<>