رواية راكان زيدان واصحابه الفصل الثالث3 بقلم داليا السيد محمد
غضب..
تحركت ندى بالفراش عندما ضربها نور الصباح..
لماذا لم تسمع المنبه ليوقظها؟
آه ربما عطلة..
فتحت عيونها فجأة عند ذكر العطلة
الحفل، ليلة رأس السنة و..،
سفيان؟
انتفضت جالسة بالفراش ثم بسرعة جذبت الغطاء عليها عندما أدركت وضعها العاري بالفراش وماذا؟
ما هذا المكان؟ تلك الغرفة الفاخرة والكبيرة جدا بحجم الشقة التي تقيم بها من أين أتت؟
انفتح باب فجأة مما أفزعها ورأت سفيان يخرج وهو يلف منشفة حول خصره تاركا باقي جسده عاريا بلا خجل
ضرب قلبها بعنف خلف صدرها وهي تستوعب ما حدث، بالفراش عارية وسفيان الرجل الذي رقصت بين ذراعيه بعد قبلة حارة بينهما والشراب الذي تناولته ثم اختفت الذكريات بعدها، أمامها الآن نصف عاري هو الآخر
لقد سقطت بالهاوية..
تحرك تجاها وهي لا تراه وابتسامة على وجهه ودموع بعيونها ممتزجة بالعار الذي أدركت أنه التصق بها..
لمسته أحرقتها، جعلتها تنتفض بقوة واستوعب هو وضعها وهو يقول "حبيبتي ماذا بك؟"
حبيبته!؟ ماذا حدث بتلك الفجوة التي لا تتذكرها؟
سمعته يقول بهدوء وكأنه قرأ كل ما يدور بعقلها "اهدئي، لقد تزوجنا عُرفي بالأمس"
تحرك لجاكته الموضوع على المقعد وجذبه ليخرج منه ورقتان وقال "أنتِ رفضت أي شيء خارج إطار الشرعية"
لم تنهض وما زالت عيونها تمتلئ بالفزع، عرفي، تزوجته عرفي؟
لا، لا يمكن أن تكون فعلت ذلك بنفسها
تحرك لها ودفع الورقة أمامها فجذبتها وفضتها ورأت ما لم ترد رؤيته أو تصديقه، سقطت الورقة من يدها وسقطت معها دموعها وهو يرتدي ملابسه
"لماذا أنتِ غاضبة حبيبتي؟ لقد تزوجنا كما رغبتِ، أنا لم أفعلها مع أي امرأة من قبل"
هتفت من دافع الألم الذي ينبض داخلها "عُرفي، ماذا سأخبر أمي؟ ماذا سأخبر الجميع؟"
كان يثبت ربطة عنقه وقال "لا شيء، كانت ليلة وانتهت"
رفعت وجهها الملطخ بالدموع له وهي لا تصدق كلماته ورددت "ليلة وانتهت؟ هل ستتركني سفيان؟"
التفت لها وقال "كنتِ تعلمين من أنا وقت وقعتِ على الورقة"
صرخت به "تلك الورقة لا معنى لها وأنت تعلم ذلك، لابد أن نتزوج شرعي سفيان، أرجوك لا تفعل بي ذلك"
حدق بها لحظة ثم تحرك للجاكت وقال "هذا تجاوز للمسموح ندى، لم نتفق على ذلك"
التفت بالغطاء ونهضت لتقف أمامه والدموع تصحبها والترجي بعيونها، لا ينكر أنها جميلة وهو استمتع جدا معها، كانت ليلة طويلة لم يرفع يده عنها رغم أنها مرتها الأولى لكنه لم يرحمها وهي لم تمانع
قالت من بين الدموع التي كانت غزيرة ولا تتوقف "أنت تعلم أني لم أكن بوعيي سفيان، ذلك الشراب اللعين أضاع عقلي، أرجوك لا تتركني، كيف سأواجه أمي؟ أنت أخذت كل شيء ولم يعد بإمكاني مواجهة أحد"
انحنى ليواجها بلا ندم على ما فعله وقال "كنتِ تدركين ما يحدث ندى ووافقتِ عليه، لا تصدقي كذبتك من أنكِ فقدتِ وعيك، الشراب لا يفعل ذلك، أنا لم ألتزم بشيء تجاهك والورقة تمنح ما كان بيننا شرعية كنتِ بحاجة لها وأنا لم أمانع، لكن أكثر من ذلك لن يمكنني تقديمه لك"
كان قد انتهى من ملابسه فتحرك للباب ثم توقف وقال "يمكنك البقاء بالغرفة كما تشائين لن يمانع أحد"
وتركها وذهب ببرود لم تصدقه..
زحفت للفراش حتى انهارت على طرفه وهي تحدق بالفراغ وتدرك أنه على حق
الآن تذكر كل شيء، هي أرادته كما أرادها ولكي تسمح له بأن يأخذها وافقت على اقتراحه بالزواج العرفي وهنا..
على هذا الفراش سرقها، سرق عذريتها..
لا لم يسرقها بل هي من منحته نفسها بلا تفكير ولا تردد، أرادت ذلك واستمتعت معه بكل لحظة منذ أن أغلق باب الغرفة واندفع لها يقبلها بجنون وهي تستجيب له ولم تعارض وهو يجردها من فستانها ثم يضعها بالفراش ويمرر شفتيه على كل جزء من جسدها
كانت ثملة لكن ليس من الشراب وإنما منه ومن لمساته وقبلاته
فقدت الشعور بأي شيء إلا هو، حرارة جسده العاري أحرقت بشرتها الحساسة، صلابة عضلاته سحقت رقتها بلا رحمة حتى التحم الجسدان وصعقها الألم..
ألم عذريتها التي رحلت بلا عودة ولم يتوقف وهو يكمل رحلته معها للسماء، سماء المتعة التي تفجرت من كلاهم
أغمضت عيونها عندما أدركت أنها خسرت كل شيء..
ظنت أنها حصلت على الجائزة الكبرى عندما اصطدمت به وتعلقت بعيونه الفاتنة، ظنت أنها وجدت الرجل الذي انتظرته طوال ثمانية وعشرين عاما
لكن..
الآن أدركت أنها حصلت على الوهم.. بل الخزي والعار..
لن يمكنها مواجهة أمها ولا مواجهة أحد، لقد ضاعت وانتهت
رفعت يداها لتغطي بهم وجهها واستسلمت للبكاء بلا معرفة متى ستتوقف وماذا ستفعل غير سكب الدموع ربما تغسل عارها
أوهام..
****
دخل راكان مكتبه بالقصر والذي هو بالأساس مكتب جده بغضب وهو يخلع جاكته ويقذفه على المقعد بلا اهتمام
تبعه سيف قائلا "أرسلت الرجال"
دق على المكتب بقوة فتوقف سيف وراكان يهتف بصوت كالرعد "لن يكفيني فيه شيء، أريده حيا هل تسمعني؟ حيا يا سيف وإلا أقسم أن أقتل كل من له يد بالأمر بيدي ولن أرحم حتى رجالي"
هز سيف رأسه وهو يدرك النيران المشتعلة بعيون رئيسه وقال "سيكون لك ما أمرت به"
فك ربطة عنقه والتفت للنافذة الزجاجية والتي لم يتبدل حالها منذ كانت تطل على جده وهو يجلس خلف نفس المكتب وهتف وهو يعصر قبضته
"أحرق كل المخازن، أوقف السفينة القادمة من البرازيل، دعها تتجمد بالمحيط، لن أمنحه الإذن بأي طريق بعد اليوم"
صمت سيف فالتفت له وعيونه تأكله فارتبك سيف وقال "السفينة تحمل.."
هتف راكان بزئير الأسد "أعلم ما تحمله جيدا، لن يهمني خسارة ثلاثة مليون دولار نظير التسعة التي سيخسرها هو، ولا الرجال الذين سيفقد ثقتهم، لن أرحمه، سيندم، أقسم أن أجعله يبكي كالنساء ويركع تحت قدمني ليطلب العفو"
رنين الهاتف الداخلي جعله يتوقف وعندما لم يجيب تحرك سيف ليجيب
رفع رأسه لراكان وقال وهو يمد له السماعة "سيد سفيان، هاتفك فُقد بالمعركة"
جذب السماعة من يد سيف ومنح سيف نظرات ملتهبة وهو يمنحه كلمات لاذعة قبل أن يجيب الهاتف "لست بحاجة لكلماتك لتنشط ذاكرتي، اعثر لي على هاتف، أهلا سفيان"
جاء صوت صديقه فاترا وهو يقول "لماذا هاتفك مغلق؟"
أبعد شعره للخلف وهو يحدق بالحديقة الكبيرة التي تحيط بالقصر وقال "سقط وتحطم بالليل وسيف سيجلب لي سواه، ماذا بك؟"
لم يكن أحد يعرف عن العمدة سوى ما يريد قوله لذا معركته الليلية لن يعرفها أحد إلا لو تسربت للصحافة والميديا
سفيان رد "تلك الفتاة"
تحرك راكان للمكتب وجلس محاولا استرداد هدوئه ليركز بكلمات صديقه وقال "ماذا عنها!؟ عرفت أنك أمضيت ليلتك معها"
كان سفيان يدخل مكتبه وجلس وهو يقول "نعم مع ورقة زواج عُرفي بجيب جاكتي"
لم يكن مندهش فسيف أبلغه بذلك، رجاله بالأساس هم من شهدوا على الورقة،
أغمض عيونه وصداع يرتفع بعنقه ليصل لرأسه خاصة أمر الزواج العُرفي، قال "وماذا سفيان؟ مزق الورقة فينتهي كل شيء"
قال سفيان بنبرة تردد "ليت الأمر بتلك السهولة راكان، أولا لم أستخدم وسيلة الحماية، ثانيا هي كمن أفاق من الصدمة وتطالب بزواج شرعي"
اعتدل بالمقعد وقال "لم تستخدم وسيلة، هل تعي ما تقول؟ الحمل ليس بحساباتك اليس كذلك؟ هل تعرف حفيد من أنت؟ هل تدرك من هي تلك الفتاة؟"
أغمض سفيان عيونه وهو يعي تماما كلمات راكان الغاضبة ثم قال "توقف راكان لست بحاجة لزيادة الطين بلة، أنا بحاجة لحل لا زيادة تعقيد"
هتف راكان "هل تمزح سفيان؟ أي حل لديك سوى تمزيق الورقة وكان وقت جيد وانتهى وكلا ذهب لحاله"
لكن سفيان لم يمكنه تقبل ذلك وصمته جعل راكان يدرك ذلك فتراجع بمقعده وقال "لا تخبرني أنك ما زلت تريدها؟"
نهض سفيان وتحرك بالمكتب بلا هدى حتى قال "نعم، نعم ما زلت أريدها راكان، كانت عذراء، هل تدرك ما فعلته بها؟"
دق بابه ودخل سيف وهو يلوح له بالهاتف، أجاب "هي كانت تعي ما تفعل سفيان، فتاة مثلها كانت تطمح برجل مثلك وأنت بطريقك لمنحها ما أرادت وقريبا ستنال ما ترغب به وتتركك"
فكر بكلمات صديقه ثم قال "أحتاج للوقت والتفكير قبل أن أقرر"
أشاح بيده وقال "إذن هو قرارك"
وأغلق كلاهم وجذب الهاتف الجديد وقال "أريد أخبار"
قال سيف "مخزن دمنهور يتآكل الآن والمنصورة بطريقه لذلك" رسالة وصلت على هاتف سيف رآها ثم قال "المنصورة يشتعل والاسكندرية أيضا"
فتح حاسوبه وقال "الباخرة؟"
حدق به سيف وقال "أرسلت أوامرك للمسؤولين بالميناء لكن اليوم عطلة يا عمدة"
لف وجهه لسيف ورمقه بنظرة جعلته يردد "سيتم اللازم بالوقت الذي ترغبه"
رن هاتفه الجديدة ورأى اسم الرجل الذي فكر بالتطاول عليه، أغلق الصوت ولم يجيب ثم عاد لجهازه وقال "تلك الفتاة ندى تقريرك يقول أنها خالية من أي عيوب"
رد سيف "نعم"
لم ينظر له وهو يراجع أرقام مشروع موناكو السياحي ثم قال "أريد وضع رقابة عليها بالأيام القادمة"
****
تحرك ظافر داخل فيلته القديمة، والده رفض بيعها، لطالما رفض مظاهر الثراء التي يهواها من هم بمكانته..
عائلة الحلواني كانت وما زالت تحظى بمكانة معروفة وهو تخلى عن كل شيء لظافر بمجرد أن بلغ الواحد والعشرين ورغم أنه كان يعلم بمغامرات ابنه والفساد الذي كان يعيش فيه إلا أنه كان يعلم أيضا إنه سيجيد تحمل المسؤولية
والدته كانت أيضا من أسرة كبيرة بالشرقية ورثت الكثير من والدها الذي لم يكن له سواها وهي تنازلت عن كل شيء لابنها ولم تندم
تحركت ياسمين والدته تجاهه وبدت مشرقة كعادتها، هي ليست مثل ميرفت زوجة عمه تهوى عمليات التجميل بل هي جميلة بالفعل بدون شيء ووالده يعشقها، قصة حبهم تعلق بذهن الجميع من حولهم
انحنى وقبل وجنتيها وهي تقول "صباح الخير حبيبي هل كانت ليلة جيدة؟"
ابتسم لها وقال "تعرفين ليالي راكان ماما، هل بابا استيقظ؟"
تحركت معه وهي تقول "بغرفة الطعام ستتناول الإفطار معنا أم أن إفطار راكان يكسب أيضا"
ضحك وهي الأخرى وهما يتحركان لغرفة الطعام حيث جلس محمد والده وجريدة ورقية بيده، انتبه لابنه الذي قال "صباح الخير بابا"
جلس بجواره والرجل يبعد الجريدة ويقول "أهلا بني، كيف أمضيت ليلتك؟"
قبل أن يجيب دخلت مليكة أخته الصغرى، بالعشرين من عمرها أتت بعد سنوات كثيرة من ولادته وقد ظن والديه أنهما لن ينجبا سواه حتى حصلا عليها ولكنهم منحوها الكثير من التدليل..
قالت "صباح الخير ماما، صباح الخير بابا، ظافر تبدو بأفضل حال بعد ليلتك السابقة"
كان يعلم أنها ستبدأ فقال "وكيف كانت ليلتك؟"
نظرت له بعيونها البنية وشعرها البني أيضا المرفوع بلا اهتمام على رأسها وقالت "وكيف ستكون؟ أمام التلفاز وبين أخبار الميديا، حفلة العمدة تتصدر الأخبار، بل حققت أكبر مشاهدة، ترند ككل شيء خاص به"
تناولا الطعام فقال "الفندق جديد كان رائع وهو دعا كل المشاهير"
أجابت بلا حياء "هل نلت امرأة منهم؟"
حدق بها بغضب بينما هتف محمد "مليكة! هل جننت؟"
لم تخجل من نفسها وهي تقول "تسمح له بكل التجاوزات وعندي أنا و.."
هتف بها بغضب "قلت توقفي، هل تدركين كلماتك؟ هو رجل يدرك تماما ما يفعله وحتى لو عبث بحياته لن يلومه أحد لكن أنتِ فتاة والفتاة لا تملك سوى شرفها وسمعتها"
أخفضت وجهها وقالت "ولذلك تحبسني بالبيت ولا تمنحني فرصة للاستمتاع مع أصحابي"
نظر لها ظافر وقال "عندما يكون الاستمتاع بالملاهي الليلة فبالطبع لن يسمح لك مليكة، ابنة الحلواني لا يمكنها أن تلطخ اسم عائلتها"
لم ترد بينما قال محمد وكأنه ينهي الأمر "هل هاتفت صديقك؟"
نظر لوالده وتساءل "أيهم؟"
قال العجوز "راكان، الجريدة تقول أنه تعرض لإطلاق نيران بعد تركه للحفل"
تراجع بذهول وهتفت مليكة "لا، راكان زيدان يتعرض لإطلاق نيران، رجل الصخر لا يعبأ بذلك بابا سيكون بخير، اسال عن الرصاص هل هو بخير؟"
لم يسمع ظافر سخريتها وهو يخرج هاتفه ويهاتف راكان وهو يدمدم "هاتفه كان مغلق ولكن.."
سرعان ما رن الهاتف وأجاب راكان "ظافر؟"
نفخ ظافر بقوة وهتف "هل أسأل عن تلك الرصاصات ماذا حدث لها؟"
رفعت مليكة وجهها بغضب له فرمقها بعناد بينما قال راكان "نعم لقد حطمت هاتفي وأصابت رجلان من رجالي"
نهض راكان من خلف مكتبه وجذب جاكته بينما قال ظافر "أنت بخير؟"
ابتسم وهو يخرج من المكتب وأجاب "بخير فقط غاضب"
مرر ظافر يده بشعره وقال "لا يهم، تعرف كيف تبعد غضبك بعيدا المهم أنك بخير صديقي"
تحرك راكان للأعلى حيث غرفته وقال "بعض التمارين وسأستعيد هدوئي، هل استمتعت بليلتك؟"
تراجع ظافر ناهضا من مقعده مبتعدا عن الجميع وقال "جدا، كعادتك كل شيء فوق الممتاز وبالطبع تمنحنا الأفضل"
دخل الغرفة وأبعد الجاكيت على المقعد وتخلص من ربطة عنقه وقال "تعلم أني لأفعل أي شيء لمتعتكم ظافر"
هز ظافر رأسه وقال "أعلم راكان رغم أنك لا تفعل مع نفسك، لقد رحلت واستمتعت بطريقتك وسط النيران من الذي تجرأ على العمدة؟"
دخل الحمام وفتح المياه بحوض الاستحمام وسكب الصابون بها وبعض الزيوت الخاصة وقال "شخص أعتقد أنه يندم الآن على ما فعل"
هز ظافر رأسه، لن يخبره راكان أكثر من ذلك فقال "كان غباء منه ما فعله معك، تلك الفتيات كانت رائعة راكان كيف لم تتذوق جزء من الكعكة؟"
دفع قميصه بسلة الغسيل وكذلك بنطلونه وهو يقول "لا أهوى الحلويات ظافر، سعيد أنك استمتعت، عام سعيد"
رد ظافر وقد شعر برغبة صديقه ببعض العزلة "عام سعيد لك أيضا"
أغلق راكان وأبعد الهاتف وهو ينزل بالمياه الدافئة، كان بحاجة لإرخاء عضلاته المشدودة من غضبه وتهدئة عقله كي يعيد التفكير..
أغمض عيونه وما زال يرى السيارات التي توقفت أمامهم لتصد طريقهم بين ظلام الليل والرجال تنزل وتفتح نيرانهم عليه وعلى رجاله وأصبحت الطلقات كالأضواء التي تضيء وتنطفئ
سيارته المضادة للرصاص كانت تدعوه للبقاء داخلها لكنه ليس بالجبان ليختبئ خلفها ولا هي مرته الأولى، لذا جذب سلاحه من حزامه ونزل محتميا بالسيارة واشترك وسيف يحمي ظهره بالمعركة حتى أردع هو ورجاله كل الرجال المهاجمة وتركوا واحدا على قيد الحياة وضعه سيف تحت أقدامه ليعترف على سيد البغدادي..
الرجل الذي أجبره راكان على التنازل عن خمسين بالمائة من أرباح الصفقة الأخيرة منذ اسبوع نتيجة لاحتياله على شريكه وهذا لم يعجبه بالطبع وظن أن بعض الرجال بسلاح يمكنهم القضاء عليه
لم يفتح عيونه عندما تذكر جده وكيف كان سيتعامل مع أمر كهذا، لكان موت سيد أكيد لكن هو أبدا لم يلوث يداه بالدم، لكن هذا لا يمنعه من استخدام طرقه الخاصة بالانتقام..
جده لم يترك داخله ذرة رحمة واحدة إلا ونسفها حتى بات قلبه صخرة متحجرة لا فائدة من تليينها فقط بعيدا عن الدماء وأي طريق حرام
نهض غير راغب بأي ذكرى لجده الآن..
التف بالمنشفة وخرج لارتداء ملابسه وبلا تردد نزل مرة أخرى لمكتبه والهاتف يرن على سطح المكتب فتحرك له وهو يعلم أنه عاد لطاحونته التي لا تتوقف ولابد من تجاوز الغضب
****
عودة ندى لشقتها المشتركة كانت خطوة صعبة فأول سؤال ستلقيه الفتاة بوجهها أين أمضت ليلتها؟ وهي لا تملك إجابة ولن تتغاضى عن مظهرها المخيف
خدمتها الظروف عندما فتحت لتجد هدوء يواجها وأدركت أن المكان فارغ، لم تفكر وهي تتحرك للغرفة الوحيدة بالشقة وخلعت الحذاء العالي وقذفت الحقيبة على المقعد وهي تقاوم الدموع
جلست على طرف الفراش وما زالت تفكر بما فعلته بنفسها، سفيان لن ينظر خلفه أبدا، الكل يعرف كم امرأة مرت بحياته ولم تشكو واحدة من قبل وكان عليها إدراك ذلك لا أن تسقط بالمصيدة من أول مرة وبعقد عرفي..
كم كانت رخيصة ولا تستحق إلا ما نالته
نهضت وخلعت الفستان وارتدت ملابس مريحة وتمددت بالفراش بتعب تدرك سببه، هو لم يتركها، مرة واحدة لم تكفيه، ولا هي
أرادته كما أرادها، تمتعت بكل لمساته وخبرته ورقته معها كفتاة لا خبرة لها وها هي الآن تدفع الثمن من شرفها هل حقا تبكي على شرفها؟
هي تستحق جهنم
عادت الدموع لها وفجأة ضربتها صاعقة جديدة، ماذا لو أصبحت حامل؟
جلست بالفراش بفزع ورفعت يداها لرأسها وهي تهتف برعب واضح "لا، لا يمكن، مصيبة، هل يمكن؟ وما المانع، رجل وامرأة وعلاقة زوجية الحمل نتيجة طبيعية"
ضربت وجهها بيداها وهي تهتف "يا فضيحتي، يا فضيحتي، ماذا سأفعل؟ ماذا سأخبر الجميع؟"
وظلت تضرب على وجهها بيداها والدموع تنهار وكلماتها تخرج بلا وعي من بين شفتيها وقد فقدت الهدوء والسكينة بلا عودة
****
تحرك رائد لداخل القصر وسيف يقول "هو ينتظرك بمكتبه"
ابتسم رائد وقال بمرح معتاد "أليس له مأوى آخر سواه؟"
لم تتغير ملامح سيف وهو يتحرك معه وقال "بالكاد استبدل ملابسه وعاد له"
دق الباب قبل أن يفتحه لرائد الذي تحرك للداخل وهو يقول "ظننتك نائما يا رجل، متى تفعل؟"
نهض للترحيب بصديقه الذي فك جاكته وتحرك للأريكة الفاخرة وجلس وهو يقول "أردت رؤيتك قبل الرحيل"
وضع المشروب بالكأس لرائد دون أن يتحدث وتحرك له بجسده الرشيق ومنحه له قبل أن يجلس أمامه ثم تحدث أخيرا "هل لديك شيء من أجلي؟"
تناول رشفة من المشروب وهو يواجه نظرات راكان ثم قال "كيف كانت مغامرتك الليلية؟"
ضاقت عيون راكان وفهم تردد صديقه فقال "ما زلت أعيش كما ترى، هات ما عندك رائد، منذ الأمس وأنت لا ترغب بإخباري فافعل الآن وأعدك أن أحتفظ بهدوئي"
رفع رائد نظراته الزرقاء القاتمة له وظل عالقا بعيونه والتردد واضح بهما ثم قال "عثرت عليه"
تحركت عضلة بوجه راكان تدل على توتره ومع ذلك ظل هادئا ولم يرى رائد أي بوادر تدل على ما يشعر به صديقه والحقيقة، هو كان يشتعل كبركان ظل خامدا ثلاثة وعشرين عاما والآن كاد يثور ليدمر بلا رحمة لكنه لم يفقد السيطرة أبدا على غضبه ولن يفعل الآن
ردد "وماذا؟"
تراجع رائد مترددا قبل أن يقول "كان يعيش بمدينة ريفية بعيدا عن الأضواء"
ضاقت عيون راكان العسلية وهو يردد "كان!؟"
هز رائد رأسه وقال "نعم، رحل منذ شهر تقريبا بعد صراع مع المرض"
ظل جامدا مكانه، الرجل رحل ولم ينظر يوما خلفه لما تركه بلا رحمة، لم يفكر بابنه الوحيد ولكنه لا يلومه فهو من رفض أن يكون معه وهو من أشار على جده بتركه يرحل وهو فعل وكأنه الطير الذي فر من القفص ورحل بعيدا سعيدا بالحرية غير قابلا للعودة للسجن مرة أخرى
رمشت عيونه من ذكر الموت وأدرك أنه لا مجال للعودة وحتى الذكريات لن تفيد بشيء، ما زال غضبه مما حدث بالليل يحاول أن يسيطر عليه والآن تلك الأخبار..
أبعد وجهه وقال "هل ترك عائلة؟"
انحنى رائد للأمام وقال وهو يواجه نظرات راكان الباردة والفارغة من أي تعبير وقال "هل هذا هو المهم راكان؟ حقا ألا تهتم أنه رحل هكذا؟"
نهض راكان وتحرك للمشروبات وهو يشعر أنه يحتاج لمشروب وهو ما فعله وتذوق مرارته بلا شعور قبل أن يقول "لقد مات رائد فماذا تريد مني أن أفعل؟"
وتحرك للنافذة ولم يشعر ورائد يقف بجواره ويقول "أنت غاضب؟"
غاضب؟ هل هو غاضب حقا؟
غضب هي كلمة بسيطة جدا لا تضاهي ما يشعر به الآن ولن يدرك أحد أبدا ما يوجد داخل تلك الهوة السوداء التي دفعها بعيدا بباطن عقله وأخرى بحجرة مظلمة بقلبه
لم ينظر لرائد وقال "هل لديه عائلة؟"
هتف رائد بقوة "اللعنة على عنادك هذا، هو والدك من مات منذ عام ولم تراه منذ.. "
قاطعه بحدة "منذ ثلاثة وعشرين عاما وخمسة أشهر وثلاثة أيام، وماذا؟ لقد مات، مات رائد هل تريدني أن أنبش قبره وأحاسبه على أنه نسى ابنه طوال تلك السنوات؟"
لمعت عيونه ببريق يتناسب مع ما يجيش داخل صدره وتلاقت نظراته المتوهجة ببريق لا يفهمه أحد بعيون رائد الحائرة حتى تراجع رائد وهو ينفخ بقوة قبل أن يفر من نظرات صديقه وقال بصوت منخفض
"أنا آسف راكان"
عاد راكان للنافذة وهمس "لا تعتذر عن شيء لا دخل لك به، لم تجيب سؤالي"
عاد رائد لمكانه وجذب كوبه وتحرك ليفرغ مشروب لنفسه وتجرعه وهو يحرق صدره بنفسه ثم قال "فتاة، عشرينية أو ربما أقل، أنهت دراستها الثانوية"
لف نظره له وقال "كيف تعيش بعد وفاته؟ مع والدتها؟"
هز رأسه وقال "لا، ماتت أمها منذ عامان تقريبا، هي تعيش وحدها"
تحرك تجاه رائد وقال "سأعيدها هنا إذن"
لم يوافق رائد على اقتراحه وقال "هذا إذا وافقت، هي عاشت عمرها كله هناك راك ولا أظن أن من السهل تبديل حياتها كلها"
ضاقت عيونه وهو يفكر ثم قال "ربما لن ترحل وحدك إذن أنت ضيفي على طائرتي، بالصباح نرحل"
****
مكتب ظافر كان عبارة عن شيء حديث جدا، هو من أراده كذلك، إحدى شركات العمدة الهندسية التي هو شريك بها قامت بتنفيذه على أكمل وجه
جلس خلف مقعده عندما تبعته السكرتيرة صارخة الملابس وقالت "لقد تم إلغاء موعد السيد حشمت"
لم ينظر لها وهو يعلم أنها لا تتوقف عن إغوائه ولكنه اليوم مكتفي تماما خاصة بعد ليلة رأس السنة
أجاب وهو يفتح جهازه "لماذا؟"
رائحة عطرها النفاذة خنقته وهي تقول "لديه حالة وفاة"
لف وجهه لها وقال "من؟"
لمعت عيونها البنية وقالت "زوجته"
تراجع بمقعده وقال "أريد مكان العزاء، هل أرسلتِ رسالة عزاء؟"
هزت رأسها وتمايل شعرها المصبوغ بلون غريب وقد نسى هو لونه الطبيعي وقالت "نعم، لديك العديد من المواعيد اليوم"
عاد للحاسوب وقال "لنبدأ، فقط لا تنسي القهوة"
شعر بها قريبة وهي دائما ما تفعل لتلفت نظره لمفاتنها وهي تقول "هل تشعر بالتعب بعد اجازة الأمس؟"
لف وجهه لها وعيونها تلتقي به ووجها قريب منه وسرحت نظراته لصدرها الواضح من فتحة قميصها الأخضر ثم عاد لعيونها وقال "تعبي لا يخصك نرمين، العمل فقط هو اختصاصك أليس كذلك؟"
لم تتراجع ولم تخجل من قربها وهي تقول "كل ما يخصك يخصني يا فندم"
عادت نظراته لصدرها ومحاولاتها واضحة ثم عاد لوجهها وقال "سنتان معي كافيتان لتدركي أني لا أقيم علاقات مع الموظفين الخاصين بي، فهل تهتمي فقط بالعمل وتتوقفي عن تلك التصرفات التي لا تمثل لي شيء لكنها تقلل منك أنت؟"
وأخيرا اعتدلت وتوردت وجنتاها وأبعد وجهه وهي تتراجع وتقول "سأطلب لك القهوة"
لم يرد وهي تخرج ولحظات ودق الباب ورأى وافي يدخل، هم شركاء بعدة مشروعات لذا وجود وافي هنا أمر طبيعي
تحرك للداخل وقال "هل عرفت بأمر حشمت؟"
لم يرفع عيونه عن الجهاز وقال "نعم، سأذهب للعزاء هل ستأتي؟"
جلس وافي أمامه وقال "بالتأكيد ماذا عن العمدة؟"
اعتدل ظافر لصديقه وقال "عرفت أنه رحل مع رائد، هو لم يهاتفني بل سفيان من أخبرني"
ضاقت عيون وافي وقال "بينهم عمل أعلم لكنه بالكاد نجى من محاولة اغتيال وكان عليه تأمين نفسه قبل الخروج من مصر"
نهض ظافر والباب يدق ونرمين تدخل بأكواب القهوة، وضعتها وخرجت بصمت وظافر يجلس أمام وافي ويرد "هل تتحدث عن العمدة؟ هو لا يعبأ بتلك الأمور وافي وكأن ما خاضه كان مجرد تسلية"
تناول وافي القهوة وقال "هو لا يهتم بتأمين نفسه كما يجب رغم الحراسة التي تتحرك حوله"
ظافر رد "أحيانا أشعر أنه لا يهتم بحياته وكأن وحدته تجعله لا يعبأ بالموت"
هز وافي رأسه والجميع يدرك أن راكان ليس لديه ما يبكي عليه ويلقي بنفسه بالتهلكة دون اهتمام بالعواقب وكأنه يتحدى الموت
قال وافي "نعم أحيانا أظن أنه حتى لا يرغب ببيت وأسرة، زوجة وأولاد ترثه"
نفخ ظافر بقوة وقال "جده السبب، أذكر أنه كانت له علاقة وهو بأول عام بالكلية بفتاة جميلة ومن أسرة غير معروفة ولكن جده كانت له اليد العليا ونسف العلاقة بلا رحمة وراك لم يدرك ما فعله جده لأنه بمجرد انتهاء عامه الدراسي حتى أرسله للخارج ليكمل هناك وعندما عاد كانت الفتاة اختفت ومن وقتها وراك لا يفكر بعلاقة أخرى"
ضاقت عيون وافي وشعر بالأسى على صديقه ومع ذلك قال "هو ليس بقسوة جده بدليل مشاعره تجاهنا أظن أنه فقط بحالة من الركود وعندما تهب رياح امرأة جيدة حوله فلن يمكنه صد الريح فهو بالنهاية بشر"
نهض ظافر وقال "لا أظن أن جده ترك له أي شيء يجعله يشعر حتى بالسعادة، هل سمعت عن سفيان؟ منذ الحفلة لم يهاتفني"
أنهي وافي القهوة وقال "لا، لم لا تهاتفه؟"
هز ظافر رأسه وهو يتحرك للمكتب ويأخذ هاتفه ليهاتف ابن عمه المختفي منذ تلك الليلة
****
المزرعة كانت صغيرة ولكن جميلة حقا ولولا أنه لم يعد يتأثر بتلك المناظر لأوقف السيارة وترك السائق ورجاله ووقف وحده بين كل تلك المناظر الرائعة من الامتداد الأخضر إلى الشاطئ الواضح من بعيد
تلك البيوت المتناثرة هنا وهناك، هدوء ممتع لكن ليس له فكل عقله كان بما يدور حوله..
ظهرت بوابة خشبية قديمة جدا أمام سيارته والتفت سيف له وقال
"بيت السيد أحمد"
لم يرد وهو يحاول غلق الباب أمام الذكريات التي جمعته بوالده قديما ولم يجد سوى ضعفه أمام محمود ورفضه لأي محاولة منه لجذبه لما سقط ابنه الصغير به
البيت كان صغير من طابقين، بدت حيوانات أليفة بالمكان الخلفي وبعضها تسربت للمقدمة، خضروات نبتت جاهزة للحصاد بجانب آخر محاطة بسياج خشبي لتبعد الحيوانات عنها، من الواضح أنه اعتماد كلي على الذات
توقفت السيارة أمام البيت ولم يتحرك حتى فتح له السائق وملايين الأسئلة تملأ رأسه وسيف وصل ليقف بجوار السائق فتحرك ونزل واقفا يتأمل البيت الذي بدا قديم وصغير بشرفة تلف البيت كله تبدأ بدرجات قليلة وباب من السلك وخلفه باب خشبي انفتح فجأة ثم اندفع الباب السلكي للخارج لتظهر فتاة عشرينية بقوام متناسق ليست طويلة ولا قصيرة تحمل عيون والده السوداء بشرة ذهبية تقريبا من لون الشمس، شعر أسود لمع مع ضوء النهار فوق رأسها بلا عناية مما أسقط خصلاته حول وجهها
ظلت واقفة تواجههم كما ظل هو كذلك، لم يشعر بشيء يعرفه، إحساس أن هناك شخص ينتمي له جعله مشتت لا يعرف ماذا يمثل له ذلك؟
وأخيرا تحركت هي حتى وقفت أعلى الدرجات بجينز قديم ضيق وبلوزة بيضاء محشورة داخل البنطلون، حذاء جلدي عالي الرقبة ومن فمها الصغير خرج صوت حاد يقول بالإيطالية "من أنتم؟ ماذا تريدون؟"
لم يتحرك وهو يغلق جاكته وقال بإيطالية مماثلة "هل أنت سارة زيدان؟"
هتفت بنفس الحدة "من أنت لتسأل؟ تقتحم بيتي بسياراتك هذه بلا استئذان وتسألني بكل وقاحة عن اسمي ثم من أين عرفت اسمي و.."
قال بقوة اسكتتها "أنا أخيك"
هتفت "لا ترفع صوتك بب.."
وتوقفت وشحب وجهها وهي تحدق به وهو ثابت بمكانه واتسعت عيونها بشدة وكأنها تحاول رؤيته جيدا ورددت بصوت مبحوح "راكان!؟ أنت راكان؟"
للحظة لم يصدق أنها تعرفه ولكنه شعر براحة غريبة عندما أدرك أن والده تحدث عنه ربما لم ينساه كما ظن، هز رأسه ولم يتحرك من مكانه وهو يقول "نعم"
لقراءة باقي الفصول اضغط هنا