. الأحداث طالت مني
(فرصة بتيجي مرة واحدة)
بعد ما فتحت ورشتي الصغيرة، حسيت لأول مرة إن تعبي بدأ يجيب ثماره.
كل ما كنت أفتح باب الورشة مع أول ضوء للشمس، وأشم ريحة الحديد والزيت، كنت أبتسم وأقول لنفسي:
"الحمد لله... خطوة صغيرة، لكنها بداية حلم كبير."
ما كنتش بحلم أبقى غني علشان الناس تقول: "وحيد بقى معاه فلوس."
لا...
كنت بحلم أشوف أمي مرتاحة بعد سنين الحرمان، وأختي تكبر وهي حاسة بالأمان، وما تحتاجش تمد إيدها لحد طول عمرها.
كنت بصحى قبل الفجر، أصلي، وأدعي ربنا يبارك في رزقي، وبعدها أنزل الورشة.
أشتغل طول اليوم، وأرجع آخر الليل، وإيديا مليانة شحوم وجروحات، لكن قلبي كان مليان أمل.
كل ليلة، قبل ما أنام، أقول لنفسي:
"يا رب... أنا راضي بالتعب، بس أوعى تحرمني أشوف فرحة أمي."
وفي يوم...
وأنا مندمج في شغلي، جه واحد وقف قدام الورشة وقال:
– "إنت وحيد أحمد؟"
رفعت راسي، ومسحت إيدي في فوطة قديمة، وقلت:
– "أيوه... خير؟"
قال:
– "في رجل أعمال خليجي عايز يقابلك."
استغربت جدًا، وقلت:
– "رجل أعمال؟! وأنا أعرفه منين؟"
رد:
– "هو اللي بيسأل عليك."
هزيت راسي بهدوء، وقلت:
– "أنا ما بروحش لحد. اللي محتاجني ييجي لحد عندي. ورشتي مفتوحة، واللي عايزني هيلاقيني هنا."
بصلي باستغراب، وقال:
– "إنت عارف ده مين؟ ده واحد من أكبر رجال الأعمال."
ابتسمت ابتسامة خفيفة، ورجعت أكمل شغلي، وقلت:
– "الرزق بإيد ربنا... مش بإيد حد."
مشي الراجل، وأنا رجعت أصلح العربية اللي قدامي، لكن الحقيقة...
الكلام فضل يلف في دماغي.
مين يكون الراجل ده؟
وليه بيسأل عني أنا؟
لكن حاولت أطرد التفكير، وقلت لنفسي:
"لو فيها خير... ربنا هيجيبه لحد عندي."
وفعلًا...
بعد يومين، وأنا واقف قدام الورشة، سمعت صوت عربية فخمة جدًا بتقف قدام المكان.
كل اللي في الشارع بصوا عليها بانبهار.
أما أنا...
فكنت مستغرب إن عربية بالشكل ده واقفة قدام ورشتي المتواضعة.
نزل منها رجل خليجي في الخمسين من عمره، تبدو عليه الهيبة والوقار.
فتح له السائق الباب، واتجه نحوي بابتسامة هادئة.
مد إيده يصافحني وقال:
– "إنت وحيد؟"
قلت:
– "أيوه يا فندم."
ابتسم وقال:
– "أنا سمعت عنك كلام كتير... وكل واحد سألتُه عنك قال لي نفس الجملة..."
سكت لحظة، ثم قال وهو ينظر إلى يدي المليئتين بآثار العمل:
– "إيدك بتتلف في حرير."
ابتسمت بخجل، ولم أعرف بماذا أجيب.
ثم قال:
– "وأنا عايزك في شغل كبير... لو نجحت فيه، حياتك كلها هتتغير."
ساعتها...
قلبي دق بسرعة.
الفرصة اللي كنت بحلم بيها يمكن تكون وقفت قدامي...
لكن في نفس الوقت، كان جوايا خوف كبير.
خوف من المجهول...
وخوف من إني أسيب أمي وأختي لو سافرت.
فضلت ساكت شوية، وبعدها قلت بكل احترام:
– "اسمح لي يا فندم... اديني فرصة أفكر، وأستخير ربنا، وبعدها أرد على حضرتك."
ابتسم الرجل وقال:
– "خد وقتك... القرار الكبير لازم يتاخد بعقل."
ناولني كارت عليه رقم تليفونه، وسلم عليّ، وركب عربيته ومشي.
أما أنا...
فضلت واقف مكاني، ماسك الكارت، وكأني ماسك مستقبلي كله بين إيديا.
وقفت في مكاني بعد ما العربية اختفت من آخر الشارع، وأنا لسه ماسك الكارت اللي سابهولي رجل الأعمال.
فضلت أبص له شوية...
وأبص للورشة شوية.
الورشة اللي بدأت فيها من الصفر، واللي شهدت على كل نقطة عرق نزلت مني، وكل حلم رسمته وأنا واقف بين الحديد والزيت.
قلت لنفسي:
"يا ترى... أسيب كل ده وأسافر؟ ولا أفضل في مكاني؟"
اليوم كله عدى وأنا شغال، لكن عقلي كان بعيد.
كل ما أمسك مفتاح أو أصلح عربية، ألاقي نفسي سرحت.
مرة أقول:
"دي فرصة عمري... يمكن ربنا بعتها بعد سنين التعب."
ومرة تانية أقول:
"ولو سافرت، وسيبت أمي وأختي؟ مين هيكون جنبهم؟"
لأول مرة من سنين...
حسيت إني محتار.
ولما الساعة قربت من الحادية عشرة بالليل، قفلت الورشة، وطفيت الأنوار، وبصيت للمكان اللي كان شاهد على بداية حلمي.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، وقلت:
"يا رب... ما تكتبليش إلا الخير."
رجعت البيت...
وأول ما فتحت الباب، لقيت أمي قاعدة مستنياني كعادتها.
كانت كل ليلة تفضل صاحيه لحد ما أرجع، مهما اتأخرت.
أول ما شافتني، ابتسمت وقالت:
– "الحمد لله على السلامة يا نور عيني."
ابتسمت، وبوست إيدها ورأسها، وقعدت جنبها.
بصت في وشي وقالت:
– "مالك يا وحيد؟ وشك بيقول إن في حاجة شاغلاك."
اتنهدت تنهيدة طويلة، وحكيت لها كل اللي حصل من أول الراجل اللي جه يدور عليّا، لحد ما رجل الأعمال بنفسه جه الورشة وعرض عليّ الشغل.
فضلت ساكتة شوية...
وبعدين قالت بهدوء:
– "إيه اللي مخوفك؟"
قلت وأنا باصص في الأرض:
– "خايف أسافر وأبعد عنكم... وخايف أوافق وتطلع خطوة غلط."
ابتسمت أمي، وحطت إيدها على راسي، وقالت:
– "يا ابني... اللي يسيب نفسه لربنا، عمره ما يضيع."
نزلت دموعي من غير ما أحس.
يمكن أول مرة من سنين أحس إني لسه ابن صغير قدام حضن أمه.
قالت وهي تمسح دموعي:
– "أنا ربيتك على إنك تتعب بالحلال، وربنا عمره ما بيكسف حد تعب واجتهد."
ثم ابتسمت وقالت:
– "يمكن ربنا بيفتح لك باب رزق، علشان يعوضك عن كل اللي شوفته."
قلت لها:
– "بس هتوحشيني يا أمي."
ابتسمت رغم الدموع اللي كانت في عينيها، وقالت:
– "وأنت كمان هتوحشني يا ضنايا... لكن الأم الحقيقية تفرح لما تشوف ابنها بيحقق حلمه."
سكتت لحظة، ثم رفعت إيديها إلى السماء، وقالت وهي تدعي من قلبها:
"اللهم افتح لابني أبواب الخير، واكتب له الرزق الحلال، واحفظه بعينك التي لا تنام، وأبعد عنه كل سوء، واجبر بخاطره كما جبر خاطري بيه."
والله...
ولا أي كلمة سمعتها في حياتي أثرت فيّ قد دعوة أمي في الليلة دي.
حسيت إن قلبي اتملى طمأنينة.
قمت، واتوضيت، وصليت ركعتين استخارة.
ولما خلصت، فضلت أدعي ربنا وأنا موقن إنه هيختار لي الخير.
قلت:
"يا رب... إن كان السفر خيرًا لديني ودنياي، فيسره لي، وإن كان شرًا فاصرفه عني، واصرفني عنه، واكتب لي الخير حيث كان، ثم أرضني به."
أول ما سلمت من الصلاة...
حسيت براحة غريبة دخلت قلبي.
راحة عمري ما حسيت بيها قبل كده.
ابتسمت، وبصيت لأمي، وقلت:
– "توكلت على الله... أنا موافق."
ابتسمت أمي، وقالت وهي تمسك إيدي:
– "طول ما ربنا معاك، ودعوات أمك في ضهرك... أوعى تخاف من أي طريق."
وفي اللحظة دي...
ما كنتش أعرف إن القرار ده هيغير حياتي كلها، وهيكون بداية رحلة طويلة من التعب، والغربة، والنجاح... والعوض الجميل.
(الغربة... ثمن الحلم)
مرت أيام قليلة، وأنهيت كل أوراق السفر.
جاء يوم الوداع...
اليوم اللي كنت مستنيه، وفي نفس الوقت كنت خايف منه.
صحيت بدري، وصليت الفجر، وقعدت أبص في البيت الصغير اللي عشت فيه أجمل وأصعب سنين عمري.
كل ركن فيه كان ليه ذكرى...
هنا كنت بذاكر وأنا طفل.
وهنا كنت بقعد جنب أبويا وهو مريض.
وهنا كانت أمي تقعد تدعي لينا بعد كل صلاة.
حسيت إني بسيب جزء من روحي ورايا.
خرجت من أوضتي، لقيت أمي مجهزة شنطة صغيرة فيها شوية أكل، وقالت وهي بتحاول تخبي دموعها:
– "أنا عارفة إن السفر طويل... قولت أعمل لك الأكل اللي بتحبه."
ابتسمت، لكن الدموع كانت محبوسة في عيني.
بست إيدها، وقلت:
– "ربنا يخليكِ ليا يا ست الكل."
أما أختي ولاء، فكانت واقفة ساكتة.
أول ما قربت منها، حضنتني وهي بتعيط، وقالت:
– "ما تتأخرش علينا يا وحيد."
ربتُّ على رأسها وقلت:
– "أوعدك... هارجع وأنا محقق كل اللي حلمنا بيه."
خرجنا من البيت، وكل خطوة كنت بحس إنها تقيلة.
ولما وصلنا المطار، جت أصعب لحظة في حياتي.
حضنت أمي...
حضن طويل، كأني خايف يكون آخر حضن.
قالت وهي تمسح على رأسي:
– "خلي بالك من نفسك يا ابني... أوعى تنسى صلاتك، وأوعى يدخل جنيه حرام بيتك."
قلت وأنا دموعي نازلة:
– "اطمني يا أمي... طول ما إنتِ راضية عني، ربنا هيرضى عني."
رفعت إيديها للسماء، ودعت لي بكل قلبها:
"اللهم إني استودعتك ابني، فاحفظه من كل شر، وافتح له أبواب رزقك، ووفقه لكل خير، ولا تريني فيه بأسًا يبكيني."
كنت كل ما أسمع دعواتها...
أحس إن ظهري بقى أقوى.
ركبت الطائرة...
ولأول مرة في حياتي أسيب بلدي.
كنت ببص من الشباك، وكل ما الطيارة تعلى، أحس إن المسافة بيني وبين أمي بتكبر.
لكن كنت متأكد...
إن دعواتها هتوصل لي مهما بعدت.
وصلت الخليج...
كل حاجة كانت جديدة عليّ.
ناس، وشوارع، ولغة مختلفة، ونظام حياة مختلف.
في أول ليلة...
دخلت أوضتي الصغيرة، وقعدت لوحدي.
الهدوء كان قاتل.
افتقدت صوت أمي وهي بتناديني.
وافتقدت ضحكة أختي.
حتى ريحة بيتنا البسيط وحشتني.
في الليلة دي...
أول مرة أبكي من الغربة.
لكن بعد ما خلصت دموعي...
قمت، واتوضيت، وصليت ركعتين.
وقلت لنفسي:
"يا وحيد... إنت ما سافرتش علشان ترتاح... إنت سافرت علشان تحقق حلم أمك."
ومن اليوم ده...
نسيت معنى الراحة.
كنت أول واحد يوصل الشغل...
وآخر واحد يمشي.
لو احتاجوا حد يشتغل زيادة...
كنت أول واحد يوافق.
ولو في شغل صعب...
كنت أنا اللي أطلبه.
كان هدفي واحد...
إني أرجع مصر، وأرفع رأس أمي قدام الدنيا كلها.
وكل ليلة...
قبل ما أنام، كنت أكلم أمي.
أول ما أسمع صوتها، تعبي كله يختفي.
كانت تقول:
– "عامل إيه يا نور عيني؟"
وأرد وأنا بابتسم رغم الإرهاق:
– "بخير يا أمي... طول ما دعواتك معايا."
فتقول:
– "أنا بدعيلك في كل صلاة... وربنا عمره ما هيضيع تعبك."
وأقفل المكالمة...
يا ترى الغربه هتعمل في ايه ؟
