رواية حب علي حافة الهاوية الفصل الثالث3بقلم ملكة الروايات



رواية حب علي حافة الهاوية الفصل الثالث3بقلم ملكة الروايات 


​مع إشراقة فجر اليوم التالي، كانت السماء تتشح بلون رمادي بارد. لم تستطع جوان النوم، فارتدت ملابس الركوب الخاصة بها، وقررت امتطاء جواد آخر متجهة نحو الحدود الفاصلة بين أرضهم وأرض القصر المجاور. كانت تعلم أن الحل الوحيد لإطفاء الحريق المشتعل في رأسها هو مواجهة "فارس" بأسئلة لا تقبل الدوران.
​تجاوزت السياج الخشبي الفاصل، ولفت انتباهها أن القصر المهجور سابقاً قد تحول في غضون أيام إلى تحفة معمارية تنبض بالهيبة والصلابة. كان صوت صهيل الخيل ينبعث من الإسطبلات الحديثة.
​ترجّلت جوان عن جوادها وسارت بخطى ثابته نحو الميدان الترابي، لتجد فارس يدرّب حصانه الأسود المهيب بدون لجام، متباها إياه بحركات جسده وصوته الثابت فقط. كان يتصبب عرقاً، وتظهر على ملامحه سيماء العزيمة والصرامة.
​توقف الحصان فجأة، والتفت فارس نحو الشجيرات دون أن ينظر إليها مباشرة، وقال بصوت عميق أخرق هدوء الصباح: "البحث عن الحقائق في أرض الخصوم قد يكلفكِ أكثر مما تستطيعين دفع يا آنسة جوان."
​خرجت جوان من بين الأشجار، وعيناها تتحديان نظرته النافذة: "هذه ليست أرض الخصوم... هذه أرض كانت جارة لنا لسنوات، حتى ظهرت أنت وأثرت كل هذا الغبار. من أنت يا فارس؟ وما الذي تريده من والدي؟"
​نزل فارس عن ظهر حصانه ببطء، وتقدم نحوها حتى أصبحت الفاصلة بينهما خطوات معدودة. التقاط الأنفاس كان مسموعاً، والتوتر بينهما كاد يُلمس باليد.
​"أنا مجرد يدٍ للعدالة أُجلت لسنوات طويلة،" قال فارس ونبرته تحمل دفئاً غريباً يناقض قسوة كلماته، "والدكِ يعرف تماماً من أكون، ويعرف الصكوك والرماد الذي بني عليه هذا العرش الذي تجلسين عليه براحة."
​"أبي رجل عصامي بنى كل شيء بعرقه!" ردت جوان بجسارة دفاعية.
​ضحك فارس ضحكة قصيرة وسخرية خفيفة: "عصامي؟ سأعطيكِ خيطاً واحداً يا جوان... اسألي والدك عن اسم 'سليمان الشهاب'. اسأليه عن الشريك الذي اختفى في حادث مدبر قبل عشرين عاماً، واستولى والدك بعد ذلك على كل أسهمه واستثماراته ليقيم مشروعه الأول!"
​اهتزت جوان من الأعماق. تذكرت اسم "الشهاب" الذي سمعت والدها يصرخ به في الهاتف الليلة الماضية، وشحبت ملامحها.
​اقترب فارس خطوة أخرى، ومد يده ليرفع خصلة شعر ذهبية سقطت على وجهها برفق، في لمسة متناقضة أربكت كل مشاعرها: "أنا لا أريد أذيتكِ يا جوان... لكن والدكِ يجب أن يدفع الثمن. وإذا كنتِ ذكية كما أظن، فلن تجعلي نفسكِ درعاً لحماية خطاياه."
​ارتبك قلب جوان بين مشاعر الامتنان التي تكنّها له لإنقاذ حياتها، وبين الانجذاب الغامض لشخصيته، وبين واجب الدفاع عن عائلتها ووالدها. سحبت وجهها للخلف وقالت بصوت يرتجف: "سأبحث عن الحقيقة بنفسي... وإذا تبين أنك تكذب أو تحاول تدمير عائلتي بدافع الجشع، فلن أرحمك."
​ابتسم فارس ابتسامة هادئة ورصينة: "اتفقنا... الباب مفتوح أمامكِ دائماً، والحقيقة منتظرة."
​في هذه الأثناء، في قصر عاصم بك، كانت شيرين تجلس في غرفتها مع مراد، تضع بين يديه أوراقاً جديدة.
​"ما هذا يا شيرين؟" سأل مراد بذهول.
​قالت شيرين بتأثر مصنّع ودموع محتبسة: "هذا ملحق لعقد تنازل عن ناطحة السحاب الجديدة باسم طفلنا المنتظر. يا مراد... مع هذه الحرب التجارية التي يخوضها والدك مع هذا الجار الغريب، أنا خائفة على مستقبل طفلنا! إذا انهارت شركة والدك، سيموت طفلنا في الفقر! يجب أن نؤمن مستقبله الآن وننقل العقارات الحساسة باسمه تحت وصايتي!"
​تردد مراد: "لكن أبي لن يوافق على نقل هذه الأصول الكبرى الآن!"
​امسكت شيرين يده ووضعتها على بطنها الجافة، وقالت بنبرة عاطفية خبيثة: "والدك سيوافق إذا هددته بأنني سأغادر القصر وأربّي حفيده بعيد عن هذه المشاكل... هو يتنفس هذا الطفل يا مراد! لا تكن ضعيفاً، حارب من أجل ابننا!"
​وقعت كلمات شيرين كالسحر على مراد الضعيف شخصيتها، المأخوذ بفكرة الحفيد. وفي تلك اللحظة، قرر مراد الوقوف في وجه أبيه للمرة الأولى، غير مدرك أنه يوقع بيده على صك إفلاس العائلة وسقوطها في فخ زوجته التي تتهيأ للهروب بكل شيء فور اكتمال المخطط.
​تشتتت العائلة بين انتقام فارس القادم من الماضي كالصاعقة، وبين ألاعيب شيرين الخبيثة من الداخل، ووقوف جوان في المنتصف تُحاول كشف النقاب عن الأسرار قبل أن ينهار كل شيء.

رجع مراد إلى الممر المؤدي لغرفة المكتب، ووجهه يحمل إصراراً أعمى غذت جذوته نبرات شيرين المتوسلة. كانت هي تراقبه من خلف باب الغرفة الموارب، وتبتسم ابتسامة باهتة ومسمومة؛ فقد نجحت في تحويل خوف الأب وضغط الأزمة التجارية إلى سلاح تشهر به على عنق العائلة.
​في هذه الأثناء، عادت جوان إلى القصر بخطى متثاقلة وجسد يرتجف، ليس من برد الصباح، بل من ثقل الكلمات التي ألقاها فارس في وجهها. "سليمان الشهاب"... كان الاسم يتردد في أذنيها كطنين متواصل لا يهدأ. دخلت البهو الرئيسي لتجد مراد يهمّ بفتح باب مكتب والدها يحمل الأوراق المزوّرة التي صاغتها شيرين.
​"مراد! ماذا تفعل بهذه الملفات في مثل هذا الوقت؟" سألته جوان وهي تقف عند أسفل السلم.
​التفت إليها مراد بتوتر وقسوة غير معتادة: "أفعل ما كان ينبغي عليّ فعله منذ زمن يا جوان! أحمي مستقبل عائلتي وابني المنتظر. أبي يغرق في حروبه القديمة وقد يجرفنا جميعاً معه إلى القاع."
​"ابنك المنتظر؟" كررَت جوان العبارة بنبرة تشوبها الحيرة والريب، "هل هذا هو الوقت المناسب للمطالبة بتنازلات مالية ونقل أصول باسم طفل لم يولد بعد؟ مراد، افق! هناك شيء غير طبيعي يحدث في هذا القصر، وشيرين تعبث بعقلك!"
​"إياكِ والتطاول على زوجتي!" صرخ مراد بصوت هز أرجاء البهو، "أنتِ لا تفكرين إلا في نفسكِ وفروسيتكِ، بينما نحن نمر بأزمة وجودية! شيرين هي الوحيدة التي تفكر في حماية سلالة آل عاصم!"
​فتح باب المكتب فجأة، وخرج عاصم بك بملامح أنهكها السهر والأرق، وفي يده بعض الأوراق القديمة. تطلع إلى ولديه بنظرات حادة وغاضبة: "ما هذا الصراخ في بيتي؟ ألا يكفيني ما يأتيني من الخارج حتى تتصارعا في الداخل، 
​تقدم مراد بثبات مصنّع ووضع الملفات على الطاولة القريبة من أبيه: "أبي... يجب أن توقع على نقل ملكية برج 'الشهب' السكني والحصص العقارية المرفقة باسم الحفيد المنتظر. شيرين خائفة على مستقبل الطفل من هذه الهزات الاقتصادية، وأنا لن أسمح بأن يولد ابني في مهب الريح."
​نظر عاصم إلى ابنه بذهول وشرارة غضب مكتومة، ثم ألقى نظرة سريعة على شيرين التي كانت تقف في أعلى السلم تصنع الضعف وتستند على الحائط بتصنع مهارة المسرح.
​"هل تهددني يا مراد؟" قال عاصم بصوت خفيض يحمل تهديداً قاطعاً، "أنا من بنيت هذه الإمبراطورية، ولن يملي عليّ أحد متى وكيف أوزع أملاكي! طفلك المنتظر سيعيش ملكاً، ولكن بشرطي وتحت إدارتي أنا فقط!"
​تدخلت جوان بخطوات واثقة، ووقفت بين أبيها وأخيها، ثم وجهت نظرتها رأساً إلى عينَي والدها: "دعنا من ملكية البرج الآن يا بابا... واشرح لي شيئاً واحداً فقط. من هو 'سليمان الشهاب'؟ ولماذا ترتعد عندما يذكر اسم 'الشهاب' أمامك؟"
​تجمّد عاصم بك في مكانه. سقطت الأوراق من يده ببطء على الأرض، وشحب وجهه حتى بدا كجثة هامدة. تراجعت خطوته للوراء وكأنه تلّقى طعنة قاتله في صدره.
​"من... من أين عرفتِ هذا الاسم؟" قالها بصوت متلعثم يختنق بالذهول.
​"فارس..." تابعت جوان بنبرة صارمة، "لقد أخبرني أن عرشك هذا بُني على رماد شريكك الذي اختفى قبل عشرين عاماً. أخبرني بوضوح أنك استوليت على كل شيء وشيّدت إمبراطوريتك من دمه. قل لي إن هذه كذبة يا بابا! قل لي إن الرجل الذي ربياني ليس مجرماً!"
​ساد صمت مطبق وموحش في القصر. مراد كان ينظر بين أخته وأبيه بذهول مطلق، غير فاهم لأبعاد الاسم الذي تردد، بينما كانت شيرين في أعلى السلم تتابع المشهد بعينين تتمنيان لمزيد من الخراب، مدركة أن هذا التفكك هو فرصتها الذهبية للاستيلاء على العقود والهروب قبل سقوط البيت بالكامل.
​أغمض عاصم عينيه بشدة، وتنفس بصعوبة وهو يربت على صدره كأنه يعاني من أزمة قلبية مفاجئة، ثم قال بنبرة متكسرة: "إنها... إنها حرب يشنها عليّ ليأخذ ما يظنه حقه. فارس ليس مجرد جار يا جوان... فارس هو ابن سليمان الشهاب! لقد عاد من القبر ليدمرنا جميعاً!"
​سقطت الكلمات كالصاعقة على جوان. اتسعت عينها برعب حقيقي، وأدركت في تلك اللحظة أن الرجل الذي أنقذ حياتها، والذي بدأت تنجذب إلى غموضه وسحره، لم يكن يرى فيها سوى الأداة المثالية لقطع رأس والدها واسترداد إرثه المسلوب.

ارتجفت جوان ورجعت خطوة إلى الخلف، وكأن الأرض تحت قدميها قد اهتزت بفعل زلزال مدمر. كانت عبارة والدها "فارس هو ابن سليمان الشهاب" تتردد في ذهكنا كصدى مرعب. كل نظرة دافئة من فارس، كل لمسة بريئة، وحرصه على إنقاذ حياتها عند الحافة الصخرية... لم يكن سوى جزءاً من سيناريو درامي خُطط له بعناية فائقة لكسر كبرياء والدها وجرّها إلى منتصف ساحة المعركة!
​أما مراد، فقد استشاط غضباً وارتفعت نبرة صوته باضطراب: "ابن سليمان الشهاب؟! ذلك الرجل الذي طالما سمعت شائعات عن تحالفك القديم معه؟ يا إلهي يا بابا... هل كل ما نملكه بني على خطأ؟ هل دخلنا في حرب مع رجل يملك كل الحق في إبادتنا؟"
​"اصمت يا مراد!" صرخ عاصم بك بحدة وهو يحاول استعادة وقاره المزيف، رغم العرق الذي كان يتصبب من جبهته، "سليمان كان شريكي، واختلفنا في العمل! لم أقتله ولم أسرقه! لقد مات في حادث سير أليم، وأنا كل ما فعلته هو استثمار أسهمه لحماية الشركة من الانهيار! هذا الفتى المتهور عاد بأوهام الانتقام ليأخذ ما ليس له!"
​في أعلى السلم، كانت شيرين تتابع المشهد ببرود شديد وعينين متقدتين بالشر. أدركت أن السفينة قد بدأت بالغرق فعلياً، وأن الوقت قد حان لتنفيذ خطتها البديلة بسرعة قبل أن ينهار كل شيء. اقتربت من مراد وأمسكت بيده، مدعية الدوار والتعب: "مراد... أرجوك، بطني تؤلمني جداً... لا أستطيع تحمل كل هذا التوتر، طفلنا في خطر!"
​التفت إليها مراد بلهفة أعمى بها الحب والجهل، وحملها بيده وهو ينظر لوالدها بقسوة: "أنا لا يهمني ماضيك يا بابا، ولا يهمني ابن سليمان هذا! ما يهمني هو ابني وزوجتي. وقع على أوراق التنازل فوراً، وإلا فسأخذ شيرين وأغادر هذا القصر ولن ترى حفيدك أبداً!"
​نظر عاصم إلى ابنه بكسرة قلب؛ فالرجل الذي وهب حياته لبناء إمبراطورية يرى أركان بيته تتهاوى من الداخل بفعل طمع زوجة ابنه، ومن الخارج بفضل ضربات ابن غريمه. وبيد ترتجف، تناول القلم ووقع على عقود التنازل عن أهم برج عقاري في المدينة، كاتباً بداية نهايته بنفسه.
​أخذت شيرين العقود الموقعة بابتسامة خفية أسرّتها في نفسها، ثم انسحبت إلى غرفتها بحجة الراحة، لتتصل فوراً بالمسؤول المالي المرتشي وتأمره ببدء إجراءات بيع العقار وتحويل المبالغ لحسابات سرية باسمها خارج البلاد قبل كشف حقيقة حملها الوهمي.
​وفي المساء، وبينما كانت أمطار الخريف تسقط بغزارة على المزرعة الواسعة، لم تستطع جوان البقاء داخل القصر الخانق. ارتدت معطفها الأسود وخرجت تخترق الأمطار متجهة نحو القصر المجاور. كانت مشاعرها مشتتة بين الغضب من خداع فارس لها واستغلالها، وبين الشغف لمعرفة الحقيقة كاملة دون تزييف من والدها.
​تجاوزت البوابة الحديدية الضخمة لقصر فارس، وكانت الأضواء خافته داخل البهو. لم يمنعها الحراس، وكأنهم كانوا يملكون أوامر مسبقة بالسماح لها بالدخول.
​فتحت باب المكتب الفخم لتجد فارس يقف أمام المدفأة المشتعلة، يمسك بكأس دافئ وعيناه الشديدتان تنعكسان على لهب النار. لم يلتفت إليها، بل قال بصوت خفيض وعميق قطع صوت هطول المطر في الخارج:
"كنت أعلم أنكِ ستأتين يا جوان... المطر دائماً يدفع الأرواح الباحثة عن الحقيقة إلى مأواها."
​تقدمت جوان بخطوات غاضبة، ووقفت أمامه وعيناها تلمعان بالدموع والشرار: "أنت مخادع! أنقذتني من الهاوية لكي تسقطني في هاوية أكبر! كل كلمة، كل نظرة... كانت تمثيلية رخيصة لتصل إلى أبي وتستخدمني كأداة في انتقامك المريض!"
​التفت فارس ببطء، ونظر إليها بنظرة عميقة لم تخلُ من ألم دفين. خطى نحوها حتى أصبح يتنفس هواءها، وقال بصلابة:
"أنا لم أخدعكِ يا جوان. إنقاذي لكِ كان غريزة إنسانية بحتة، ولو تكرر الموقف لقفزت في الهاوية لأجلكِ مرة أخرى. لكن والدكِ... والدكِ رجل سرق طفولتي، حرق اسم عائلتي، وزور العقود ليبيع أرض أبي وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة في المستشفى!"
​"كذب!" هتفت جوان بصوت متكسر.
​أخرج فارس ملفاً أصفر قديماً من درج مكتبه وألقاه بين يديها: "هذه تقارير الطب الشرعي، وهذه عقود التنازل المزورة بالبصمة الحية بعد وفاة والدي مباشرة. اقرئيها بنفسكِ يا جوان! والدكِ ليس العصامي الذي تتخيلينه... إنه القاتل الذي يلبس ثوب الحملان!"
​أمسكت جوان بالملف بآيادٍ ترتجف، وبدأت تقرأ الوثائق الدامغة. كانت الأدلة قاطعة ولا تدع مجالاً للشك، مما جعل دموعها تتساقط بغزارة على الأوراق المبتلة.
​اقترب فارس منها، ومسح دموعها بأطراف أصابعه برفق نادراً ما يظهره لأحد، وهتف بنبرة دافئة وخافقة: "أنا لا أطلب منكِ أن تكرهي والدكِ... لكنني أطلب منكِ ألا تكوني ضحية أخرى من ضحاياه. أنا هنا لأسترد حقي، وفي منتصف هذه المعركة المظلمة... اكتشفت أن الشيء الوحيد الذي لم أخطط له في حياتي هو أنتِ."
​تلاقت أعينهما في لحظة مشحونة بالعاطفة والخطر، حيث التقى الحب بالانتقام في قلب عاصفة لن ترحم أحداً.

تري ماذا يحدث بينهما هل سيستمر الحب وينمو في هذه العواصف ام يقتل وهو مازال برعما في قلوبهما 

                      الفصل الرابع من هنا
تعليقات



<>