رواية عشق ملوث بالانتقام الفصل الواحد والثلاثون31بقلم ريتاج حبيب
أسر بجدية: أيوا يا وائل انا جاي على الشركة
وائل: الــــــحــــقــــــنــــا يــــــا أســــــــر الــــشــركــــة بــتــــولــع
ضغط أسر على الفرامل فجأة حتى كادت السيارة تنحرف من شدة الصدمة، ثم قال بعدم استيعاب:
أسر: إيه.... شركة ايه اللي بتولع انت اهبل
وائل بزعيق: بتــــولــــــع بــقــولــــك مــــنــعــرفــــش حــــصــــل إزاي مــــاس ولــــا ايــــــه مــحــــدش عــــارف تعــــالــــي بــــســــرعــة
أجابه دون وعي وهو يشعر وكأن جبلًا ضخمًا جثم فوق صدره فجأة:
أسر: طــفيتــــوهــا؟
هز وائل رأسه وهو عينه متعلقة بالحريق بحزن وهو يجيب:
وائل: اه
اندفع أسر بسيارته بسرعة جنونية وهو يقول بغضب:
أسر: الــــحــــمــد للــه.... مــــســافــة الــــســكــــة وهتــــلاقــــينــــي قــــدامــــك خــــش أوضــــة الأمــــن وشــــوف الــــزفــــت الكــــــاميــــرات واعــــرف حــــصــل ايــــــه عــــلى ماجــــي
أغلق الخط وهو يتمتم بالدعاء بينه وبين نفسه، يرجو الله ألا يكون قد أصاب أحدًا مكروه، وألا تكون الشركة التي أفنى فيها عمره وعرقه وسنوات كفاحه قد دُمرت، فكل حجر فيها كان شاهدًا على رحلة طويلة من التعب والنجاح. كانت يده مشدودة على المقود بقوة حتى برزت عروقها، وعيناه لا تفارقان الطريق وهو يقود كالمجنون لا يفكر إلا في الوصول.
وما إن وصل حتى فتح باب السيارة بعنف وقفز منها قبل أن تستقر تمامًا، ثم اندفع وسط الحشود التي تجمعت أمام المكان وهو يصرخ في الجميع كي يبتعدوا عن طريقه.
أسر بحدة: وسع يابني انت وهو ...ورا وسع ...ارجع وائل رجع الناس و فض الزحمة
لكن الكلمات ماتت على شفتيه فجأة عندما تقدم خطوتين فقط إلى الأمام. تجمد مكانه بالكامل وهو يرى شركته تحترق أمام عينيه، ألسنة اللهب تلتهمها من كل جانب، والدخان الأسود يصعد إلى السماء بكثافة مرعبة. شعر وكأن الأرض سُحبت من تحت قدميه، فلم تعد ساقاه قادرتين على حمله، ليسقط على ركبتيه وهو يحدق في المشهد بعينين متسعتين من الصدمة. انهمرت دموعه بصمت وهو يرى سنوات عمره تحترق أمامه، يرى مجهوده وأحلامه وأمواله وكل ما بناه بيديه يتحول إلى رماد. خفض رأسه نحو الأرض وارتسمت على شفتيه ابتسامة موجوعة وساخرة تعلن هزيمته الكاملة... لقد خسر كل شيء... خسر ليان... وخسر أباه... والآن يخسر شركته أيضًا.
وظل على حاله حتى وصلت سيارات الإطفاء وبدأ رجالها في محاولة السيطرة على النيران، عندها اقترب منه وائل محاولًا مساعدته على الوقوف.
وائل بقلق: اهــــدي.... اهــــدي ولله مــــا رضــــيــــت اقــولــك انــهــــا لــســة بتولع عشان متعملش حادثة على الطريق الحمد الله المطافي بتطفيها اهي
رفع أسر رأسه ببطء نحو المبنى الذي كان يومًا أنيقًا بلونه الفضي اللامع، فإذا به الآن كتلة سوداء متفحمة، ثم قال بصوت مبحوح:
أسر: مــيــــن ...عــمــل كــده
وائل بحزن حقيقي وهو يربت على كتفه: ورحمة أمي لا هعرف و همحيه من على وش الأرض ...عارف ان اللي هقولهولك ده مش هغير حاجة بس كل ما يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ...إنت مؤمن بالله و عارف انه اكيد خير ربنا هيعوضك ولله و هترجع ثاني اقوا و احسن شركة في مصر...
ابتسم أسر بسخرية مريرة، ثم أمسك بيد وائل ليستند إليها ويقف، وبعدها اتجه بصمت نحو مدخل الشركة متجاهلًا نداء صديقه.
وائل: يــــا أســــــــــر...اســــــتــــــنــــي يــــابــــــني لــــســــه بيــطــــفــــوهــــا..اســــتــ
لكن أســر لم يستمع إليه، فركض وائل خلفه ودخل وراءه، غير أنه لم يعد يرى شيئًا وسط الدخان الكثيف والسواد الذي ملأ المكان، فأخذ يسعل بقوة وهو يناديه بخوف.
وائل: أســــــــــر.....يــــــابــــــنــــي.....رحــــــت فــــيــــــــن مــــش شــــايــفــــك
وفجأة خرج أسر من بين الدخان وأمسك بوائل بعنف ودفعه إلى خارج المبنى وهو يهدر فيه بغضب:
أسر: إنــــت اتــــــجــــننــــت....كــــــــان ممــــكــــن تــمــــــوت... إيــــه اللــــي دخــلــك..انــــت مــــش عــــندك ديــــق تــــنفس و بتتعب من الدخان
كان وائل يسعل بقوة حتى احمر وجهه، فأسرع أسر نحوه واحتضنه وهو يربت على ظهره بقلق حقيقي بينما لا تزال دموعه تنهمر.
أسر: يابنــــــي ايــــه اللــــي دخلــــــك حــــــرام علــــيك انا ناقــــصــك...تعــــــالي اوديــــــك المــستــــشفــــى قــــوم
وائل: لا لا انا كويس.....دخلت عشان اجيبك ياعم بسه مطفوهاش كويس
أسر بحدة: فــ تــمــــــوت نفــــــســك وأنــــت تــعــــبان تحــــــب انــــاديــــك مستــــشــفــــى
وائل: لا ...انا كويس الحمد الله..إنت دخلت ليه بس
رفع أسر عينيه نحو الشركة المحترقة وقال بحزن عميق:
أسر: عاوز اشوفها...متجيش يا وائل سامع ...متخافش
أمسك وائل ذراعه بسرعة.
وائل: يابني استني يطفوها بدل ما تولع انت كمان
ابتسم أسر ابتسامة مصطنعة وقال:
أسر: ما تنشف كده ....متخافش
لكن ما إن استدار حتى اختفت الابتسامة من فوق وجهه وعادت ملامحه المتشنجة بالقهر والحسرة، ثم اتجه نحو الداخل من جديد. كان كل شيء محترقًا، الجدران، المكاتب، الأثاث، حتى الرائحة نفسها كانت رائحة خسارة لا يمكن وصفها. سار بين الأنقاض حتى وصل إلى مكتبه، الباب كانت النار قد التهمته بالكامل، فدخل إلى الداخل ونظر حوله. ذلك المكتب الذي كان يجمع بين الأبيض والبيج تحول إلى سواد كامل. تحركت عيناه في المكان حتى وقعتا على الصورة الموضوعة فوق المكتب، صورة ليان داخل البرواز. كانت الصورة محروقة هي الأخرى. تناولها بيد مرتجفة، ثم وضعها على شفتيه وهو يبتسم بألم بينما تنهمر دموعه بلا توقف.
أسر: خــلاص يــا لــيــــان....خــلاص...خــســرت ..كــل حــاجــة....خــســرتــك ....و خــســرت أبــويــا. ..و خــســرت الشــركــة اللــي ضــيــعــت علــيهــا ســنيــن عــمــري و تــعبــي ...و خــســرت حــيــاتــي اللــي انــت كــنتــي منــوراهــا.....الــشــركــة دلــوقــتــي بــقــى لــونهــا اســود مــش هــي بــس ...انــا حــياتــي كــلهــا من غــيرك بقيــت كــده
وفجأة شعر بصداع رهيب اجتاح رأسه كأنه فأس يشق جمجمته إلى نصفين، فسقط البرواز من يده ورفع كفيه إلى رأسه وهو يصرخ بأعلى صوته:
أسر: اااااااااااااااااااااه
________
في الساحل الشمالي كانت ليان جالسة داخل الشاليه وقد وضعت يدها فوق بطنها بعدما دخلت شهرها الرابع، بينما كان مسلسلها المفضل يعمل أمامها وهي تحتسي عصير المانجو بكل هدوء. ازدادت جمالًا بصورة لافتة خلال الحمل، وكانت تتابع الأحداث بتركيز إلى أن ظهر مشهد زينة وهي تتشاجر مع طارق.
طارق: اقفي... طب بس بعد إذنك كلميني.
زينة: مش عايزة ولا كلمة.. وبهدوء كده خد بعضك وامشي.. عشان المرة دي خلاص خلصت.
طارق: أنا ما غلطتش... خليني بقى أفهمك واسمعيني.
زينة: وحياة أبويا ما هسمعك... ولا هسمع لأي حد تاني خلاص! يا ابني أنت شخص مريض وكذاب زي أبوك بالضبط! أنهي بقى العلاقة الفشلة اللي أنت معيشني فيها دي في أسرع وقت... عشان خلاص... و لا طايقة أشوفك ولا طايقة أسمعك... أنت بجد شخص قذر... وندمانة على كل حاجة عشتها معاك... طلقني!
طارق: أنت طالق يا زينة.
ابتسمت زينة بسخرية وهي تنظر إليه باحتقار.
طارق: ارتحتي؟
في تلك اللحظة تجمدت ليان مكانها، وشعرت بشيء يعصر قلبها بقوة. أمسكت الريموت سريعًا وغيرت القناة، لكن الدموع كانت قد بدأت تنهمر من عينيها بغزارة. تذكرت أسر... تذكرت اشتياقها إليه... وتذكرت كل شيء حاولت الهروب منه خلال الفترة الماضية. أغلقت التلفاز بالكامل واتجهت إلى غرفتها حتى تنام، وهي تفكر أن موعد الجلسة في المحكمة لم يعد يفصلها عنه سوى أيام قليلة.
_________
وفي المستشفى كان الأطباء والممرضون يركضون بالتراولي الذي يحمل أسر بينما يركض وائل بجوارهم وهو ينادي عليه بخوف شديد.
وائل: يا أسر فووق مالك...قولتلك متدخلش
اختفى أسر خلف أبواب الطوارئ بينما أوقف أحد الممرضين وائل عند الباب، فبقي واقفًا في الخارج لا يفعل شيئًا سوى التفكير في صديقه وانتظار أي خبر عنه. مرت الدقائق ثقيلة كالساعات، ثم تحولت إلى ساعتين كاملتين من القلق والخوف والترقب.
وأخيرًا خرج الطبيب من الغرفة بملامح جادة، فتقدم إليه وائل بسرعة.
الدكتور بجدية: للأسف الموضوع مش مجرد صدمة عصبية... الأشعة بينت إن فيه نزيف في المخ. الظاهر إن الضغط العصبي شديد أو مشكلة كانت موجودة من قبل سببت انفجار وعاء دموي اللي حصلت كانت نتيجة مباشرة للنزيف والضغط اللي حصل على المخ
وائل بقلق: وهو عامل ايه دلوقتي و فاق ولا بسه
نظر الطبيب إلى ساعته قبل أن يجيب بهدوء حذر:
الدكتور: هو قدامه ساعة و لا قدر الله مفاقش هيكون دخل غيبوبة و ان شاءالله منوصلش للمرحلة دي
