رواية عشق ملوث بالانتقام الفصل الثاني والثلاثون32بقلم ريتاج حبيب
مرّت ساعة... ثم ساعتان... ثم ثلاث
، وما زال أسر لم يستفق. خرج الطبيب من غرفته للمرة الثالثة بسبب وائل، الذي كان يذهب إليه كل دقيقة تقريبًا ليطمئن عليه. ابتسم الطبيب له وهو يحاول تهدئته قائلًا
: متقلقش يا استاذ وائل كل ده طبيعي بالنسبة للحالة اللي هو كان جاي فيها ان شاء الله هيفوق بكرة.
ثم ربت على كتفه وهو يقول بطمأنينة الطبيب: متقلقش.
أومأ وائل بحزن قبل أن يسأله بهدوء: ينفع اطمن عليه.
نظر الطبيب إلى ساعته قبل أن يجيبه: 10 دقايق بس.
دخل وائل إلى الغرفة وجلس على الكرسي المقابل لأسر، وظل ينظر إليه بحزن، ثم حاول أن يتحدث معه بصوت مرح حتى لا يتركه وحيدًا في صمته
وائل: إيه يا عم... هتفضل كده ولا ايه...مكانتش شركة اللي تعمل فيك كده.....قوم ياعم..مين هيقعد يرازي فيا طيب. ...فاكر زمان واحنا في المدرسة.. لما المستر كان بيقفشنا تحت الدسك واحنا بناكل و ينزلنا للعميدة... لكن ابتسامته سرعان ما اختفت، واغرورقت عيناه بالدموع وهو يقول بحنان أخوىى: قوم يا أسر...قوم عشان محدش هينفع ولا هيشيلك غير نفسك...قوم يا صاحبي...عشان الدنيا دي لو شافت واحد عامل اللي إنت عامله ده بتدوس عليه ..قوم عشان محدش هينفعك غير نفسك يا أسر..
وفي اللحظة ذاتها كان أسر غارقًا في حلمه بليان. كان مستلقيًا على السرير، ويده ترتجف دون إرادة منه، بينما خرج صوته ضعيفًا متقطعًا: أسر: ليان....مبتسبنيش...انا مليش...غيرك...كنت...غلطان... وضع وائل يده برفق على
يده وهو يقول بقلق: وائل: أسر!.. ثم اقترب منه أكثر وقال: وائل: أسر اسمعني..؟! لكن أسر لم يكن يشعر بأي شيء. اقترب وائل من أذنه وبدأ يتلو القرآن بصوت جميل مملوء بالخشوع، وبعد عدة لحظات لاحظ أن أسر قد هدأ، وأنه نام بارتياح بعدما اختفت الرجفة التي كانت تسيطر على جسده، فانحنى وقبّل رأسه ثم خرج من الغرفة، واستقل سيارته متجهًا إلى قصر أسر.
ما إن وصل وائل إلى القصر حتى دخل مسرعًا وهو يهتف بصوت غليظ: وائل: استاذ مصطفي....مصطفى بيه. جاءه صوت مصطفى من داخل المكتب وهو يناديه، فاتجه وائل نحوه مباشرة. كان مصطفى يجلس في مكتبه ووجهه شاحبًا ومتعبًا، وما إن رأى وائل حتى ابتسم ابتسامة باهتة وقال: مصطفى بابتسامة ب وجه دبلان: أهلا.....ازيك وائل عاملة ايه. أجابه وائل باحترام: وائل: الحمد الله في نعمة.
ثم حمحم بإحراج وسأله: وائل: احم هو مادام ليان فين. سكت مصطفى بحزن، ثم قال بإحراج من نفسه: مصطفى: معرفش. استغرب وائل من إجابته وقال بعدم فهم: وائل: متعرفش إيه يا مصطفي بيه...مدام ليان فين أسر دخل غيبوبة في المستشفى من صباحية ربنا و عمال ينده عليها.
اتسعت عينا مصطفى في صدمة، وقال دون وعي:
مصطفى: إيــــه...ابــنــــي...ابــنــــي فــيــــن. أجابه وائل بحزن: وائل: في المستشفى من الصبح. ثقلت الكلمات على لسان مصطفى، وخرج اسمه لابنه متقطعًا بصعوبة: مصطفى: اا....ســــر ...ا..بــــبــــ..نــــي... وما إن رآه وائل بهذه الحالة حتى أسرع إليه، فوجده يمسك قلبه ويقول بلهفة: وائل: مصطفى بيه...مالك...في إيه....صلى على النبي... أجابه مصطفى بصعوبة: مصطفى: وديــــني...لــــيــــه ..وديــــنــــي ليــــــه يــــــا وائــــــل ...هو إيه اللي حصل.
فقال وائل بحزن: وائل: اول ما عرف ان الشركة ولعت. نظر إليه مصطفى بصدمة شديدة وقال: مصطفى:إيــــــه...الــــــشــــركــــــــة...و....وولــــعــــــــت. نظر إليه وائل باستغراب وسأله: وائل:حضرتك متعرفش؟؟؟ لكن مصطفى ظل صامتًا، فزاد قلق وائل وهو يقول: وائل: يا فندم..مصطفى بيه....مالك. أجابه مصطفى بتعب: مصطفى:..قــــــــلــــبــي...بيــــوجعــــني اوي. فقــــال وائل بقلق: وائل: هو في ايه النهارده...تعالى طيب اوديك المستشفى .. فوضع مصطفى يده على قلبه وهو يتألم: مصفى بوجع وهو حاطت إيده على قلبه: قلبى..ااه...اااه ودينــــــي يــــــا وائــــــل.
لف وائل بسرعة وبدأ يمشي بالكرسي به وهو يحاول التحدث إليه وتهدئته: وائل: اهدي طيب متقلقش...بس حاول تقولي عنوان مادام ليان. كان مصطفى يشعر وكأن
جبلًا يجثم على لسانه، فخرجت كلماته بصعوبة بالغة: مصطفى: قــــــول...لــــ أســــــر...يــــســــامحــنــــــي...و ليــــــان..قــــولــــها هــــي كــــــمــان...وعنــــــوانهــــا...هتــــلاقــــيه...فــــــي..د...رج .المــــكتــــب... ثــــم تابــــــع وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة: مصطفى: و قول لأســــــر ...يــــــسامحــــــني...يــــــا وائــــــل ...قولــــــه متــــزعــــــلش مــ نــــــي.....أنــــــا.....انــــا...الســبــــب..ان لــــــيــان....اااه....تــــرفــــع...عــــليــه ....الــــقضــــية......اااااه قلبــــــي.....و..و.اــــنا الــــسبــب......تــــسيــبه......آآآآآآه...و أنــــا عــــارف مكــــانــها من......اول يــــوم مشــيــــت....فيه....اااااااااااااه. نظر إليه وائل بصدمة وهو يقول: وائل: مصطفى بيه.
_______
في المستشفى
، وبعد أن أخذه وائل إلى هناك، جلس في الخارج مصدومًا مما سمعه منه، غير قادر على استيعاب كيف استطاع أب أن يدمر حياة ابنه بهذا الشكل، وكيف أخفى عنه مكان ليان طوال هذه المدة. خرج الطبيب من الغرفة بعد أن تولى حالة مصطفى، وقال بأسف: الطبيب: هنضطر نحجزه في العناية المركزة قلبه ضعيف جدآ و زي ما حضرتك شايف حالته بردوا. أومأ وائل بحزن، ثم سأله بقلق: وائل: طب و أسر؟ عامل ايه دلوقتي فاق ولا لسه. فأجابه الطبيب مطمئنًا: الطبيب: متقلقش هو حالته الحمد الله مستقرة اخنا كنا فين و بقينا فين.
غادر وائل المستشفى وعاد إلى القصر، فكان عليه أن يعرف عنوان ليان. وما إن وصل حتى دخل المكتب مسرعًا، واتجه إلى الأدراج وبدأ يفتحها واحدًا تلو الآخر حتى عثر على ملف. فتحه، وما إن وقعت عيناه على ما بداخله حتى لفت انتباهه العنوان المدون فيه؛ كان مكان ليان مكتوبًا بوضوح: الساحل الشمالي تحديدًا قرية عايدة، وإلى جواره رقم هاتفها الجديد. أخرج وائل هاتفه بسرعة، وسجل الرقم ثم اتصل بها. كانت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، وظل ينتظر حتى جاءه صوتها النعسان:
ليان: ألو.
حمحم وائل بإحراج وقال: وائل: ألو ..مادام ليان معايا. أجابته ليان بنعاس: ليان: اه..مين حضرتك. فقال بجدية: وائل: أنا وائل صاحب و شريك أسر في الشغل. عرفته ليان على الفور، فقد كان أسر يحكي لها عنه، فقالت: ليان: اه اه ازيك يا وائل ...خير في حاجة متصل دلوقتي ليه. أجابها وائل بجدية: وائل: هو أنا محتاج اشوفك ضروري ..موضوع مهم جدا بخصوص أسر.
على الجهة الأخرى، انتفضت ليان من فوق السرير، وأشعلت الأباجورة بسرعة، وقد دب الخوف في قلبها، ثم قالت: ليان: في ايه أسر ماله...جراله حاجة ...في إيه يا وائل. حاول وائل تهدئتها قائلًا: وائل: اهدي مفيش حاجة بس محتاج اشوفك ضروري. ظلت ليان خائفة وهي تسأله: ليان: في ايه طيب بالله عليك قةلي هو كويس. فأجابها: وائل: أيوا كوبس ولله متخافيش انا بس محتاج اكلمك ضروري و الموضوع مش هينفع في الموبايل. وضعت ليان يدها خلف شعرها بتوتر وقالت: ليان: أيوا بس انا مش في القاهرة اصلا..انا في الساحل. فقال لها وائل: وائل: ابعتلي اللوكيشن عشان جايلك دلوقتي. نظرت ليان إلى الهاتف باستغراب وقالت: ليان: في ايه انت ليه مريب. أجابها وائل: وائل: مدام ليان الموضوع و الوقت مش مسادعني لما اشوفك هحكيلك على كل حاجة بس بسرعة. ترددت قليلًا قبل أن تقول: ليان: طيب انا في عايدة لما توصل البوابة كلمني و هدخلك. فقال وائل: وائل: طيب...مسافة السكة..مع السلامة. أجابته ليان بشرود: ليان: مع السلامة.
أغلقت الهاتف، لكن أسر ظل شاغلًا تفكيرها، والخوف يزداد داخلها، فلم تستطع أن تتجاهل ذلك الشعور الغريب الذي تسلل إلى قلبها.
_______
في المستشفى
، وتحديدًا في غرفة أسر، فتح عينيه ببطء، ثم أغلقهما سريعًا عندما داعب الضوء الأبيض عينيه. وبعد لحظات فتحهما مرة أخرى، وأخذ يتطلع حوله، حتى تيقن من أنه في المستشفى. نظر إلى يده فوجد الكانيولا مثبتة فيها، فنزعها رغم الألم، ثم حاول النهوض من فوق السرير بتعب. لم تكن صحته قد تعافت بالقدر الكافي، وكان لا يزال يحتاج إلى الراحة، لكنه أصر على الخروج. ارتدى حذاءه، ثم فتح الباب وخرج وهو يستند إلى الحائط، فكانت خطواته متعثرة وجسده لا يزال مثقلًا بالإرهاق.
رأته الممرضة، فأسرعت نحوه وهي تقول بقلق: الممرضة: لاء لاء...إنــــت إزاي تخــــرج كــــده ...لــــســه مش مــســــــموح لــك بالــــخــروج ..يــا دكــــتــور....دكــــــتــور. نظر إليها أسر بتعب وقال: أسر: شششش وســــــعــي مــــــن وشــــــــي.
حاولت منعه وهي تقول: الممرضة: ارجع حضرتك مينفعش مفيش اذن بالخروج. جاء الطبيب من خلفها، ونظر إلى أسر قائلًا: الطبيب: استاذ أسر...حضرتك فوقت؟
أجابه أسر بحدة رغم تعبه: أسر: شايف ايه قدامك قريني؟ وسعه من وشي مش ناقصة غباء.
غمز الطبيب للممرضة حتى تحضر حقنة المهدئ، ثم بدأ يهادئ أسر ويحاول إقناعه بالجلوس، فقال: الطبيب: بص يا أسر بيه مش هضحك على حضرتك انت لسه المفروض راحة من 3 ل اربع ايام غير كده مينفعش خالص ولا إنت ولا الاستاذ مصطفى. وما إن سمع أسر اسم والده حتى توقف فجأة، ثم اندفع نحو الطبيب وأمسكه من قميصه وهو يقول بحدة: أسر: جبت الاسم ده منين... أنزل الطبيب يده بالراحة، فقد كان يعلم أنه لا يزال تحت تأثير البنج، وعذر حالته، ثم أمسكه وأعاده إلى السرير دون أن يدرك أسر ما يحدث من شدة الإرهاق وعدم استعادة وعيه كاملًا، وقال له بهدوء: الطبيب: حضرتك أسر بيه والدك محجوز بالعناية المركذة بتاعت المستشفى. اتسعت عينا أسر وقال: أسر: ايــــــــه....اااه.
وفي اللحظة نفسها كانت الممرضة قد أدخلت الحقنة في وريده، فأعاد الطبيب أسر إلى السرير مرة أخرى، ثم خرج هو والممرضة من الغرفة، وبدأ يملأ عليها الإرشادات وهو يقول بجدية: الطبيب: الاستهتار اللي حصل كه ميتكررش ثاني ركزي معاه و كل شوية ادخلي اطمني عليه و على صحته وانا هاجي بنفسي اشوف حالته عو و مصطفى بيه. أجابته الممرضة: الممرضة: حاضر يا دكتور.
_______
وصل وائل أخيرًا في الصباح، وكانت الساعة التاسعة صباحًا. دخل إلى الشاليه بعدما ذهبت ليان إلى البوابة لإحضاره، ثم تركت باب الشاليه مفتوحًا. وما إن دخل حتى التفتت إليه وهي تقول بقلق: ليان: خير يا استاذ وائل طمني في ايه انا صاحية من امبارح مش عارفة انام من القلق. وبعد أن شرب وائل زجاجة المياه كاملة، نظر إليها وقال بهدوء: وائل: بصي و من غير قلق انا بنفسي اطمنت عليه..أسر اتنقل المستشفى من امبارح هو و مصطفى بيه بعد ما عرفه بخبر الشركة.
