رواية نبض جديد الفصل الثالث3والرابع4بقلم هاجر سلامه
في الصباح التالي توجهت ليليا إلى كليتها وال أفكار تتخبط في رأسها بعد حديث يحيى الغامض في الحديقة وحين وصلت إلى حرم كلية الطب الفسيح بدأت تشعر ببعض الراحة وهي وسط كتبها ومحاضراتها التي تهرب إليها دائماً من جحيم القصر لكن هذه الراحة لم تدم طويلاً فبينما كانت تسير في الممر الرئيسي المؤدي إلى قاعة المحاضرات الكبرى تفاجأت بشذى تقف أمامها ومعها بعض زميلاتها من كليات أخرى وكانت شذى تنظر إليها بنظرات تحد مستفزة وقالت شذى بصوت عال أمام الطلاب أهو دكتورة العيلة اللي مقضياها مذاكرة وشايفة نفسها علينا ياريت تقوليلي يا دكتورة إزاي بتقدري توفقي بين اللباقة الزيادة والغرور دا كله ولا هو منظرة وخلاص
نظرت ليليا إليها بضيق وقالت شذى أنا مش فاضية للعب العيال دا عندي محاضرة مهمة ومظنش إن وجودك في كلية الطب مسموح بيه وأنتِ في كلية تانية خالص
ضحكت شذى بسخرية وقالت وقفت أمامها تمنعها من المرور قائلة أنا أتحرك في المكان اللي يعجبني يا بنت عمي ومحدش يقدر يمنعني وخصوصاً لما أكون عايزة أعرف الناس كلها حقيقتك المغرورة
تجمهر بعض الطلاب حولهما وشعرت ليليا بالإحراج الشديد من تصرف شذى الطفولي والحاقد وفجأة ومن بين الحشود خرج شاب طويل القامة وسيم الملامح وعيناه حادتان ونظر إلى شذى بغضب شديد وقال بصوت قوي وحازم جرى إيه يا شذى أنتِ موراكيش حاجة غير إنك تضايقي ليليا وتعملي مشاكل هنا في كليتها
التفتت شذى بصدمة لتجد أمامها طارق الشاب الذي تحبه منذ أيام الثانوية والذي رفضها من أجل ليليا
تراجعت شذى خطوة للخلف وقالت بتلعثم طارق أنت إيه اللي جابك هنا وإيه دخلك بيني وبين بنت عمي
رد طارق بعصبية وهو يقف حائلاً بينها وبين ليليا دخلي إن ليليا زميلتي ومستحيل أسمح لواحدة زيك تضايقها أو تقلل من احترامها هنا ياريت تاخدي أصحابك وتمشي من هنا قبل ما أطلب أمن الكلية يتصرف معاكي
نظرت شذى إلى طارق بغل ثم نظرت لليليا التي كانت تقف بصمت ودهشة
وقالت شذى بنبرة مسمومة تمام يا طارق واضح إن الحكايات القديمة لسه منتهتش بس وديني ما هعديها لكم
واستدارت شذى ومشت بسرعة وهي تجر أذيال الخيبة والغضب
التفت طارق إلى ليليا وقال باهتمام إزيك يا ليليا أنتِ كويسة متزعليش من كلامها دي واحدة مريضة وعايزة تعمل مشاكل وخلاص هزت ليليا رأسها وقالت بشكر متأثرة ميرسي يا طارق بجد شكراً على وقفتك معايا لولاك مكنتش عارفة هخلص من شرها إزاي
ابتسم طارق وقال إحنا زمايل يا ليليا وأنا دايماً موجود لو احتجتيني في أي وقت ودعاها لتناول القهوة لكنها اعتذرت بلطف وذهبت لمحاضرتها وقلبها مثقل بالهموم لأنها تعلم أن شذى لن تصمت وفي المساء اجتمعت العائلة كلها على مائدة العشاء الفاخرة في القصر وكان يحيى يجلس بجانب نيرمين التي كانت تتحدث عن تجهيزات الفرح وديكورات الشقة الجديدة بينما كان يحيى يشرد بذهنه ويرقب الباب حتى دخلت ليليا وجلست بهدوء بجانب والدتها فريدة فجأة وبدون أي مقدمات ضحكت شذى بصوت مستفز وقالت وهي تنظر إلى يحيى ونيرمين وباقي الأهل قوليلي يا ليليا مين الشاب اللطيف اللي كان بيدافع عنك في الكلية انهارده دا شكلكم لايقين على بعض قوي وشكله بيحبك أصلنا كنا بنتخانق خناقة عادية تافهة وهو جه دافع عنك فجأة وبعصبية كأنه يعرفك من سنين ومهتم بيكي قوي
ساد الصمت التام على المائدة وتوقفت حركة الجميع ونظرت الأم فريدة إلى ابنتها بقلق بينما قال الأب عمرو بحزم شاب مين يا شذى وإيه الكلام اللي بتقوليه دا بنتي بتروح كليتها تتلقى العلم مش تقابل شباب
ردت شذى بخبث لاء يا عمي دا طارق اللي كان معانا في السنوية زمان تفتكره وجاي انهارده يعمل فيها بطل ويهددني عشان خاطر عيون الدكتورة
ليليا في تلك اللحظة تجمد يحيى تماماً وضغط بقبضته على الشوكة والسكينة حتى ابيضت واجهت أصابعه وشعر بنار الغيرة تحرق صدره والتفت نحو ليليا ونظر إليها بعينين تشتعلان غضباً وعاتبين كأنه يملك الحق في محاسبتها وقالت نيرمين بدلال وهي تلاحظ تغير وجه يحيى وإيه المشكل يا شذى ما هي بنت عمك دكتورة وحلوة وأكيد ليها معجبين وزملاء يحبوها عقبال ما نفرح بيها هي كمان
نظرت ليليا إلى شذى بكل برود وقالت طارق زميل محترم وشافك وأنتِ بتتعدي عليا وبتحرجيني قدام الطلاب ووقف الموقف عند حده ياريت يا شذى تركزي في حياتك وتسيبي حياتي في حالها لأن طارق ميهمنيش ولا أنتِ تهميني ولم يتحمل يحيى الأجواء فقام فجأة من على المائدة وقال بصوت جاف وجاف اعتذر يا جماعة أنا شبعت وعندي مكالمة شغل مهمة في المكتب واستدار ومشى بخطوات سريعة وعنيفة تنم عن بركان يغلي بداخله
نظرت نيرمين خلفه بشك وضيق بينما شعرت شذى بالانتصار لأنها نجحت في حرق دم شقيقها وإحراج ليليا بعد انتهاء العشاء تفرقت العائلة وخرجت ليليا إلى الممر الخارجي للقصر متوجهة إلى جناحها الخاص هرباً من تلك الأجواء الخانقة وقبل أن تصل إلى باب غرفتها
خرج يحيى فجأة من زاوية الممر المظلمة ووقف أمامها مباشرة ليقطع عليها الطريق وكان يتنفس بسرعة وعيناه تملؤهما الغيرة والغضب العارم وقال يحيى بصوت منخفض وعاميتها الحادة مين طارق دا يا ليليا وإيه اللي بينك وبينه عشان يتدخل ويدافع عنك بالشكل دا في الكلية
نظرت إليه ليليا بذهول ورفعت رأسها بكبرياء وقالت وأنت مالك يا يحيى بصفتك إيه جاي تسألني وتحاسبني أنت نسيت نفسك ولا إيه أنت مجرد ابن عمي ومستقبلك وحياتك مع خطيبتك اللي جوه دي
اقترب يحيى منها خطوة حتى كاد يلامسها وقال بنبرة مليئة بالوجع والغيرة المتملكة أنا منسيتش حاجة يا ليليا ومش قادر أشوفك مع حد تاني طارق دا كان بيبص عليكي من زمان وأنا مش هسمحله يدخل حياتك ردي عليا في حاجة بينكم
تراجعت ليليا خطوة للخلف ونظرت إليه بنظرات احتقار وألم وقالت لاء يا يحيى أنت سيبتلي ايدي وضيعت كل الوعود اللي كانت بيننا وجاي دلوقتي تغير عليا وتحاسبني طارق أو غيره مملكش الحق تسألني عنهم حياتي ملكي لوحدي وأنت بره حياتي تماماً ياريت تبعد عن طريقي وتروح لعروستك وشغلكم اللي سيبتني عشانه
دفعت يحيى ببرود من أمامها وفتحت باب غرفتها بسرعة ودخلت وأغلقت الباب في وجهه بقوة تاركة إياه يقف في الممر يضرب الحائط بقبضته غاضباً نادماً والغيرة تأكل قلبه وعقله بعد أن اكتشف أن قلبه ما زال ينبض لليليا وحدها وأن سفر السنين لم يمح حبها بل زاده اشتعالاً وعذاباً
التالت
نبض جديد
الرابع
أمضت ليليا ليلتها تتقلب في فراشها والكلمات الحادة التي تبادلتها مع يحيى تدور في عقلها كالإعصار وفي الصباح الباكر خرجت إلى شرفة جناحها لتستنشق بعض الهواء النقي وقبل أن تنزل لتبدأ يومها لمحت نيرمين تقف في الممر المقابل لجناح يحيى وكانت ملامح نيرمين مليئة بالشك والغضب بعد تصرفات يحيى الغريبة في الليلة الماضية قررت نيرمين أن تواجه يحيى في مكتبه الخاص بالقصر ودخلت دون أن تطرق الباب بقوة ووجدت يحيى يجلس وعيناه مجهدتان وكأنه لم ينم طوال الليل وقفت نيرمين أمامه وعقدت ذراعيها وقالت بعصبية يحيى أنا مش غبية ولا هبلة عشان تفوت عليا نظراتك ليلة امبارح وغيارتك الواضحة لما شذى جابت سيرة طارق أنت في إيه بينك وبين بنت عمك ليليا بالظبط ياريت تتكلم وتفهمني بدل ما أنا شاعرة إن خطيبي باله مع واحدة تانية في البيت دا
انتفض يحيى من مقعده وحاول أن يجمع ثباته البارد وقال بنبرة جافة جرى إيه يا نيرمين أنتِ هتعملي من حكاية تافهة قصة كبيرة ليليا بنت عمي ومفيش بيني وبينها أي حاجة من اللي في خيالك دي مجرد عيال وكانت بتكبر قدام عيني مش أكتر
لم تقتنع نيرمين برد يحيى واقتربت منه وقالت بصوت أعلى لاء يا يحيى شذى قالت إن كان فيه كلام بينكم زمان وأنت من وقت ما رجعت مش قادر تبص في عينها ومبارح كنت هتتجنب من الغيرة لما عرفت إن فيه شاب دافع عنها اتكلم يا يحيى وقولي الحقيقة وإلا الفرح دا مش هيتم وهعرف أتصرف مع عيلتك ضاق
يحيى ذرعاً بضغطها وخاف على مصلحة العمل والصفقات الكبرى التي تربطه بوالدها فقال بصوت مرتفع محاولاً إنهاء النقاش وتبرير موقفه تمام يا نيرمين هقولك الحقيقة عشان تقفلي الموضوع دا خالص ليليا زمان لما كنت مسافر كانت بتتعلق بيا وكانت لسه عيلة صغيرة عندها سبعة عشر سنة وأنا الحقيقة كنت شفقان عليها وعلى طفولتها ومكنتش عايز أصدمها فكنت بجاريها في الكلام من باب الشفقة والقرابة مش أكتر ومستحيل كنت أفكر فيها كزوجة لأنها مش من مقامي ولا تناسب طموحي وأنا اخترتك أنتِ لأنك أنتِ اللي تملي عيني وتناسب مستقبلي
في تلك اللحظة القاتلة كانت ليليا تمر بالمصادفة من أمام باب المكتب المفتوح قليلاً لتجلب بعض الأوراق لوالدها من بهو القصر وتوقفت تماماً كأن صاعقة ضربت جسدها واستمعت إلى كل كلمة قالها يحيى بوضوح تام شعرت ليليا بأن الأرض تدور بها وأن الطعنة هذه المرة جاءت لتنهي على ما تبقى من احترامها لذكرياتها معه لم تكن تتخيل أن وعوده وحبه القديم وسهر الليالي سيلخصه في كلمة شفقة على عيلة صغيرة نزلت الدموع من عينيها بغزارة لكنها مسحتها بسرعة وبقسوة وأقسمت في سرها ألا تضعف بعد اليوم أبداً وألا تسمح لهذا الشخص أن يرى انكسارها
اليوم التالي
ليليا صحيت تلبس ورحت كليتها وكأنها جسد بلا روح وحين وصلت إلى المستشفى الجامعي كانت تسير في الممرات شاردة الذهن حتى كادت تصطدم بأحد الأطباء وفجأة امتدت يد قوية لتمسك بكتفها وتمنعها من السقوط وتطلعت لتجد أمامها طارق الذي كان يرتدي معطفه الأبيض ويبتسم برقة لكن ابتسامته اختفت فوراً عندما رأى الشحوب والإنكسار في عينيها وقال طارق بنبرة مليئة بالخوف والاهتمام ليليا مالك فيكي إيه وشك أبيض قوي وعينيكي بتقول إنك كنتِ بتبكي في حاجة حصلت في البيت تاني مع شذى أو حد ضايقك
حاولت ليليا أن تتظاهر بالقوة وقالت بصوت متقطع لاء يا طارق أنا كويسة مفيش حاجة مجرد تعب من المذاكرة وقلة نوم مش أكتر
لم يصدق طارق كلماتها وأخذ بطلب منها وجعلها تجلس في استراحة الأطباء الهادئة وأحضر لها كوباً من العصير الدافئ وجلس أمامها وقال بحنان وثبات مفيش حد بيزعل من المذاكرة بالشكل دا يا ليليا أنا عارفك من أيام الثانوي وعارف إنك قوية ومش بتستسلمي بسهولة لو فيه حد بيضايقك في القصر أو يحيى اللي رجع دا ليه علاقة بالموضوع قوليلي وأنا هقف معاكي ومستعد أعمل أي حاجة عشان أشوف ضحكتك تاني
نظرت ليليا إلى طارق وشعرت لأول مرة منذ سنوات بالأمان الحقيقي والصدق في كلمات شخص ما وقارنت بين برود يحيى وندالته وبين شهامة طارق الذي لم يتركها يوماً تقع وقالت ليليا بعاميتها المنهكة الدنيا جت عليا قوي يا طارق والناس اللي كنت فاكراهم سندي طلعوا هما أول ناس بيطعنوني في ظهري ويستقلوا بيا
ضغط طارق على يدها بلطف شديد وقال بصوت قوي ويملؤه العزم سيبك من كل اللي فات يا ليليا ومادام أنا موجود مفيش مخلوق يقدر يكسرك أو يزعلك تاني أنتِ دكتورة عظيمة وليكي مكانة كبيرة وأنا جنبك ومش هسيبك أبداً والماضي دا كله لازم تدوس عليه برجليكي وتبصي لقدام
شعرت ليليا ببداية نبض جديد في قلبها نبض من الأمل والراحة وتحدثت مع طارق لفترة طويلة وشرحت له بعض الصعوبات في دراستها ووجدته خير عون ومستمع
وفي المساء عادت ليليا إلى القصر بكبرياء جديد وقوة مستمدة من دعم طارق ودخلت لتجد يحيى يقف في صالة الجناح الرئيسي وحده منتظراً عودتها ليتحدث معها ويوضح موقفه بعد أن شعر بالذنب والخوف من مواجهتها تقدم يحيى نحوها بسرعة وقال بصوت منخفض وعاميتها النادمة ليليا أنا كنت مستنيكي وعايز أتكلم معاكي في موضوع امبارح وعن اللي حصل أنا مكنش قصدي
نظرت إليه ليليا بعينين حادتين كالشفرة وابتسمت ابتسامة سخونة وباردة وقالت ووفر كلامك يا يحيى أنا سمعت كل حاجة امبارح وأنت بتتكلم مع خطيبتك وعرفت إنك كنت شفقان عليا ومكتر خيرك قوي على شفقتك دي بس حب أقولك حاجة ترفع بيها راسك قدام نيرمين أكتر أنا كمان زمان كنت شيفاك مجرد تسلية وغلطة صغار ودلوقتي أنت بالنسبالي ولا حاجة تماماً ومقمتك نزلت الأرض
صدم يحيى من كلماتها وتلعثم قائلاً ليليا أنتِ فاهمة غلط أنا قولت كده عشان نيرمين
قاطعت ليليا حديثه بقوة وقالت بعاميتها الحاسمة مش فارق معايا قولت إيه وعشان مين المهم دلوقتي إنك تبعد عن طريقي خالص لأن حياتي بقى فيها راجل بجد بيعرف يحمي ويقدر ومستعد يعمل المستحيل عشاني وطارق هو البطل الحقيقي اللي في حياتي دلوقتي ياريت تلتفت لخطيبتك وفرحك وتسيبني في حالي
واستدارت وتركت يحيى واقفاً في مكانه يشعر وكأن صخرة هبطت على رأسه والندم والحسرة يأكلان أحشاءه بعد أن أدرك أنه خسير ليليا للأبد وأن طارق أخذ مكانه في قلبها الذي أغلقه في وجهه بقفل من حديد
