رواية نبض جديد الفصل الخامس5بقلم هاجر سلامه


رواية نبض جديد الفصل الخامس5بقلم هاجر سلامه 
الخامس 
بدأت التجهيزات المكثفة لحفل الزفاف الفاخر داخل أروقة القصر الكبير حيث تحولت الحديقة الواسعة إلى ورشة عمل لا تهدأ من مهندسي الديكور وعمال الإضاءة 
 وكانت نيرمين تتحرك في كل مكان كالملكة تصدر الأوامر وتختار أدق التفاصيل من الزهور البيضاء النادرة إلى السجاد القرمزي الطويل الذي سيخطو عليه العروسان
 بينما كانت شذى تتبعها في كل خطوة وتساعدها بحماس زائد ليس حباً فيها بل رغبة في قهر ليليا وإثبات أن شقيقها يحيى يعيش حياة الملوك مع امرأة من مستواه الفاخر
 وفي المقابل كانت ليليا تعيش في عالمها الخاص والمستقل تماماً داخل كليتها ومستشفاها حيث أصبح طارق ظلها الذي لا يفارقها يدعمها في كل فحص طبي ويراجع معها الحالات المعقدة ويضفي على يومها بهجة حقيقية جعلتها تتجاوز كل الآلام الماضية لدرجة أنها لم تعد تلتفت لما يحدث في حديقة القصر من صخب وترتيبات وحين كانت تعود متأخرة وتلتقي بيحيى في الممرات كانت تنظر إليه كأنه جدار صامت لا قيمة له مما كان يشعل في قلبه نيران الندم والحسرة وهو يراها تتفتح كالأزهار بعيداً عنه وتستمد قوتها من رجل آخر اقترب موعد الزفاف
 وجاء اليوم الموعود واحتشد أعيان المجتمع ورجال الأعمال في القاعة الكبرى للقصر التي زينت بأفخم أنواع الديكورات العالمية وكانت الموسيقى الكلاسيكية تعزف بهدوء يملأ الأجواء هيبة ووقاراً وارتدى يحيى بدلته الرسمية السوداء الأنيقة ووقف يستقبل الضيوف بجانب والده رأفت وعمه عمرو ولكن ملامحه لم تكن ملامح عريس مبتهج بل كانت أقرب إلى ملامح رجل يساق إلى حتفه وعيناه كانت تلتفتان تلقائياً نحو الزاوية التي تجلس فيها ليليا مع والدتها فريدة 
حيث كانت ليليا ترتدي فستاناً زمردياً بسيطاً وراقياً يبرز جمالها الهادئ وثقتها النفسية العالية ولم تكن تنظر إليه بل كانت تتابع شاشة هاتفها وتبتسم بوضوح وهي تراسل طارق الذي وعدها بأن يكون قريباً منها طوال الليلة ليدعمها
 صعد الجميع إلى المنصة المخصصة لعقد القران وجلس المأذون في المنتصف ووضع يحيى يده في يد والد نيرمين وبدأ المأذون يلقي خطبته التقليدية وسط ترقب الحاضرين وزغاريد مكتومة من النساء وفي تلك اللحظة خرجت نيرمين من غرفتها الملكية مرتدية فستان زفافها الأبيض الأسطوري وطرحتها الطويلة الخلابة لكن خطواتها لم تكن متجهة نحو المنصة بل كانت بطيئة ومترددة وعيناها تدوران في المكان بقلق شديد وصمتت الموسيقى فجأة بطلب من نيرمين التي وقفت أمام المنصة مباشرة ونظرت إلى يحيى الذي وقف بدوره مستغرباً من تصرفها وقالت نيرمين بصوت عال ومسموع سمعه كل من في القاعة أنا آسفة يا جماعة وآسفة يا بابا بس أنا مش هقدر أكمل كتب الكتاب دا ومش هقدر أتجوز يحيى
 ساد الوجوم والصدمة العارمة في القاعة وتوقفت الأنفاس
 ووقف والدها بغضب وصاح رأفت بصدمة جرى إيه يا نيرمين أنتِ بتقولي إيه والناس والضيوف والاتفاقات اللي بيننا 

لكن نيرمين نظرت إلى يحيى مباشرة وقالت  أنا مش هظلم نفسي ولا هظلمك معايا يا يحيى أنت طول الشهر اللي فات دا جسمك معايا بس عقلك وقلبك مع حد تاني خالص في البيت دا وعينك منزلتش من عليها ثانية واحدة وأنا مستحيل أتجوز راجل بيحب واحدة تانية وعايش على ماضيها وشفقته المزيفة عليها كانت مجرد كدبة بتداري بيها عجزك قدامي أنا بستأذنكم وفرحي ملغي
التفتت نيرمين وسحبت فستانها الأبيض وركضت نحو باب القصر وتبعها والدها وعائلتها وسط ذهول شذى التي سقطت من طولها على الأريكة وصدمة الأم أمل ورأفت وعمرو الذين لم يستوعبوا الفضيحة الاجتماعية التي حدثت للتو وفي وسط هذا الإعصار من الصدمات والهمسات والاضطراب التفت الجميع نحو يحيى ليروا ردة فعله وظنوا أنه سيلحق بها أو ينهار غضباً لكن يحيى وقف مكانه ولم يتحرك خطوة واحدة ولم تظهر على وجهه أي علامات للحزن أو الانكسار بل على العكس تماماً تنهد بعمق شديد وارتخت عضلات جسده المتوترة وكأنه كان ينتظر هذه الكلمة منها منذ خمس سنوات وكأن عبئاً ثقيلاً جثا على صدره طوال تلك السنين قد انزاح فجأة بكلمة واحدة
 التفت يحيى بعينين يملؤهما الأمل والتحرر ونظر مباشرة نحو ليليا التي كانت تقف مذهولة كباقي الحضور من شجاعة نيرمين ومن نظرة يحيى الحالية التي تقول لها لقد أصبحت حراً الآن ومستعداً للقتال من أجلك من جديد بينما همست ليليا لنفسها بأن الأوان قد فات وأن القلوب إذا انكسرت لا تجبرها الحرية المتأخرة وانتهى الحفل بإلغاء الفرح وتفرق الضيوف تاركين القصر في حالة من الفوضى والرماد الذي سيشعل صراعات جديدة في الأيام القادمة

                      الفصل السادس من هنا
تعليقات



<>