رواية راكان زيدان واصحابه الفصل الرابع4 بقلم داليا السيد محمد

رواية راكان زيدان واصحابه الفصل الرابع4 بقلم داليا السيد محمد

قرار

للحظة ظن راكان أن الثلج جمدهم بتلك المزرعة النائية، أخته تواجه بقوة وغضب لكن عندما وجدها فجأة تتحرك لداخل البيت دون أن تتفوه بأي كلمة تنفس بقوة وقال وهو يتقدم للداخل 

"تحرك براحتك سيف أنت والرجال"

وصعد الدرجات بخطى ثابتة رغم أنه من داخله لم يكن يريد الدخول لأنه كان يعلم أن بداخل ذلك البيت كانت هناك حياة لم يعرفها ويخشى أن يشعر بالغيرة ممن حاذ على تلك الحياة وهو لا

دفع الباب السلك ودخل وجذبه خلفه، هي لم تغلق الباب الآخر خلفها، الصالة كانت واسعة ورأى غرفة واسعة بها أريكة مريحة ومقاعد مشابهه ووسائد كثيرة، نافذة تسمح لضوء النهار بالدخول، ستائر بسيطة ولكن جميلة، أمامه كانت سلالم للأعلى أما على اليمين كان هناك أصوات تصدر من الداخل، ضوضاء قوية، بيت صغير ودافئ ومريح وبدا أنه سيغار حقا من سكانه

تحرك ليجد مطبخ واسع وسارة تضرب أدوات المطبخ بقوة هنا وهناك لكن النظام والنظافة كانت تعلن عن نفسها بكل مكان

رغم أنها شعرت بوجوده فعطره الهادئ مميز، إلا أنها تجاهلته تماما وتحرك هو واضعا يداه بجيوبه وهو يقول "لم أظن أن لديكِ فكرة عن وجود أخ لكِ"

كان عليها أن تتحدث وهي تضع مسحوق البن بالماكينة والمياه وقالت ببرود "ولماذا لا يكون لدي فكرة عن ابن أبي؟"

تحرك حتى جلس على المقعد الخشبي وأسند يداه على طرف المائدة وقال "كما لم يكن لدي فكرة عن ابنة أبي"

توقفت يداها ولفت وجهها له فالتقت بعيونه العميقة بلا معاني فأكمل "عرفت أول أمس"

سكبت القهوة بكوب فخاري ولم تعرض عليه وابتعدت للنافذة الزجاجية التي تطل على الأراضي الزراعية وقالت "ما أعرفه أنك تملك القدرة على معرفة كل شيء وأي شيء"

ظل ساكنا وعيونه تتجول على ملامحها وجسدها، عيونها فقط هي التي تشبه أحمد لكن كل ما بها مختلف

صوتها أعاده لها وهي تقول "ماذا تفعل هنا؟"

قال بهدوء "هل لي ببعض القهوة؟"

رفعت حاجبها بدهشة وقالت "اخدم نفسك أم أن العمدة لا يفعل؟"

كان دوره برفع الحاجب ونظراته تخترقها بقوة من جرأتها ومعلوماتها عنه فنهض لمكان الأكواب وجذب واحدا وعاد للمكينة وسكب لنفسه البعض تناول رشفة ثم قال 

"تعرفين عني الكثير"

هتفت بغضب واضح "بابا لم يتوقف عن الحديث عنك ولكنك لم تفكر بالرد حتى على رسالة واحدة من رسائله"

انتبه جيدا لكلماتها، ترك كوب القهوة على المائدة وتحرك ليقف أمامها وأسقط نظراته عليها وتحدث بنبرة الأسد مما جعلها ترتجف "أي رسائل؟"

عندما تراجعت من الدهشة بلا إجابة هتف بغضب "تحدثي، الآن"

شهقت من نبرته وهي ترتد بعيدا عن ملامحه التي كانت تبعث الخوف في النفوس وانتظرت لحظة قبل أن تقول "أنت، أنت لن تدعي أنك لا تعرف بشأنها"

أحنى رأسه ليقترب من وجهها واحتدت نظراته أكثر وهو يقول "العمدة لا يدعي، أنا لم تصلني أي رسائل منه، لقد رحل ولم يفكر بي يوما فعن ماذا تتحدثين؟"

للحظة ظلت جامدة أمامه ولكن من داخلها كانت ترتجف من نظراته القاتلة ونبرته المخيفة وهي تقول بنبرة منخفضة "كان يرسل لك رسائل دائمة يخبرك فيها كل شيء عنا ولم يهتم أنك لا ترد كان يحبك لكنك لم تستحق"

ملامحه الجامدة التي تدرب جيدا على إظهارها كانت تعتلي وجهه لكن من داخله لم يستطع إيقاف ذلك الألم، الغضب، الحسرة، الرغبة بالانتقام من جده، من رجل ميت أراد لو ينبش قبره ويقتله عشرات المرات ولكن للأسف لا فائدة من قتل ميت

ابتعد من أمامها ولم ترى قبضته وهي تتكور بجواره وكأنه يرغب بلكم أي شيء ليفرغ شحنة الغضب التي تعتليه الآن..

توقف بالجانب الآخر من الشرفة بعيدا عنها، كيف فعل به ذلك؟ 

تلك القسوة ليست بجديدة عليه لكن أن يكسر قلبه بتلك الطريقة هذا ما لم يتخيله؟ 

أن يقطع عنه حتى رسائل والده والشخص الوحيد الذي يمت له بصله فذلك لم يخطر له على بال

عاش سنوات عمره كلها يظن أن والده ألقاه خلفه بلا رحمة وأن أحمد يشبه محمود من القسوة ولكنه كان مخطئ، هو أحبه، أحبه ولم ينساه لآخر يوم بحياته وإلا ما كانت أخته عرفته وعرفت كل شيء عنه

التفت لها وقال "لماذا لم يحاول العودة؟"

أشاحت بيدها وقالت "كنت تعلم أنه فر من جدي فهل ظننت أنه سيعود له؟"

هزء بضحكة ساخرة وقال "وهل ظن أن جدي لم يعرف بمكانه، كون الرسائل لم تصلني فهذا يعني أنه حصد كل شيء بجعبته، كيف لم يفكر أن زيدان سينال الرسائل ويعرف مكانه؟ زيدان فكر جيدا، أنا وأبي والرسائل وفرق تسد، نظرية رائعة من نظرياته ولم تخب يوما"

ظلت صامتة وهو يحدق بها حتى قالت "هذا يعني أنه لم يفكر بأن يعيد بابا له؟"

ابتعد وهو يفكر بنفس الشيء فقال "محمود زيدان لا يبكي على ما يلقيه حتى ولو كان ابنه" ثم نظر لها وقال "أبي لم يكن ما أراده لذا تركه يرحل وبالتأكيد معرفته لمكانه لم يجعله يفتقده، هو أنا من لم أفكر بذلك"

لانت نبرتها وقالت "لماذا بحثت عنا الآن؟"

ظل ينظر لها والصمت يخترق الأجواء الثقيلة بينهم حتى أبعد وجهه وقال "أنا بحثت منذ وفاة جدي لكن أبي أخفي نفسه جيدا ولولا صديق لي يقيم هنا لما عثرت عليكم"

تحركت تجاهه حتى وقفت خلفه وأكتافه العريضة تواجها وقالت "تمنى رؤيتك قبل أن يموت"

التفت لها وشعر بوخز مؤلم داخل صدره..

هو لا يعترف بالألم ولا يسلم بوجوده، لكن هذا هو الألم الجسدي لكن الآن، هو يتألم ألم معنوي

ظل ينظر بعيون أخته ويرى نظرات والده له بذلك اليوم وهو يترجاه أن يرحل معه وهو من رفض، رفض لأنه كان يعلم أن زيدان لم يكن ليتركه يخرج من القفص وهو نفسه كان يشعر كما لو أنه لو خرج فسيموت فقفص جده أصبح كالماء للسمك لو خرج منه سيموت

كثيرا ما منع نفسه من الندم على أنه طلب من زيدان ترك والده يرحل، لماذا لم يترجاه هو ليبقى معه ويظل بجواره ويحتفظ بالأب ويعرف معنى العائلة التي لم يعرفها سوى سنين معدودة؟

اختار كلماته وهو يقول "وأنا تمنيت ألا يموت دون أن أراه"

لم تفر من أمامه وقالت "ولكنه مات فماذا تفعل هنا؟"

رفع يده ورفع خصلة من شعرها خلف أذنها وقال "أردت جزء منه"

حائرة، تائهة لا تعرف ماذا تفعل أو تقول وهو عرف ذلك فقال "ربما ترغبين بالعودة معي"

ابتعدت من أمامه وقالت بجدية "تناول قهوتك راكان وربما العشاء أو لا تفعل لو ستتأخر على طائرتك"

أمسكها من ذراعها قبل أن تبتعد وقال "لن تبقي هنا وحدك سارة، أنا أحق برعايتك"

أبعدت يدها من قبضته برضاه وقالت "لست بحاجة لرعاية أحد، تلك المزرعة توفر لي كل ما أحتاج له"

وابتعدت من أمامه لتغسل كوب القهوة وهو أدرك أنها لن تستسلم ومع ذلك قال "ومن أين يمكنك سداد الديون؟"

التفتت له بعيونها القاتمة ورمقته بنظرة يعرفها، تشبه نظرة جده وقالت "لا حق لك بالتدخل بحياتي ولا مشاكلي، لست بحاجة لك ولا لأموالك فقط اتركني بحالي"

رنين هاتفه جعله يوقف رده اللاذع وهو يخرج هاتفه ويجيب رائد "رائد"

جاء صوت صديقه هادئ وهو يسأله "هل حققت أي تقدم؟"

قال وهو يحدق بالتلال الخضراء بالخارج "القليل"

عاد رائد يقول "باقي أم راحل؟"

ظل واجما لحظة قبل أن يقول "لم أنتهي بعد، عندما أقرر سأدعك تعلم"

أغلق الاثنان والتفت لها وقال "ربما عشاء مبكر لن يضر كلانا"

جلس على المقعد فقالت "ورجالك هؤلاء؟"

عقد ذراعيه أمامه وقال "لو يصعب عليكِ أمرهم يمكنهم تولي نفسهم هم مدربين على ذلك"

تحركت للثلاجة لتخرج لحم وخضار وقالت "مدربين على أن يتضوروا جوعا؟ أنت ورثت منه كل شيء"

صمت ولم يرد فرفعت عيونها له وهي تتحرك للموقد القديم وقالت "تعيش وحدك؟"

هز رأسه بالإيجاب فقالت "لم تتزوج؟"

أجاب بلا ملامح على وجهه "لا، الزواج لم يخلق لي"

وضعت اللحم بالصينية وقالت "معك حق فالزواج للبشر الطبعيين ممن يملكون قلبا وزيدان صنع منك وحشا، أي امرأة ستتحملك؟"

لم تهزه كلماتها ولكنه سألها "ما الذي تعرفيه عني وما مصدر معلوماتك سارة؟"

لم تتوقف عن العمل وقالت "الميديا مصدر رائع، فقط اكتب العمدة بمصر وستصاب بالذهول عندما ترى النتائج"

لم يهتز ولم يبعد عينه عنها وهو يقول "وماذا عن أبي؟ ألم يخبرك أي شيء عني؟"

قطعت البصل ووضعته على اللحم وقالت "بلى فعل، كان دائما يخبرني أنك صورة منه وأنك الوحيد الذي يصلح ليخلف مكان زيدان، لم يتحدث يوما عن علاقتكم كان يخبرني أنك تمضي وقتك كله مع زيدان والتمارين والتعذيب للأعداء، حياة عصابات"

أدرك أنها لن تسمع لأي شيء منه قد يتعارض مع ما تعرفه عنه..

الجميع بالأساس يشيعون أنه زعيم العصابات بمصر وأنه قوة تهتز لها كل الجهات، ربما هو كذلك لكنه أبدا لم يكن زعيم عصابة ولم يدنس يده لا بأي حرام ولا بدماء أحد 

لذا ظل يتأملها ويستمع لها دون أن يعارضها أو حتى يدافع عن نفسه فرأي الآخرين لا يهمه ولكن ما يهمه هو كيف يقنعها بالعودة معه؟

****

لم تذهب ندى للعمل وظنت زميلتها بالسكن أنها مريضة فتركتها ونزلت لعملها

يومان وهي تشعر بالخوف من ترك الشقة والنزول لمواجهة الناس، كانت تشعر أنها لو خرجت من الباب سيدرك الجميع أنها الفتاة التي تخلت عن شرفها لأنها طمعت بذلك الرجل، حلم كل فتاة وهي حقا فعلت لا يمكنها أن تنكر ذلك

لم تتناول أي طعام سوى أشياء لا تذكر وبعض العصائر التي لا تسمن ولا تغني من جوع

أنهت حمام دافئ بذلك الجو البارد من ليالي يناير وتركت شعرها المبلل على أكتافها بلا اهتمام وارتدت بيجامة قطنية قديمة لكنها مفضلة لها ربما تهدأ من حالتها النفسية عندما دق الباب

زميلتها أخبرتها أن لديها دوام ليلي اليوم ولن تعود لذا لم تعرف من يدق الباب الآن 

تحركت ونظرت بالعين فلم ترى شيء فتحركت لتدخل لكن الدق عاد مرة أخرى فتعصبت ولم تتمهل وهي تفتح وتقول "من ال.."

الذهول هو كل ما ضربها وقلبها يدق بقوة وعيونها تبرق بالدهشة وجمدت مكانها وتألمت أصابع يدها التي تقبض على مقبض الباب وهي تراه يسد الباب أمامها بقامته الفارهة ووسامته التي أسقطتها بلا رحمة وتلك العيون تفحصها من أعلاها حتى أسفلها وهي تشعر أنها كالطفل الصغير أمام العملاق

صوته العميق أخرجها من الذهول الذي لفها وهو يقول "عرفت أنكِ لم تذهبي للشركة منذ الحفل، ظنتك مريضة"

ارتدت للخلف تمنحه ظهرها ودموع ترتفع لعيونها وتوقفت بمنتصف الصالة وهي تشعر بغضب، حيرة، تساؤلات عن سبب وجوده وقد ظنت أنه أنهى كل شيء بذلك الصباح بالفندق

أغلق باب الشقة وتحرك ليقف خلفها ونظراته على المكان البسيط من حوله، معلوماته عنها صدقت على كل ما قالته له عن نفسها، هي لم تكذب عليه بشيء، فتاة من أسرة بسيطة والدتها بالفعل بالسويس وهي هنا تعمل وتنفق على أمها

قالت وهي تمسح دموعها، غاضبة أكثر لهذا الضعف الذي زاد بوجوده "لا تخبرني أنك بحثت عني"

لم يتحرك ليقف أمامها وقال "بلى فعلت"

التفتت بحدة لتراه أمامها يحدق بها منتظرا عيونها الزرقاء لتمطره بنظرات الحقد والكره ولكنه رأى الضعف بهما

دموع تعني ماذا؟ ألم ترغب بأمواله مثلا؟ فقيرة وترغب بحياة أفضل، الفتى الوسيم أو الأمير الغني

لا تصدق ذلك ولن تضعف، وما الفائدة لقد ضعفت وقت كانت القوة مطلوبة أما الآن فلا معنى للحذر أو الخوف على شيء ضاع بالأساس لذا قالت 

"لماذا؟ ما الذي تريده مني؟ ألم تنال ما رغبت به؟ لم يعد لدي ما أمنحه لك الآن لذا لا داعي لوجودك، فقط اذهب واتركني لحالي"

رفع يداه ليوقف انهياراها ولكنها تراجعت ورفعت يداها لتصده بالهواء وهي تهتف به "لا، ابتعد عني، لا تلمسني"

أخفض يداه المعلقة وقال "ندى نحن لم نمزق الورق، ما زلنا زوجين"

لم ترفع صوتها وهي تهتف بألم "عُرفي، هل تعي معنى ذلك؟ بالحقيقة هو ليس زواج، هو مجرد طريقة لإسباغ الشرعية على علاقة غير شرعية، فقط اذهب أنا لا أريدك هنا"

وعاد البكاء مدفوعا لها من واقع غضبها من نفسها لضعفها ومن حقيقة أنه أغواها بلا رحمة واليوم يعيد اللعبة من جديد..

لم يمكنه التراجع، يومان لا ينام ولا يكف عن التفكير بها وما فعلاه سويا، العلاقة الوحيدة التي جعلته يشعر بمشاعر حقيقية

كانت ليلة تنبض بالحرارة والنيران تشتعل أكثر كلما تركها، لم يكتفي منها، أرادها مرة أخرى بل أرادها كثيرا بفراشه لكن كلمات راكان تدق برأسه تصيبه بالجنون

"هل تعي حفيد من أنت؟" 

تلك القيود التي تلتف حول عنقه تصيبه بالاختناق تكاد تدمر حياته، حياته؟ هل يسخر من نفسه؟ 

أي حياة التي يتحدث عنها؟ 

العمل ثم العمل ثم العمل، هل هذه حياة؟ 

لولا حفلات راكان وسهراتهم سويا لكانت الحياة لا معنى لها، تلك النساء التي كانوا يقضون أوقات معهم لم يكن لهم أي معنى إلا هي..

هي كانت امرأة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، بريئة ومثيرة بنفس الوقت، لا تعرف شيء عن العلاقة وبنفس الوقت منحته كل شيء ومع ذلك لم يكتفي منها

لم يتحرك من مكانه، لم يأتي ليذهب ويتركها، مال تجاهها وقال "لم آتي لأذهب ندى، توقفي عن هذا الغضب كي يمكننا التحدث"

أشاحت بيدها بالهواء وهتفت "أي حديث سفيان؟ عن الرغبة والفراش؟ لا، ليس لدي ما أتحدث عنه لأني لست كذلك، لست كذلك، هو أنت من تعيش حياتك على النساء بلا موانع أو حدود فلا مكان لك هنا، أنت مجرد رجل تعميك الرغبة والجنس والنساء الرخيصة"

لم يمكنه البقاء صامتا هادئا لأكثر من ذلك أمام كلماتها لذا قبض على ذراعها وجذبها أمامه وقال بغضب "هل تتوقفي عن جنونك هذا وتمنحيني فرصة للحديث؟"

نفضت ذراعها منه بقوة وصرخت به "أنا لا أريد أي حديث معك ألم يكفيك ما فعلته بي؟ أنت سبب كل ذلك"

هتف بقوة "لم أجبرك على ما كان ندى، أتيت بمحض إرادتك فكفي عن اتهاماتك هذه كي لا نتقاذف بالحجارة لأني لن أقف صامتا أكثر من ذلك"

كان عليها أن تدرك ذلك، ابن العائلات الثرية لن يقبل بحقيرة مثلها تلوث شرفه وكرامته فهتفت "معك حق بكل كلماتك، أتيت برغبتي بعد أن ثملت من الشراب ورفضت علاقة بلا وجه شرعي لأني فتاة ليل، بل وأطمع بأموالك التي لا حصر لها، ماذا تفعل هنا سفيان؟ فقط ارحل"

كان الضعف يلفها من عدم الطعام لذا تراجعت لتجلس على المقعد ودفنت وجهها بين يداها بينما لف حول نفسه وهو يمسح وجنته بكفه منتظر حتى تنتهي ثورة الغضب

عاد لها وقد ظلت تحيط وجهها بيداها فتحرك للمقعد المجاور لها وجلس ثم قال "هل نوقف هذا الجنون ونتحدث بعقل؟ أنا لم آتِ لنتقاذف الاتهامات ولا أن أثبت أنكِ تلك الفتاة التي تتحدثين عنها"

لم ترد فلمس يداها وأبعدها عن وجهها الذي تلطخ بالدموع وبدت شاحبة لا دماء تمر بعروقها فقال "منذ متى لم تتناولين أي طعام؟"

لم تنظر له وهي لا تستطيع أن تفكر أو تجد إجابات، لف نظراته بالمكان وقال "هل يوجد مطبخ بهذا المكان؟"

رفعت رموشها المبللة بالدموع عن عيونها المنتفخة ورأته يبحث بعيونه هنا وهناك فقالت "بالطبع يوجد"

عاد لها والتقى بالبحر القاتم بعيونها وكأن أمواج غاضبة ترتفع بها وتكاد تغرقه بمكانه فقال "جيد لنجد شيء نتناوله"

كاد يتحرك ولكنها قالت "لماذا تفعل ذلك؟"

عاد ليسقط نظراته عليها وظل ساكنا، صامتا لحظة يبحث عن إجابة لنفسه قبلها حتى قال "أخبرتك، أنتِ ما زلتِ زوجتي"

وتجول بنظراته حتى وصل للمطبخ فتحرك له فنهضت وقالت "لا أريد أي طعام سفيان أنا أريد الخروج من ذلك الجحيم الذي أعيش فيه منذ تلك الليلة"

ظل ثابتا بمكانه وعيونه لا تبصر أي شيء، هل تحدثت عن الجحيم؟ 

تلك النيران التي تستعر داخله منذ تلك الليلة التي تلتهمه بلا رحمة؟ 

بالتأكيد هو أيضا يريد وضع نهاية لكل ذلك ولكن هل هناك نهاية مناسبة لهم؟ 

مرة أخرى التفت لها ولم يدري ما الذي بها يجذبه لها بتلك الطريقة؟ 

النساء بالنسبة له ليسوا سوى متعة تنتهي بانتهاء الليل، أمه خير دليل على ذلك، هربت للمتعة وعادت من أجل المال فأي امرأة يمكنه الوثوق بها لتصبح جزء من حياته؟ 

قال ببرود غريب "وهل غضبك هذا سيمنحنا حل لذلك الجحيم؟ علينا أن نتناقش سويا حتى نجد حل"

هتفت بلا تفكير "لا تدعي أنك لا تعرف الحل سفيان"

اقترب منها ونظراته تبدلت لبرود قوي وهو يفهم ما تريد الوصول له وقال "لا أظنك تقصدين الهراء الذي تحدثت عنه من قبل"

أشاحت بيدها بالهواء وهي تقول "بالطبع رجل مثلك لابد أن يكون الزواج هراء بالنسبة له، لكن بالنسبة لمن هم مثلي هو طوق النجاة من القاع الذي سقط به، سفيان أنا لا يمكنني مواجهة من حولي بزواج عرفي، والدتي لن تتفهم ذلك قد تموت لو عرفت، أرجوك تفهم وضعي"

لم يكن يفكر كما كانت تريده أن يفعل، بالنسبة له الزواج مجرد ورقة موثقة وبالنهاية كامرأة مثلها مثل أمه وسواها من النساء لن يمكنها التقيد بقيوده للأبد وستهرع لرجل آخر بأقرب فرصة ولكنه ليس كوالده لن يجري خلفها ويترجاها لتعود، هو لن يشتري من يبعه بأي يوم ولو كانت حياته بيده لذا هو لن يبدأ تلك الحلقة من الأساس

لم يبتعد من أمام نظراتها وقال "أتفهم ماذا؟ الزواج؟ عقد القران وتلك التفاهات التي لا تعني شيء سوى قيود وقيود تخنق حتى الموت ولو حاولنا الفرار نتلطخ بوصمة الخيانة، لا شكرا لست ذلك الرجل"

تراجعت من مفهومه للزواج وأدركت أن نظرته للحياة الأسرية والاستقرار والإخلاص نظرة تشاؤمية ولا مجال لما يعرفه البشر الطبيعيين وما علمته الطبيعة للجميع

لم يبتعد من أمامها وهو مقتنع بكل كلمة قالها، ما فعلته ميرفت دمر أي صورة جيدة للزواج ورد فعل والده جعله يقسم ألا يمنح امرأة أكثر من علاقة عادية تنتهي وقتما يشاء وبالتأكيد لن تستمر لأنه سيمل 

سقطت دموع غريبة من عيونها وهي تقول "أنت تحكم عليّ بالموت"

أشاح بيده وابتعد وقال "لا تبالغي، ستكون حياتك معي أفضل كثيرا سأمنحك مكان أفضل من هذا للمعيشة يمكننا اللقاء به كما نشاء، ويمكنني منحك العمل الذي تختاريه بأي شركة من الشركات التابعة لي أو لأحد أصدقائي بالإضافة لأي أموال تحتاجين لها"

فتحت عيونها على آخرها وهي تقول "لا! أنت لا تعني ما فهمته؟ أنت تريدني أن أكون عشيقتك؟ اخرج من هنا، الآن، أنا لا أريد رؤيتك، اخرج"

لم تتبدل ملامحه وهو يلف ويعود لها وقبض على ذراعها وقال بلا رحمة "أليس هذا ما كنتِ تريدينه بتلك الليلة؟ أنتِ وافقت على كل شيء وكان عليك إدراك نتيجة أفعالك، أنا أملكك بالورقة التي معي، أنتِ لي هل تسمعيني؟ لي، لذا لا تدعي البراءة لأنها لا تليق بكِ"

الذهول هو كل ما أصابها ثم تحول لخوف، خوف من كل شيء، من أنها سقطت بالشرك الذي نصبه لها، من أنه لا يريد تركها، من أنها لا تعرف كيف تفر منه أو تبعده عنها

الخوف دفع عقلها للاعتراض على ما يقوله ويفعله وشعرت بقوة تدب بجسدها فحاولت تخليص نفسها منه وهي تصرخ به "اتركني، أنا لا أدعي أي شيء هو أنت الحيوان الذي لا يفكر سوى.."

ولم تكمل وهو يزيد من قبضته على ذراعها ويجذبها له وينقض على فمها بقوة بقبلة شهوانية وكأنها تصدق على كلماته وتوقف اعتراضاتها الواهنة..

قاومته، ضربته بقبضتها الصغير، ركلته بقدمها بساقه ولكن..

بلا فائدة وهو يلف ذراعه حول خصرها ويعتصرها على صدره الصلب ويعمق قبلته مجبرا إياها على فتح فمها له وهي ما زالت تقاوم حتى تعبت، لا بل ضعفت وقبلته تخدرها وارتفعت يده الحرة لعنقها تثبت رأسها للحظة 

جسدها الخائن يستجيب له بشكل دمرها وجعلها تشعر أكثر بالخزي من نفسها..

تسربت يده تحت بيجامتها لتلمس بشرتها الناعمة فارتجف جسدها وهو أدرك أنها لن تقاومه بعد الآن 

شفتاه تحركت على عنقها وفك شعرها ليجذبه بأصابعه ليرفع رأسها أكثر له ويقبل عنقها ويداه تبعد بيجامتها ولم يمكنها مقاومته بعد الآن بل وتحركت يداها على صدره فأفلتها وأبعد الجاكيت 

لم تعرف كيف انتهوا بالفراش ولا كيف تخلص من ملابسه وجسده الرائع أصبح بين ذراعيها وأنفاسه تحط على كل جزء من جسدها المتمرد عليه

ذلك الرجل لا يمكنها منعه من الحصول على ما يريد، الزواج العرفي زواج ولكنها تعلم أنه ليس ما كانت تريده وتتمناه ولو عرفت أمها ستنتهي حياتها وهي من بعدها... 

****

العزاء كان كبير جدا يليق بمكانة حشمت

جلس ثلاثتهم متجاورين حتى انتهى القرآن فنهضوا وهم يغلقون الجاكيت وكثيرين يفعلون المثل ونظر وافي لسفيان وقال "مشغول!؟"

أجاب بصوت منخفض "لا، أحتاج لبعض الهواء"

تقدموا بالصف حتى قدموا واجب العزاء لحشمت وهو رجل ذو مكانة سياسية واجتماعية كبيرة، نظر حشمت لظافر وقال "شكرا ظافر، بالتأكيد سنلتقي يوم آخر"

هز ظافر رأسه وقال "بالطبع، لا تشغل بالك"

حياه وافي أيضا ثم سفيان الذي قال "تعلم أن راكان ليس بمصر"

هز حشمت رأسه وقال "نعم لقد هاتفني واعتذر عن الحضور، العمدة لا تفوته أي صغيرة"

ابتسم سفيان ابتسامة شاحبة وتحرك ثلاثتهم إلى مكان السيارات حيث الازدحام شديد عندما سمعوا صوت امرأة تقريبا تشتبك مع رجل ما 

رفع ثلاثتهم رؤوسهم ليروا امرأة تتشح بالسواد ورجل يقف أمامها وعندما اقتربوا اتضحت الكلمات "فقط ابتعد عني، أخبرتك أني لا أريد رؤيتك ألا تفهم؟"

ظافر هو من تحرك دون انتظار صديقيه والرجل يقول "مي لابد أن نتحدث"

هتفت بغضب واضح "وأنا لا أريد، أخبرتك أن كل شيء انتهى، لن أغفر لك أبدا، لن أغفر لك، أنت ندل، خائن حقير"

كاد يرفع يده ربما يمسكها أو يصفعها أو أيا كان ما أراده فهو لم يتم، لأن ظافر قبض على ذراعه المرتفعة وهو يقول "الآنسة طلبت منك تركها فلماذا تصر على مضايقتها؟"

نفض الرجل الذي كان يرتدي بدلة ثمينة هو الآخر وبدا من الأثرياء بوجهه قاتم لا يظهر من الليل الحالك وعيونه السوداء لا تظهر من الظلام فقط صوته القوي هو ما قال 

"وما دخلك أنت؟ لم يطلب أحد مساعدتك"

ولكن ظافر ظل هادئا وهو يقول "لم يفعل أحد ولكن ليس من الصواب رفع يدك على امرأة وبالشارع"

رد الرجل بغضب لم يرحل "لا علاقة لك بنا، هي خطيبتي ونحن لا نرغب بتدخل أحد"

هتفت المرأة بصوتها الغاضب "لم أعد خطيبتك وأخبرتك أن تبتعد عني"

لف ظافر وجهه للمرأة التي كانت بجواره وتجمد مكانه، عيونها العسلية الواسعة كانت فاتنة وهي تحدق بالرجل بغضب..

وجه أبيض مستدير ببشرة ناعمة بلا خطأ واحد، فم صغير منحني كالقلب أنف أملس ويرتفع بطريقة رفيعة، قوام متناسق لا خطأ به ملفوف ببدلة سوداء صنعت بأفخر دور الأزياء 

جذبه صوت الرجل من تأملاته وهو يقول "مي توقفي، لنصعد السيارة ونكمل ما بيننا"

أشاحت بيدها فبدت أصابعها البيضاء الطويلة أمامه خالية من أي دبل زواج وهي تقول "لن أذهب لأي مكان معك، أريدك أن تذهب من أمامي، أنا لا أطيق رؤيتك"

وتحركت لتذهب ولكن الرجل تحرك ليسد طريقها وهو يمسك ذراعها ليوقفها وهتف "هل تظنين أن فتاة حقيرة مثلك يمكنها أن ترفض شاكر المنفلوطي؟ من تظنين نفسك؟ مجرد حشرة لا تكاد ترى أدهسها بحذائي وستكونين لي برضائك أو غصبا عنكِ أيتها المغرورة"

شعر ظافر بالإعجاب عندما رفعت أصابعها وصفعته بقوة على وجهه وهي تهتف "الحقير المغرور هو أنت أيها الندل الجبان"

اندفع الغضب لوجه شاكر الذي عرف ظافر اسمه بالطبع كشاب عابث لديه سمعة قديمة 

ترك ظافر كل شيء جانبا وتوقع حركة شاكر التالية، فتحرك ليقف بينهم ويداه على ذراعي شاكر ليوقفه عن الإضرار بها وهو يقول 

"أظن أن كل ذلك لابد أن يتوقف"

نفض شاكر ذراعيه من قبضة ظافر وهو يقول بنفس الغضب "ألا تبتعد عنا أيها البارد؟ لا شان لك بنا"

التفت ظافر للمرأة والتقى بعيونها الجميلة ولكنها لم تكن تنظر له أصلا ولم تراه وقال "هل تذهبي يا آنسة"

كانت ترتجف وهو شعر بها وشاكر يهتف "هي لن تذهب لأي مكان"

ولكنها هتفت "بل سأفعل ما أريد لأن لا شأن لك بي، هل تفهم؟"

وتحركت لتركب السيارة التي بجوارها بينما هجم شاكر على ظافر بلكمة مفاجأة وهو يهتف "ابتعد عن طريقي"

التوى عنق ظافر مع اللكمة وتألم فكه ولكنه ارتد لشاكر ولكمه بقوة ليرد له اللكمة وهو يهتف "لن يكون"

كاد شاكر يلتحم معه لكن وافي وسفيان تدخلا ليوقفا الأمر بينما سيارة زرقاء حديثة تبتعد من جوارهم والرجال تحاول وقف الشجار بعد رحيلها

كيس الثلج ساعد بتقليل الورم الذي تكون على جانب وجه ظافر وهو يقول "الجبان يتطاول على امرأة ويقوم بتغفيلي"

ضحك وافي وهو يمنحه كأس ويعود لمقعده بالمطعم الخاص براكان، حيث اعتادوا على اللقاء وقال "هذا ثمن الرجولة"

ضحك سفيان وقال "رحلت هي وتركتك وكأنك لم تخلصها من كلب جبان"

نفخ وقال "لم أرى دمعة واحدة بعيونها وهي تخبره بانتهاء كل شيء، شاكر كلب نساء"

تناول وافي بعض الماء وقال "ولكني سمعت عن خطوبتهم منذ عدة أشهر، ابنة سعد مرزوق المقاول الشهير"

نظر له ظافر بحدة وقال "هذا الكلب لا يمكنه أن يكون وفي لامرأة واحدة"

هتف سفيان "هو ذئب إذن وليس كلب فالكلاب أوفياء ولا تلومه فكلنا نشبهه تقريبا"

ترك كيس الثلج على المائدة وتجرع كأسه وقال بضيق "نحن لم نرتبط بامرأة سفيان لنتحدث عن الإخلاص"

تناول سفيان مشروبه كله وصمت لحظة قبل أن يقول "أنا فعلت"

سعل ظافر من مشروبه بقوة وكاد يقذف به خارج فمه بينما هتف وافي بصوت مرتفع "ماذا فعلت؟"

هدأ ظافر بينما شحب وجه سفيان وهو يجذب الزجاجة الفاخرة التي قدمت لهم بمجرد وصولهم، تعليمات العمدة تنفذ بدقة ومنها الخاصة بأصدقائه 

تناول المشروب فهتف ظافر الذي دمعت عيونه من السعال "أي ارتباط الذي تتحدث عنه؟"

نظر سفيان لابن عمه وقال "بتلك الليلة، رأس السنة، تعرفت على امرأة ومن أول نظرة وجدت نفسي منجذب لها بقوة، تناولنا الكثير من المشروب حتى ثملت وعندما أفاقت بتلك الغرفة بفندق راك،  كادت تنهار لولا أني أخبرتها أننا تزوجنا عُرفي"

أطلق وافي صافرة طويلة بينما نهض ظافر وتحرك له بغضب وقال "ما الجنون الذي تتحدث عنه سفيان؟ عرفي؟ تتزوج فتاة لا تعرفها وعُرفي؟ هل نسيت من أنت؟"

ظل سفيان يحدق به بينما قال وافي بهدوء "لا علاقة لم فعل بمن هو ظافر، هو أرادها وهي لم تقبل بطريقته وفعلتها بطريقتها"

التفت ظافر له بعيونه المشتعلة وهتف "ليس الآن وقت الفلسفة وافي"

قال سفيان "اللعين على حق، لقد فعلتها بطريقتها ظافر"

أبعد ظافر خصلاته للخلف بأصابعه وقال "هي ورقة، مزقها وانتهى كل شيء"

أخفض سفيان وجهه وقال "حاولت ظافر ولكن لم أستطع، اليوم كنت معها ولم يمكنني رفع يدي عنها"

رفع ظافر ذراعيه بالهواء ثم أخفضهم بجانبه وقال "أنا لا أفهمك، من هي؟ ابنة من؟"

لم ينظر سفيان لابن عمه الذي ارتد لمقعده وترك جسده الشاهق يسقط بالمقعد بينما قال سفيان "الفتاة من أسرة بسيطة من السويس وتعمل بشركة هنا"

لم يرد ظافر بينما قال وافي "هذا حب؟"

التفت له الاثنان ورد سفيان "أي حب وافي؟ كلنا لا نتخذ الحب سبيلنا، عارضناه منذ البداية ومنعنا أنفسنا منه، هو انجذاب غبي لا أعرف كيف أقاومه، انجذاب جعلني حتى أنسى الحماية بأول ليلة لنا سويا"

تجهمت وجوههم أكثر وانحنى وافي للأمام وقال "هذا قد يؤدي لحمل سفيان، هل بإمكانك تقبل ابن أو ابنه من زواج عُرفي؟"

لم ترتد الدماء لوجه سفيان ولم يتحرك ظافر ولم يتحدث وكأنه لا يريد أن يصب غضبه وسخطه على ابن عمه بينما قال سفيان "لا أعلم وافي، هي تطالبني بزواج شرعي وبالطبع كلنا يعلم أنني لن أستطيع فعل ذلك ولكني أيضا لن أستطيع انكار طفلي"

حدق ظافر به وقال "أنت ألقيت نفسك بالجحيم فماذا ستفعل؟ إما أن تكتب عليها وإما أن تتنكر لها وتخرجها من حياتك للأبد حتى ولو كان هناك طفل"

اعتدل سفيان وقال بجدية "هل تريدني أن أتنكر لطفلي؟"

أشاح ظافر بيده وقال "قد لا يكون لك"

غضب سفيان بقوة ونهض واقفا فنهض وافي هو الآخر وتحرك تجاه سفيان الذي هتف بغضب "لقد كانت عذراء ظافر، هي ليست من نوع النساء التي نعرفها ولا تتحدث عنها هكذا مرة أخرى هل تفهم؟"

لم يتراجع ظافر وهو يقول "وهل تريد أن تثق بها؟ فتاة لا أصل لها ولا فصل، ماذا ستخبر جدك وكل عائلتك؟ فقط راجع نفسك وأعد التفكير، من تقبل بوضع كهذا لا ترقى لمرتبة الزوجة التي يمكنك أن تثق بها وأنت تفهم كلماتي جيدا"

ثار سفيان "ظافر احذر بكلماتك"

أوقفه وافي وهو يهتف "اهدأ سفيان، هو لم يقصد شيء فقط هو مصدوم من الأمر، اهدأ ودعنا نفكر بحل"

أبعد ظافر وجهه ولم يبتلع سفيان مرارة الذكرى وخزي أمه وهو يقول "سأجده بنفسي"

وتحرك للخارج والغضب يلفه ووافي يقول "ألا تعرف شيء عن مراعاة الآخري؟"

جلس وافي وسكب ظافر كأس لنفسه وقال "إذا لم يكن هو يفعل فلماذا أفعل أنا؟ هو لا يفكر بعقله الآن"

هتف وافي "لذا هو بحاجة لنا بجواره لا أن نتخلى عنه وهو بتلك الحالة"

نهض ظافر وقال "هو ليس بصغير كي يضل طريقه، دعنا نذهب أنا متعب حقا"

****

كان الطعام شهي حقا والليل يدخل خلفهم من النافذة وراكان يقول "شكرا على العشاء، أنتِ طاهية جيدة"

نهضت سارة لتبعد الأطباق وقالت "كنت أفعل منذ ماتت ماما"

نهض للنافذة وقال "عرفت أنكِ لم تذهبي للجامعة"

قالت وهي تغسل الأطباق "لا، لم يمكنني ترك بابا وحده بعد وفاة ماما والآن لن أترك المزرعة، هل ترغب بقهوة؟"

لف وجهه لها وقال "لو أمكن، يمكنني وضع من يقوم عليها لو شئتِ حتى يمكنك دخول الجامعة"

أنهت الأطباق ولم تنظر له وهي تجذب الأكواب وقالت "لا أعلم، لم أفكر بالقادم ما زلت أتجاوز موت بابا ولا أظن أن بإمكاني ترك هنا، أنت لا تفهم راكان أنا أعشق المكان هنا"

تحرك لها ولمعت عيونه وهو يأخذ الكوب منها ويلتقي بعيون والده بعيونها وقال "أكاد أرى ذلك، أنا فقط أردت وجودك بجواري، وربما معا نكون عائلة من جديد"

ظلت تنظر لعيونه العسلية المثيرة للإعجاب حتى قالت "لا يمكنني ترك هنا راكان، بلدك غريبة عني ولا أعرف عنها أي شيء، لا تخشى عليّ فأنا اعتدت على تلك الحياة"

الصمت ضربهم، لن يمكنه فرض وصايته عليها رغم أنه حقه حتى تبلع الواحدة والعشرين ولكن كأخ لم تراه طوال حياتها لن يمكنه أن يفعل لها ذلك

تناول القهوة وقال "سأسدد ديون المزرعة وأجد لكِ رجال أكثر تساعدك سأتحمل أجورهم ولو راجعت نفسك بأمر الجامعة أخبريني"

قالت بعصبية "لست بحاجة لأموالك"

ابتسامة باهتة ظهرت على شفتيه وهو يقول "هي أموالك أيضا، لكِ نصيب من أموال أبي لكني وصي عليها حتى تبلغي السن القانوني"

تراجعت للحظة ثم ابتعدت من أمامه وقالت "أموال حرام ملوثة بالدماء، لا أريدها"

أمسكها من ذراعها النحيفة كباقي جسدها وقال "أنا سأقولها مرة واحدة ولن أهتم ما إن صدقتِ أم لا، أنا لست زعيم عصابات وليس بأموالي ذرة حرام ولم ألوث يدي بدماء أحد، شكرا على العشاء للمرة الثانية"

والتفت ليذهب وما زالت تتابعه بصمت ثم توقف عند الباب والتفت لينظر بعيونها وقال "لو رغبتِ بأي يوم بزيارة بلد والدنا وبيته سأكون سعيد باستقبالك"

كاد يذهب لكنها قالت "لم لا تبقى الليل وترحل بالصباح؟"

توقف مرة أخرى ثم لف وجهه لها فرأى صدق الدعوة بعيونها فقال "للأسف لابد أن أعود مصر، بالتأكيد سأزورك كثيرا بالمستقبل، لا تنزعجي من رجالي"

وتركها وذهب وهو يدرك أن صديقه كان على حق بأنها لن توافق على ترك البلد التي عاشت بها عمرها كله وهو أدرك ذلك ولكنه أيضا رأى تردد بعيونها لكن لم يشأ أن يضغط عليها كي لا تعاند معه فتركها ولكن بالمرة القادمة لن يفعل

****

لم يتناول ظافر طعام الإفطار بل نزل مبكرا وذهنه مشغول بالكثير، بالأيام السابقة زاد ضغط العمل حتى شعر بالصداع لا يتركه

قبل أن يصل للسيارة كانت مليكة تسرع تجاهه وتناديه "ظافر، ظافر انتظر"

توقف أمام السيارة والتفت لها وهي تسرع لتقف أمامه وقالت "أنت ذاهب مبكرا"

كانت عيونها البنية تحدق به وتناثر شعرها البني حولها وقال "لدي الكثير من العمل مليكة ماذا تريدين؟"  

زاغت عيونها بين عيونه وقالت "هل سترى أصحابك اليوم؟"

ضاقت عيونه من سؤالها وقال "أصحابي؟ وما شأنك بهم؟"

شحب وجهها وارتبكت قليلا قبل أن تقول "لا شيء، فقط أنت لم تدعوهم للبيت منذ حفل عيد ميلادي الأخير لم لا تدعوهم علي العشاء معنا؟"

لم يشعر بالراحة لمثل هذا الاقتراح فمال عليها وقال "تعلمين أني لا أفعل مليكة وهم مشغولين بالأساس فلا داعي لتشغلي نفسك بهم"

كاد يتحرك ولكنها أمسكته من ذراعه وقالت "هل سترى راكان، أقصد.."

لف وجهه لها بحدة فوجدها شاحبة وزاغت عيونها وهي لا تجد كلمات تخفي بها ارتباكها وهو يرتد لها ويقبض على ذراعها بقوة بعد أن فهم جيدا قصد أخته الصغيرة ولم يتحمل قبول تلك الأفكار فقال 

"راكان يكبرك بسبعة عشر عاما مليكة، كما وأنه لن ينظر أبدا لأخت صديقه هو أفضل من ذلك بكثير كما وأنه وهب نفسه للعمودية ورفض أي فكرة لتكوين بيت وأسرة، نصيحة من أخيك الأكبر ابعديه عن رأسك وإلا لن أكون أخ جيد بالنسبة لك"

ودفعها للخلف بقوة وهو يحررها من قبضته ويركب سيارته ويرحل 

بينما تكورت الدموع بعيونها وهي تتابعه يذهب وهي تذكر ليلة عيد ميلادها عندما رأت راكان وهي لم تكن قد رأته منذ سنوات كثيرة وكم بدا جذابا ووسيما جدا..

ابتسم لها كثيرا وتحدث معها وانبهرت به ومن وقتها وهي مجنونة به، ولكنها كانت تجيد إخفاء الأمر ولكن ها هي كشفت بغباء عن نفسها ولكن غصبا عنها فقد اشتاقت لرؤيته وظافر كان صديق جيد لها ولكن الآن سيتحول لعدو

عادت لغرفتها وفتحت كتاب لتذاكر أي شيء ولكنه دموعها كونت ضبابة أمامها فوضعت وجهها بين أصابعها وبكت كثيرا وهي تدرك انها دخلت بطريق سد لن تصل منه لأي شيء

راكان نجم بعيد بالسماء لا يمكن الوصول له وعليها أن توقف جنونها هذا ولم تفكر أنها أحلام المراهقة

****

سقط الرجل على ركبتيه ووجه الملطخ بالدماء وملابسه الممزقة وجسده المكدوم يدل على ما ناله وهتف بصوت ضعيف "أرجوك اقبل أسفي وندمي يا عمدة، الشيطان لعب بعقلي ونسيت لوهلة من أنت"

كان راكان يقف أمام جسد الرجل المنهار وهو يطوي أكمام قميصه ويقبض أصابعه بقبضة قوية كانت تؤلم ذلك الكلب من لحظة

وقف سيف خلفه ثابتا كعادته وأخفض راكان نظراته لسيد وقال بنبرة حادة كالسيف "والآن تذكرت من أنا؟"

هز الرجل رأسه بتضرع وهو يرد "بالتأكيد فعلت، بعد كل ما فعلته بي لابد أن أستعيد عقلي وها أنا أطلب السماح، لقد تدمر كل شيء، أرجوك يا عمدة ارحمني، السفينة لو ظلت بالبحر المفتوح أكثر من ذلك سأخسر كل شيء وأدخل السجن، أنا وضعت بتلك الصفقة كل ما جنيته طوال حياتي، أرجوك سامحني وأقسم أني لن أفكر حتى بتكرارها"

عقد راكان ذراعيه أمام صدره وقال "مستعد لدفع الدية؟"

رفع رأسه عاليا ليصل لعيون راكان التي أثلجته وهتف "ولكن! أنا، أقصد لم يعد لدي، لقد خسرت الكثير كما تعلم و.."

لم يتحرك راكان وهو يقول "سيكون من السهل تحويل الدية من حسابك بسويسرا لحسابي، سيف سيمنحك رقم الحساب ومقدار الدية ومن هنا تنفذ وبعدها بدقائق ستتحرك سفينتك لبر الأمان"

زاد شحوب وجه سيد بينما تحرك راكان جاذبا جاكته وينزل أكمام قميصه وقال "سيف لا تتأخر"

رد سيف بحزم "أوامرك يا عمدة"

وخرج من الغرفة، مكتبه ليس لمثل تلك الأمور بل غرفة بممر بعيد لمثل تلك الضيوف الخاصة مثل سيد

رنين هاتفه كان مزعج فهو أراد دراسة مشروع جديد ومتابعة آخر المولات السياحية الكبيرة بالعاصمة الإدارية، وفروعه الممتدة خارج مصر والتي وسعها هو بعد رحيل زيدان

اسم ظافر جعله لا يتردد بالرد وهو يقول "ظافر"

دخل مكتبه وظافر يقول "راكان هل انتهيت من دراسة مصنع الجيزة؟"

عبث بجهازه دون أن يجلس وقال "نعم لا أشجع على شراؤه ظافر، موقعه مهدد بالإزالة قريبا، لو شئت بحثت لك عن الأفضل"

كان ظافر يتحرك لمكتبه فتحت له نرمين ودخل وهو يقول "لا، هل سأراك الليلة؟"

جلس وقال "ربما، هل سفيان حل مشكلته؟ لم يهاتفني منذ عدة أيام؟"

نفخ ظافر وقال "لا، دار بيننا شجار خفيف وأنت بإيطاليا ولم أراه من وقتها، تلك الفتاة تأكل عقله"

جذب سيجار من نفس النوع الذي كان يدخنه جده وأشعله وهو يقول "حسنا سأهاتفه ونلتقي الليلة"

أغلق ظافر وتراجع بمقعده لحظة قبل أن يمسك هاتفه مرة أخرى ويتردد حتى حسم أمره واتصل فجاء صوت الرجل يقول "لقد حصلت على كل ما طلبت سيد ظافر"

أغمض عيونه لحظة ثم فتحها وقال "ارسل كل ما عرفته لي"

وأغلق وظل يحدق بالهاتف وهو لا يفهم ما الجنون الذي يدفعه ليفعل ذلك وما أن رن صوت رسالة حتى فتحها وتمعن بكل كلمة وصلت له 

أبعد الهاتف وظل ثابتا يفكر حتى اتخذ قراره فنهض واقفا وتحرك لخارج المكتب ونرمين تقف وتقول "موعد.."

قال دون النظر لها "الغيه"

ولم يسمع لأي كلمة منها وهو يدخل المصعد وكل ذهنه بالجنون الذي يسير به ولا شيء يوقفه عنه 

****

الشقة كانت فاخرة جدا ولكن بمكان بعيد عن الازدحام، وضع الرجل آخر حقيبة فمنحته ندى بعض المال فخرج وأغلق الباب

كل شيء فاخر ورائع ولكنها لا تجد أي متعة بما حولها، تلك العلاقة ستدمرها، هي لا تستطيع التراجع أمامه وهو لا يمنحها فرصة للتراجع ما أن يلمسها حتى تخر أمامه بلا قوة، تحبه بالتأكيد هو الحب ما يجعلها تستسلم له هكذا

قاومته ولكن بلا فائدة، بكل مرة تنهار وجسدها يستسلم له وها هي تسلمه حتى حياتها كلها وتنفذ كل ما يريده، شقة فاخرة، أموال، وهي من رفض عمل جديد فهي سعيدة بعملها

رن هاتفها فأخرجته من حقيبتها لترى اسمه، اهتز جسدها، بكل يوم منذ انتقلت هنا وهو يبقى معها ويظلان بالفراش لساعات طويلة لا يمل منها والحقيقة أنها هي الأخرى لا ترفضه..

أجابت "مرحبا سفيان"

كان يتحرك لسيارته وقال "أهلا ندى هل انتهيتِ من الحقائب؟"

جلست على المقعد القريب وقالت "نعم، أين أنت؟"

قاد السيارة وقال "لدي لقاء بعد نصف ساعة ربما أتأخر"

قالت باختناق واضح "سفيان أنا لا أشعر بالراحة"

نفخ وهو يتحرك وسط الزحام وقال "لن نكرر ذلك الجدال مرة أخرى، تناولي العشاء ولا تنتظريني مبكرا"

فتحت فمها لترد ولكنه أغلق

شعرت بالدموع تتحرر على وجنتيها وكأن جدران الدنيا مالت عليها فدفنتها بين الأنقاض ولم يعد بإمكانها النهوض والعودة لحياتها بل انتهت وضاعت بل تاهت ولم يعد هناك مهرب من سجنها الوردي

****

ظل أكرم  المنفلوطي واقفا أمام راكان الذي كان يجلس خلف مكتبه والهدوء يسيطر عليه والقوة واضحة على ملامحه حتى دق الباب ورأى سيف يقول 

"لقد وصل"

هز رأسه فابتعد سيف ليدخل رجل طويل أنيق بدا ببداية الخمسينات من الشعر الأبيض الذي غطى رأسه..

لم ينهض راكان لقد علمه جده أن هو من ينحني الجميع له ويقفون لتحيته لا هو

حياه الرجل فقال " أهلا سعد تفضل، أكرم هل تتفضل بالجلوس"

نظر الرجلان لبعضهما البعض بغضب وحقد واضح حتى قال أكرم "أعتذر يا عمدة ولكني لم أرغب بذلك اللقاء لولاك"

هتف سعد "هو نفس موقفي، لولا خوفي من غضب العمدة ما حضرت، هل تظن أني سأقبل التصالح معك بعد موافقتك على موقف ابنك"

هتف أكرم "ابن أكرم المنفلوطي لا تهينه فتاة بالشارع لابد من الاعتذار"

حدق سعد بالرجل وقال "الاعتذار عن ماذا أكرم؟ ألا تدرك ما فعله ابنك؟"

أجاب ببرود "وماذا فعل؟"

لم يعجب سعد الرد فقال "لقد وجدته ابنتي مع سكرتيرته بالمكتب بوضع فاجر، كان يخونها فهل ظننت أنها ستظل خطيبته بعد ذلك؟"

احمر وجه أكرم وهو يبعد عيونه ويقول "كل الرجال تفعل، ليس هناك من يكتفي بامرأة واحدة"

نسى الاثنان تقريبا وجود راكان وسعد يرد "وابنتي لا تقبل بذلك الوضع ولا أنا، الزواج رابط مقدس أكرم وعلى الاثنان احترام بعضهما البعض، هل تريد لابنك أن يكون خائن في حين ترغب بأن تبقى ابنتي شريفة وتقبل خيانته"

رفع أكرم صوته وهو يقول "بالطبع عليها أن تكون"

ناطحه سعد الصراخ وهما يتواجهان بغضب "ولماذا تفعل وبإمكانها إيجاد رجل مخلص وشريف؟"

دق راكان بقبضته على مكتبه وصوته بدا كالرعد وهو يقول "كفى"

انتفض الرجلان والتفتا له ووجه تبدل ولم يعد الهدوء واضحا على ملامحه بل أصبحت عيناه متوهجتان بلون أشعة الشمس الحارقة بمنتصف الصيف الحارق وزم فمه بقوة وانفتح الباب فجأة ليظهر سيف ونظرات القلق بعيونه فقال راكان 

"هل نسيتم أين أنتم يا سادة؟"

أغلق سيف الباب وشحب وجه الرجلان وهما يحدقان بوجه العمدة وقد أدرك كلاهم أنهم فقدا السيطرة، كان سعد أول من تحدث "آسف يا عمدة لم أقصد فقد السيطرة ولكنك لن تقبل بكلماته"

لم تنطفئ الشعلة من عيون راكان وهو يوجها له ويقول بنفس النبرة المخيفة "لا تضع نفسك مكاني يا سعد لأن لا أحد سيكون هنا سواي"

ارتجف الرجل وأحنى رأسه وقال "لم أقصد، أنتظر حكمك"

تحولت عيونه لأكرم وقال "هناك الكثير من الرجال تكتفي بامرأة واحدة بمجرد الزواج أكرم ولو لم يكن ابنك واحد منهم فليترك الفتاة بحالها فهي ليست مجبرة على تحمل الخيانة"

شحب وجه أكرم أكثر وقال "يا عمدة تلك الفتاة أهانت ابني فهل تريدني أن أقبل بذلك؟"

نهض راكان وتحرك ليقف أمام أكرم ونظر مباشرة بعيونه وقال "عندما يقف ويحاول إجبارها على الخضوع له بالشارع بل ويكاد يرفع يده عليها فلا أقل من وضعه على ركبتي وضرب مؤخرته لأنك لم تعلمه كيف يعامل النساء كما يجب، نهيك عن خيانته لها وهو يأبى حتى تركها تنعي جراحها ويجبرها على العودة له"

ارتجف أكرم وارتبك لسانه وهو لا يجد كلمات يرد بها فأخفض وجهه فأكمل راكان "بلغه أن يتوقف عن مطاردتها منذ الآن لأنها أصبحت تحت حمايتي ولن يكون سعيدا بمواجهتي، طالما هو يريد أن يكون شهريار فالنساء كثيرة بعيدا عن ابنة سعد هل تسمعني؟"

هز أكرم رأسه بالإيجاب وهو يردد "كما تشاء يا عمدة، سيكون لك ما أمرت به"

رد "جيد" والتفت إلى سعد وقال "لقد انتهى الأمر سعد، لتعد الأعمال كما كانت ولنخرج العلاقات الشخصية بعيدا عنها، أعد له بضاعته وخمسة بالمائة تعويض"

رد سعد بلا تردد "كما تأمر يا عمدة"

تحرك عائدا لمكتبه وقال "يمكنكم الذهاب لقد انتهينا"

تحركا خارجين عندما رأى سفيان يمر من بينهم فتوقف ولم يجلس وسفيان يتخطاهم ويقول "مكتبك لا يفرغ أبدا"

احتضن صديقه وهو يقول "العمل لا يتوقف، لم تخبرني بزيارتك هذه"

جلس الاثنان متجاورين فقال سفيان "وافي أخبرني أنكم ستلتقون الليلة"

ضاقت عيون راكان وهو يقول "لي وقت لم أراكم"

أبعد سفيان وجهه ولم يرد فنهض راكان وجذب الأكواب وزجاجة شراب وعاد ليمنح صديقه كأسا وقال "هل مللت منها؟"

عاد برأسه لراكان الذي كان يمد له الكأس وسفيان لا يراه فقط يوقف عيونه على راكان الذي دفع الكأس له وقال "لم أكن لأتركك تسقط بالفخ يا صديقي، صدقني لم أقصد التدخل"

جذب سفيان الكأس وتناول القليل قبل أن يقول "أعلم، ول، لم أمل راك ولكن الأمور تزداد تعقيدا، أنا ما زلت أرغب بها ومع ذلك لا أستطيع جعل الزواج شرعي وعلني"

كان راك يلف المشروب بالكأس ولا يشرب وهو يركز بكلمات صديقه ثم قال "هذا لأنك من داخلك تعلم أنه غير صواب، أنا فقط أندهش لأنك لم تفضل علاقة ثابتة بأي يوم فما الجديد الآن؟"

احتار سفيان، هو نفسه لا يجد إجابة لم يشعر به تجاه تلك المرأة لذا كل ما قاله هو "لا أعلم راك، كل ما أريده هو أن أكون معها وهي بين ذراعي، تمنحني شعور رائع بالإشباع"

سأله بلا تراجع "ولو أصبحت حامل؟ أنت لم تكن حريص كعادتك"

راكان يعلم كل شيء عنه بل عن كل أصحابهم، ولكن ما من مرة جرح أحد منهم بأي كلمة ودائما ما كان يبحث لهم عن حلول لمشاكلهم والآن هو يضعه أمام مشكلته الحقيقية

ماذا لو نال طفل منها؟ هو لا يريد زواج شرعي ولا يعرف السبب، فقط لم يستعد بعد لأسرة واستقرار والتزام

قال "لا أعلم، ظافر اقترح التخلص منه أو التنكر له لكني لم أجرؤ على التفكير بذلك، الحقيقة أني لا أشعر بالراحة تجاه فكرة زواج والتزام"

وضع راكان الكأس على المائدة وقال وهو ينظر لصديقه "الحقيقة أنك تجدها غير مناسبة لتكون زوجتك التي ستحمل اسمك وأم أولادك، الحقيقة أنك لا تستطيع تقديمها للحلواني لأنك تعلم أنه سيرفضها ويرفض أي علاقة بها وبالطبع قد يلوي ذراعك بالعمل"

هكذا يخترق العمدة عقول الآخرين ويرى ما بها، هو حقا فكر بكل ذلك وهو مقتنع به تماما

نهض راكان لمكتبه وقال "من الجيد أنك اشتريت لها شقة ومنحتها أموال، لنقف عند هذا الحد سفيان"

اسود وجه سفيان وما زال ينظر بالفراغ حتى رفع وجهه لصديقه الذي جذب سيجار وأشعله فقال سفيان "أنت لا ترحم"

نفخ الدخان وقال "ليست هذه مرحلة الرحمة، عليك بإدراك الهوة التي تسقط بها، الزواج العرفي فضيحة ستضرب عائلتك وتلك الفتاة قد تبدو طيبة ولكن لو سألت عنها ستعرف أنها تبحث عن الأفضل وأنت تمنحها ما تريد، لنكتفي إذن بهذا القدر وتنسحب بهدوء"

انطفأت عيون سفيان والغريب أن هذا هو ما كان يفكر به حقا ولكن تردده كان يوقف خطواته كان يرى بعيونها الضعف والحب..

قال بصوت منخفض "تصدقني لو أخبرتك أني ظننتها تحبني"

عاد راكان لمكانه أمام صديقه وما زال يدخن ثم قال "السؤال الأصح سفيان هل أنت تحبها؟ أنت أبدا لن تعرف ما بقلوب الآخرين لكنك بالتأكيد تعرف ما بقلبك"

كالعادة هو على حق..

ظل ينظر لصديقه وهو يفكر بسؤاله قبل أن يقول "لا أظن أني أحبها راكان، الانجذاب، الرغبة، هو كل ما يجذبني لها، اليوم مثلا وجدت أني لا أهتم برؤيتها وكأن ضميري ارتاح بعد أن منحتها الشقة والأموال وهي قبلت بهم، لا راكان أنا لم أقابل الحب بعد"

تراجع راكان بمقعده وقال "من الصعب العثور على الحب الحقيقي تلك الأيام سفيان لذا عليك التأني قبل الاندفاع ولن أخفي عليك، أشعر أن تلك الفتاة ستسبب لك مشاكل كثيرة لو أصبحت حامل وعليك التفكير بحل"

على قدر الراحة التي حصل عليها بإدراكه أنه لا يحبها بقدر القلق الذي ضربه مرة أخرى بسبب تلك الكلمات، ندى مختلفة وحتى الآن هي تبدي الضعف لكن لا يعلم ما قد تفعله عندما يتركها

قال وهو يتناول المشروب "لا أعلم ولكني فكرت مثلك ولم أجد أي حل سوى المال، سأمنحها الكثير كي تبتعد وتختفي أو حتى تجهض نفسها"

لم يرد راكان فتلك الأمور عندما تتعقد تحتاج للكثير كي تنحل عقدها

****

نزل ظافر من سيارته أمام المبنى الكبير الذي به المكتب السياحي، دخل المصعد الذي تحرك للأعلى ثم انفتح بالدور الخامس، اسم شركة السياحة، مي للسياحة، كان يواجه

دفع الباب الزجاجي ولاحظ ازدحام المكان ورأى مكتب الاستقبال فتحرك له، موظفة بملابس أنيقة أنهت عميل ونظرت له بابتسامة رقيقة وقالت 

"أوامرك يا فندم"

قال بهدوء "أحتاج للقاء صاحبة الشركة"

حدقت به للحظة وقالت "هل هناك موعد سابق؟"

هز رأسه بالنفي وقال "لا"

رفعت السماعة وتحدثت بصوت منخفض ثم قالت "تفضل حضرتك لغرفة السكرتارية، من هنا أول غرفة على اليمين"

هز رأسه وتحرك ليدخل الغرفة التي كانت فاخرة ككل شيء من حوله، السكرتيرة نظرت له وتحولت عيونها للإعجاب بمجرد رؤيته وابتسمت وهي تقول "أهلا يا فندم، طلبات حضرتك؟"

أخرج الكارت الخاص به ومنحه لها وقال "ظافر الحلواني، أرغب برؤية الآنسة مي"

نظرت للكارت ثم عادت له وقالت "أقرب موعد هو غدا صباحا بالتاسعة"

وضع يداه بجيوبه وقال "أرغب برؤيتها الآن"

قالت "للأسف ليست موجودة، هي رحلت لحضور مؤتمر هام للسياحة ولن تعود اليوم"

لعن بسره، كيف لم يخبره رجله بذلك، هز رأسه وقال "سأراها بالصباح إذن"

وتحرك خارجا والهدوء ينفد منه، لقد منع نفسه عنها طوال تلك الأيام ليعرف عنها كل شيء ولكنها لم تفارق خياله منذ تلك الليلة

كاد يخبر راك عنها بالهاتف ولكنه تراجع بآخر وقت، ليس هناك أي شيء بعد ولا يعلم ماذا حدث بينها وبين شاكر اللعين؟

قاد سيارته وعاد للشركة ولم يمكنه نزعها من رأسه بعيونها الغاضبة بتلك الليلة ولا قوتها في مواجهة شاكر الندل الذي خانها مع سكرتيرته

لماذا خطبها إذن طالما لا يمكنه الإخلاص لامرأته؟ 

هو لم يفكر أبدا بملاحقة أي امرأة لكن مي جعلته ينسى حتى كيف كان يوقع أي امرأة ولا يعلم لماذا شعر بقلبه ينبض بأشياء غريبة؟

ما أن دخل المكتب حتى هاتفه والده فأجاب "مرحبا بابا"

قال الأب "لم أراك على الإفطار هل لديك أشغال كثيرة؟"

تراجع بالمقعد وقال "بالتأكيد بابا العمل لا يتوقف"

رد الأب "أردتك بموضوع ما هل لديك بعض الوقت لي؟"

قال بقلق "اليوم صعب بابا"

قال الرجل "حسنا عندما تعود بالمساء سأنتظرك"

لم يفكر وهو يقول "بالتأكيد، ماذا هناك؟"

لكن الرجل قال "ليس بالهاتف ظافر، عندما تصل نتحدث سويا"

شعر بأن الأمر هام حقا فقال "حسنا بابا أرجو فقط ألا يكون هناك شيء سيء"

صوت الرجل كان هادئ ومريح وهو يقول "لا ظافر ليس بسيء ولا خطير فقط شخصي، سأنتظرك لا تتأخر"

وأغلق وعلق ذهنه بالأمر الشخصي الذي قد يريده والده من أجله

هو لم يتدخل بحياته من قبل حتى عندما خطب تلك الفتاة دليدا هو لم يعترض وعندما تركها أيضا لم يعترض فما الجديد اليوم والذي يدفعه للتدخل بذلك الشكل؟

****

ما أن دخل راكان المطعم الذي يلتقي به مع أصدقائه وبصحبته سفيان حتى بدت حركة بالمكان وبسرعة كان المدير أمامه يتبعه ويقول 

"مرحبا يا عمدة المكان جاهز كما أمرت"

هز رأسه وقال "سنتناول العشاء هنا، فقط يصل الباقين وتعرف على طلباتهم، هل الشيف الخاص بي وصل؟"

كان يتحرك للمائدة الكبيرة بمكان مخصص له والمدير يقول "نعم يا فندم وهو يعد المقبلات"

جلس راكان وسيف ظل واقفا بجواره وثلاثة رجال بينما جلس سفيان بجواره فقال "حسنا أحضر لنا قهوة مضبوطة وماء، سيف خذ مائدة لك وللرجال، لن تظل كذلك الليل كله ولا تتركهم بدون عشاء"

هز سيف رأسه وابتعد كما فعل المدير وسرعان ما اكتملت الدائرة الرباعية وظافر يجلس ويقول "هيا راكان أخبرني أنك عرفت عنها كل شيء"

مدد وافي قدميه الطويلة أمامه براحة وقال "هل تتذمر من صديقك ظافر؟"

هتف ظافر "اسكت أنت وافي تعلم ما أعني كما يعلم هو"

ضحك سفيان وقال "ستنبهر بما يعرفه، هذا لو أخبرك به"

لم تذهب ابتسامة راكان من مزاح أصحابه وقال "أنت من أبديت البطولة وليس أنا، إذن احكي أنت"

ضحك وافي وقال "كان رائع بفك منتفخ"

ضحك الرجال وجز ظافر على أسنانه وقال "تعلم أنه فاجأني"

اعترف سفيان "هذا حقيقي، لأنك كنت منبهر بالشقراء الفاتنة التي كانت بجوارك"

تعصب ظافر فتدخل راكان "هل عرفت من هي؟"

جذب بالفعل انتباه ظافر وقال "ابنة سعد مرزوق المقاول المعروف ولديها شركة سياحة وتم خطبتها لذلك الكلب منذ خمسة شهور ومن وقتها وهما بخلاف دائم، والدتها ماتت منذ خمس سنوات، سعد يعشقها وهي ابنة بارة به"

قال سفيان "لماذا وافق على ذلك الكلب؟"

رفع ظافر كفه لوجنته وحكها لحظة ثم قال "كان يلاحقها حتى جعلها ترتبط به بالإضافة للأعمال المرتبطة بين والديهم وبعدها عاد لألاعيبه مرة أخرى من خلف ظهرها حتى كشفته بذلك اليوم بمكتبه مع سكرتيرته بوضع فاضح وما عرفته أن معركتنا يوم العزاء تسببت بمشاكل بين والديهم"

رد سفيان "وإلى ماذا انتهت؟"

نظر ظافر لراكان وقال "ظننت أن راكان يعلم بالأمر، الاثنان يربطهم به علاقة عمل ثم أنه كبيرهم فبالتأكيد لديه فكرة عن الأمر"

وصل المدير ومن خلفه الرجل الذي يحمل القهوة وزجاجات المياه ووضع المدير قوائم الطعام وقال "أرجو إبلاغي باختياراتكم يا سادة"

رحل وقال راكان "سعد كاد يطيح بأكرم بالسوق لذا لجأ أكرم لي واليوم كنا نسوي المشكلة"

ضاقت عيون ظافر وقال "وماذا راكان؟"

تناول القهوة وقال "انتهت ظافر، شاكر لن يتعرض لمي مرة أخرى لأني وضعتها تحت حمايتي الخاصة وأنهيت خلاف أكرم وسعد"

هز ظافر رأسه وقال "ذهبت اليوم لرؤيتها بشركتها ولكني لم أراها"

نظر له وافي دون أن يتحرك وقال "احذر ظافر من الواضح أنها ليست فتاة لعوب"

نظر له ظافر وقال "لا أبغي اللعب وافي هي تعجبني حقا"

قال سفيان "هل سترغب بالزواج؟"

نظر لابن عمه وقال بلا أي ضغينة "أنا بالرابعة والثلاثين سفيان، الزواج لابد أن يرد على ذهني الآن إن كنت أرغب بوريث، تعلم أن الحلواني يلح بذلك الأمر"

هز سفيان رأسه وقال "وجدك أيضا يلح علي لكني لا أفكر حاليا بذلك"

سأله وافي "وندى؟"

التفت له سفيان وقال "انتهيت منها، منحتها شقة وأموال ولو وقع حمل هي حرة في أن تجهض نفسها أو تحتفظ به لشأنها"

حدق به الجميع حتى قال وافي "أنت جاد سفيان؟ هل تتخلى عن جزء منك؟"

أشاح بيده وقال "لا ولكني لست مستعد لأكون أب"

ظافر كان يحدق به وقال "لن تفعل ولكنك لن تهرب من مواجهة خطأك"

واجه ابن عمه وقال "لا ولكني لن أمنحها اسمي، أنت كنت تعارض الفكرة، عندما يكون هناك طفل وقتها سأجد حل"

هاتف راكان كالعادة لا يتوقف وعندما أخرجه رأى اسم هام فقال "سأعود"

تحرك خارجا وهو يجيب "أهلا سارة، كيف حالك؟"

أجابت أخته بغضب "ابعد رجالك عني راكان أنا لا أريد حراسة خلفي"

ابتسم وهو يخرج من المطعم للهواء البارد وسيف يتبعه كظله وقال "لم أرى تلك الشراسة عندما كنت عندك"

هتفت وهي تدخل بيتها "لم تكن لتتحمل قسوتي فأظافري حادة أخي"

كان البرد قارس ومع ذلك لم يهتم وهو يقول "أعشق جراح الأخوة فهي بلسم لأشياء أخرى، لن يرحلوا سارة"

خلعت حذائها العالي الرقبة وقالت "ليس هناك خطر يهددني راك، أنا لست زعيمة عصابة ليكون لي أعداء"

دار حول نفسه وقال "يكفي أن تكوني أختي حتى تتعرضي للخطر"

قالت "هل رأيت كم كان بابا على حق ببعدنا عنك؟"

صمت وكلماتها ضربته بالصميم، صوتها أعاده "آسفة راكان لم أقصد"

تجاوز الألم وقال "ربما كنتِ على حق، لكني لم أكن لأسمح بأن يضركم شيء لو حظيت ببعض الوقت معكم"

صمتت لحظة وهي تترك المياه تسيل على الكوب الذي امتلأ عن آخره حتى ناداها فقالت "حاسب جدك وليس بابا"

هز رأسه وكأنها تراه وقال "لديه قائمة كبيرة ولكن للأسف الموت انتزعه من الحساب"

أغلقت المياه وقالت "الجحيم يشتعل به بالتأكيد"

مرر يده بشعره الكثيف وقال "هذا لن نعرفه أبدا سارة، هل تتغاضي عن الرجال لأني لن أبعدهم، فقط من أجل أخيك"

صمتت وهي تخرج بعض الطعام من الثلاجة ثم قالت "بابا تحدث كثيرا عن أنك ترفض التنازل عما تريد فهل ستفعل ذلك معي؟"

أجاب بصبر غريب "لن أجبرك على شيء، ما زلنا نبدأ علاقتنا ولن تنهار قبل أن تبدأ، فقط يمكنك تجاوز الأمر من أجل سلامتك وسأقبل التفاوض بشيء آخر"

ضحكت وقالت "ليس لدينا شيء آخر راك أنت تتذاكى"

ابتسم وقال "بل هناك، الجامعة مثلا أو ربما قضاء بعض الوقت معي هنا"

ثبتت ضحكتها وهي تتمعن بكلماته للحظة ثم قالت "من الجيد أنك ستكون مرن معي بهم، حسنا سأمرر الرجال وأنت تمرر الآخرين"

نقط المطر جعلته يرفع رأسه للسماء وهو يقول "اتفقنا، سأحاول رؤيتك مرة أخرى قريبا وسأحب تناول طعامك"

ابتسمت وقالت "على الرحب والسعة أخي"

أغلق وسيف يقول "هل تدخل؟ المطر يشتد؟"

تحرك للداخل وقال "خاطب رجال المزرعة ، سارة تختنق منهم، ليكونوا أفضل من ذلك"

دخلا وسيف يقول "لن تصدق ما تفعله بهم لقد ألقت عليهم روث البقر"

توقف والتفت لسيف وهو يهتف "هل فعلت؟"

هز سيف رأسه فابتسم راكان وقال "فخور بأختي الجديدة"

وتحرك للداخل وسيف لا يصدق ما يقوله رئيسه حقا

                الفصل الخامس من هنا

لقراءة باقي الفصول اضغط هنا

تعليقات



<>