رواية مهرة في عرين القحطاني الفصل الخامس5بقلم اماني سيد
خرجت مهرة من مكتب عمها بخطوات هادئة، وصعدت إلى غرفتها.
ما إن أغلقت الباب خلفها حتى أسندت ظهرها إليه، وأخذت نفساً عميقاً وهي تتأمل أرجاء الغرفة في صمت.
جلست على طرف الفراش، وضغطت بيدها على جبهتها، وبدأت تعاتب نفسها بنبرة ممتلئة بالصدق .
* إيه التسرع اللي أنا فيه ده؟! ليه دايماً مستعجلة على قلبي؟ كفاية أوي السنوات اللي ضيعتها وأنا حاطة زيدان هدف قدامي وعايشة وهم إني بحبه وعايزة أرضيه... ولما يادوب بدأت أفوق من صدمة زيدان وأتخطاه، ألاقي نفسي بقع في نفس الغلط وبفكر في صفوان؟! طيب ده لو فى انى كنت اتجوز زيدان فصفوان حتى لو مش مرتبط استحالة يكون فى امل مبالك بقى لو مرتبط
هزت رأسها برفض قاطع وأكملت وهي تخاطب نفسها في المرآة بثبات:
* لا يا مهرة... صفوان راجل مرتبط، وحياته غير حياتك خالص. إنتِى مش طالعة من تجربة عشان تدوري على راجل تاني تشغلي بيه عقلك! إنتِ جاية هنا عشان نفسك أنتِ... عشان صحتك، ودراستك، وتثبتي لنفسك قبل أي حد إنك تستاهلي تعيشي وتنجحي.
تنهدت براحة حقيقية، وكأنها أزاحت جبالاً من التردد عن كتفيها، وقالت بعزيمة جديدة:
* أنا مش هفكر في أي راجل تاني... أنا هفكر في مهرة بس، هركز في سنتي الأخيرة في الجامعة، وفي تدريب الشركة، وفي صحتي. حياتي هي الأولوية دلوقتي.
ابتسمت مهرة لقرارها، وشعرت لأول مرة بسكون يدخل قلبها؛ انقذت نفسها قبل أن تنزلق في وهم جديد، وعزمت أن تكون هي مشروعها الوحيد في الفترة القادمة.
وفي تلك اللحظة، انفتح باب الغرفة وبطلّت خديجة بابتسامة عريضة وحماس يملأ وجهها. قفزت لداخل الغرفة وقالت ببهجة:
* مهرة! أبشرك.. كلمت صفوان وقالتله إنك حابة تستخدمي الجيم.
اعتلت ملامح مهرة هالة خفيفة من التوجس، لكن خديجة لم تترك لها مجالاً للتردد وأكملت ضاحكة:
* وافق طبعاً ومفيش عنده أي مشكلة، بس قاللي جملة واحدة بالحرف: "قوليلها لازم تكون عارفة التمرينات كويس وما تتقلش على نفسها في الأول عشان ما يجيلهاش تمزق او شد عضلي أو إصابة".
تنفست مهرة براحة، وارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة صادقة؛ لم تكن الجملة مجرد إذن، بل كانت نصيحة عملية خالية من أي تعقيد، تنم عن طبع صفوان الحريص والعملي في كل شيء.
قالت مهرة بحماس هادئ:
* الحمد لله، أنا أصلاً الدكتورة كاتباني على تمارين خفيفة جداً ومشي، مش هتقل على نفسي خالص.
مسكت خديجة يدها وقالت بحماس:
* طب يلا بينا دلوقتي! الجيم فاضي وهو في الشركة، تعالى أوريكي المكان والتجهيزات اللي فيه عشان تبقي عارفة كل حاجة قبل ما تبدأي.
نزلت مهرة مع خديجة إلى الجنينة الخلفية للفيلا. كانت المساحة المخصصة للجيم مبنية بأسلوب مودرن وأنيق، بواجهات زجاجية مطلة على الأشجار والورود، ومجهزة بأحدث الأجهزة الرياضية التي طُلبت بعناية فائقة.
دخلت مهرة وتأملت المكان بالنظام والدقة التي تفوح منه، وكأن طبع صفوان ينعكس حتى في ترتيب أوزانه وأجهزته. وقفت أمام جهاز المشي وابتسمت لنفسها؛ كانت هذه المساحة الهادئة بوابتها الحقيقية للاهتمام بصحتها وبدء فصل جديد تفرضه هي بقواعدها الخاصة.
وقالت لخديجة وهي تتأمل المكان بامتنان:
* المكان تحفة يا خديجة.. وبجد متحمسة أبدأ من بكرة.
مرّ شهرٌ كاملٌ ... شهرٌ كان بمثابة مرحلة إعادة بناء شاملة لحياة مهرة.
مع بداية دراستها في السنة الأخيرة بكلية إدارة الأعمال، استطاعت تنظيم وقتها بذكاء ؛ كانت محاضراتها مكثفة ومقسّمة على ثلاثة أيام فقط في الأسبوع. انتظمت في الحضور، واستعادت شغفها الذهني، كونت صداقات بسهوله فكان الوقت يمر بمرح ولم تشعر به فى الجامعه
. التزمت مهرة بدقة متناهية بعلاج الغدة الدرقية، والنظام الغذائي المتوازن الذي وضعته لها الطبيبة، إلى جانب ممارستها للمشي والمشغولات الرياضية الخفيفة في جيم الفيلا في الأوقات التي كان فيها صفوان غائباً في عمله.
خلال هذا الشهر، بدأ جسدها يستجيب للعلاج ببطء وهدوء؛ لم تكن خسارة الوزن ملحوظة بصورة صارخة للجميع، لكن مهرة كانت تشعر بالتغيير في تفاصيل صغيرة؛ خفة في حركتها، نوم أفضل، وملابسها الواسعة التي أصبحت تنسدِل عليها بمرونة أكثر ونعومة، مع نضارة واضحة أضاءت ملامح وجهها.
وفور انتهاء الشهر الأول والتأكد التام من استقرار مواعيد المحاضرات والامتحانات، قررت مهرة أن الوقت قد حان للخطوة التالية.
طبقت ورقة مواعيدها، وصعدت إلى مكتب عمها جاسر في الفيلا، وأخبرته بثبات وابتسامة واثقة:
عمي... أنا ظبطت مواعيد الجامعة خلاص، وجاهزة أبدأ التدريب في الشركة من الأسبوع ده زي ما اتكلمنا.
ابتسم العم جاسر ، واتصل فوراً بصفوان ليبلغه، ليأتي رد صفوان الحاسم كالعادة عبر الهاتف:
تمام يا بابا... خليها تجهز نفسها وخلال يومين هجهزلها كل حاجه ، وبعدها تبدأ تدريبها العملي وانا عارف هحطها فين
في تلك الليلة، وقفت مهرة أمام المرآة... لم تكن تطارد وهم الرضا في عيون رجل، بل كانت تنظر لنفسها بثقة امرأة بدأت تبني كيانها بيديها.
غداً تسير بخطوات ثابتة نحو عرين "صفوان القحطاني"... ليس كفتاة مكسورة تطلب الحماية، بل كمتدربة حازمة جاءت لتبني مستقبلها.
في مساء ذلك اليوم، بعد أن عادت مهرة من الجامعة ، كانت تجلس في غرفتها تتصفح بعض الأوراق بتوتر خفيف.
فجأة، طرقت خديجة الباب وأطلت بابتسامة:
مهرة... صفوان بره في الجنينة وطالب يقعد معاكي عايز يتكلم معاكى شويه .
انقبض صدر مهرة فوراً، وارتفعت ضربات قلبها.
