رواية احببت متسوله الفصل السابع7بقلم ملكة الروائع


رواية احببت متسوله الفصل السابع7بقلم ملكة الروائع 

​داخل زنزانة انفرادية مظلمة، كانت الأيام تمر على فرح كأنها دهور من العذاب النفسي والجسدي. جلس المحقق أمامها بملامح جامدة ونظرات ثاقبة، يقلب أوراق القضية التي تبدو أدلتها دامية وضدها تماماً.
​"اسمعي يا فرح، كل الأدلة في مسرح الجريمة تدينكِ أنتِ وحدكِ: البصمات على السكين المطابق للبصمة والملطخ بالدماء، الغرفة المغلقة من الداخل، واختفاء الجثة. أين هشام؟ وأين جثته؟ اعترفي لتخففي عن نفسكِ عقوبة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد."
​رفعت فرح وجهها الشاحب، وقد غاضت عيناها من كثرة البكاء، ووقفت بقوة وثبات رغم انكسار قلبها لتصرخ بصوت ممزوج بالقهر:
"والله ما قتلتـه! هذا حبيب عمري وزوجي، كيف أقتل من ضحي بروحيه من أجلى؟ إنها مؤامرة دبرهـا عمي المجرم سعيد ورجله بكر! افرغ ا الكاميرات، ابحثوا عن الحقيقة ولا تظلموني!"
​سجل المحقق أقوالها ببرود، بينما أُعيدت فرح إلى زنزانتها الموحشة، لتسقط على الأرض باكية، متوسلة إلى الله أن يظهر براءتها وينقذ هشامها.
​وفي ذات اللحظة، على بُعد أميال داخل مخيم مهجور وبعيد عن العمران، كان هشام يفتح عينيه ببطء وسط ظلام دامس وبرد قارس. حاول التحرك فصدمه ألم حاد في رأسه وجسده، واكتشف أنه مقيد بالحبال بإحكام شديد إلى عمود خشبي قديم داخل غرفة مظلمة ومتربة.
​كان الغضب والاحتراق يملآن قلبه؛ فهو لا يزال يعاني من آثار الحادث الأخير، والآن يجد نفسه مخطوفاً ومقيداً دون أن يعرف من هو الفاعل الحقيقي وراء هذا الكابوس. تذكر آخر لحظات قبل أن يفقد وعيه في شقته، ورائحة المخدر، ليدرك بحسرة أن عم سعيد هو العقل المدبر خلف كل هذا الشر.
​"يا حقير... إن خرجتُ من هنا لن أرحمك!" صرخ هشام بصوت مکتوم ومبحوح يتردد صداه في المكان الخالي، بينما كان يحاول بكل ما تبقى له من قوة فك القيود الحديدية والحبال السميكة التي تقيده، مشتعلاً برغبة جامحة للعودة وإنقاذ فرح من براثن التهمة التي لُفقت لها.

​دخل المحقق إلى غرفة الاستجواب الباردة، ووضع أمامه ملف القضية بينما جلس العم سعيد بكل برود وثقة زائفة، محاولاً إخفاء ارتباكه خلف ابتسامة صفراء مصطنعة.
​"أهلاً يا حضرة المحقق، أتمنى أن تكونوا قد وصلتم إلى الحقيقة. ابنة أخي فرح طائشة، وكنت دائماً أحذر هشام منها ومن أفعالها، فالمال والمشاكل بينهما لم تكن تنتهي، وللأسف يبدو أنها ارتكبت جريمتها في النهاية."
​نظر إليه المحقق بثبات وتمعن في تعابير وجهه جيداً قبل أن يوجه له الأسئلة الحادة:
يعني انت متاكد من كلامك ان فيه خلافات بين فرح وهشام
تخليها تقتله. 
كح كحه كان ريقه توقف بحلقه انا معرفشي بالظبط ياباشا البيوت اسرار. 
مسك المحقق ذقنه بتفكر وقال له انت كنت ليه في الحبس 
مش كنت متهم بتزوير اوراق واكل مال قاصر؟؟ 
يافندم دي تهمه ملفقه انا كنت بدور عليها ولم اجدها. 
ومين دلك عليها وعلي مكانها بعد ذالك؟؟!! 
يافندم ولاد الحلال اللي كنت قايلهم اوصافها. 
امضي علي اقوالك ومتسافرشي بلدك دلوقتي لما التحقيق ينتهي امرك ياباشا. 
خرج سعيد لكن المحقق كان يتفحص وجهه بكل تفاصيله. 
​ظل المحقق يقلب أوراق المحضر وصور مسرح الجريمة مراراً وتكراراً؛ فهناك حلقة مفقودة واضحة لا يمكن لعقل منطقي أن يتجاوزها. كيف لامرأة بمثل هذا الضعف والبنيان الجسدي المنهك، والتي كانت قبل أيام فقط تبكي بانهيار خوفاً على حياة زوجها، أن تقرر قتله بهذه البساطة؟ والأكثر غرابة، كيف تمكنت من إخفاء جثة رجل بكل هذا الحجم والوزن بمفردها ودون أن يراها أحد أو يلحظ لها أثر؟
​هز رأسه رافضاً الاستسلام لتلك الأدلة الجاهزة، وتمتم لنفسه بقناعة تامة:
"لا، الأمر ليس بهذه السهولة. هذه البصمات على السكين والدماء المنسوبة للمكان تبدو مثالية أكثر من اللازم، وكأنها صُممت خصيصاً لتلصق التهمة بها في أسرع وقت. هناك حلقة مفقودة في هذه القضية، وشخص آخر خفي يعبث بخيوط هذه الجريمة... ولن أستريح حتى أكتشف الحقيقة الكاملة."
​وفي الجهة الأخرى، كان هشام لا يزال يصارع قيوده داخل المخيم المهجور، مشتعلاً بالقهر والعجز، بينما كان العم سعيد يراقب من بعيد, منتظراً اللحظة الحاسمة لإكمال مخططه، غير مدرك أن فطنة المحقق قد بدأت بالفعل تفكك خيوط لعبته المكشوفة.
واصل المحقق تأمله في تفاصيل القضية، عازماً على إرسال فرق التحري لجمع كاميرات المراقبة المحيطة بالعقار والبحث عن أي غريب تردد على الشارع في تلك الليلة، متأكداً أن الأيام القادمة ستكشف وجهاً جديداً للجريمة.
​وفي تلك الأثناء، وفي قسم شرطة آخر ضمن دائرة المحافظة، كان مكتب العميد (صديق والد فرح القديم وأستاذ الفنون الجميلة الذي أودعته وصية والدها قبل وفاته) يغلي بالقلق. كان العميد قد حاول مراراً الوصول إلى فرح والاطمئنان عليها، لكنه فوجئ بالخبر الصاعق عن القبض عليها بتهمة قتل زوجها واختفاء جثته. لم يصدق أذنه؛ فهو يعرف براءة ملامحها ونقاء روحها منذ كانت طالبة لديه، وتذكر عهددَه لأبيها الرا بأن تكون ابنته في عهدته دائماً.
​قرر العميد فوراً التحرك واستغلال نفوذه ومكانته الحقوقية والأكاديمية، فتوجه مباشرة نحو مبنى النيابة العامة للحصول على تصريح بزيارة فرح في محبسها، والوقوف بجانبها كأب روحي لا يمكن أن يتخلى عنها في أشد محنها، مؤكداً لنفسه أنه لن يسمح بأن تُظلم ابنة صديقه الراحل على يد شخص حقير يعبث بمصيرها في الظلام.

وما إن وصل العميد (اسلام) إلى مبنى النيابة، حتى كان قلبه يخفق بشدة وهو يتذكر صديقه الراحل ووصيته الأخيرة بأن يحمي ابنته الوحيدة من غدر الزمان. قابل رئيس النيابة العامة، مستغلاً مكانته الاجتماعية والأكاديمية الرفيعة كعميد لكلية الفنون الجميلة وأستاذ جليل يحظى باحترام الجميع، ليقدم طلباً رسمياً بالاطلاع على ملف القضية وزيارة فرح استثنائياً في محبسها المؤقت.
​نظر إليه رئيس النيابة باحترام، ثم أذن له بالدخول إلى غرفة الزيارة الخاصة تحت إشراف المحقق الذي بدوره أبدى تعاوناً ملحوظاً، خاصة وأنه هو الآخر كان يشك في وجود حلقة مفقودة وملابسات غامضة تحيط بتلك القضية المصطنعة.
​بعد دقائق، دخلت فرح إلى الغرفة بخطى متثاقلة، وقد شحب وجهها وكسرت الدموع انكسار روحها، لكن ما إن وقعت عيناها على العميد اسلام حتى سقطت على ركبتيها من شدة البكاء، وصرخت بصوت يمزق القلب:
"يا عمي اسلام! صدقني لم أقتل هشام.. والله ما قتلته! إنها مؤامرة من عمي سعيد.. أريد زوجي، أريد أن أخرج من هذا الكابوس!"
​اقترب منها العميد بخطوات سريعة، ورفعها بحنان أبوي، وامسح دموعها بيده المرتجفة قائلاً بصوت حازم يملؤه اليقين:
"اكتفي بالبكاء يا ابنتي، وقومي واثقة. أنا أعرفك منذ كانت أصابعك الصغرى ترسم أولى لوحاتها، وأعلم يقيناً أنك أضعف من أن تقتلي نملة، فضلاً عن أن تقتلي زوجك وحبيبك. لن أترككِ وحدكِ، وسأقف بجانبك بكل ما أملك من قوة وعلاقات حتى تظهر براءتك ويظهر هشام حياً يرزق."
​ثم التفت العميد إلى المحقق الواقف بصمت يتابع الموقف، وقال بنبرة واثقة:
"حضرة المحقق، أنا أضع نفسي تحت أمر العدالة، ولكنني أؤكد لك أن الأدلة المادية في هذه الشقة قد تم العبث بها. البصمات المثالية والسكين الملقى بعناية كلها علامات واضحة تدل على البصمة الإجرامية لشخص محترف يريد الإيقاع بهذه المسكينة. أرجوكم، وسعوا دائرة البحث وافحصوا تحركات عمها (سعيد) وكل من له مصلحة في تدمير حياتها."
​استمع المحقق لكلمات العميد باهتمام بالغ، مؤكداً له أن شكوكه تطابق شكوك النيابة تماماً، وأنه لن يتم إغلاق الملف أو اتخاذ أي قرار متسرع حتى تنجلي الحقيقة كاملة.
​وفي تلك اللحظات، وفي قلب المخيم المنسي والمهجور، كان هشام يستعيد بعضاً من وعيه الكامل بعد أن خف تأثير المخدر، محاولاً فك الحبال الغليظة التي تمزق جلده. كان يتنفس بصعوبة بالغة، وعيناه تشتعلان غضباً وشراراً وهو يتوعد بصوت همس به بحرقة:
"إن عدت إلى بيتي سالماً يا سعيد، فلن أبقي لك أثراً على هذه الأرض جزاء ما فعلته بي وبفرح."
​تبدلت خطوط المعركة وتداخلت الخيوط؛ فبينما تقف فرح خلف أسوار السجن تحمينيها دعوات الأب الروحي وفطنة محقق يبحث عن الحقيقة، يقبع هشام سجيناً في الظلام، بينما يظن العم سعيد أنه قد أحكم لعبته الشيطانية للأبد. فمن سيكشف الحقيقة أولاً؟ وما الذي تخبئه الأيام القادمة من مفاجآت صادمة؟
​هذا ما ستكشفه تفاصيل الفصل القادم...

                الفصل الثامن من هنا
تعليقات



<>