
حفل
الحفل كان رائعا وعلى أعلى مستوى، محمد وياسمين زوجته كانوا بالطبع موجودين من أول اليوم، مليكة تألقت بفستان أحمر جريء لكن غير مفتوح وإلا لكان والدها الذي عاد بالأمس فقط هو ووالدتها من رحلتهم منعها من حضور الحفل..
ظافر وسفيان تألقا بملابسهم الرسمية الأنيقة جدا من أفخم دور الأزياء بفرنسا، ميرفت كانت تصنع الكثير بنفسها ولم تهتم بسنوات عمرها الخمسين بل بدت بالثلاثينات
نظر سفيان لظافر وقال "وافي وراكان تأخرا"
نظرات ظافر كانت تبحث عن شيء آخر ولم ينتبه لسفيان الذي قال "ظافر ماذا بك؟"
لم ينظر له وهو يقول "لا شيء، لا تنسى أنهم وصلوا بالأمس أي يحتاجون وقت للتجهيز"
هتف سفيان "أي تجهيز ظافر؟ لا راكان ولا وافي ينقصهم الملابس"
تبدلت ملامح ظافر فجأة للراحة وابتسم فتبع سفيان نظراته تجاه الباب ثم هتف "إنها هي، ابنة مرزوق أليس كذلك؟ أنت من دعاها؟"
تابعها وهي تتقدم بفستان ذهبي رائع يسقط حتى يغطي قدماها والحذاء العالي، أكتاف متساقطة على ذراعيها بشكل فاتن، خصلات ملتوية تسقط على وجهها وباقي شعرها كان تاج على رأسها..
ركزه سفيان فقال "نعم"
وتركه وتحرك تجاها هي ووالدها، عيونها أيضا كانت تبحث عنه وابتهج وجهها لرؤيته وابتسامة رقيقة تعلو شفتيها البنية وهو يقول "مرحبا سيد مرزوق، مرحبا آنسة مي"
كان والده معهم فقال "ابني الكبير ظافر والمسؤول عن كل شيء"
ابتسم الرجل لظافر وقال "بالطبع أعرفه، هو من رجال الأعمال الناجحين رغم صغر سنه، تبدو وكأنك تعرف مي ابنتي"
لم يفارق عيونها وهو يقول "سبق وتعارفنا بشركتها طلبت منها خدمة لوالدتي ولم تتأخر"
ضحك الرجل وقال "ابنتي تجيد عملها جيدا، هي حتى ترفض تدخلي به"
نظر للرجل وقال "أظن أنها ليست بحاجة لتدخلك يا فندم فهي تجيد عملها كما قلت"
تورد وجهها ولحظات وظهر وافي وليان فلم يستطع البقاء دون تحية صديقه فقال "اسمحوا لي"
تحرك ونظراتها تتبعه واحتضن وافي وهو يقول "افتقدتك يا رجل كيف حالك؟"
احتضنه وافي هو الآخر وقال "وأنا أيضا يا صديقي، بخير، حفل رائع بالطبع"
ضحك ظافر ونظر لليان التي بدت متألقة بفستانها الأسود اللامع بخيوط فضية وقد أصرت عليه رغم اعتراض وافي لكنها لم تتخلى عن الأسود بعد
حياها ظافر وقال "تبدين جميلة جدا ليان، هل كانت رحلة موفقة؟"
قالت بهدوئها المعتاد وخجلها الواضح "جدا، إيطاليا جميلة، وافي أخذني لأماكن كثيرة ومزرعة رائد رائعة"
صدق ظافر "بلى هي كذلك، أين راكان؟"
ظهر سفيان واحتضن وافي هو الآخر وقال "تبدو بحالة رائعة، إيطاليا ونساء إيطاليا"
ضحك وافي وقال "النساء لك وجمال المدينة لي سفيان، هل حاتم قادم؟"
ضحك سفيان وقال "أظن ذلك، من المطار إلى هنا كما أخبرني"
ضجة واضحة بالخارج جعلته يقول "أظن أنه وصل، الصحافة ستقتله بالخارج"
نظرت ليان لوافي باستفهام فقال وسفيان يتحرك للخارج "حاتم الحلواني، الممثل ألم تسمعي عنه؟"
اتسعت عيونها وهتفت "أنت جاد؟ حاتم صاحب فيلم...؟ هو"
ولم تكمل فقال "بشحمه ولحمه، أخو سفيان وابن عم ظافر بالطبع"
ضحك ظافر وقال "للأسف"
ضحك وافي وهو يرى سفيان يدخل برفقة حاتم الذي كان فتى الشاشة حقا بوسامته التي أخذت قلوب العذارى، وقد تألق مؤخرا بأفلام الأكشن مرة والرومانسية مرة، مما جن الجمهور من الشباب به وها هو يصحب خلفه معجبات لا يعلم من أين وصلوا
كان يبتسم بشعره الاسود الناعم ووجه الأبيض وعيونه الزرقاء وهو يذكر الكثيرين بالفنان الكبير حسين فهمي بوسامته وجاذبيته الرائعة
وأخيرا جذب سفيان أخيه لجده وعلاقتهم لم تكن جيدة بأي يوم ومع ذلك سفيان كان يحاول معه
تبعهم ظافر ووافي وليان لتحية الجد الذي كان يجلس على مقعد فاخر وكثيرين يلتفون حوله، رحب الجد بهم جميعا وتعارف حاتم على ليان وهي لا تصدق أنها تراه بالحقيقة وظلت بالخلف وخجلها يجعلها تختفي عن الأضواء
ظافر اختفى مرة أخرى وسرعان ما عثر سفيان على امرأة فاتنة وعلق معها بينما قال وافي لليان "يبدو عليكِ الدهشة ألم يصحبك شريف لأي حفل من حفلاته؟"
قالت بصدق وبراءة "بابا لم يعتد حضور الكثير من تلك الحفلات، وبالسنوات الأخيرة قبل وفاة ماما كان يعتذر عنها رغم اعتراض ماما الدائم"
لم يرد وافي وبدا أنه لم يعد يعرف والده الراحل
تحرك ظافر تجاه مي، وقد ظل يراقبها حتى انفردت وحدها بعيدا عن والدها فوصل لها وقال "أعجبك الحفل؟"
عيونها العسلية لمعت بنظرة وجهتها له وهي تقول "بفقرة حاتم الحلواني؟ مفاجأة حقيقية"
كان يريد البقاء الليل كله ينظر فقط بعيونها الفاتنة وقال "الاسم واضح، ألستِ من معجبيه؟"
نظرت لحاتم الذي التف حوله حشد من المعجبات منهم مليكة أخت ظافر وقالت "أنا لا أحب الشهرة والمشاهير، لا أحب أن تكون حياتي على الملأ"
هز رأسه بالموافقة وقال "معك حق، هي لعنة أن تعيشي وأنتِ تدركين أن هناك عيون تراقبك وتتلهف لخطأ كي تجعل منكِ عشاء شهي للميديا"
ضحكت وقالت "أنت غاضب منهم بالفعل؟"
أبعد وجهه وقال "هل تمزحين؟ لقد صنعوا مني زئر نساء"
سألته برقة أخذته لعنان السماء "ألست كذلك؟"
حدق بعيونها التي تواجهه وهو يدرك أنها تعرف عنه كل شيء وبخاصة ما يقال عنه وعن علاقاته ولم يمكنه أن ينكر فقال "كنت"
ظلت صامتة وهي تراقب ملامحه فعاد وقال "أعلم أن كلماتي محل شك لديك لكنها الحقيقة، المتعة والعبث هم بحياة العازب منا حتى يجد المرأة التي تستحق أن يكون لها وحدها،من وعندما يجدها يسجن نفسه بنفسه بمحراب الرهبنة كي يثبت إخلاصه لها وحدها"
تورد وجهها وتعرقت يداها ومع ذلك أبدت القوة وهي تقول "وأنت الآن بأي مرحلة، العابث اللاهي أم الراهب المخلص؟"
فتح فمه ليجيب عندما قاطعه صوت كريه يقول "كنت تنزعها مني لتأخذها لنفسك يا حلواني؟"
التفتت عيونهم لوجه شاكر الذي كان يتحرك تجاههم ووقف أمامهم وبيده كأس وابتسامة باردة على وجهه وبسرعة ارتسم الغضب على وجه مي التي قالت بغضب "من الذي انتزعني منك شاكر؟ هل نسيت سبب خروجك من حياتي؟"
حدق بها وقال "وحاولت طلب السماح من الأميرة يوم العزاء ولكنه وقف بيننا كي يأخذك لنفسه"
لفت وجهها لظافر للحظة ثم عادت لشاكر وقالت "عن ماذا تتحدث؟ ما دخل ظافر بما حدث بيوم العزاء؟"
نظر لظافر وقال "ألم تخبرها؟"
حدقت به بغضب وقالت "يخبرني بماذا شاكر؟"
قال ظافر بغضب واضح "بأنه كان نذل وجبان وأراد غصبك على الذهاب معه"
التفتت لظافر ونظراتها تختلط بالغضب "وكيف عرفت بذلك ظافر؟"
هتف شاكر بسخرية "لا تخبريني أنكِ لم تتعرفي عليه؟ هو الذي وقف بيننا بتلك الليلة ورسم أمامك أنه الفارس الذي أنقذ الأميرة من الثعلب الماكر ثم لف حولك ليأخذك لنفسه، ألا تعرفين ما يقال عنه وعن علاقاته؟"
عادت لظافر وقالت "هل ما قاله حقيقي؟"
رد ظافر بحزم "بالطبع لا، أنا وجدت رجل يضايق امرأة فتدخلت بلا أي هدف"
رجعت بذاكرتها لتلك الليلة ولكنها حقا لم تذكر ملامحه فقد كان الظلام شديد والدموع غطت عيونها وشاكر أخذ انتباهها كله، هل ظافر خدعها وكذب عليها من أنه لم يعرفها يوم فادي وإنما منذ تلك الليلة؟
التفتت لظافر وقالت "كنت تعرفني وقتها وأردت أن تغويني مثله تمام"
هتف ظافر "لا، بالتأكيد لا، مي اسمعيني.."
قاطعته وهي تقول "كفى، كلكم كاذبين ومخادعين"
وتحركت دون انتظار أحد لخارج القصر وظافر كاد يتبعها لكن شاكر وقف أمامه وقال "لن أتركك تهنأ بها"
قبض ظافر أصابعه بقوة وهتف "ابتعد عن طريقي شاكر وإلا أقسم أن أجعلك عبرة"
سفيان ظهر فجأة وهو يقول "ظافر ماذا حدث؟"
كانت النظرات ملتهبة بين الرجلين تكاد تحرقهم وظافر يقول "ابعده عن طريقي وإلا سأقتله"
رفع سفيان وجهه لشاكر الذي لم ينظر له وقال "هي تدرك الآن من أنت وغرضك منها ولديها الحرية بالاختيار"
ثم تحرك مبتعدا فتحرك ظافر ليلحق بها عندما سد راكان باب القصر برجاله وسارة أخته بجواره تتألق بفستان ذهبي اختاره لها بعد جدال مميت نفذت فيه أوامره بالنهاية
سيف وقف خلفه وثلاث رجال آخرين، بالطبع لم يستطع ظافر تجاوز صديقه الذي أثار حضوره همهمة بين الحضور واتجهت الأنظار كلها له ولكنه منح صديقه كل اهتمامه وهو يرحب به ثم قال
"سارة أختي، ظافر صديقي"
رحب ظافر بهم بصدق وسمع سفيان من خلفه يهتف "وأخيرا العمدة، مرحي يا رجل لا تخبرني أنك تصحب امرأة معك"
ابتسم راكان وقال "هل تعرف عني ذلك؟"
احتضنه سفيان وقال "أتمنى لو أعرف عنك ذلك؟ افتقدتك"
ربت على ظهر صديقه وقال "وأنا أيضا، كل عام والعجوز بخير"
ابتعد وسفيان يضحك ويقول "هو فخور بأعوامه السبعين"
رد راكان "حقه، أختي سارة"
تراجع سفيان وهتف "حقا!؟ كيف أقنعتها بالحضور، أهلا سارة"
ابتسمت له فقال راكان "هي تتعثر بالعربية وهو زئر نساء لا تمنحيه نظرة واحدة"
ضحك سفيان ووافي ينضم لهم ويرحب بسارة بعيون تأكلها ولكن سارة كانت تحدق بحاتم ومالت تجاه راكان وسألته "هل هو الممثل المعروف؟"
رفع نظراته لحاتم الذي ما زال يحظى باهتمام المعجبات وقال "نعم هو، ابن عم ظافر وأخو سفيان"
بنفس اللحظة التي تحرك فيها حاتم لهم وهو يقول "العمدة ، كما أنت لا تتغير أبدا"
رحب راكان به على مضض وقال "كما هو أنت فقط تتبدل بالأفلام"
ابتسم حاتم وقال "تمنحني انطلاقة فريدة راك، أراك تصحب امرأة هل تبدل شيء ولم أعرفه؟ ذوقك رائع يا رجل"
تورد وجه سارة وقد فهمت كلماته بينما تراجع وافي وكأنه يختفي خلف الستائر بينما قال راكان "هي سارة أختي حاتم، تتعثر بالعربية فقد عاشت بإيطاليا"
تحرك حاتم لسارة ورفع يدها لفمه وعيونه تأسر عيونها الزيتونية وقال بالإيطالية "مرحبا سنيوريتا"
ابتسمت بإعجاب شديد له ولعيونه التي خطفتها، وسيم أكثر من صورته بالأفلام وقلبها رحل بلا عودة وهي تقول بلغتها الأم "مرحبا سنيور حاتم، من الرائع رؤيتك حقا"
نظر حاتم لراكان وقال "هل تسمح لي بخطف العصفورة راك؟"
ضاقت عيون راكان ورمق وافي بنظرة لم يلاحظها الأخير ثم عاد لحاتم وقال "إلى أين؟"
قال حاتم بحماس "الرقص، الغناء، كل شيء راك الحفل للمتعة يا صديقي"
نظر لأخته ورأى نظرتها لحاتم وكأنها كانت مفتونة به فلم يعترض وحاتم يتراجع بحركة مسرحية ليسمح لها بأن تتقدم وهي لم تفكر وهو يتحرك بجوارها بينما قال راكان لسفيان بنبرة تحذير ليحذر أخيه بالتبعية "سفيان سارة ليست للعبث"
هز سفيان رأسه وقال "هو ليس بمجنون ليعبث مع أختك"
تحرك رجل معروف تجاههم وقال "العمدة بنفسه، مرحبا"
رفع راكان وجهه للرجل وقال "مرحبا"
تراجع سفيان للمرأة التي علق معها واختفى وافي وظافر بينما قال الرجل "تخطيت المحظور بمشروعك الجديد"
ضاقت عيون راكان وظل صامتا بلا رد والرجل يقول "لا تظن أن الأخبار لا تصل لي فأنا أعرف كل شيء حتى عنك"
كان لابد أن يجيب وغرور الرجل معروف للجميع، منصبه جعله يظن أنه فوق البشر فقال "وماذا أيضا تعرفه عني؟"
ابتسم الرجل وقال "أعرف أن مشروعك تم وقفه ولم يمر من اللجنة ولن يمر"
لم تتبدل ملامح راكان كالعادة وارتدى الوجه الثلجي وهو يقول "لأنك تنتظر زيارتي وعروضي الخاصة؟"
شحب وجه الرجل وهو يعتدل ويقول "أنا، لا، أنت لا تقصد، أنت لن تفعل أصلا"
مال راكان تجاهه وقال "أنا بالفعل لن أفعل هل تعلم لماذا؟ لأن المشروع تم الموافقة عليه بالفعل صباح اليوم وعندما تعود بيتك اليوم صلي ركعتين واحمد الله أني تركتك رغم فعلتك، وتذكر أن العمدة يمرر واحدة فقط وأنت نلتها"
واعتدل راكان ونظر بوجه الرجل الشاحب عندما رأى أكرم المنفلوطي يتحرك تجاهه فلم ينظر للرجل مرة أخرى واندمج مع الموجودين
ما أن خرج ظافر من القصر حتى هاتفها ولكنها لم تجيب، كرر الاتصال مرة أخرى فلم تجيب أيضا، فأرسل رسالة "مي لابد أن تسمعيني، لن تصدقي ذلك الكلب ولا تصدقيني، مي ردي على اتصالي أرجوك"
ولكنها ألقت الهاتف على المقعد المجاور لها وهي تقود بطريق العودة للبيت والدموع تحرق عيونها، ربما بالغت بما فعلت، ربما شاكر كاذب وظافر ليس بالسوء الذي أظهر لكن من أين لها بالثقة به وهي لا تملك أي مقومات للثقة بالرجال، لن تقبل بعلاقة الآن، ليس وقلبها ما زال يتألم ويخاف من كل رجل يطرق بابه، ليس وذلك الجبان شاكر ما زال يطاردها وينغص عليها عيشتها، لا هو ولا ظافر ولا أي رجل
****
المنفلوطي كان يتملق راكان كعادته ولكن العمدة كان طويل البال لم ينغلق أمام أحد، تَعلم أن يكون الجميع بصفه أما الأعداء فهم يفكرون كثيرا قبل الخروج من مخبأهم لمهاجمته، انضم شاكر لوالده وقال "كنت أتمنى دائما لقائك راكان"
نظر والده له بحدة وركزه بذراعه وهو يقول "العمدة يترك بابه للجميع شاكر"
لم تتبدل ملامح شاكر وهو يقول "منعتني من مي وتركتها لصديقك هل هذا عدل؟"
ملامح راكان الجامدة تربك خصمه تجعله لا يفهم مصير ما قاله لديه لذا قال "منعتك من مي لأنك تطاولت عليها بخيانتك لها وبوقوفك بطريقها رغما عنها شاكر وهي حرة بعد ذلك باختيارها"
تدخل المنفلوطي "شاكر لا يقصد شيء يا عمدة"
قاطعه شاكر "بل أقصد وهو يعلم أن ظافر يطاردها كعادته مع النساء فهل ستتركه يتطاول عليها والجميع يعلم علاقاته مع النساء؟"
نظرات راكان كانت كالعادة حادة كنصل السكين وهو يواجه شاكر قائلا "أنت لا تريد أن تفهم شاكر، أنا منعتك أنت من مي لتطاولك عليها ولطلب والدها ذلك مني ولكني لست الوصي عليها بباقي حياتها بل أعتقد أنها لن تقبل بتدخلي باختيارها لو فعلت وهي حرة بقبولها بظافر من عدمه وأظن أيضا أن الأمر لم يعد من شأنك"
هتف شاكر بلا تفكير "بل من شأني راكان وأنا لن أتراجع عنها، لن ترفسني فتاة مثلها هكذا أنا فقط من يترك امرأة وليس هي"
رفع راكان وجهه بنظرة قاتلة بينما هتف المنفلوطي "شاكر هل جننت؟ أنا آسف يا عمدة هو لا يدرك ما يقول"
ولكن شاكر لم يتراجع وهو يقول "لا، اصمت أنت ولا دخل لك بحياتي أنا لن أتراجع عما قلت وافعل ما شئت راكان"
وتحرك مبتعدا وراكان ما زال ثابتا بمكانه ولم ينظر حتى له بينما هتف الأب بفزع "أنا آسف يا كبير، أرجوك اقبل أسفي هو لا يدرك ما فعله، تعلم أنه شاب طائش ولا يدرك الخطأ من الصواب"
حدق راكان بالرجل ثم قال بهدوء "اهدأ يا رجل أنا لن أخرج مسدسي لأقتله فأنا لست كذلك"
نظرات الرجل كانت فزعة وهو يحدق براكان ثم قال بارتباك "وماذا يا عمدة؟ هل تغفر له؟"
ابتسامة قصيرة على شفاه راكان ظهرت قبل أن يقول "شاكر يرى أني لا أعرف الغفران فدعنا نتعامل كما يرى كلانا الآخر"
والتفت ليرى نظرات الرجال تتحرك للباب فلف رأسه ليرى فستان فضي يلمح كقمر وسط سماء مظلمة، قوام طويل رشيق يختفي تحته، فتحه جانبية لو خطت ستظهر ساقها كلها، من الأعلى ظهر صدرها الأبيض برقبة طويلة وجه طويل ونحيف لكن فاتن بعيون خضراء نابضة بالحياة برموش سوداء طويلة مزينة، شعرها بلون ما بين الأصفر والبني ولكن بدا أنه ليس لونه الحقيقي كان مصفف بطريقة صارخة وبدا أن صاحبته تعرف جمالها جيدا
تجولت عيونها على الجميع كما فعلوا هم أيضا، عادت نظراته للمنفلوطي فرآه محدقا بها أيضا فأدرك ما يحدث للرجل فالتفت ليجد سيف حيث فهم نظراته وراكان يقول "أريده معتذرا عما فعل"
تحرك سيف بجواره وقال "ماذا تأمر؟"
كان يتحرك لوافي الذي كان واقفا بعيدا ونظراته على سارة التي كانت تقف مع حاتم وهو لم يتركها وبدت مناقشتهم مرحة، قال "سأخبرك عندما ننتهي من هنا، فقط أريد أخباره"
كان سفيان أول من تحرك للفاتنة التي ظهرت على الباب وظهر بجوارها شاب بنفس عمر سفيان وظافر، أكبر أو أصغر بعام أو اثنين، ابتسامة فاتنة ارتسمت على عيون المرأة لسفيان الذي قال "لم أصدق أنكِ عدتِ، كيف حالك تمارا؟ أهلا ياسر"
أصابعها الرفيعة استقرت بين قبضة سفيان وعيونه الجميلة تسقط عليها وهو لا يصدق أنها الفتاة التي كانت تلعب معه منذ سنوات، ابنة الجيران، كانوا يلتقون بالعزبة ويلعبون وظافر ومليكة وأخيها ياسر، حتى حاتم كان يلعب رغم صغره ولكن منذ سنوات رحلت لأمريكا للعمل مع شركة أجنبية كمصممة أزياء، ظلت هناك ولكنها كانت تأتي للزيارة
صوتها الرقيق أجاب "كيف حالك سفيان؟ تغيرت كثيرا"
ترك يدها ليد ياسر وقال "سعيد بوجودك ياسر، وهل التغيير للأفضل أم الأسوأ تمارا؟"
عادت لعيونه وقالت "للأفضل بالطبع، تبدو وسيما جدا وجسدك تبدل، لو كنت بأمريكا لطاردتك دور الأزياء"
ضحك سفيان وتحرك معهم للداخل بينما قال ياسر "المكان كما هو سفيان، أين حاتم وظافر وعمي محمد؟"
كان سفيان يتحرك بجوارهم وقال "ظافر بمكان ما وحاتم هناك وعمي بجوار جدي"
وصلوا للجد، وبالفعل وجدوا الجميع حوله، التهنئة والتحيات دارت بينهم وجذب سفيان الفتاة له كعادته مع امرأة جميلة لكن إعجابه بها كان واضح، بالصغر لم تكن جميلة هكذا بأسنان احتاجت للتقويم، نظارة على العيون تخفي جمالها، قصيرة وسمينة ولكن عندما رحل لأروبا للدراسة لم يعد يراها وكلا منهم رحل لعالمه لكن قبل سفرها بأعوام قليلة تقابلوا ولكنها لم تكن بهذا الجمال
كانت تتحدث معه عندما توقفت عيونها بمكان وصمتت ولم تجيبه فلف وجهه ليراها تحدق براكان الذي كان يتحدث بجدية مع سارة، عاد لتمارا وقال جاذبا إياها له بقليل من الضيق "تمارا أين ذهبتِ؟"
عادت له وقالت "ماذا؟ آسفة سفيان لم أسمعك"
ضاقت عيونه وهو يحاول قمع غضبه وقال "أسألك هل تزوجتِ؟"
عادت عيونها لراكان وقالت "لا، العمل لا يمنحني أي وقت للعلاقات وهناك المصريين يلتقون للعمل لكن لا وقت للزواج"
صمت ووالدته تدعو الجميع لإطفاء الشموع وتحركوا لمكان كعكة عيد الميلاد وتم الأمر والجد كان يحاول التأقلم مع الجميع وإن كان صامتا بشكل غريب
ظافر كان غاضبا وتمنى لو لكم شاكر بأنفه الطويل هذا والذي دسه بعلاقته بمي ورفع الكأس لفمه عندما قال راكان "ماذا فعل بك حتى ترمقه بتلك النظرات الحارقة ويتحداني بسببك؟"
لف وجهه لراكان بدهشة وقال مرددا "يتحداك؟ تقصد أن ذلك الكلب الجبان تحداك أنت؟"
ابتسم راكان بهدوء وقال "وما المانع ظافر؟ بالنسبة له أنا شخص عادي يقف بينه وبين مي وأني أبعدته عنها لأفسح لك الطريق كصديقي"
غضب ظافر وقال "يقلل منك كثيرا راكان ومنها هي أيضا ولكن لا يمنع ذلك من أنها تأثرت بما فعل"
تناول راكان العصير الذي بيده وقال "إذن هي لا تثق بك؟"
هز ظافر رأسه وقال "نعم"
قال راكان "هي ما زالت متأثرة بما فعله بها شاكر فامنحها بعض الوقت ولا تيأس، المرأة تحتاج لأن تشعر باهتمام الرجل بها أكثر من اهتمامه حتى بنفسه ولا تنسى أنك لا تقل عن شاكر بسمعته مع النساء مما يجعلها تصدق أي شيء عليك"
لف نظراته لراكان وقال "تتحدث مثلها ولكني جاد معها راك، أنا منذ رأيتها وتقريبا لم أعرف امرأة أخرى، لقد سيطرت على كل تفكيري أنا حقا أريد علاقة جادة"
هز راكان رأسه وقال "وأنا أصدقك وهي فتاة جيدة وتستحق صبرك وطول بالك عليها"
صوت رقيق قاطعهم "راكان زيدان"
لف وجهه لتلك الفاتنة التي جذبت عيون الجميع لها إلا هو وظافر ووجدها تنظر له ثم لفت وجهها لظافر وقالت "كيف حالك ظافر؟"
كان ظافر بحالة لا تسمح له بالحديث المنمق الآن فقال "أهلا تمارا متى عدت؟"
قالت "منذ شهر تقريبا، الشركة افتتحت فرع هنا وأنا أديره حاليا، كيف حالك راكان؟"
عادت له بينما انسحب ظافر بلا رغبة بالبقاء وراكان يرد "بخير، عود حميد تمارا"
ابتسمت وقالت "ظننتك لا تذكرني"
وضع كوب العصير الفارغ بالصينية التي يحملها الرجل الذي مر بجواره وقال "أنا لا أنس أحد مر بحياتي تمارا حتى ولو كان مرة واحدة"
ذهبت ابتسامتها وقالت "بل أكثر راكان، هناك مرة كانت بأمريكا بذلك الحفل"
ابتسم وقال "لا تُذكر عزيزتي، كنت مشغولة على ما أذكر ولم نتبادل أي حوار"
غضب اشتعل داخلها، الرجل الوحيد الذي لا يتأثر بجمالها ولا ينظر لها حتى نظرة إعجاب بل يراها وكأنها لا شيء ومع ذلك هي لم ترى مثله، كل رجل كانت تقارنه به وتجد أنه لا يقارن، قالت من بين أسنانها "أنت أيضا كنت مشغول، أولئك الرجال من حولك والجميع يبدو عليه الجدية ولا يسمح لأحد بالدخول بينكم"
كان يذكر تلك الليلة ويذكر نظراتها له ومع ذلك هي لا تعني له أي شيء، كل ذلك الجمال لا يثير به أي شيء، المرأة لا مكان لها بحياته وهو لا يظن أنه سيتزوج بأي يوم، قال بهدوء "العمل لا يتحمل مزاح عزيزتي، هل عملك هنا أفضل؟"
لمعت عيونها وقالت "لا، ليس هناك أفضل من أمريكا لكن بابا أصبح مسن وبعد رحيل ماما، كان لابد من رعايته وأنت تعلم أن ياسر لا يبقى كثيرا عمله بالجيش يقيده"
هز رأسه وقال "هذا يعني بقائك هنا؟"
تمنت لو ترى نظرة سعادة بعيونه لوجودها ولكن تلك البلورة العسلية ما زالت باردة لا تمنح أي مشاعر وهي تقول "نعم، أليس ذلك أفضل؟"
هز أكتافه وقال بلا مبالاة "لا أعلم ما الأفضل لكِ تمارا هي حياتك، اسمحي لي"
وتحرك دون اهتمام بردها وهو يتحرك تجاه ليان التي وقف ياسر معها وتجهم وجهها وهو لا حظ ذلك فتوقف بجوارها وقال "مرحبا سيادة الرائد كيف حالك؟"
لف ياسر وجهه لراكان ثم رسم ابتسامة وهو يقول "أهلا يا عمدة لم أرك منذ فترة"
ارتاحت ملامح ليان بينما قال راك "أنت لا تظهر كثيرا ويبدو أن الجيش يسيطر عليك"
أجاب الشاب بجدية "أنت تعلم أن وقتنا ليس ملك لنا راك"
تفهم وقال "خاصة على الحدود، سيناء تأخذ منكم الكثير"
أجاب بحرص "سمعت أنك وصلت لهناك، ذلك المنتجع الذي يتم التجهيز له"
قال راكان "ما زال تحت الدراسة ياسر الأمر ليس سهل، ليان وافي سأل عنك"
تنهدت الفتاة وقالت برقة "كنت أبحث عنه، اسمحوا لي"
وتحركت وعيون ياسر تتبعها وراكان يقول "هي خجولة"
عاد ياسر له وقال "لم أعرف وافي إلا مؤخرا ولكن لا أذكر أنه تحدث عن أخت له"
هز راكان رأسه وقال "نعم، أراك تهتم بها؟"
تجهم وجه ياسر أكثر وقال "تعلم أني لست شاب عابث راكان؟"
وافقه "أعلم ولكن بدت متجهمة وهي معك"
صمت ياسر قليلا قبل أن يقول "حسنا، كنت أسألها لو كانت مرتبطة، لن أنكر إعجابي بها"
راكان يعلم جيدا ياسر لذا قال "أحترم صراحتك وأتمنى لك الأفضل"
هز ياسر رأسه وقال "شكرا راك"
ما أن تركها راكان بذلك الشكل حتى تحرك سفيان لها وهي تتبع راكان بعيونها وقال "هو لا يفكر بالنساء، حياته للعمدية فقط"
التفتت لسفيان وتورد وجهها وارتبكت وهي تقول "ماذا؟ ما الذي تتحدث عنه سفيان؟"
مال عليها وقال وهو يشير بيده التي تمسك كأسه تجاه راكان وقال "أتحدث عن الرجل الذي يحوز على انتباهك"
لم يذهب توردها وهي غاضبة لأنها كانت مكشوفة هكذا وقالت ربما تصلح من صورتها "أنا لا أفعل فقط.."
ولم تجد ما تقوله وأدرك سفيان أن الوصول لها صعب بل والأفضل أن ينسحب كي لا يغضب من راكان ومع ذلك لم يستطع، جمالها يثيره ورغبته بها لا تتوقف ولا هو سيتوقف عن تحقيق ما يريد
أكمل بدلا عنها "فقط عليكِ إبعاد تفكيرك عنه كما فعلت الكثيرات من قبلك ممن سقطوا بالإعجاب به وأدركوا أن لا فائدة منه وتحاولين البحث عمن يقدر جمالك ويرغب بدق بابك"
تفهمت كلماته بالطبع، ثمانية وعشرين عاما صنعوا منها امرأة تعي جيدا كل ما يدور حولها وتفهم نظرات الرجال وسفيان واضح جدا أمامها وهي أيضا تعرفه جيدا وتعرف علاقاته لذا قالت "ومن الذي يدق بابي سفيان؟"
ابتسم بخبث وقال "يمكننا تناول الغداء معا غدا وأخبرك من هو الذي يقف على بابك وينتظر دون ملل"
هي لا تحب الخسارة وسفيان شخصية معروفة، وسيم وثري وسيكون سلم جيد للنجاح، الحب ليس وقته الآن ولو طرق بابها مع راكان فهي يمكنها وقفه طالما سيهين كرامتها لذا لم تعارض فتح باب آخر
الرقص بدأ مع الدي جي الراقي وتحولت الموسيقى للفالس فالتقى الكثيرين على القاعة الواسعة والتقى حاتم بسارة وهو يلفها بذراعه وقال "لم أظن يوما أن النساء الإيطاليات جميلات هكذا"
تورد وجهها وهي تحدق بوجه حاتم بعيون حالمة، هو بالفعل ممثل مصري شهير لكنه أيضا دخل بأفلام أجنبية بالفعل وأصبح ممثل عالمي وهو لم يتخطى الثلاثين بعد، قالت بسعادة "ولكنك تعاملت مع الممثلات الأجانب من المشاهير وحتى المصريات منهم وكلهن فاتنات حقا"
ضحك بمرح وقال "الممثلات لهن حياتهم الخاصة وأنا لم أفكر بهن، العمل فقط هو كل ما يربطنا"
قالت بجدية "ولكن بوقت ما نشرت الميديا قصتك مع الفنانة هيام وأنكم ارتبطتم بالفعل بعلاقة رسمية"
أبعد وجهه وقال "ارتبطنا بعلاقة عادية وظننا أننا نحب بعضنا لكن انتهى الأمر بخلافات كثيرة بيننا، خمس شهور كانت عمر علاقتنا والآن نحن مجرد زملاء عمل، ماذا عنك؟"
عاد التورد لوجهها وهي تسأله "أنا ماذا؟"
أخفض وجهه ليصل لوجهها وقال "هناك أحد بحياتك!؟ قصة حب؟ أي ارتباط بأي رجل؟"
هزت رأسه بالنفي وهي ترفع وجهها لعيونه الزرقاء الجميلة وقالت "لا، أنا فتاة ريفية لا تعرف عن العلاقات غير الرسمية شيء، بالمزرعة نمنح نفسنا للعمل، الزراعة ورعاية الماشية والخيل، هي حياة لا تمنحك وقت لشيء"
ضحك وقال "وهل يمكن لشابة رقيقة وجميلة مثلك القيام بمثل تلك الأعمال؟"
قالت بجدية "الرقة هذه لبنات المدينة حياتي تحتاج الشجاعة والقوة وأنا أعشقها"
لم تذهب ابتسامته وهو يقول "ولكن لابد أن تنالي حياتك كفتاة جميلة، عندما تتزوجين الرجل لن يريد إلا امرأة رقيقة بين يديه وأن تنسى حياة الرجال تلك"
توقفت عن الرقص وهي تقول بضيق "لا شيء يستحق أن نتنازل عن حياتنا من أجله حاتم خاصة الحياة التي نشأ عليها الشخص وأحبها"
وتركته وذهبت وهو ابتسم متابعا لها وهو يهمس "تبدين كنار تحرق من يقربها وأنا أعشق هذا النوع"
صوت مليكة جعله يلتفت لها وهي تقول "كيف نجم مثلك يقف وحيدا هكذا؟"
ابتسم لها وقال "بدا أنني فقدت رونقي يا ابنة عمي"
ضحكت وقالت "أنت لا يمكن أن تفقده حاتم تعلم يا مغرور أنك حلم كل البنات"
جذبها للرقص وهو يقول "ولكنك لا تفعلين؟"
ضحكت وقالت "ليس وأنت تراني أختك"
ضحك هو الآخر وقال "صحيح، ما أخبارك بالكلية؟ هل عثرت على شاب يدق له قلبك؟"
لم تحاول البحث عن الرجل الذي دق له قلبها فهي أدركت أنه لا يراها من الأساس خاصة وأنه لم ينظر لها الليلة لذا قالت "لا، أنا تقريبا لا أذهب للكلية لا أحبها"
قال بجدية "ولماذا تقدمت لها؟ ما الذي ترغبين به إذن؟"
قالت برغبة بأن يسمعها "بابا من أرادها ولكني أردت دراسة الموسيقى أحب العزف على الكمان"
أطلق صافرة رحلت مع الموسيقى وقال "رائع ما المانع من أن تفعلي؟"
قبل أن تجيب توقفت الموسيقى وتفرق الموجودين ثم قال ظافر بصوت واضح "أحب تقديم هدية صغيرة لجدي هي بالحقيقة ستكون من أختي الصغيرة مليكة"
تجمدت مليكة مكانها وحاتم ينظر لها وظافر يبتسم ويكمل "هي تجيد العزف على الكمان وأنا أظن أنها ترغب بمنح جدي هديتها الآن"
تحرك الخادم تجاها بالكمان الخاصة بها لينتزعها من المفاجأة وتحركت عيونها لوالدها فهز رأسه لها وقد طالبه ظافر بأن يسمح لها بأن تعزف والرجل لم يعارض على عكس ما ظن
تشجيع الجميع جعلها تخرج الكمان من علبتها ووضعتها على كتفها وأخذت نفس عميق وأغمضت عيونها كما اعتادت أن تفعل وقت العزف وخرجت من الواقع للعالم الذي ترسمه لنفسها وتتمناه ورفعت العصى وبدأت العزف وأخذت الجميع لعالم آخر ونغماتها ترتفع بهم لسماء الرومانسية والأحلام...