
في قصر المحمدي، كانت هانم بتغلي من العصبية وغيظها طاغي ومش قادره تسيطر على أعصابها بعد ما رحيم قفل في وشها وظهرت حقيقة إنه معاها.. في اللحظة دي، ندهت عليها سيدة من بره، عدله هانم ملامحها بسرعة ورسمت ابتسامة مصطنعة على وشها ودخلت لهم وهي بتقول: ـ "معلش يا حبيبتي، أتأخرت عليكِ.. بس كنت بكلم رحيم، وقال لي إن عنده شغل كتير جداً في الجامعة ومش هيقدر يلحق الغداء."
قالت سيدة بابتسامة وهي بتقوم: ـ "ما فيش مشكلة يا حبيبتي، احنا كمان طولنا ومستعجلين ولازم نمشي.. يلا يا هدى."
حاولت هانم تجاملها: ـ "لا، خليكم اتغدوا معايا الأول!" ردت سيدة وهي بتحرك راسها بالرفض: ـ "معلش، ملوش لزوم.. يلا سلام."
خرجت سيدة وبنتها هدى من القصر، وأول ما الباب اتقفل، دخلت هانم بسرعة على أوضة المحمدي وهي متعصبة جداً وبتتنفخ بغضب وقالت: – "قول لي أعمل إيه عشان أخلص من بنت الكلب ديت؟!!"
بص لها المحمدي بهدوء وقال: – "في إيه يا هانم، م مالك متعصبة كده؟!"
ردت هانم بغل وحرقة: – "ابنك اللي مجنني! طلع قاعد مع السنيورة وبيضحك عليا، وبيقول إن عنده شغل وهو أصلاً طول الفترة اللي فاتت كان عندها ومرزوع معاها، وأنا زي الأطرش في الزفة مش عارفة حاجة!"
مسك المحمدي إيديها ببطء وقال بنبرة هادية: – "اقعدي يا هانم.. انسى اللي فات كله يا هانم، وسيبي ابنك يعيش حياته مع مراته اللي بيحبها ويرتاح معاها."
قالت هانم بتصميم وحقد: – "استحاله! بنت ناديه دي تقعد هنا، أو تعيش متهنية في يوم مع ابني على جثتي!"
بص لها المحمدي بعمق وقال: – "إيه رايك يا هانم تنسي خالص إنها بنت ناديه، وتعتبريها واحدة تانية خالص مالهاش أي صلة بالماضي؟!"
عقدت هانم حواجبها باستغراب وقالت: – "قصدك إيه؟!"
تنفس المحمدي بعمق وقال بنبرة مليانة مشاعر خفية: – "أنا عارف كويس إنك متضايقة من اللي أنا عملته زمان فيكي.. بس والله العظيم كان غصب عني، ومع الوقت حبيت عشرتك وبقيت سند ليا، وكنت فرحان قوي بالعيال وبوجودك."
اتوترت هانم بشكل واضح وحست بقلبها بيدق بسرعة من كلامه اللي أول مرة يصارحها بيه، وقالت بصوت متهتج: – "قصدك إيه يا محمدي؟!"
ابتسم المحمدي بحنان مزيف وقابلها بالسياسه وقال: – "اقعدي يا هانم وأنا هفهمك كل حاجة."
وفضل يتكلم معاها باللين والسياسة والحنية الطاغية.. كل ده كان بيعمله عشان خاطر رحيم، عشان يشتت انتباهها ويمتص غضبها ويبعد شرها عن ألحان. ووسط كلامه المعسول، كانت هانم من جواها مبسوطه وحاسة بانتصار لأول مرة إن كلامه بيأثر فيها وبيطبطب على غرورها.
وفي الناحية التانية..
وصلت عربية رحيم قدام العمارة، ونزل بسرعة ودور الناحية التانية وفتح الباب لألحان، ومد إيده وشالها بحنان وهو مصمم ينزلها كده.
بصت له ألحان بعتاب وقالت بصوت خافت: – "على فكرة يا رحيم.. أنا عندي رجلين وأقدر أمشى لوحدي، مش طفللة!"
رد رحيم وهو مكمل في طريقه بيها: – "أنتِ لسه تعبانة والدكتورة محذراكي من أي مجهود، اسكتي خالص."
طلعوا على فوق ودخلوا الشقة، وحطها رحيم برفق شديد على السرير عشان ترتاح، بينما ليلى ومعتصم دخلوا وقعدوا في الصالة بره.
فضلت ألحان قاعدة على السرير، وفتحت عيونها بضيق ولفّت وشها الناحية التانية بعناد، رافضة تبص في عيونه وهي لسه شايلة منه ومن اللي عمله.
قرب رحيم ببطء، ومد إيده بحنان ودخل أصابعه بخفة تحت دقنها، ولف وشها بالراحة لناحيته عشان تبص في عيونه. قال بصوت دافئ ومبحوح: ـ "ممكن أعرف أنتِ زعلانة مني ليه دلوقتي؟! مش ده كان قرارك أنتِ، وأنتِ اللي طلبتي تمشي وتبعدي؟!"
لمعت الدموع في عيون ألحان، وقالت بصوت مكسور وهي بتعاتبه: ـ "وأنت وافقت بالسرعة دي ومن غير حتى ما تحاول تمنعني أو تقف قدامي!"
مسك إيديها الاتنين بين إيديه وضغط عليهم بقوة، وقال بنبرة صادقة مليانة وجع: ـ "بس يا هبلة.. والله العظيم أنتِ ما كنتِ تشوفي أنا كنت عامل إزاي من غيرك! أنا أسبوعين كنت عايش ميت.. في أوقات كتير كنت بسبقك وأجي أقعد تحت البيت بالعربية بالساعات، بس عشان ألمحك من بعيد وأطمن إنك كويسة!"
نزلت دمعة حارقة من عين ألحان وهي بتقول بصوت مهتز: ـ "وليه ده كله يا رحيم.. ليه سيبتني أوصل للحالة دي؟!"
قرب منها أكتر ودفن وجهه قدامها وقال بصوت عالي الصدق والحب: ـ "أنا بحبك يا ألحان.. بحبك بجنون، ومستحيل في يوم أتخيل أن واحدة ثانية تكون على اسمي غيرك.. أنتِ مراتي وحبيبتي وأم عيالي، افهمي دي كويس."
بصت له ألحان بعيون مليانة شوق ودموع الفرحة اللي أخيرًا غلبت وجعها، فقالت بصوت دافئ: ـ "بجد يا رحيم؟!"
ابتسم بحب وعيونه لمعت وهو بيشدها لحضنه بقوة، وقال بحنان: ـ "طبعا يا قلب رحيم وعمره كله."
فتحت دراعاتها وحضنته بكل قوة وكأنها بتخبي نفسها جواه، ونسيت كل زعل الدنيا في حضنه الدافي.
وبره في الصالة، كان معتصم قاعد هادئ، فوقفت ليلى وقالت برقة: ـ "أعمل لك قهوة يا معتصم؟"
مد معتصم إيده مسك إيديها برفق وقال بنبرة دافية: ـ "اقعدي يا ليلى.. عايز أتكلم معاكِ كلمتين مهمين شوية."
قعدت ليلى بسرعة على الكرسي قصاده، وقالت بصوت واطي وخافت عشان جو جوه الأوضة: ـ "تفتكر إن ألحان هتشيل فكرة السفر من دماغها دلوقتي وتقعد عشان خاطر حملها؟"
ابتسم معتصم وقال بصوت هادئ: ـ "بتوطي صوتك ليه؟! اسمعي مني.. رحيم أصلاً عارف كل خطوة بتعملها ألحان من الألف للياء، بس هو سايبها على إثرها وساكت بمزاجه."
اتصدمت ليلى وقالت بدهشة: ـ "بجد؟!"
رد معتصم بثقة: ـ "طبعاً بجد، هكذب ليه؟! هو أنتِ ناسيه إن رحيم ده راجل فاهم ودماغه تزن بلد، ده غير شغله في الجامعة.. تفتكري مراته هتعمل حاجة من وراه وهو مش دريان بيها؟ مستحيل!"
قالت ليلى وهي بتتنفس براحة: ـ "يا رب ربنا يستر ومشاكلهم تخلص على خير."
ضحك معتصم وقال بخفة: ـ "أنا أراهنك دلوقتي إنهم جوه بيتصالحوا، ورحيم واكل بعقلها حلاوة.. وأنا عارف ألحان كويس، مهما كابرت هي بتحبه وهتوافق على أي حاجة هو عايزها."
قالت ليلى بقلق وهمس: ـ "طب وامه.. تفتكر هانم هتسيبها في حالها؟!"
طمنها معتصم وقال بجدية: ـ "متخافيش، رحيم أكيد هيتصرف وهيعمل حسابه لكل خطوة عشان يحمي مراته وعياله."
تنفسيت ليلى بعمق وقالت: ـ "طب الحمد لله.."
ولسه هتقوم من مكانها عشان تسيبه، مد معتصم إيده مسك إيديها تاني بحنان وقال: ـ "رايحة فين يا ليلى؟ اقعدي.. أنا لسه بقول لك عايز أتكلم معاكِ في موضوع مهم."
بصت له ليلى بتوتر وقالت: ـ "موضوع إيه؟!"
تنفس معتصم بعمق وبص في عيونها مباشرة وقال بجرأة وصراحة: ـ "بصي يا ليلى.. أنا ما بحبش اللف والدوران الكتير.. من الآخر كده، أنا بحبك وعايز أتجوزك!"
فتحت ليلى بقها من الصدمة واتجمدت مكانها مش مصدقة اللي سمعته، فابتسم معتصم بخفة وقال بمشاكسة: ـ "إيه.. مش موافقة ولا إيه؟ عامةً براحتك خالص!"
من صدمتها وتسرعها، نطت ليلى وقالت بسرعة وهي بتبرق: ـ "لا طبعا موافقة!" وفجأة استوعبت هي قالت إيه، فكسفت جداً ووشها احمر وبقى زي الرمانة، ووطت راسها في الأرض من الخجل.
ضحك معتصم بصوت عالي على طفولتها وعفويتها وقال بحب: ـ "خلاص يا ستي.. مادام وافقتِ، تحبي أروح أتقدم لمين بقى؟"
حزنت ليلى لحظتها وافتكرت إن أهلها مش موجودين وإنها مالهاش حد يقف في ضهرها، فوطت راسها أكتر وعيونها اتملت دمع.
وفجأة.. قطع السكوت صوت رحيم وهو طالع من الأوضة وماسك إيد ألحان، وبص لهم بابتسامة دافية وقال: ـ "لليه؟ أومال أنا رحت فين؟! أنا اخوها الكبير، وانا اللي هتطلب ايدها منه!"
رفعت ليلى راسها بسرعة، ولمعت عيونها بدموع الفرحة والامتنان لرحيم اللي حسسها إنها مش لوحدها أبداً.
وفي نفس اللحظة، جريت ألحان ناحيتها بفرحة طاغية وحضنتها بقوة وهي بتقول بسعادة: ـ "مبروك يا حبيبتي.. مبروك يا مرات أخويا!"
ضحكت ليلى وسط دمعتها بسعادة ما تتصفش، وبقت الأجواء مليانة فرحة تنسيهم كل اللي جرا.
بص معتصم لرحيم وقال بحماس وابتسامة: ـ "طب ما دام كل حاجة تمام.. أنا عايز أتجوز في أقرب وقت، هنكتب الكتاب إمتى؟!"
رد رحيم بكل ثقة وحزم: ـ "بعد الامتحانات على طول هنكتب كتابكم، وهشوف ليلى ناقصها إيه وجهزهولكم.. بس اعمل حسابك من دلوقتي، أنتوا هتقعدوا هنا في البلد، ومفيش أي كلام عن سفر."
فتح معتصم عيونه بصدمة وقال: ـ "يا عم إنت بتقول إيه؟! إحنا هنتجوز بعد الامتحانات على طول وكل حاجة جاهزة في شقتي في المدينة!"
قطع رحيم كلامه ببرود وقال: ـ "قلت مفيش الكلام ده، أنت هتقعد هنا في البلد جنبي ومعانا." وبعدين بص لليلى وقال بجدية: "تقدري يا ليلى تعيشي بعيد عن ألحان وتسيبيها؟!"
هزت ليلى راسها فوراً وقالت برفض: ـ "لا طبعا.. مستحيل!"
بص معتصم لرحيم باستسلام وقال وهو بيبتسم: ـ "خلاص يا عم، أمر الله.. أنا موافق وقشطة، هبقى أتصل بأبويا وأمي عشان يجوا يحضروا."
قاطعهم صوت ألحان وهي ماسكة بطنها بكسل وقالت: ـ "يا جماعة.. أنا جعانة جداً."
بصت لها ليلى ببرقة وذكرتها بخضة: ـ "يا نهار أسود.. أنتِ ليكي نفس تاكلي بعد المصيبة اللي عملناها وشيلنا المادة بتاعت الامتحان النهاردة؟!"
فتحت ألحان عيونها بصدمة وقالت وهي بتلطم على وشها بخفة: ـ "يا مصيبتي السودة.. تصدقي نسيت تماماً من اللخبطة والوجع!"
ضحك رحيم بهدوء وقال بثقة: ـ "إيه المشكلة يعني؟! تمتحنوها تاني ولا كأن حصل حاجة."
ابتسمت ليلى بمكر وقالت: ـ "آه طبعا، ما أنت دكتور المادة بقى وتسهلها لنا!"
بصت ألحان لرحيم وراحت مدية له نظرة دلال وقالت بضحكة: ـ "تفتكر يا دكتور.. ينفع دكتور المادة ينجح مراته عشان هي حامل في توأم ووحمة تخفف عنها؟!"
شدت ليلى فستان ألحان وقالت بطمع هزلي: ـ "وكمان أخت مراته تنجح هي كمان بالمرة من باب القرابة والنسب!"
رفع رحيم حاجبه وببرود مصطنع وقال: ـ "لا يا حبيبتي، أنا راجل مرتشيش وما عنديش الكلام ده.. وهتمتحنوا الماده تاني وهتنجحوا بمجهودكم مش بالكوسه!"
ضحك الكل على طريقته، ورجعت جو البيت يملاه الدفا والفرحة بعد كل التوتر اللي فات.أما عند هدير، فكان الوضع جوه الأوضة عالم تاني لوحده.. كانت مشغلة أغنية شعبية بصوت عالي، ولابسة جلابية رقص ملونة ومجسمة تبرز جمالها، وموقفة جنبها فاطمة بنت صفوان وهي لابسة جلابية شبهها بالظبط بس على مقاسها الصغير.
بصت هدير لفاطمة بحماس وقالت وهي بتغمز لها: ـ "بصي يا فوفا يا حبيبتي.. اللي أنا هعمله، أنتِ هتعمليه بالحرف الواحد، فاهمة ولا لا؟!"
هزت فاطمة راسها ببراءة وسعادة وقالت: ـ "حاضر يا ماما هدير!"
بدأت هدير ترقص على الأغنية بكل احترافية ودلع ودلال طاغي، وفاطمة واقفة جنبها بتحاول تقلد حركاتها بتلقائية وعشوائية طفولية مبهجة، وهدير بتغني مع الأغنية بصوتها العذب وهي منسجمة تماماً في عالمهم الصغير.
وفي اللحظة دي، اتفتح باب الأوضة وفجأة.. اتسمر صفوان مكانه وبص للمشهد ببرقة وعينين مذهولة مش مصدق اللي عينه شايفاه!
شاف بنته الصغيرة فاطمة وهي بتحاول تقلد حركات هدير بحماس، وهدير اللي واقفة قدام المراية بترقص بكل دلع واحترافية وبتغني، ومنظرهم الاتنين مع بعض كان خطف قلبه وخليه واقف تايه في جمالها وجنونها اللي بيوقع قلبه كل مرة من أول وجديد.
بصت هدير لصفوان اللي واقف على الباب مبرق ومش مصدق نفسه، ولاءً لجنونها ودلعها، مكملتش رقص ولا همها، بل زادت في الدلع وراحت ناحيته وهي بتتمايل على الرتم وبتغني بصوتها العذب وحماسها الطفولي وهي ماسكة إيد فاطمة اللي بتسقف بفرحة:
«يا عواذل فلفلوا.. ده اللي عاجبنا مقفلوا! حلو وجميل ومسّكر، والقلب بحبه اتأثر! أنا العروسة وهو سي السيد، ومهما تبعد، قلبي في هواه بيتنهد!»
وفاطمة كانت واقفة وراها بتسقف وتسند معاها بصوتها الصغير بضحكة صافية: «سي السيد.. سي السيد!»
وقفت هدير قدام صفوان مباشرة، حطت إيديها الاثنين بخفة ودلال على دراعه، وبصت في عيونه بعيون لمعت بالشقاوة وهي بتكمل الأغنية وتغمز له: «العيون الخضراء ولا السحر اللي في عيونه؟ ده اللي يبص في ضحكته، إزاي بقى يخونه؟! يا عم الحاج اركد.. ده القمر بقى في بيتنا!»
ضحك صفوان غصب عنه ومقدرش يمسك نفسه قدام جنونها ودلعها اللي بيدخل قلبه من غير استئذان، فمد إيده شدها من وسطها لحضنه بخفة وهو بيبص لفاطمة اللي كانت بتضحك وتصفق لهم بحماس، وقال بصوت مبحوح من الحب: ـ "طب وربنا أنتو الاتنين مجانين.. بس عاجبني جنونكم!"
ضحكت هدير بصوتها الجميل اللي مليان بهجة وشقاوة، وفاطمة ضحكت معاها وهي بتتنطط حواليهم بفرحة، وضحك صفوان وسطهم وقلبه بيدق بعنف وهو حاسس إن البيت أخيراً بقى ليه طعم وروح دافية. كان منظرهم وهم تلاتة كده مع بعض يوحي بأجمل وأدفى عيلة صغيرة متكاملة،