الفصل السابع عشر17
بقلم عاشقة القلم
كان الليل قد بلغ منتصفه تقريبًا، والبار يغرق في ضجيج الموسيقى الخافتة ورائحة الدخان والخمر المختلطة بأنفاس رجالٍ هاربين من أوجاعهم.
وفي زاوية بعيدة من المكان…
كان باران ممددًا فوق الأرض فاقدًا وعيه، بينما التف حوله بعض الزبائن بفضول ودهشة.
همسات متقطعة ارتفعت في المكان:
- أليس هذا باران كول أوغلو؟،
- ما الذي أوصله لهذه الحالة؟،
- لم أره يومًا يفقد وعيه رغم شربه…
أما النادل، فقد كان ينظر إليه بقلق حقيقي.
فباران لم يكن مجرد زبون عابر بالنسبة له… بل رجل اعتاد رؤيته هنا منذ سنوات، يأتي مثقلًا بالغضب، ويغادر مثقلًا بالصمت.
اقترب منه بسرعة وانحنى بجانبه.
النادل: سيد باران…
سيد باران هل تسمعني؟،
لكن لا رد.
كانت أنفاسه ثقيلة، ورائحة الكحول تفوح منه بقوة.
تنهد النادل بقلق، ثم لمح هاتفه ملقى فوق الطاولة.
أخذه بسرعة وفتحه، وبعد لحظات وجد آخر اتصال باسم: عاكف.
ضغط الرقم فورًا.
في الجهة الأخرى، كان عاكف جالسًا في مكتبه في بيته، يراجع بعض الملفات المناقصة الاخيرة، التي الغوا الإجتماع حولها اليوم بسبب موت عباس، حين رن هاتفه.
وحين رأى اسم باران، تنهد بخفة وهو يتمتم:
عاكف: بالتأكيد عاد للجنون مجددًا…
فتح الاتصال مباشرة:
عاكف: أين أنت يا باران؟ لقد قلبت.....
لكن صوته توقف فجأة حين جاءه صوت غريب:
النادل: هل أنت السيد عاكف؟،
اعتدل عاكف في جلسته فورًا:
عاكف: نعم… من معي؟ وأين باران؟.
أجاب النادل بسرعة:
النادل: أنا نادل من الحانة التي يتردد عليها السيد باران؛ لقد فقد وعيه بسبب كثرة الشرب، وحالته ليست جيدة.
اتسعت عينا عاكف بصدمة.
عاكف: ماذا؟!.
ثم نهض بسرعة خاطفة، التقط مفاتيحه وقال بحدة:
عاكف: أرسل لي الموقع حالًا.
بعد أقل من نصف ساعة، كانت سيارة عاكف تتوقف بعنف أمام الحانة.
ترجل منها بسرعة، ودخل المكان بخطوات متوترة.
وما إن رأى باران ممددًا بتلك الحالة حتى انقبض قلبه بقوة.
اقترب منه بسرعة وجثا بجانبه.
عاكف: باران…!.
لكن الآخر كان غارقًا في اللاوعي.
ساعده النادل على رفعه، بينما كان عاكف يحدق في وجهه بوجعٍ خفي.
منذ سنوات طويلة…
لم يرَ باران ينهار بهذا الشكل.
حتى في أسوأ أيامه… كان يحافظ دائمًا على شيء من سيطرته.
أما اليوم…
فقد بدا وكأنه رجل تهشم من الداخل بالكامل.
ساعد النادل عاكف في إدخال باران إلى السيارة، ثم قال بأسف:
النادل: طوال الوقت كان يتمتم باسم فتاة؛ لم يتوقف عن ذكر اسمها.
رفع عاكف عينيه نحوه بسرعة.
عاكف: فتاة؟.
أومأ النادل:
النادل: نعم كان يتمت بكلام لم افهم منه سوى الاسم… كان يقول "ديلان" كثيرًا…
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم تنهد عاكف بعمق وهو ينظر إلى باران المغمى عليه.
ولأول مرة منذ سنوات، شعر بشيء يشبه الأمل.
وصلت السيارة إلى القصر بعد وقت قصير.
كانت البوابات الحديدية الضخمة تُفتح ببطء تحت أضواء الحراسة، بينما ترجل عاكف بسرعة وأمر الحراس:
عاكف: احملوه بحذر.
اقترب عزت رئيس الحرس المملف بحراسة القصر وتأمينه، ورجال الحراسة فورًا، وحملوا باران إلى الداخل.
قال عاكف بجدية:
عاكف: ضعوه في غرفته؛ وانتبهوا ألا يصطدم بشيء.
ثم التفت إلى عزت:
عاكف: وسيارة باران ما تزال عند الحانة؛ أرسل بعض الرجال وأحضروها حالًا.
أومأ عزت:
عزت: حاضر سيدي.
وفي تلك اللحظة…
كانت ديلان قد خرجت من غرفتها متجهة نحو المطبخ.
لم تستطع النوم.
كلما أغمضت عينيها، عاد إليها وجه والدها؛ وصوته؛ وكلماتها القاسية لباران قبل خروجه.
هبطت الدرج بخطوات بطيئة، لكنها توقفت فجأة حين سمعت حركة قرب الباب الرئيسي.
أصوات رجال؛
خطوات متسارعة؛
اقتربت أكثر بحذر، وما إن وصلت إلى آخر الدرج حتى تجمدت في مكانها.
رأت الحراس يحملون باران فاقد الوعي.
شهقت بصدمة، واتسعت عيناها وهي ترى رأسه متدليًا وجسده الثقيل بين أيدي الرجال.
كان يبدو… محطمًا.
وللحظة، شعرت بشيء غريب يعتصر قلبها.
الخوف؟،
الشفقة؟،
أم الذنب؟،
لم تعرف.
لكن قبل أن تتحرك خلفهم، جاءها صوت عاكف:
عاكف: سيدة ديلان… هل يمكنني التحدث معك قليلًا؟.
توقفت مكانها.
ثم استدارت نحوه ببطء بعد ان رفعت نقابها على وجهها، وقالت بصوت خافت متعب:
ديلان: نعم… أنا أسمعك.
اقترب منها عاكف، وكانت ملامحه تحمل جدية ممزوجة بحزن عميق.
ظل ينظر إليها لثوانٍ وكأنه يحاول اختيار كلماته بعناية، ثم قال:
عاكف: أردت أن أحدثكِ عن باران…
توترت ملامح ديلان فورًا، لكنها بقيت صامتة.
تنهد عاكف وأكمل:
عاكف: باران ليس كما يبدو دائمًا.
ضحكت ديلان بسخرية موجوعة:
ديلان :وهل هناك ما هو أسوأ مما رأيته أنا منه؟.
خفض عاكف عينيه للحظة، ثم قال بهدوء:
عاكف: نعم… هناك طفل صغير تم سحقه منذ سنوات، فتحول إلى هذا الرجل.
ارتبكت ديلان قليلًا.
أما هو، فأكمل بصوت مثقل بالذكريات:
عاكف: باران ضحية تربية قاسية؛ ضحية أبٍ لم يرحم طفولته ولا براءته.
رجلٌ علّمه أن القوة تعني القسوة؛ وأن الرحمة ضعف؛ وأن المشاعر عار.
ساد الصمت بينهما.
ثم تابع عاكف:
عاكف: ليس هذا الوقت ولا المكان المناسب لأخبركِ بكل شيء… لكن صدقيني، ما ترينه اليوم ليس سوى نتيجة سنوات طويلة من الألم.
نظرت ديلان إلى الأعلى حيث اختفى باران منذ قليل بين أيدي الحراس، ثم قالت بصوت متردد:
ديلان: لكنه آذاني…
أغمض عاكف عينيه بألم:
عاكف: أعلم… ولن أبرر ما فعله أبدًا.
لكني اليوم… رأيت بارانًا آخر.
رفع عينيه إليها مباشرة وقال بصدق:
عاكف: اليوم صباحا، رأيت باران الذي حلمت طويلًا أن أراه.
ارتجفت نظرات ديلان.
أما هو، فابتسم بحزن:
عاكف: طوال الطريق وهو فاقد الوعي؛ لم يتوقف عن ذكر اسمكِ، كان يتمتم به.
اتسعت عيناها بصدمة.
عاكف: ماذا…؟
أومأ عاكف:
عاكف: كان يهذي باسمكِ كأنكِ الشيء الوحيد العالق داخل روحه الآن.
ثم اقترب خطوة وقال بنبرة رجاء حقيقية:
عاكف: أظن أنه بدأ يتأثر بكِ يا ديلان؛ وربما أنتِ الشخص الوحيد القادر على إخراج ذلك الوحش من داخله.
شعرت ديلان بالاضطراب.
جزء منها أراد رفض كل حرف يقوله…
وجزء آخر تذكر كيف وقف باران اليوم يدافع عنها أمام الجميع.
أخرج عاكف بطاقة صغيرة من جيبه ومدها إليها.
عاكف: خذي هذا.
أخذتها بتردد.
ديلان: ما هذا؟.
عاكف: هذه بطاقتي وعليها أرقام هاتفي.
إذا استطعتِ يومًا الخروج من القصر وحدكِ، يمكننا أن نلتقي، وسأخبركِ بكل ما تريدين معرفته عن باران.
ثم خفض صوته محذرًا:
عاكف: لكن ليس هنا…
نظرت إليه بدهشة وقالت....
ديلان: لماذا ليس هنا؟.
نظر إليها عاكف وفهم ما وراء سؤالها، فاجابها بنبرة هادئة ...
عاكف: باران لم يترك مكانًا في هذا القصر إلا ووضع فيه كاميرات مراقبة.
وإن رآكِ واقفة معي طويلًا… فلن يكون الأمر جيدًا بالنسبة لكِ.
شعرت ديلان بقشعريرة خفيفة.
خفضت نظرها نحو البطاقة ثم قالت بأسى:
ديلان: حتى لو خرجت… ليس لدي هاتف أصلًا.
لقد أُخذه مني.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم تنهد عاكف وقال بابتسامة خفيفة:
عاكف: اتركي الأمر للأيام، لاندري ما تحمله لنا ، لكن بعدما حدث اليوم، أشعر أن باران… إذا وجد من يمسك بيده بصدق… سيتغير كثيرًا.
ثم نظر إليها نظرة عميقة وأضاف:
عاكف: وأنا أرى أنكِ الشخص القادر على ذلك بعد الله.
بقيت ديلان صامتة.
كانت مشاعرها متشابكة بصورة مؤلمة.
كره؛
غضب؛
حزن؛
وشيء جديد بدأت تخشاه؛ التعاطف معه.
أما عاكف، فتراجع خطوة وقال بهدوء:
عاكف: يجب أن أذهب الآن… ولا يصح أن تبقي هنا واقفة معي كثيرًا.
ثم أشار نحو الأعلى:
عاكف:أرجوكي اذهبي إليه… واعتني به من فضلكِ.
رفعت ديلان عينيها نحوه، ثم أومأت ببطء.
استدار عاكف وغادر القصر، بينما بقيت هي واقفة للحظات تحدق في البطاقة الصغيرة بين يديها،
قبل أن تتنهد بصمت، وتبدأ بالصعود نحو غرفة الرجل الذي قلب حياتها رأسًا على عقب، دون أن تدرك لماذا بدأ قلبها يضطرب كلما سمعت اسمه.
_____//////------//////----
كان القصر غارقًا في صمتٍ ثقيل بعد مغادرة عاكف، صمت يشبه المدن المهجورة بعد العواصف.
الممرات الطويلة بدت باردة على غير عادتها، والأضواء الخافتة المنبعثة من الثريات العملاقة ألقت ظلالًا شاحبة فوق الجدران الرخامية، بينما كانت ديلان تصعد الدرج بخطوات مترددة، قابضة على البطاقة الصغيرة التي أعطاها لها عاكف دون أن تشعر.
كانت كلمات عاكف لا تزال تدور داخل رأسها بإزعاج:
"كان يهذي باسمكِ…"
"أنتِ القادرة على إخراج الوحش من داخله…"
أغمضت عينيها لثانية وهي تهز رأسها بخفة، كأنها تحاول طرد تلك الكلمات.
كيف يمكنها أن تهتم لأمره بعد كل ما حدث؟؛
كيف يمكنها أن تنسى أنه السبب في ضياع حياتها؟؛
لكن رغم ذلك…
لم تستطع تجاهل صورته وهو فاقد الوعي بين أيدي الحراس.
وصلت أخيرًا إلى باب غرفته.
توقفت أمامه طويلًا.
كانت يدها ترتجف فوق المقبض، وقلبها يخفق بتوتر غريب، وكأنها تقف على عتبة عالمٍ مجهول.
ثم أخذت نفسًا عميقًا… ودخلت.
كانت الغرفة غارقة في إضاءة خافتة، والستائر السوداء نصف المسدلة تجعل المكان أشبه بليلٍ ساكن لا روح فيه.
أما باران…
فكان ممددًا فوق السرير فاقدًا للوعي.
بدا مختلفًا تمامًا عن ذلك الرجل الذي يملأ المكان هيبةً وقسوة حين يكون مستيقظًا.
ملامحه كانت مرهقة؛
ذابلة؛
وشاحبة على نحوٍ موجع.
اقتربت ديلان ببطء، وعيناها تراقبان وجهه بصمت.
تذكرت تلك النظرات القاسية التي كان يرمقها بها؛
صوته الحاد؛
هيبته المخيفة؛
لكن الغريب…
أن كل ذلك بدا بعيدًا الآن.
فالرجل الممدد أمامها لم يكن يبدو وحشًا.
بل إنسانًا منهكًا؛ محطمًا من الداخل.
زفرت أنفاسًا ثقيلة كأن شيئًا يضغط على صدرها، ثم اقتربت أكثر.
لاحظت أن الحراس نزعوا سترته وحذاءه ووضعوه على السرير، لكن رأسه كان مائلًا بطريقة غير مريحة، والوسادة أسفل عنقه غير مرتبة.
ترددت قليلًا.
ثم مدت يدها بحذر شديد لتعدل الوسادة.
لكن ما إن اقتربت أصابعها من رأسه؛
حتى شعرت بحرارة قوية تلفح يدها.
تجمدت للحظة، ثم قربت يدها من جبينه أكثر.
وما إن لامسته…
حتى شهقت بصدمة:
ديلان: يا إلهي… حرارته مرتفعة جدًا!.
ارتبكت أنفاسها فورًا.
نظرت حولها بتوتر، ثم عادت تحدق في وجهه.
كان يتنفس بصعوبة خفيفة، وقطرات العرق تتشكل على جبينه رغم برودة الغرفة.
عضت على شفتيها بقلق، ثم استدارت مسرعة وخرجت من الغرفة.
هبطت الدرج بسرعة وهي ترفع طرف فستانها حتى لا تتعثر، واتجهت نحو المطبخ الواسع.
بدأت تفتح الأدراج بعجلة وهي تبحث عن أي شيء يمكن أن يخفض حرارته.
كانت يداها ترتجفان، وعقلها يوبخها في الوقت ذاته:
"ولماذا تهتمين أصلًا؟!"؛
"أليس هو من حطم حياتك؟!"؛
لكن قلبها…
كان أضعف من أن يترك مريضًا يتألم أمامها.
وأخيرًا وجدت بعض قطع القماش النظيفة.
أخرجت إناءً زجاجيًا وملأته بالماء البارد، ثم أضافت إليه الثلج وبعض القطرات من الخل كما كانت تفعل خالتها قديمًا لخفض الحرارة.
وبينما كانت تجهز الكمادات، عادت إليها صورة والدها حين كان يمرض.
كيف كانت تجلس بجانبه طوال الليل خوفًا عليه،
ارتجفت عيناها بالدموع للحظة، لكنها سرعان ما مسحتها.
ثم حملت الإناء وصعدت مجددًا إلى غرفة باران.
دخلت بهدوء هذه المرة.
كان لا يزال فاقدًا للوعي، مستلقيًا بنفس الوضعية، وكأن العالم كله بعيد عنه.
اقتربت وجلست قربه على حافة السرير.
غمست قطعة القماش بالماء البارد، ثم بدأت تمررها برفق فوق جبينه الساخن.
وما إن لامست بشرته،
حتى ارتجفت أناملها دون إرادة.
كانت هذه أول مرة تقترب منه بهذا الشكل دون خوف أو صراخ.
أول مرة تراه ضعيفًا،
بلا قناع القوة والجبروت.
همست بصوت خافت بالكاد سمعته هي نفسها:
ديلان: لماذا تفعل هذا بنفسك…؟.
لم يجبها سوى صوت أنفاسه الثقيلة.
بدلت الكمادة بأخرى باردة، ثم أعادت وضعها على جبينه بحذر.
مرت الدقائق بطيئة؛
وديلان بقيت جالسة بجانبه، تراقب ملامحه بصمت.
كلما هدأت حرارته قليلًا، عادت وارتفعت من جديد.
حتى بدأت تقلق فعلًا.
وفجأة…
تحرك باران بخفة وهو يهذي بكلمات غير مفهومة.
اقتربت منه أكثر محاولة سماعه.
ثم سمعت اسمها يخرج من بين شفتيه بصوت مبحوح متعب:
باران: د… ديلان…
اتسعت عيناها بارتباك.
شعرت بشيء غريب يهز قلبها بعنف.
لكنها هزت رأسها بسرعة كأنها ترفض التأثر، ثم قالت بارتباك وهي تعيد الكمادة إلى جبينه:
ديلان: اصمت… أنت تهذي فقط…
لكن رغم كلماتها…
لم تستطع منع نفسها من البقاء قربه.
مرت ساعات الليل الثقيلة ببطء.
والقصر كله غارق في السكون، بينما كانت ديلان وحدها تجلس بجوار الرجل الذي أقسمت قبل ساعات أنها تكرهه.
كلما جفت الكمادة؛ بللتها من جديد.
وكلما ارتفعت حرارته؛ اقترب القلق أكثر من قلبها.
شيئًا فشيئًا…
بدأ التعب يغزو جسدها الصغير.
كانت عيناها تحترقان من السهر والبكاء، ورأسها يثقل أكثر مع مرور الوقت.
لكنها قاومت النعاس.
قاومت طويلًا…
حتى خذلتها قواها أخيرًا.
فبينما كانت تبدل إحدى الكمادات، انخفض رأسها ببطء فوق السرير، واستقرت وجنتها قرب يده الكبيرة الممتدة بجانبها.
أما أصابعها…
فقد بقيت متعلقة بكفه دون وعي.
وغفت.
غفت ديلان أخيرًا، منهكة من الحزن والسهر والدموع، بينما ظل باران فاقد الوعي قربها؛
غير مدرك أن تلك الفتاة التي دمر عالمها؛
كانت أول شخص يسهر على ألمه حتى الفجر.
-----////***////***////*-----
تسللت خيوط الصباح الأولى عبر الستائر الثقيلة، وانعكست أشعتها الباهتة فوق جدران الغرفة الهادئة، بينما كان السكون يلف المكان كأن الليل لم يغادره بعد.
في تلك اللحظة…
بدأ باران يستعيد وعيه ببطء.
شعر بثقل غريب فوق ذراعه، وثقلٍ أشد داخل رأسه، كأن مطارق تضرب جمجمته بقسوة.
تأوه بخفوت وهو يفتح عينيه بصعوبة.
كانت الرؤية ضبابية في البداية، لكن شيئًا فشيئًا بدأت ملامح الغرفة تتضح أمامه.
غرفته.
سريره.
السقف المألوف.
قطب حاجبيه بتعب وهو يحاول تذكر ما حدث الليلة الماضية…
الخمر…
صوت ديلان وهي تصرخ في وجهه…
القيادة المجنونة…
ثم الظلام.
أغمض عينيه للحظة قبل أن يشعر مجددًا بذلك الثقل فوق يده.
خفض بصره ببطء…
فتجمد.
كانت ديلان نائمة قربه.
غافية فوق ذراعه كطفلة أنهكها البكاء والسهر.
خصلات شعرها السوداء انسلت من تحت خمارها واستقرت قرب وجنتها، بينما بدا الإرهاق واضحًا على ملامحها الشاحبة.
عيناها مغلقتان بهدوء…
وأنفاسها الخفيفة تداعب يده التي استندت عليها طوال الليل.
ظل باران يحدق بها طويلًا، وكأن عقله عاجز عن استيعاب المشهد.
"هل… بقيت هنا طوال الليل؟"
انتقل بصره نحو الطاولة القريبة، فرأى إناء الماء البارد والكمادات المبللة.
حينها فقط… فهم.
هي من اعتنت به.
هي من بقيت إلى جانبه رغم كل ما فعله بها.
شيء غريب انقبض داخل صدره بعنف.
شعور لم يعرفه منذ سنوات طويلة.
دفء.
اقتربت أنظاره من وجهها أكثر،
ولأول مرة، لم يرَ فيها فقط تلك الفتاة العنيدة التي تشتبك معه دائمًا.
بل رأى فتاة صغيرة مرهقة، مكسورة، لكنها رغم ذلك بقيت تسهر بجانبه.
تحركت يده الأخرى ببطء دون وعي.
اقتربت من وجهها شيئًا فشيئًا،
كان يريد أن يبعد تلك الخصلة عن وجنتها.
أن يربت على شعرها بهدوء.
لكن…
في اللحظة التي أوشكت فيها أصابعه على لمسها، دوّى صوتها الغاضب داخل رأسه من جديد:
"لا تظن أنني سأسامحك…"
"بل ازداد كرهي لك…"
تجمدت يده في الهواء.
ثم سحبها ببطء وكأنها أُحرقت.
انقبض فكه بصمت، بينما ارتسمت على ملامحه قسوة خافتة، لكنها لم تكن موجهة إليها…
بل إلى نفسه.
وفي تلك اللحظة…
تململت ديلان بخفة.
تحركت أصابعها فوق يده دون وعي، ثم بدأت تفتح عينيها ببطء تحت تأثير النعاس.
استغرقت ثوانٍ حتى استوعبت أين هي.
ثم…
اتسعت عيناها فجأة.
اعتدلت بسرعة وهي تدرك أنها كانت نائمة فوق يده طوال الليل.
اشتعلت وجنتاها بحمرة خجل واضحة، وسارعت تعدل جلستها بتوتر، بينما راحت ترتب خمارها المرتبك فوق رأسها.
كانت خصلات شعرها قد انفلتت من تحته، فأخذت تدسها بسرعة خلف أذنها، تحت خمارها دون أن تجرؤ على النظر إليه مباشرة.
أما باران…
فكان يراقبها بصمت.
بصمتٍ أربكها أكثر.
شعرت ديلان أن قلبها بدأ يخفق بسرعة غريبة، فخفضت بصرها وقالت بصوت خافت مرتبك:
ديلان: صباح الخير…
كيف حالك اليوم؟.
ظل باران ينظر إليها لثوانٍ دون أن يجيب.
كانت علامات الاستفهام واضحة فوق وجهه، وكأنه ما يزال غير مصدق ما حدث.
ثم قال أخيرًا بصوت منخفض أجش من أثر التعب:
باران: صباح الخير…
توقف قليلًا قبل أن يضيف وهو يتأمل ملامحها المتعبة:
باران: ما الذي جعلك تنامين بهذه الهيئة؟؛
تبدين مرهقة جدًا.
ازدادت حمرة وجه ديلان.
شعرت بإحراج شديد حين أدركت أنه رآها بتلك الوضعية، نائمة فوق يده كطفلة فقدت وعيها من التعب.
خفضت عينيها وهي تعبث بأطراف خمارها بتوتر، ثم قالت بصوت خافت:
ديلان: كنت… بحالة سيئة ليلة أمس.
رفعت عينيها نحوه للحظة قصيرة قبل أن تكمل:
ديلان: وكانت حرارتك مرتفعة جدًا، فاضطررت للبقاء بجانبك.
اتسعت عينا باران قليلًا بدهشة حقيقية.
لم يكن يصدق ما يسمعه.
ديلان…
الفتاة التي قالت إنها تكرهه،
بقيت طوال الليل تسهر إلى جانبه؟.
شعر بشيء ثقيل يضغط على صدره مجددًا.
أما هي، فاقتربت منه قليلًا بعفوية لتتفقده، ثم مدت يدها نحو جبينه.
وما إن لامست أصابعها بشرته،
حتى تجمد الاثنان معًا.
كانت الحركة بسيطة جدًا،
لكن قربها منه بهذا الشكل، بإرادتها هذه المرة، أربك باران بطريقة لم يعهدها في نفسه.
شعر بحرارة أصابعها الناعمة فوق جبينه وكأنها تلامس شيئًا أعمق من جلده.
أما ديلان…
فما إن التقت نظراتها بعينيه القريبتين منها، حتى شعرت بأنفاسها تختل.
كانت عيناه تحدقان بها بهدوء غريب لم تعتده منه.
لا قسوة…
لا غضب…
فقط نظرة أربكت قلبها.
سحبت يدها بسرعة وكأنها تذكرت نفسها فجأة، ثم قالت بتوتر وهي تتجنب النظر إليه:
ديلان: الحمد لله… لا توجد حرارة الآن.
حاولت رسم شيء يشبه الابتسامة وهي تضيف:
ديلان: ويبدو أنك أصبحت بخير.
لكن صوتها كان مهتزًا بصورة فضحت ارتباكها.
أما باران…
فظل ينظر إليها بصمت طويل.
صمت جعل قلبها يرتجف دون سبب مفهوم.
ولأول مرة منذ أن دخلت حياته…
شعر باران أن هذه الفتاة لا تعالج فقط حرارة جسده…
بل شيئًا أكثر خطورة كان يحتضر داخله منذ سنوات طويلة.
_____///////-----//////____
بقي الصمت معلقًا بينهما بعد كلمات ديلان الأخيرة، صمتًا غريبًا لم يكن خانقًا هذه المرة… بل مربكًا.
كانت ديلان تشعر بأن قلبها يخفق بسرعة غير طبيعية تحت نظرات باران الثابتة عليها، لذلك نهضت بسرعة محاولة الهروب من ذلك الارتباك الذي بدأ يتسلل إليها دون استئذان.
عدّلت خمارها مرة أخيرة، ثم همّت بمغادرة الغرفة.
لكن قبل أن تصل إلى الباب…
جاءها صوته.
هادئًا… منخفضًا… لكنه أوقف خطواتها تمامًا.
باران: ديلان…
تجمدت يدها فوق المقبض، بينما ارتجف شيء خفي داخلها.
استدارت نحوه ببطء.
كان باران قد اعتدل قليلًا فوق السرير، وعيناه معلقتان بها بطريقة جعلتها تشعر وكأنه لا ينظر إلى وجهها فقط؛ بل يحاول التوغل داخل روحها.
ثم قال بعد لحظة صمت:
باران: لماذا بقيتِ بجانبي طوال الليل؟.
ترددت أنفاسها.
أما هو، فأكمل بصوت أجش لكنه أكثر هدوءًا مما اعتادت:
باران: ألم تقولي إنكِ تكرهينني؟؛
إذًا… لماذا اعتنيتِ بي؟.
سقط السؤال عليها كحجر أُلقي في ماء راكد.
صمتت ديلان للحظة، ليس لأنها لا تعرف الإجابة؛ بل لأن نظراته أربكتها.
كانت عيناه ثابتتين عليها بطريقة جعلتها تشعر بأنها مكشوفة أمامه تمامًا.
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم أخذت نفسًا عميقًا محاولة التماسك.
ديلان: فعلت ذلك… بدافع الإنسانية.
خرج صوتها أهدأ مما توقعت، فأكملت بسرعة كأنها تحاول إقناع نفسها قبل أن تقنعه:
ديلان: لا أستطيع أن أبقى مكتوفة اليدين وأنا أرى شخصًا بحاجة للمساعدة؛ بينما يمكنني مساعدته.
ظل باران صامتًا.
لكن عينيه لم تتركاها.
كان يراقب كل تفصيلة فيها.
حركة أصابعها المرتبكة وهي تفرك يديها ببعضهما…
تشبثها بأطراف خمارها وثوبها…
ارتجاف أنفاسها الخفيف…
كل ذلك أخبره أن ما تقوله ليس كل الحقيقة.
ضيّق عينيه قليلًا، ثم قال بنبرة أخفض:
باران: ظننت أنكِ تكرهينني لدرجة تجعلكِ تتركينني أموت دون أن تهتمي.
توقفت أنفاس ديلان للحظة.
أما هو، فأكمل وهو لا يزال يحاول قراءة ما تخفيه عيناها:
باران: فلماذا لم تفعلي؟.
شعرت ديلان أن كلماتها بدأت تخونها أمامه.
"لماذا فعلًا؟".
لماذا بقيت بجانبه طوال الليل رغم أنها كانت تبكي بسببه قبل ساعات فقط؟؛
هربت بعينيها بعيدًا عنه وقالت بسرعة:
ديلان: أنا… لم أفعل إلا واجبي.
ثم رفعت عينيها نحوه وأردفت بصوت خافت:
ديلان: ففي كل الأحوال… أنت زوجي.
وهذا واجبي أن أعتني بك.
في اللحظة التي نطقت فيها بكلمة "زوجي"…
شعر باران وكأن شيئًا دافئًا ضرب قلبه بعنف.
ترددت الكلمة داخل رأسه بصورة غريبة:
"زوجي…"
لم يسمعها منها بهذا الشكل من قبل.
لا صراخًا…
ولا اعتراضًا…
بل اعترافًا هادئًا خرج بعفوية.
وشيئًا فشيئًا…
بدأت ملامحه القاسية تلين دون أن يشعر.
حتى ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة خفيفة.
ابتسامة حقيقية.
دافئة.
هادئة.
ابتسامة لم يعتدها أحد منه.
أما ديلان…
فقد تجمدت مكانها وهي تراه يبتسم.
اتسعت عيناها بدهشة حقيقية.
لأنها، ولأول مرة منذ عرفته…
لم ترَ باران المخيف.
ولا الرجل الغاضب المتجهم.
بل رأت شابًا مختلفًا تمامًا.
شعرت فجأة وكأنها تراه للمرة الأولى حقًا.
تلك العينان العسليتان اللتان فقدتا قسوتهما للحظة…
تلك البشرة القمحية التي زادتها أشعة الصباح دفئًا…
اللحية المرتبة بعناية والتي منحت ملامحه رجولة جذابة…
وشعره الأسود المبعثر قليلًا فوق جبينه بطريقة زادته وسامة دون قصد.
"يا إلهي…"
ارتبكت ديلان من أفكارها نفسها.
كيف لاحظت كل ذلك فجأة؟،
ولماذا بدا مختلفًا الآن؟،
شعرت بحرارة شديدة تلفح وجنتيها، حتى إنها خافت أن يلاحظ ارتباكها.
أما باران…
فقد كان يراقبها بصمت.
لاحظ اتساع عينيها وهي تحدق به، واحمرار وجنتيها، والطريقة التي تهرب بها نظراتها منه كلما التقت عيونهما.
ولأول مرة…
شعر بشيء يشبه الانتصار اللطيف.
ليس انتصار القوة…
بل انتصار رجل بدأت امرأة تنظر إليه بعين مختلفة.
انتبهت ديلان فجأة إلى نفسها، وكأنها أُمسكت متلبسة بجريمة.
خفضت بصرها بسرعة، ثم قالت بتوتر واضح:
ديلان: أ… أستأذن الآن.
تحركت بخطوات سريعة نحو الباب.
لكن الحقيقة…
أنها لم تكن تهرب من الغرفة فقط.
بل كانت تهرب من نفسها.
من ذلك الارتباك الذي اجتاح قلبها حين رأته يبتسم…
ومن الخوف المرعب الذي تسلل إليها فجأة:
"ماذا لو بدأ قلبي يلين لذلك الرجل؟".
