الفصل الثامن عشر18
بقلم عاشقة القلم
خرجت ديلان من غرفة باران بخطوات سريعة، وكأنها تهرب من شيءٍ يطاردها داخل تلك الغرفة… أو ربما من نفسها.
أغلقت الباب خلفها برفق، ثم استندت إليه للحظة وهي تضع يدها فوق صدرها تحاول تهدئة اضطراب قلبها.
كانت لا تزال ترى تلك الابتسامة أمام عينيها.
ابتسامة باران.
ذلك الرجل الذي لم تعرف منه سوى القسوة والحدة… كيف استطاع أن يبدو مختلفًا إلى هذا الحد؟
هزّت رأسها سريعًا وكأنها تعاتب نفسها، ثم أسرعت نحو غرفتها.
ما إن دخلت حتى توجهت مباشرة نحو الحمام.
فتحت الماء البارد وغسلت وجهها طويلًا، كأنها تحاول إطفاء تلك الحرارة التي اشتعلت داخل وجنتيها منذ دقائق.
رفعت رأسها نحو المرآة، فرأت انعكاس ملامحها المتعبة، وعينيها اللتين ما تزالان تحملان آثار السهر والبكاء.
همست لنفسها بصوت خافت:
ديلان :ما الذي يحدث لي…؟.
لكنها لم تجد جوابًا.
توضأت وخرجت من الحمام، توجهت لخزانة الملابس، وقفت امامها تنهدت بهدوء، ثم بدّلت ثيابها بثيابٍ مريحة وفضفاضة، قبل أن تخرج سجادة صلاتها وتفرشها بعناية قرب النافذة.
وما إن وقفت بين يدي الله…
حتى شعرت بشيء من السكينة يتسلل إلى قلبها المضطرب.
كبرت للصلاة، وانسابت الكلمات من شفتيها بخشوع، بينما راحت روحها المثقلة تبحث عن الطمأنينة وسط كل ما تعيشه.
كانت تدعو لوالدها طويلًا…
وتدعو لنفسها دون أن تدري بماذا تحديدًا، لاول مرة إختلط عليها الامر.
بعد انتهائها، جلست قليلًا تقرأ وردها من القرآن، وصوت التلاوة الهادئ يملأ الغرفة بنور خفيف خفف شيئًا من ألمها.
ثم أغلقت المصحف برفق، وبدّلت ثيابها مجددًا، قبل أن تتجه نحو الدرج وتنزل إلى الأسفل.
في الجهة الأخرى…
كان باران يعيش حالة لم يعهدها في نفسه منذ سنوات.
وقف أمام المرآة بعد أن أنهى حمامه، يحدق بانعكاس صورته بشرود.
كل ما حدث منذ استيقاظه كان يتكرر داخل رأسه بصورة غريبة.
"في كل الأحوال… أنت زوجي."
ابتسم دون شعور وهو يتذكرها.
لم يكن يصدق أن ديلان… بقيت إلى جانبه طوال الليل.
هي نفسها التي قالت إنها تكرهه.
شعر بشيء دافئ يتمدد داخل صدره، شعور غريب يشبه الانتشاء الهادئ.
ولأول مرة منذ زمن طويل…
استيقظ دون ذلك الثقل المعتاد داخله.
فتح خزانة ملابسه واختار طقمًا رسميًا أنيقًا بلون داكن، ثم ارتداه بعنايته المعتادة، وأكمل مظهره بساعته الفاخرة.
كان يبدو كعادته رجلًا شديد الهيبة…
لكن شيئًا في ملامحه اليوم بدا أكثر هدوءًا.
أكثر حياة.
خرج من غرفته متجهًا نحو الأسفل.
في المطبخ، كانت ديلان تساعد زينب في إعداد طاولة الإفطار.
اقتربت زينب منها وهي تراقبها بخبثٍ لطيف، ثم قالت مبتسمة:
زينب: يبدو أنكِ لم تنامي جيدًا يا ابنتي.
ارتبكت ديلان قليلًا وهي ترتب الأطباق:
ديلان: كنت مستيقظة فقط…
لكن زينب لم تكن ساذجة.
لقد رأت الكمادات صباحًا حين دخلت غرفة باران، وفهمت الكثير دون أن يُقال.
ابتسمت داخلها بصمت، ثم تابعت مساعدتها دون تعليق.
وبعد دقائق…
دخل باران إلى غرفة الطعام.
شعرت ديلان به قبل أن تراه.
لا تعرف لماذا…
لكن وجوده بات يربك إحساسها بالكامل.
رفعت عينيها نحوه للحظة، ثم سرعان ما أشاحت بنظرها.
أما هو…
فتوقفت عيناه عليها مباشرة.
كانت ترتدي ثوبًا بسيطًا بلون هادئ، وخمارها مرتب بعناية، بينما بدت ملامحها أكثر راحة من الليلة الماضية رغم التعب الواضح في عينيها.
جلس إلى الطاولة بهدوء.
وبدأ الإفطار.
لكن الصمت كان سيد المكان.
لم يتحدث باران بحرف واحد طوال الوقت.
إلا أن نظراته…
كانت تلاحق ديلان باستمرار.
يراقب حركاتها الصغيرة…
طريقة تناولها للطعام بهدوء…
ارتباكها كلما شعرت بعينيه فوقها…
أما ديلان، فكانت تحاول تجاهله عبثًا.
كانت تشعر بنظراته كأنها لمسات خفية تربكها أكثر فأكثر.
حتى إنها كادت تسقط الكأس من يدها مرة حين التقت عيناها بعينيه فجأة.
وحين انتهت من الطعام بسرعة، نهضت فورًا محاولة الهروب من ذلك التوتر.
بدأت تجمع الأطباق لتأخذها إلى المطبخ.
لكن قبل أن تخطو بعيدًا…
جاءها صوته أخيرًا:
باران: ديلان.
توقفت مكانها.
ثم التفتت إليه ببطء.
كان يجلس بهدوء، لكن نظرته بدت جادة هذه المرة.
قال بصوت منخفض لكنه حاسم:
باران: اتركي هذا… زينب ستتكفل به.
نظرت إليه باستفهام، بينما أكمل:
باران: جهزي نفسكِ… سنخرج بعد قليل.
عقدت حاجبيها بدهشة:
ديلان:إلى أين؟.
ارتشف رشفة من قهوته ببطء، ثم قال دون أن يرفع عينيه عنها:
باران: ستعرفين حين نصل.
بقيت تحدق فيه للحظات، تحاول قراءة ما يخفيه خلف ملامحه الهادئة.
لكن باران كان بارعًا في إخفاء ما يشعر به.
أومأت بصمت، ثم استدارت وصعدت إلى الأعلى.
دخلت غرفتها وقلبها ممتلئ بالأسئلة.
إلى أين سيأخذها؟
ولماذا؟
بدلت ثيابها بملابس أكثر أناقة واحتشامًا، ثم نظرت إلى نفسها في المرآة للحظة قبل أن تخرج.
وحين نزلت إلى الأسفل…
وجدته واقفًا أمام الواجهة الزجاجية المطلة على الحديقة.
كان ظهره إليها، ويداه داخل جيبيه، بينما انعكست أشعة الصباح فوق هيئته الطويلة لتزيده هيبة.
ترددت لثوانٍ وهي تنظر إليه.
ثم قالت بهدوء:
ديلان: أنا جاهزة.
استدار نحوها ببطء.
وللحظة قصيرة…
نسي أن يجيب.
كانت جميلة بطريقة هادئة خطيرة.
لا زينة مبالغ فيها…
ولا تصنع…
فقط تلك البراءة التي لم يستطع أحد انتزاعها منها رغم كل شيء.
اقترب منها دون كلمة، ثم اتجه نحو باب القصر.
تبِعته ديلان بصمت.
وفي الخارج، كان الحراس يقفون قرب السيارات.
توقف باران أمام سيارته السوداء الفاخرة.
خرجت ديلان وراء باران،
وكان على غير عادته،
أمر السائق أن يبتعد،
وأمسك بنفسه مفتاح السيارة.
فتح الباب لها بهدوء:
باران: تفضلي.
نظرت إليه باستغراب،
ترددت للحظة، ثم ركبت.
بعدها استدار باران إلى الجهة الأخرى، وجلس خلف المقود.
أدار المحرك…
فاهتز سكون المكان بصوت السيارة العميق.
ثم انطلقت السيارة خارج بوابات القصر الحديدية الضخمة، تشق طريقها عبر المدينة…
بينما كانت ديلان تنظر عبر النافذة بصمت، وقلبها يخفق بقلق فضولي، لا تعلم أن هذه الرحلة الصغيرة…
ستكون بداية تغيّر أشياء كثيرة بينهما.
____/////*******/////_____
انطلقت السيارة تشق شوارع المدينة بهدوء ثقيل، بينما كان الصمت يخيّم داخلها بصورة غريبة.
خارج النافذة، كانت الأشجار والمباني تمرّ سريعًا أمام عيني ديلان، لكنها بالكاد كانت تراها.
منذ أن خرجت مع باران وهي تشعر أن هناك شيئًا مختلفًا في تصرفاته اليوم.
كان هادئًا أكثر من المعتاد…
هادئًا بطريقة أربكتها.
اختلست النظر نحوه.
كان يقود السيارة بعينين ثابتتين على الطريق، وملامحه جامدة كعادتها، لكن شيئًا خفيًا في قسماته أوحى لها أن داخله ليس هادئًا كما يبدو.
مرّت دقائق طويلة…
وبدأ القلق يتسلل إلى قلبها شيئًا فشيئًا.
عادت تنظر من النافذة، ثم التفتت إليه مجددًا وقد انعقد حاجباها بحيرة:
ديلان: هذه ليست طريق بيتنا… إلى أين تأخذني؟؛ كانت تظنه سيأخذها لبيت أبيها من أجل العزاء.
أجابها دون أن يلتفت إليها:
باران: قلت لكِ… ستعرفين حين نصل.
زادها غموضه توترًا.
أخذت تعض شفتيها بخفة، بينما راحت الأفكار تتزاحم داخل رأسها.
حتى بدأت معالم الطريق تبدو مألوفة بشكل مؤلم.
اتسعت عيناها تدريجيًا.
وحين لمحَت البوابة الحديدية الكبيرة من بعيد…
تجمدت أنفاسها.
مقبرة.
شعرت بقلبها يهبط داخل صدرها بعنف.
التفتت إليه بسرعة، وصوتها خرج مرتجفًا:
ديلان: باران… لماذا نحن هنا؟.
لم يجبها فورًا.
أوقف السيارة بهدوء، ثم أطفأ المحرك.
ساد صمت ثقيل.
صمت جعل ديلان تشعر بالخوف دون أن تعرف السبب.
ثم فتح باب السيارة ونزل.
دار حولها بهدوء، وفتح الباب لها بنفسه.
رفعت عينيها نحوه بتردد.
لكن ملامحه بقيت غامضة بصورة أربكتها أكثر.
مد يده نحوها بصمت.
ترددت للحظة… ثم وضعت يدها الصغيرة داخل كفه ونزلت من السيارة.
كانت يده دافئة وقوية، بينما شعرت هي أن قدميها بالكاد تحملانها.
أغلق باب السيارة، ثم بدأ يسير داخل المقبرة.
تبِعته ديلان بصمت.
كان المكان ساكنًا بصورة مخيفة.
صفوف طويلة من القبور…
أشجار عالية تتحرك أغصانها مع الريح الباردة…
ورائحة التراب الرطب تعبق في الجو.
شعرت ديلان بانقباض غريب داخل صدرها.
أما باران…
فكان يسير بصمت ثقيل، وكأن كل خطوة يخطوها تُثقل روحه أكثر.
ولأول مرة منذ سنوات…
كان يشعر بالعجز.
هو الذي اعتاد أن يواجه العالم كله دون خوف…
لم يعرف كيف يواجه قبر رجلٍ رحل وهو يحمّله أمانة ابنته.
توقف أخيرًا أمام قبرٍ جديد ما تزال تربته رطبة.
توقفت ديلان خلفه.
نظرت إليه بحيرة… ثم إلى القبر.
وببطء شديد…
بدأت ملامحها تتغير.
اقتربت خطوة.
ثم أخرى.
حتى أصبحت أمام شاهد القبر مباشرة.
ارتجفت ركبتاها وهي تنحني قليلًا لتقرأ الاسم المنقوش عليه.
"عباس تكين…"
شعرت كأن الأرض انسحبت من تحت قدميها رغم أنها حضرت جنازته ودفنه بالأمس.
لكن رؤية الاسم هنا…
منقوشًا على حجرٍ بارد…
جعل الحقيقة تضرب قلبها من جديد بعنفٍ أقسى.
"هنا يرقد أبي…"
"هنا انتهت حياته فعلًا…"
اختنق نفسها فجأة.
وامتلأت عيناها بالدموع وهي تحدق بالقبر كأن عقلها يرفض التصديق.
ثم همست بصوت مكسور:
ديلان :أبي…
وفي لحظة واحدة…
انهارت.
سقطت على ركبتيها أمام القبر، وانفجر بكاؤها كطفلة فقدت آخر ما تبقى لها في الدنيا.
ديلان: أبي…!.
ارتجف صوتها بشدة وهي تمرر يدها فوق التراب:
ديلان: كيف تركتني وحدي…؟،
كيف رحلت بهذه السرعة…؟،
انهمرت دموعها بغزارة، بينما كانت كلماتها تخرج متقطعة بين شهقات موجعة:
ديلان: كنت أحتاجك…
كنت أريد فقط أن تبقى بجانبي…
حتى لو كان العالم كله ضدي…
وضعت جبهتها فوق القبر وهي تبكي بحرقة:
ديلان سامحني يا أبي…
سامحني لأنني لم أستطع حمايتك…
سامحني لأنك رحلت وقلبك موجوع بسببي…
أما باران…
فكان يقف خلفها بصمت.
يشاهد انهيارها وقلبه ينقبض بطريقة لم يعهدها من قبل.
كل دمعة تسقط من عينيها…
كانت تمزق شيئًا داخله.
رأى وحدتها…
ضعفها…
ذلك الألم الحقيقي الذي لا يمكن تزييفه.
وشعر لأول مرة أنه مسؤول عنه.
مسؤول عن هذه الفتاة التي انقلبت حياتها رأسًا على عقب منذ دخل طريقها.
رفعت ديلان يديها المرتجفتين نحو السماء، وصوتها يختنق بالدعاء:
ديلان: اللهم لك الحمد حتى ترضى…
ولك الحمد إذا رضيت…
ولك الحمد بعد الرضا…
كانت تبكي وهي تدعو بحرقة هزّت قلب باران رغم قسوته.
ديلان: اللهم لا اعتراض على قضائك…
لكن أسألك اللطف فيه…
شهقت بقوة وهي تكمل:
ديلان: اللهم أعنّي ولا تعن عليّ…
وانصرني ولا تنصر عليّ…
واهْدِني ويسّر الهدى لي…
ثم أغلقت عينيها بقهر وهمست:
ديلان: يا رب… لقد أصبحت وحدي…
حينها…
تحرك شيء داخل باران بعنف.
شيء كان ميتًا منذ سنوات.
اقترب منها ببطء.
ثم وقف أمام القبر للحظات طويلة، وعيناه مثبتتان على اسم عباس.
ولأول مرة…
خفض رأسه باحترام حقيقي.
ثم تحدث بصوت هادئ عميق، لكن كل كلمة خرجت منه كانت صادقة بصورة لم يعرفها هو نفسه:
باران: عم عباس…
رفعت ديلان عينيها نحوه ببطء وسط دموعها.
أما هو، فتابع وعيناه على القبر:
باران: أعلم أنني لست الرجل الذي تمنيتَه لابنتك…
توقفت أنفاس ديلان.
وأكمل بصوت أثقل:
باران: وأعلم أنني أخطأت كثيرًا…
مرر يده فوق وجهه بضيق، ثم قال:
باران: لكنني أقسم لك أمام الله…
وأمام روحك…
التفت نحو ديلان للحظة قصيرة، ثم عاد ينظر للقبر:
باران: أنني لن أتركها وحدها بعد اليوم.
ارتجفت شفتا ديلان بقوة.
أما باران، فتابع بصوتٍ ثابت:
باران: سأحميها…
وسأصونها…
ولن أسمح لأحد أن يؤذيها ما دمت حيًا.
ساد الصمت.
لكن ذلك الصمت كان ممتلئًا بشيءٍ عظيم.
شيء جعل قلب ديلان يرتجف رغم حزنها.
لأنها شعرت…
أنه لا يقول هذا مجاملة.
بل عهدًا.
عهد رجلٍ بدأ يتغير فعلًا.
اقترب باران منها ببطء، ثم انحنى أمامها ومد يده إليها.
كانت عيناها غارقتين بالدموع وهي تنظر إلى كفه الممتدة نحوها.
ترددت للحظة…
ثم وضعت يدها داخل يده أخيرًا.
شدّ عليها برفق وساعدها على الوقوف.
لكن ما إن وقفت…
حتى خانتها قدماها من شدة الانهيار.
ترنحت فجأة، وكادت تسقط.
إلا أن باران تلقاها بسرعة بين ذراعيه.
شهقت ديلان بخفوت وهي تشعر بذراعيه تلتفان حولها لتحميها من السقوط.
أما هو…
فشدها إليه دون وعي، وكأنه يخشى أن تنكسر بين يديه.
ثم رفع بصره نحو القبر مرة أخيرة…
وكأن نظراته تقول بصمت:
"اطمئن… لن تكون وحدها بعد الآن."
_______/////_____///-----
كانت السماء ملبدة بغيوم رمادية ثقيلة، وكأن النهار نفسه يشارك ديلان حدادها الصامت.
توقفت السيارة أمام القصر ببطء.
ساد الصمت للحظات داخلها…
ذلك النوع من الصمت الذي يكون ممتلئًا بالكلمات المختنقة، والدموع التي لم تعد تجد طريقًا للخروج.
أطفأ باران المحرك، ثم بقي ممسكًا بالمقود لثوانٍ، محدقًا أمامه بشرود.
أما ديلان…
فكانت تجلس بجانبه كروحٍ منهكة.
وجهها شاحب، وعيناها متورمتان من البكاء، ويداها الصغيرتان مستريحتان فوق حجرها بلا حراك، كأن حتى الحزن استنزف منها القدرة على الارتجاف.
خرج باران أولًا.
أغلق الباب خلفه، ثم استدار نحو جهتها.
وقف لحظة ينظر إليها من خلف الزجاج.
كانت تحدق أمامها بلا وعي، غارقة في مكان بعيد… بعيد جدًا عن هذا القصر، وعن هذا الرجل، وعن هذا العالم كله.
تنهد بصمت.
ثم فتح لها الباب بنفسه.
تلك العادة التي بدأت تظهر عليه مؤخرًا دون أن ينتبه…
لكن هذه المرة كان حذرًا، هادئًا، وكأنه يخشى أن تنكسر أمامه أكثر.
رفعت ديلان عينيها نحوه للحظة قصيرة، ثم نزلت دون كلمة.
تقدمت نحو الداخل بخطوات بطيئة… متعبة… كأنها تحمل فوق كتفيها عمرًا كاملًا من الحزن.
دخلت الصالون…
ثم توقفت فجأة.
اتسعت عيناها بدهشة وهي ترى ثلاثة رجال وامرأة يجلسون بهدوء حول الطاولة الكبيرة.
كتب مفتوحة…
أوراق مرتبة…
أقلام…
وملامح رسمية متحفزة.
رفع الجميع رؤوسهم فور دخولها.
ارتبكت ديلان تلقائيًا، والتفتت نحو باران بعينين مثقلتين بالتساؤل.
ديلان، بصوت متعب بالكاد خرج: ديلان: من هؤلاء…؟.
اقترب منها باران خطوة.
كان يراقب ارتجافها الخفيف، وتلك الحيرة الضائعة في ملامحها، لكنه هذه المرة لم يكن قاسيًا.
بل بدا صوته هادئًا على غير عادته:
باران: أساتذتك.
رمشت بعينيها بذهول.
ديلان: أساتذتي…؟.
أكمل وهو يثبت نظره عليها:
باران: بقي على امتحانك النهائي ثلاثة أسابيع فقط… ولن تضيعي مستقبلك.
سكنت ملامحها.
وكأن عقلها لم يستوعب الانتقال المفاجئ بين الموت… والحياة.
قبل ساعات فقط…
كانت تبكي فوق قبر والدها، تتشبث بالتراب كطفلة فقدت الأمان الوحيد في حياتها.
والآن…
يقف أمامها واقع جديد، يدفعها دفعًا لتكمل طريقها رغم الانهيار الذي يفتك بها.
خفضت رأسها قليلًا، ثم همست بصوت مكسور:
ديلان: أنا… لا أستطيع…
ولأول مرة…
لم يقاطعها باران بحدة.
لم يأمرها.
لم يسخر من ضعفها.
بل قال بصوت منخفض، يحمل إصرارًا غريبًا:
باران: ستستطيعين.
رفعت عينيها إليه ببطء.
توقعت أن ترى غروره المعتاد؛ قسوته؛ بروده.
لكنها وجدت شيئًا آخر.
شيئًا يشبه… الحرص.
قال وهو يقترب أكثر:
باران: هذا مستقبلك يا ديلان…
وأنا لن أسمح لكِ أن تخسريه.
ارتجف قلبها بعنف.
ذلك الرجل الذي كان سببًا في خوفها مرات كثيرة…
يقف الآن أمامها وكأنه يحاول جمع شتاتها بيديه.
لم تفهمه.
ولم تفهم نفسها أيضًا.
هل تكرهه…؟،
أم تشعر بالأمان قربه رغم كل شيء…؟،
هل تغضب منه…؟،
أم تشكره لأنه الوحيد الذي أجبرها على الوقوف بينما كانت تريد السقوط؟.
خفضت عينيها سريعًا، ثم قالت بصوت ضعيف لكنه ثابت:
ديلان: حسنًا… سأحاول.
راقبها باران للحظة طويلة.
ثم قال بهدوء لم تعرفه منه من قبل:
باران: ديلان… أنتِ قوية.
وهذه أعظم هدية يمكنكِ تقديمها لوالدكِ الآن.
تجمدت أنفاسها.
وفي لحظة واحدة…
عاد صوت والدها إلى قلبها.
"أريد أن أراكِ في الجامعة يا صغيرتي…"
"نجاحكِ هو فخري…"
"ستصبحين شيئًا عظيمًا يومًا ما…"
اغرورقت عيناها بالدموع فورًا.
تذكرت كيف كان يبتسم كلما عادت بشهادة نجاح؛
كيف كان يحتفظ بأوراقها القديمة وكأنها كنوز؛
كيف كان يقول لها دائمًا إن نجاحها سيكون الهدية التي ستُفرح روح والدتها الراحلة.
اهتز قلبها بقوة مؤلمة.(تذكرت ابي وكيف مان يفتخربي😭😭)
لكنها هذه المرة لم تنهَر.
أغمضت عينيها للحظة؛
واستغفرت الله سرًا.
طلبت منه القوة؛
أن يربط على قلبها؛
أن يمنحها القدرة على إكمال هذه الحياة التي أصبحت فجأة موحشة وباردة.
لأنه لم يعد لديها شيء الآن؛
إلا علمها.
إلا مستقبلها.
إلا الوصية الوحيدة التي تركها لها والدها قبل أن يرحل.
جلست أمام الأساتذة أخيرًا.
بينما جلس باران بعيدًا قليلًا، يراقب بصمت.
بدأت الحصة الأولى.
الأستاذ الأول، بلطف:
أستاذ الرياضيات: سنبدأ بمراجعة سريعة… هذا الجزء مهم جدًا في الامتحان النهائي.
أومأت ديلان برأسها بهدوء.
لكن عقلها،
لم يكن هنا.
كانت الكلمات أمامها تتداخل.
الحروف تتشوش؛
حتى تحولت الصفحة البيضاء أمامها فجأة إلى صورة قبر.
اسم والدها.
ذلك الاسم المحفور على الرخام البارد.
تجمدت يدها فوق الورقة.
وتوقف صوت الأستاذ في أذنيها تدريجيًا، كأنها تسقط داخل فراغ بعيد.
اهتزت شفتاها دون وعي.
ديلان، بهمسة مكسورة:
ديلان: أبي…😭😭💔
انتبه الأستاذ إليها فورًا، وارتبك قليلًا.
لكن قبل أن يتكلم؛
شدّت ديلان على القلم بقوة حتى ابيضت أصابعها.
وكأنها تعيد نفسها بالقوة إلى الواقع.
أغمضت عينيها لثانية طويلة؛
ثم فتحتها ببطء.
همست لنفسها بصوت منخفض مرتجف:
ديلان: لا… يجب أن أُكمل.
وبدأت تكتب.
ببطء أولًا؛
بتردد؛
وكأن كل كلمة تحتاج منها مقاومة كاملة.
لكنها استمرت.
كل سطر كانت تكتبه بدا كمعركة تخوضها ضد حزنها.
كل إجابة؛
محاولة للنجاة من ذلك الألم الذي يحاول سحبها إلى الأسفل.
كان الأساتذة يتبادلون النظرات بصمت.
فحتى هم شعروا أن هذه الفتاة لا تدرس فقط؛
بل تقاتل كي لا تنهار.
أما باران؛
فكان واقفًا بعيدًا، يراقبها دون أن يشعر بنفسه.
يرى الشرود في عينيها؛
يرى ارتجاف يدها الخفيف؛
يرى كيف تعود رغم ذلك إلى الكتابة كل مرة.
شيء غريب تحرك داخله.
احترام؛
إعجاب؛
أم شيء أخطر من ذلك…؟،
لم يعرف.
لكنه شعر بشيء يضغط على صدره كلما رآها تحاول الوقوف رغم انكسارها.
قبض على يده بهدوء.
وعيناه لم تفارقاها.
ثم قال في داخله بصمت ثقيل:
باران: لن أسمح لكِ أن تسقطي يا ديلان؛
حتى لو كنتُ أنا السبب في كل هذا الألم.
_____//////////---------
خرج باران من القصر بخطوات ثقيلة، بينما كان صدى صوت ديلان وهي تتهجّى كلماتها مع الأساتذة لا يزال عالقًا في أذنيه.
أغلق باب سيارته بعنف خافت، ثم أدار المحرك وانطلق نحو الشركة، لكن عقله لم يغادر القصر أصلًا… بقي هناك، في تلك الغرفة التي تجلس فيها ديلان مطأطئة الرأس، تحاول أن تتعلّم وسط خوفها الدائم منه.
كان الطريق مزدحمًا، والمدينة تعجّ بالحياة، لكن كل شيء بدا له باهتًا، بعيدًا، كأنه يشاهد العالم من خلف زجاج سميك.
وصل إلى الشركة أخيرًا.
ما إن دخل المبنى حتى انحنى الموظفون بتحية سريعة، لكنه لم يلتفت لأحد.
كان وجهه جامدًا، وعيناه غارقتين في إرهاق ثقيل، حتى إن خطواته بدت أبطأ من المعتاد.
مر امام السكرتيرة ولم يلتفت إليها لاول مرة، حتى لم يسمع ما كانت تخبره به.
فتح باب مكتبه ليتوقف قليلًا.
كان عاكف جالسًا هناك ينتظره.
رفع عاكف رأسه فور رؤيته، فلاحظ الشحوب الذي يكسو وجه صديقه، وتلك النظرة المطفأة التي لم يعتد رؤيتها في عيني باران؛ الرجل الذي كان دائمًا يبدو وكأنه أقوى من الانكسار نفسه.
دخل باران بصمت، ثم خلع سترته وألقاها بإهمال على الأريكة قبل أن يمد يده لعاكف مصافحًا.
تحدث باران إليه بصوت خافت متعب:
باران: أراك اليوم تنتظرني في مكتبي على غير عادتك.
ابتسم عاكف ابتسامة صغيرة لم تصل إلى عينيه، ثم قال:
عامف: قلقت عليك… فقلت أنتظرك هنا أفضل حتى نتحدث قليلًا. كيف أصبحت اليوم؟.
أطرق باران برأسه للحظة، ثم مرر يده على وجهه بإرهاق:
باران: علمت أنك أنت من جلبني البارحة إلى المنزل… شكرًا لك.
راقبه عاكف طويلًا، قبل أن يتنهد بهدوء:
عاكف: لا تشكرني يا باران… بل أخبرني ما الذي أوصلك إلى تلك الحالة؟،
ما الذي يحدث معك؟.
ساد الصمت للحظات.
اتجه باران نحو النافذة الزجاجية الضخمة خلف مكتبه، ووضع يديه في جيبيه، ناظرًا إلى المدينة الممتدة أسفل قدميه.
لكن الحقيقة…
أنه لم يكن يرى شيئًا.
كان يرى نفسه فقط…
طفلًا صغيرًا يقف في زاوية منزل بارد، يسمع ضحكات النساء المرتفعة خلف الأبواب المغلقة، ويرى والده يغرق في قذارته دون أن يهتم بأن هناك طفلًا يشاهد كل شيء بعينين مذعورتين.
أغمض عينيه بقوة.
رد عليه باران بصوت مبحوح:
باران: لست بخير يا عاكف.
انعقد حاجبا عاكف بأسى، ثم نهض من مكانه واقترب منه ببطء: ــ اهدأ يا باران… دعنا نتحدث قليلًا.
منذ مدة طويلة لم نتحدث كما يجب… ما بك تتحدث بهذه الطريقة؟.
ضحك باران ضحكة قصيرة خالية من الحياة، ثم استدار إليه.
كانت عيناه حمراوين من السهر والغضب المكبوت.
باران: لأنني مختنق… مختنق جدًا.
اقترب عاكف أكثر، وقال بنبرة هادئة تحمل عتبًا صادقًا:
عاكف: إذن غيّر حياتك.
عد إلى الله يا باران… واترك هذا الطريق الذي تسير فيه.
ساد الصمت فجأة…
ثم خرجت من باران ضحكة ساخرة موجعة، كأنها خرجت من قلب محترق.
باران: أتغير؟… ولأجل من؟!.
رفع صوته فجأة، وانفجرت المرارة داخله دفعة واحدة:
باران: أمي تركتني وأنا طفل!،
لا أعلم إن كانت حيّة أو ميتة أصلًا!،
وأبي…
توقف للحظة، وكأن مجرد لفظ الكلمة يخنقه.
ثم تابع بصوت أكثر قسوة:
باران: أبي الذي كان يفترض أن يكون سندي؛ كنت أراه يجلب النساء إلى المنزل أمام عيني!،
يفعل أفعالًا قذرة وكأن وجودي لا يعنيه!،
بل كان يعلمني… يعلمني أن النساء خُلقن فقط لمتعتنا!،
تخيّل يا عاكف؛ هذا ما تربيت عليه!،
هذا ما حُفر داخل رأسي منذ كنت طفلًا!.
كان صوته يزداد اضطرابًا مع كل كلمة، بينما عروق عنقه برزت بوضوح.
أما عاكف… فظل صامتًا.
لأنه يعلم.
يعلم أن خلف قسوة باران رجلًا محطمًا لم يعرف يومًا معنى العائلة، ولا الحنان، ولا الطمأنينة.
خفض باران رأسه قليلًا، ثم قال بصوت أخفض:
باران: أنا لا أعرف كيف يكون الإنسان طبيعيًا يا عاكف؛
كل ما أعرفه هو الفوضى.
شعر عاكف بغصة في حلقه.
اقترب أكثر، ثم وضع يده على كتف صديقه قائلاً:
عاكف: الإنسان لا يُحاسَب على ماضيه يا باران؛ بل على ما يختاره الآن.
ابتسم باران بسخرية مرة:
باران: وما الذي أملكه الآن غير الخراب؟.
تردد عاكف قليلًا؛ قبل أن ينطق بما كان يفكر فيه منذ أيام:
عاكف: ربما؛ تلك الفتاة التي تزوجتها؛ تكون سببًا في تغييرك.
سكنت ملامح باران فجأة.
وكأن اسمها وحده استطاع أن يوقف العاصفة داخله.
ديلان…
عيني القطة كما اصبح يلقبها.
مرت صورتها في ذهنه بسرعة موجعة.
عيناها الواسعتان المرتبكتا؛
ارتجاف صوتها حين تخاف؛
براءتها التي تشبه الأطفال؛
ونظرتها إليه ليلة أمس، حين كانت ترتجف رغم محاولتها التظاهر بالقوة.
تذكر كيف نامت بين ذراعيه كطفلة مرهقة، دون أن تدرك أنها كانت تضع رأسها فوق صدر رجل لم يعرف يومًا معنى السكينة.
شد فكّه بقوة.
لم يعلّق.
لكن عاكف لاحظ ذلك الشرود الخاطف، وتلك النظرة التي لم يرها من قبل في عيني صديقه.
نظرة رجل بدأ قلبه يتحرك رغمًا عنه؛ وهو يكره ذلك.
تنهد عاكف بهدوء.
أدرك أن باران ليس مستعدًا للكلام أكثر.
فابتعد عنه ببطء، ثم قال قبل أن يغادر: ــ لا تهرب من نفسك كثيرًا يا باران! ففي يوم ما، ستتعب من الركض.
وللمرة الأولى…
لم يجد باران ردًا.
غادر عاكف المكتب بهدوء، وأغلق الباب خلفه.
فعاد الصمت يبتلع المكان.
وقف باران للحظات ثابتًا في مكانه، ثم اتجه نحو مكتبه ببطء وجلس على كرسيه.
فتح حاسوبه.
ضغط على تسجيل الكاميرات الخاصة بالقصر.
وبدأ يبحث عنها بعينين متلهفتين دون أن يشعر.
ظهرت ديلان أخيرًا على الشاشة…
كانت تجلس بين الأساتذة، تمسك القلم بتردد، وتحاول التركيز، بينما تعقد حاجبيها كلما أخطأت في الكتابة.
بقي يحدق بها طويلًا…
طويلًا جدًا.
ثم همس بصوت خافت بالكاد سمعه هو نفسه: ــ ما الذي تفعلينه بي…؟.
------/////******/////-----
حلّ الليل…🌙
هدأ القصر،
وسكنت الأصوات،
لكن داخل قلب ديلان،
كانت العاصفة في أوجها.
جلست على سريرها،
تحتضن ركبتيها،
تنظر إلى الفراغ.
اليوم كله مرّ أمامها دفعة واحدة،
المقبرة.....القبر،
صوتها وهي تناديه.....
"أبي…"
انكسرت.
انفجرت بالبكاء،
بكاءٍ صامت هذه المرة،
لكنّه كان أعمق،
أثقل،
ديلان: لماذا تركتني…؟.
همستها خرجت بين شهقاتها،
كطفلة فقدت الأمان.
مرّت لحظات،
ثم فجأة.....هدأت.
مسحت دموعها ببطء،
وكأنها اتخذت قرارًا داخليًا.
نهضت.
توجهت إلى الوضوء،
الماء البارد لامس وجهها،
فارتجف جسدها قليلًا،
لكن قلبها بدأ.... يهدأ.
وقفت للصلاة.
رفعت يديها،
وكبّرت.
وفي كل ركعة وسجدة،
كانت تفرغ ألمها،
وهي تدعوا وتتضرع باكية،
وهي تردد هذه الأظعية بين سجودها:
-اللهم اجعلني من الصابرين، واجعل صبري عند الشدائد نورًا لي، وثقلًا في ميزاني، وراحةً لقلبِي.
-اللهم إني أمتك، ضعيفٌة، مبتلاة، فامنحني الصبر والسلوان، واجعل ما أصابني خيرًا لي في ديني ودنياي.
-حسبنا الله ونعم الوكيل، لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم كن معي ولا تكن عليّ، وألهمني الصبر والرضا.
-اللهم اجعل لي من كل همّ فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ومن كل خوف أمانًا، واجعل لي صبرًا لا ينفد.
-يا صبور، يا حليم، اجعل لي قلبًا صابرًا، ولسانًا ذاكرًا، وعينًا لا تنام على ذكرك.
تضع حزنها بين يدي الله،
تسجد..... وكأنها تختبئ من العالم كله.
وبعد أن انتهت،
جلست على سجادة الصلاة،
ورفعت يديها للسماء،
وعيناها تلمعان بالدموع:
ثم همست بصوت خافت:
"يا رب....أنت تعلم ما في قلبي....أخذت مني أبي،
وأنت أرحم به مني،
اللهم اغفر له وارحمه،
ووسّع مدخله،
واجعل قبره نورًا وسلامًا،
يا رب...أنا ضعيفة.
وأنت القوي،
فاجبرني،
ولا تتركني لنفسي…"
انهمرت دموعها من جديد،
لكن هذه المرة.....
لم تكن دموع انهيار،
بل دموع تسليم.
ومن خلف الباب،
كان باران واقفًا.
صامتًا.
رآها.....👀🧕
وهي تصلي،
وهي تبكي،😥
وهي تدعو🤲
وشيء داخله،
اهتز.
لم يفهمه.....
لكنّه شعر به.
تراجع خطوة للخلف،
وهو ينظر إلى الأرض،
وهمس لنفسه:
باران: كيف!!؟؛ ما زالت تقف؟.
ثم ابتعد ببطء....
لكن صورة ديلان،
وهي بين يدي الله....
بقيت معه.
