رواية براءة ايقظت غافلا
الفصل التاسع عشر19
بقلم عاشقة القلم
إنطفأت أصوات العزاء أخيرًا…
ورحل المعزّون واحدًا تلو الآخر، تاركين خلفهم بيتًا مثقلًا برائحة البخور والدموع، وصمتًا ثقيلًا يخنق الجدران.
كان منزل عباس يبدو وكأنه فقد نبضه.
قبل أيام فقط، كان ممتلئًا بأصوات الرجال، وآيات القرآن، وهمسات المواساة، أما الآن… فقد أصبح ساكنًا بصورة مخيفة، كأن الموت ما زال جالسًا في زواياه.
في وسط الصالة، جلست حسنية على الأريكة القديمة، تضم عباءتها حول جسدها المرتجف.
كانت عيناها شاردتين، وعقلها لا يزال عاجزًا عن استيعاب ما حدث.
مات عباس…
الرجل الذي عاش سنوات طويلة يملأ هذا البيت بصوته وتعبه ووجوده البسيط… رحل فجأة، تاركًا خلفه فراغًا ثقيلًا لا يُحتمل.
لكن أكثر ما كان يربكها…
هو صورة ديلان.
تلك الفتاة التي حضرت الجنازة منهارة، تبكي فوق قبر أبيها بحرقة مزّقت القلوب.
أغمضت حسنية عينيها بقوة.
ما زالت تسمع صوت صراخها حتى الآن…
"أبي… لا تتركني…"
ارتجف قلبها بعنف.
وفي الجهة المقابلة، كانت ميرال تجلس بهدوء مريب، ساق فوق الأخرى، تعبث بهاتفها وكأن شيئًا لم يحدث.
لم تبكِ.
لم تحزن.
بل بدا على وجهها ضيق خافت من طول أيام العزاء فقط.
رفعت حسنية نظرها إليها، وقالت بصوت متعب:
حسنية: لا أستطيع أن أنسى منظرها ذلك اليوم…
لم ترفع ميرال رأسها:
ميرال: من؟.
حسنية: ديلان…
حين ارتمت فوق جثة أبيها… والله شعرت أن قلبي انخلع عليها.
تنهدت ميرال ببرود، ثم وضعت هاتفها جانبًا.
ميرال: طبيعي… مات أبوها وبقيت وحيدة.
سكتت لحظة، ثم أضافت بنبرة خالية من أي تعاطف:
ميرال: لكنها في النهاية ستتجاوز الأمر.
حدقت بها حسنية بعدم تصديق.
كيف يمكنها أن تتحدث بهذه البرودة…؟ كيف لم تكترث لرحيل ذلك الرجل الذي رباها صغيرة ، حقا ليس اباها لكنه مان نعم الاب، فقد إعتنى بها ولم يفرقها يوما عن ابنته،
كيف لا تهتز ولو قليلًا بعدما رأت انهيار ديلان ذلك اليوم؟.
قالت بصوت منخفض:
حسنية: مهما كان… عباس لم يكن رجلًا سيئًا، فهو من رباك واعتنى بك مثل إبنته.
ابتسمت ميرال بسخرية خفيفة.
ميرال: إنه ليس أبي، وليس برجل ذو شخصية بل كان ضعيفًا…
ضعيفًا لدرجة أنه سمح لتلك الفتاة أن تتحكم به طوال عمره.
انعقد حاجبا حسنية:
حسنية: ميرال!… لا تقولي هذا.
نهضت ميرال من مكانها ببطء، ثم اقتربت من النافذة.
كانت الأضواء الخافتة القادمة من الخارج تنعكس على وجهها، فتجعله أكثر قسوة.
تحدثت ميرال دون أن تلتفت:
ميرال: أمي… لنكن صريحَتين لمرة واحدة فقط.
ألم يكن وجوده هو وديلان عبئًا علينا جميعًا؟.
اتسعت عينا حسنية بصدمة:
حسنية: كيف تقولين هذا؟!، لقد كان رجل البيت!،
كما إنها صاحبة هذا البيت أيضا! بعد وفاة ابيها فهي وريثته!.
استدارت ميرال إليها فجأة.
وفي عينيها شيء مظلم… شيء يشبه الحقد القديم.
ميرال: ابنة هذا البيت؟،
وهل عاملتنا يومًا كعائلة؟،
كانت دائمًا مختلفة… مختلفة في كل شيء!،
عباس لم يكن يرى سواها!،
كل تعبه؛ كل اهتمامه؛ كل خوفه كان لها هي فقط!.
خفضت حسنية رأسها بصمت.
لأن جزءًا منها…
كان يعلم أن ابنتها لا تقول الحقيقة.
عباس كان متعلقًا بديلان بصورة واضحة، ربما لأنها كانت تذكره بزوجته الراحلة، وربما لأنه شعر دائمًا بأنها الأضعف بينهم.
لكن هذا لا يبرر القسوة التي في صوت ميرال الآن.
قالت حسنية بتردد:
حسنية: لكنها خسرت أباها يا ميرال…
قهقهت ميرال بخفة باردة:
ميرال: وربحت قصرًا ورجلًا شابا وسيما وفوق ذلك ثريًا.
ثم اقتربت أكثر، وقالت وهي تنظر مباشرة في عيني أمها:
ميرال: هل رأيتِ كيف كان باران يحيطها ذلك اليوم؟،
كيف لم يسمح لأحد أن يقترب منها وهي تبكي؟،
حتى في المقبرة… كان يقف خلفها كأنه يحرسها.
شعرت حسنية بشيء من القلق.
حسنية: وهذا ما يخيفني…
لا أحد يعلم ما الذي يحدث معها هناك.
باران رجل مخيف يا ابنتي… عيناه لا تطمئنان، لقد سمعت عن افعاله الدنيئة من عباس قبل وفاته، ومان ذلك سبب خوفه منه على إبنته.
رفعت ميرال كتفيها بلا مبالاة.
ميرال: لو كان يؤذيها… لما كانت عادت معه ذالك اليوم بهدوء.
ثم ابتسمت ابتسامة جانبية خبيثة:
ميرال: بل ربما… بدأت تعجبها حياتها الجديدة.
ثم قهقهت ساخرة من حياة ديلان، وهي تتخيل مشهدا، لمعاملة باران الدنيئة لها، وكيف سحق عفتها وشرفها تحت اقدامه.
شعرت حسنية بانقباض في قلبها.
شيء ما داخلها كان يرفض هذه الكلمات.
تذكرت وجه ديلان الشاحب؛
يديها المرتجفتين؛
وعينيها الغارقتين في الحزن.
لا…
تلك الفتاة لم تكن سعيدة.
كانت مكسورة.
لكنها رغم ذلك…
ركبت سيارة باران وغادرت معه دون اعتراض، لأنها لم تعد تملك مكانًا آخر تذهب إليه.
جلست حسنية بصمت طويل، ثم قالت بهدوء متردد:
حسنية: أخشى أن نكون ظلمناها كثيرًا…
ساد الصمت فجأة.
التفتت ميرال إليها ببطء، وكأن الجملة أزعجتها.
ميرال: ظلمناها؟!،
أمي؛ نحن بالكاد كنا نتحمل وجودها!،
كانت تذكرنا دائمًا بفقرنا، تمثل علينا العفة والبراءة، تقدم لنا دروسا ومواعظ، تتفاخر بأن عباس أبيها هي وفقط، بمشاكل البيت بكل شيء كئيب في حياتنا!.
ثم اقتربت منها أكثر، وانخفض صوتها:
ميرال: اسمعيني جيدًا…
ديلان خرجت من هنا، وتزوجت رجلًا غنيًا، وانتهى الأمر.
أما نحن… فعلينا أن نفكر في أنفسنا أخيرًا.
ارتجفت شفتا حسنية قليلًا.
وقالت بصوت خافت:
حسنية: لكن عباس… لو كان حيًا، لما سامحنا على أشياء كثيرة، وفي الأساس هذا بيت أبيها ولها حق فيه.
لأول مرة، خفتت ابتسامة ميرال قليلًا.
لكنها سرعان ما تماسكت، وقالت ببرود:
ميرال: عباس مات يا أمي؛ ولا مكان لديلان هنا سمعتني، هي الآن تتنعم في ثراء ذالك الشاب الوسيم، ونحن هنا نختنق من الفقر والبؤس، فكري كيف سنعيش ليس لنا دخل، وذلك الثري بعد ان علم بخطتنا، فلن يساعدنا، ولربما قطع عليك معاش عباس....
كانت الجمل قاسية…
قاسية لدرجة أن حسنية شعرت بها كطعنة.
أما ميرال، فأدارت ظهرها بهدوء.
ميرال:سأدخل لأنام… لقد كان يومًا طويلًا.
ثم توقفت عند باب الممر، وأضافت دون أن تلتفت:
ميرال: وغدًا… سنبدأ حياة جديدة.
اختفى صوت خطواتها تدريجيًا.
وبقيت حسنية وحدها في الصالة.
نظرت حولها ببطء؛
إلى الجدران القديمة؛
إلى كرسي عباس الفارغ؛
إلى كوب الشاي الذي لم يشربه صباحًا.
وفجأة…
شعرت بأن البيت كله يحدق بها.
وكأن الجدران تعرف.
تعرف ما أخفوه!،
وما قالوه؛،
وما فعلوه بديلان عبر السنوات؛ و أكثر شيء ما فعلوه بها مؤخرا.
ضمت عباءتها حولها أكثر، محاولة طرد ذلك الشعور الثقيل.
لكن شيئًا صغيرًا داخلها…
كان يرفض الصمت.
يرفض تصديق أن كل ما حدث كان عاديًا.
وفي تلك الليلة…
نامت ميرال مطمئنة.
أما حسنية…
فظلت مستيقظة حتى الفجر، تحدق في الظلام، بينما صوت بكاء ديلان عند القبر يطاردها بلا رحمة.
وفي مكانٍ ما…
كان القدر يراقب بصمت.
لأن الظلم قد يصمت طويلًا…
لكنه لا يموت أبدًا.
----------****/////***----
تسللت خيوط الفجر الأولى بهدوء إلى جناح ديلان، تنثر نورًا باهتًا فوق الجدران الهادئة، بينما كان القصر غارقًا في سكونٍ عميق لا يقطعه سوى صوت الرياح الخفيفة خلف النوافذ.
فتحت ديلان عينيها ببطء.
لبضع ثوانٍ… بقيت تحدق في السقف بشرود، قبل أن يعود إليها ذلك الألم الثقيل الذي صار يوقظها كل صباح.
أبي مات…
كانت الفكرة لا تزال تبدو غريبة، قاسية، وكأن عقلها يرفض تصديقها رغم أنها بكت فوق قبره ولمسته بيديها بالأمس.
أغمضت عينيها للحظة، وشعرت بغصة تخنق صدرها.
لكنها دفعتها بصعوبة إلى الداخل.
ثم نهضت بهدوء من فراشها.
كانت حركتها بطيئة، متعبة، وكأن الحزن استنزف حتى قوتها الجسدية.
اتجهت نحو سجادة الصلاة، وتوضأت، ثم وقفت بين يدي الله.
وما إن كبّرت للصلاة…
حتى ارتجف قلبها.
في كل سجدة، كان وجه والدها يمر أمامها.
ابتسامته… صوته… دعاؤه لها دائمًا.
اختنقت دموعها أكثر من مرة، لكنها تماسكت.
كانت تشعر أن الصلاة وحدها هي الشيء الذي يبقيها واقفة حتى الآن.
بعد أن انتهت، بقيت جالسة طويلًا، ترفع يديها بالدعاء.
همست بصوت مرتجف:
ديلان يا رب… اربط على قلبي…
يا رب لا تتركني وحدي…
اغفر لأبي وارحمه… واجعلني ابنةً صالحة يفتخر بها حتى بعد موته.(هذا دعائي انا😥😥🤲).
ثم فتحت مصحفها، وبدأت تتلو وردها اليومي بصوت خافت.
وكان صوت القرآن يملأ الغرفة بسكينة دافئة، كأن روحها المنهكة تتعلق بكل آية حتى لا تغرق في الحزن.
بعد مدة، أغلقت المصحف برفق.
تنهدت بعمق، ثم نهضت لتبدّل ملابسها.
ورغم أن باران أخبرها بالأمس أن تركز على دراستها، إلا أن تربيتها البسيطة لم تسمح لها أن تبقى جالسة بينما زينب تعمل وحدها في المطبخ.
لذلك رتبت حجابها سريعًا، واتجهت نحو الباب وهي تنوي النزول لمساعدة زينب في إعداد الإفطار.
لكن ما إن فتحت الباب…
حتى تجمدت مكانها.
كان باران يقف أمام باب غرفتها في جناحه.
شعرت ديلان بارتباك مفاجئ.
فهو لم يعتد أن يأتي بنفسه إلى غرفتها… لا بهذه الطريقة الهادئة على الأقل.
أما باران…
فقد توقف للحظة عندما رآها.
كانت ملامحها مرهقة، وعيناها لا تزالان تحملان أثر البكاء، لكنها بدت هادئة بصورة غريبة هذا الصباح.
هادئة؛ وضعيفة؛ ونقية بشكل أربكه دون أن يفهم السبب.
قال أخيرًا بصوت منخفض:
باران: صباح الخير؛ كيف أصبحتِ اليوم؟.
اتسعت عينا ديلان بدهشة واضحة.
حتى نبرة صوته كانت مختلفة.
لا صراخ.
لا أوامر.
لا ذلك البرود القاسي الذي اعتادته منه.
بل؛ شيء أقرب إلى اللطف.
أجابته بعد لحظة تردد:
ديلان: صباح الخير…
أنا بخير… أحاول فقط أن أتأقلم مع حزني على أبي.
شعر باران بشيء ينقبض داخل صدره عند سماعها تقول "أبي" بذلك الانكسار.
خفض عينيه قليلًا، ثم قال بهدوء:
باران: سيخف الألم مع الوقت… مهما بدا الآن مستحيلًا.
كان يقولها وكأنه يتحدث عن نفسه أيضًا.
عن ذلك الطفل الذي ظل سنوات ينتظر أن يخف وجعه، ولم يخف أبدًا.
لكنه لم يُظهر شيئًا من ذلك.
مدّ يده نحوها بورقة مطوية:
باران: بعد الإفطار سيأتي أساتذة آخرون لبقية المواد.
لقد جهزوا لكِ برنامج مراجعة كاملًا.
تناولت الورقة بارتباك، ونظرت إليها.
كانت مرتبة بعناية؛ ساعات؛ مواد؛ مواعيد للأساتذة.
رفع عينيه إليها مجددًا:
باران: هذا استعمال الزمن.
عدّليه كما تريدين؛ واختاري المواعيد المناسبة لكِ، وكذلك الأساتذة إن لم يناسبك أحد منهم.
رمشت ديلان بعدم تصديق.
هل يمنحها حرية الاختيار…؟،
أكمل بنبرة أكثر جدية:
باران: لكن لدي شرط.
رفعت رأسها نحوه بصمت.
باران: التزمي بالدراسة بجدية.
ركزي فقط على الأشياء التي فاتتك أو تجدين صعوبة فيها؛ ولا تضيعي وقتك في الإرهاق.
أومأت ديلان برأسها بهدوء:
ديلان: حسنًا.
ثم استدارت متجهة نحو الخارج.
لكن صوته أوقفها:
باران:إلى أين؟.
التفتت نحوه:
ديلان: إلى الأسفل… سأساعد أختي زينب في إعداد الإفطار.
عقد باران حاجبيه فورًا، وكأن الفكرة أزعجته.
ثم قال بحزم هادئ:
باران: من اليوم… اهتمي بدراستك فقط.
تجمدت ديلان مكانها.
أما هو فأكمل:
باران: لا عمل لكِ في أعمال البيت.
الخدم سيعودون اليوم، وكل شيء سيُنجز دون حاجتكِ.
اتسعت عيناها أكثر.
لم تستطع إخفاء صدمتها.
أليس هو نفسه من أخبرها سابقًا أنها ستعيش خادمة داخل هذا القصر…؟،
أليس هو من كان يتعمد كسرها بكل كلمة…؟.
وكأن باران قرأ أفكارها؛
فابتسم ابتسامة خفيفة نادرة، بالكاد ظهرت على شفتيه.
وقال:
باران: ومن اليوم أيضًا… ستعتنين بطعامكِ ونومكِ جيدًا.
التركيز يحتاج جسدًا مرتاحًا… مفهوم؟.
بقيت تحدق به بصمت.
لا تزال غير قادرة على فهم هذا التغير المفاجئ.
أما هو…
فشعر للمرة الأولى بثقل الكلمات التي قالها لها في الماضي.
تلك الكلمات التي كانت تلمع بالخوف داخل عينيها كلما نظر إليها.
خفض صوته أكثر:
باران: ولا شأن لكِ بأي شيء آخر… فأنتِ لستِ خادمة في هذا القصر…
ثم توقف فجأة.
كأن شيئًا منعه من إكمال الجملة.
لأن الحقيقة التي كاد يقولها أخافته هو نفسه.
"أنتِ زوجتي…"
لكن حتى هذه الكلمة لم يكن يعرف كيف ينطقها دون أن يشعر باختناق غريب.
استدار سريعًا قبل أن ترى اضطرابه.
وغادر الجناح بخطوات ثابتة.
أما ديلان…
فظلت واقفة مكانها لثوانٍ طويلة، تحدق في الفراغ بذهول.
هل هذا حقًا باران…؟،
ذلك الرجل الذي كان قبل أيام فقط يصرخ في وجهها بعنف، ويهددها، ويبدو مستعدًا لتحطيمها بالكامل…؟،
أم أن هناك رجلًا آخر يختبئ خلف تلك القسوة، لم تره من قبل؟،
وضعت يدها فوق صدرها ببطء.
كانت تشعر بارتباك غريب،
وخوف غريب أيضا،
وشيء آخر لم تستطع تفسيره.
أما في الخارج…
فكان باران يسير في الممر محاولًا تجاهل الفوضى التي تعصف داخله.
لأول مرة منذ سنوات طويلة،
كان يخاف من نفسه.
لأنه بدأ يلين أمام فتاة كان ينوي يومًا أن يحطمها بيديه.
_____//////------/////-----
نزلت ديلان درجات السلم ببطء، تمسك طرف ثوبها بخفة، بينما كان عقلها لا يزال عالقًا في حديث باران قبل قليل.
كل كلمة قالها…
كل نظرة…
كل ذلك الهدوء الغريب الذي لم تعتده منه.
كانت تشعر وكأنها تعيش مع رجلين مختلفين تمامًا؛
أحدهما قاسٍ، متسلط، مخيف،
والآخر، لا تعرفه بعد.
ما إن وصلت إلى الطابق السفلي حتى توقفت للحظة.
نظرت حولها بدهشة خفيفة.
عاد القصر كما كان سابقًا.
الخدم يتحركون في كل مكان بنظام وهدوء، يحملون الأطباق، يرتبون الزهور، وينظفون الأرجاء، بينما كانت زينب تقف في المنتصف تراقب الجميع بعين دقيقة، تستعيد دورها القديم كمشرفة على شؤون القصر.
وكأن الفوضى التي اجتاحت المكان الأيام الماضية، انتهت فجأة.
شعرت ديلان بغصة صغيرة.
الحياة تستمر…
حتى بعد الموت.
حتى بعد أن ينكسر قلب إنسان بالكامل.
رفعت زينب رأسها، وما إن رأت ديلان حتى ارتسمت على وجهها ابتسامة دافئة مليئة بالحنان.
اقتربت منها بسرعة:
زينب:صباح الخير يا ابنتي… هل نمتِ جيدًا؟.
ابتسمت ديلان ابتسامة باهتة:
ديلان: الحمد لله يا أختي زينب.
تأملتها زينب بحنان موجوع.
كانت ترى بوضوح آثار الحزن في وجهها الشاحب، لكن هناك شيئًا آخر أيضًا…
شيئًا يشبه الهدوء بعد العاصفة.
قالت برفق:
زينب: تعالي يا ابنتي… الإفطار جاهز.
التفتت ديلان نحو غرفة الطعام…
فتجمدت قليلًا.
كانت الطاولة ممتلئة بأصناف الطعام المختلفة؛ خبز ساخن، أجبان، عسل، فواكه، عصائر، وأطباق كثيرة أُعدّت بعناية واضحة.
لم تعتد هذا البذخ.
ولم تعتد أن يُجهز كل هذا من أجلها.
شعرت بغرابة تسري داخلها.
وكأن هذا القصر يحاول كل يوم أن يذكرها بأنها أصبحت في عالم لا يشبه حياتها السابقة أبدًا.
دخلت بهدوء.
فوجدت باران جالسًا على رأس الطاولة، يرتشف قهوته بصمت بينما يطالع بعض الأوراق أمامه.
رفع عينيه نحوها فور دخولها.
وللحظة…
توقفت عيناه عليها أطول مما ينبغي.
كانت تبدو هادئة هذا الصباح، بسيطة، بريئة بطريقة تؤلمه دون سبب مفهوم.
أشار بيده نحو المقعد المقابل له: ـباران: اجلسي.
جلست ديلان بهدوء، وهي لا تزال تشعر بشيء من التوتر قربه.
بدأت تتناول إفطارها ببطء، لكن عقلها لم يتوقف عن التفكير.
ما الذي حدث له…؟،
كيف تحول فجأة من رجل يهددها بالقسوة، إلى رجل يهتم إن كانت تناولت طعامها أو نالت قسطًا كافيًا من النوم…؟،
رفعت عينيها نحوه بخلسة.
كان يبدو مختلفًا حتى في جلسته؛ أكثر هدوءًا، أقل قسوة.
أما باران…
فكان يراقبها بصمت دون أن تشعر.
لاحظ كيف تأكل بخجل، وكيف تتردد قبل أن تمد يدها لأي طبق، وكأنها تخشى أن تكون عبئًا حتى على الطعام.
شيء ما انقبض داخله.
تذكر طفولته القاسية…
تذكر كيف لم يهتم أحد يومًا إن أكل أو نام أو تألم.
ولهذا تحديدًا…
لم يكن يريد لها أن تشعر بذلك.
وضع فنجان القهوة جانبًا أخيرًا، ثم التفت إليها قائلاً:
باران: لقد طلبت من الخدم تجهيز غرفة خاصة لكِ للمراجعة.
توقفت يد ديلان عن الحركة، ورفعت نظرها إليه بدهشة.
أكمل بهدوء:
باران: ستكون على شكل قاعة دراسة.
الأساتذة سيتناوبون عليها حسب الجدول الذي أعطيتكِ إياه.
ثم أضاف وهو ينظر مباشرة إلى عينيها:
باران: وأنتِ حرة تمامًا في تغيير المواعيد كما يناسبكِ.
اتسعت عيناها أكثر.
"حرة…"
كم بدت الكلمة غريبة حين تخرج من فمه.
قالت بتردد:
ديلان: لا داعي لكل هذا… أستطيع الدراسة في غرفتي.
عقد حاجبيه قليلًا:
باران: قلت إنكِ تحتاجين للتركيز.
ثم أردف بنبرة حازمة لكنها هادئة: ولن أسمح لأي شيء أن يشتتكِ عن امتحاناتكِ.
شعرت ديلان بحرارة خفيفة في صدرها.
كانت هذه أول مرة منذ وفاة والدها تشعر أن هناك من يهتم فعلًا بما سيحدث لها مستقبلًا.
لكن هذا الاهتمام جاء من آخر شخص توقعته.
خفضت عينيها بسرعة وهي تهمس:
ديلان: شكرًا…
توقفت الكلمة على لسانها بغرابة.
أما باران…
فشعر بشيء دافئ يمر داخله عندما سمعها تشكره بذلك الصوت الهادئ.
لكنه أخفى كل شيء خلف ملامحه الجامدة.
استقام من مكانه أخيرًا، والتقط سترته السوداء.
ثم قال قبل أن يغادر:
باران: إذا احتجتِ أي شيء… اطلبيه من زينب.
هي ستتكفل بكل ما تريدينه.
ثم أضاف بعد لحظة قصيرة:
باران: ولا ترهقي نفسكِ أكثر من اللازم.
تجمدت ديلان قليلًا.
كانت تسمع اهتمامًا حقيقيًا في صوته، اهتمامًا لا يبدو مصطنعًا.
أما هو، فاستدار متجهًا نحو باب القصر.
لكن قبل أن يخرج…
توقف لثانية دون أن يلتفت إليها.
وكأنه يريد قول شيء آخر.
شيء بقي عالقًا في صدره.
لكنه في النهاية غادر بصمت.
وما إن أغلق الباب خلفه،
حتى بقيت ديلان جالسة مكانها تحدق نحو الفراغ.
كانت تشعر باضطراب غريب داخلها.
هذا الرجل…
هل هو حقًا الوحش نفسه الذي أرعبها سابقًا؟،
الرجل الذي ظنت أنه لن يعرف الرحمة يومًا؟.
أم أن خلف تلك القسوة قلبًا يحاول الخروج للمرة الأولى، وهو لا يعرف كيف؟.
أما زينب…
فكانت تراقب ديلان بصمت من بعيد.
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة دافئة.
لأنها، ولأول مرة منذ سنوات طويلة…
رأت باران يعامل أحدًا بهذا القدر من الاهتمام.
___///****/////////****///__
تسللت خيوط الصباح الباهتة إلى غرفة ميرال بصعوبة، عبر الستائر الثقيلة نصف المغلقة، بينما كان الصمت يلفّ المنزل بعد أيام وليال طويلة من العزاء والتعب.
كانت ميرال نائمة بعمق، غارقة في نومٍ ثقيل، كأنها تحاول الهروب من كل ما حدث بالأمس.
وفجأة…
انطلق رنين هاتفها الحاد ممزقًا السكون.
تململت بانزعاج، ثم سحبت الغطاء فوق رأسها وهي تتمتم بغضب:
ميرال: من عديم الذوق الذي يتصل في هذا الوقت…؟!،
لكن الهاتف لم يتوقف.
رنّة تلو الأخرى؛ بإلحاحٍ مستفز.
فتحت عينيها أخيرًا بعصبية، ومدّت يدها تتحسس الهاتف فوق الطاولة الصغيرة بجانب السرير.
كانت ملامحها متجهمة، وشعرها مبعثرًا حول وجهها، حتى إنها كانت على وشك أن تغلق الاتصال مباشرة…
لكن ما إن وقع نظرها على الاسم المضيء فوق الشاشة…
حتى شهقت بخفة.
واعتدلت في جلستها فورًا.
ثم أسرعت ترتب شعرها وثياب نومها بتوتر غريزي، وكأنه يقف أمامها بالفعل ويراقبها.
ظهر الاسم واضحًا على الشاشة:
"جلال".
ذلك الرجل الذي دخل حياتها كعاصفة ناعمة، يغمرها بالكلمات الجميلة والاهتمام المفرط… بينما خلف ابتسامته الساحرة، كانت تختبئ أطماع لا تراها ميرال بعد.
ابتلعت ريقها سريعًا، ثم فتحت الاتصال بصوت حاولت أن تجعله رقيقًا:
ميرال: صباح الخير…
لكنها لم تكمل.
قاطعها صوته الرجولي الخافت، المليء بنبرة امتلاك ناعمة:
جلال: صباح الخير؟،
وهل هذا وقت تختفين فيه عني كل هذه الأيام؟،
أتعلمين كم اشتقت لكِ؟.
شعرت ميرال بابتسامة تتسلل إلى شفتيها رغمًا عنها.
ذلك الرجل كان يعرف جيدًا كيف يجعلها تشعر بأنها أهم امرأة في العالم.
قالت وهي تعبث بطرف الغطاء بخجل مصطنع:
ميرال: زوج أمي توفي… والبيت كان مليئًا بالناس طوال الوقت.
لم أستطع التسلل والخروج إليك.
ساد صمت قصير من الجهة الأخرى، قبل أن يأتي صوته أكثر نعومة:
جلال: لكنني كنت أحتاجكِ…
أغمضت ميرال عينيها للحظة.
وكم كانت تحب تلك الطريقة التي يتحدث بها إليها…
كأنها الشيء الوحيد الذي يريده في هذه الدنيا.
عضّت شفتها السفلى بخفة، ثم همست بصوت خرج كنسمة حالمة:
ميرال: وأنا أيضًا… اشتقت إليك.
ابتسم جلال في الطرف الآخر ابتسامة خبيثة لم ترها.
كان مستلقيًا على أريكته الفاخرة في تلك الشقة التي يستقبل فيها النساء واحدة تلو الأخرى، يعبث بقداحته المعدنية بملل.
هو لا يشتاق إليها حقًا…
لكنه يعرف جيدًا كيف يصنع من الكلمات شِراكًا ناعمة.
قال بصوت دافئ متعمد:
جلال: أريد أن أراكِ اليوم… ولا أقبل أي حجة هذه المرة.
أقسم أنني لم أعد أطيق الاستيقاظ دون أن أسمع صوتك أو أراكِ أمامي.
ارتجف قلب ميرال بسعادة حمقاء.
كم حلمت أن تسمع من رجل كلمات كهذه…
كلمات تجعلها تشعر بأنها مرغوبة، مميزة، مختلفة.
لكن خوفًا صغيرًا تسلل إلى داخلها.
قالت بتردد: لا أستطيع اليوم…
قلت لك، زوج أمي توفي، وأمي بدأت تلاحظ غيابي كثيرًا.
ماذا سأقول لها إن سألتني؟.
ضحك جلال ضحكة منخفضة كسولة.
ثم قال بمكر:قولي لها إن حبيبك اشتاق إليكِ.
احمرّ وجه ميرال فورًا، وضحكت بخفة وهي تخفض رأسها:
ميرال: أنت مجنون…
أغمض جلال عينيه مبتسمًا بسخرية خفية.
كم كان الأمر سهلًا معها…
مجرد كلمات قليلة، فتذوب تمامًا.
قال بصوت أكثر قربًا:
جلال: مجنون بكِ أنتِ يا قلبي.
اختلقي أي حجة وتعالي.
أنا بانتظارك في الشقة… هيا بسرعة، وإلا سأضطر للمجيء بنفسي.
انتفضت ميرال من مكانها فورًا.
اختفت الابتسامة من وجهها، واتسعت عيناها بذعر حقيقي:
ميرال: لا!.
إياك أن تأتي إلى هنا!
استمتع جلال بتوترها.
كان يعرف أن خوفها منه جزء مما يجعلها تتعلق به أكثر.
قال بنبرة هادئة متلاعبة:
جلال: إذن تعالي أنتِ.
ماذا أفعل بقلبي هذا الذي اشتاق إليكِ؟
صدقيني… لم أعد أحتمل غيابك.
شعرت ميرال بأنفاسها تتسارع.
وفي داخلها… كانت تصدق كل كلمة.
قالت بسرعة:حسنًا… حسنًا، سأتصرف.
لكن لا تقل مرة أخرى إنك ستأتي إلى هنا.
ابتسم جلال بخبث، ثم قال: هذا أفضل.
أمامك نصف ساعة فقط… وأريدك عندي.
لا تتأخري، فأنا بدأت أفقد صبري.
ثم أغلق الخط فجأة.
بقيت ميرال تحدق في شاشة الهاتف لثوانٍ طويلة.
كانت ابتسامة واسعة ترتسم على شفتيها، وعيناها تلمعان بسعادة غبية، كأنها فتاة مراهقة تعيش أول قصة حب في حياتها.
وضعت الهاتف فوق صدرها، ثم استلقت للحظة وهي تتخيل لقاءه… كلماته… نظرته…
لكن فجأة…
تجمدت ابتسامتها.
اعتدلت بسرعة وهي تهمس:
ميرال: يا إلهي… ماذا سأقول لأمي؟!.
بدأت تفرك مؤخرة رأسها بتوتر وهي تنهض من السرير ذهابًا وإيابًا.
ميرال: فكري يا ميرال… فكري…
ثم أطلقت ضحكة صغيرة واثقة:
ميرال: أمي ساذجة أصلًا… ستصدق أي كذبة أقولها.
سكتت لحظة، تفكر بسرعة.
وفجأة…
لمعت الفكرة في رأسها.
اتسعت ابتسامتها بانتصار، وصفقت بيديها بخفة: وجدتها!.
أسرعت نحو خزانتها تفتحها بعجلة، وبدأت تبحث بين الملابس بعينين متحمستين.
وفي الخارج…
كان البيت لا يزال غارقًا في حزن الموت.
أما داخل غرفة ميرال…
فكانت تستعد للذهاب إلى رجل لا يرى فيها سوى لعبة مؤقتة، بينما هي تظنه حبًا سيغيّر حياتها.
