الفصل العاشر10
بقلم عاشقة القلم
جلس باران على كرسيه الوثير، وأرخى جسده فيه ببطء، كأنما يُسلّم ظهره لراحةٍ مؤقتة، بينما عقله كان في أقصى درجات التيقّظ. عيناه شاردتان في نقطةٍ بعيدة، لكن ما يدور داخله لم يكن شاردًا أبدًا… بل كان يتشكّل بدقةٍ مريبة.
ترددت كلمات السكرتيرة في ذهنه، لا كجملٍ عابرة، بل كمفتاحٍ، كسرٍّ صغير فتح أمامه بابًا واسعًا.
ابتسامةٌ خفيفة، بالكاد تُرى، زحفت إلى شفتيه، قبل أن تتسع شيئًا فشيئًا، وتتحول إلى تعبيرٍ يحمل مزيجًا من الرضا، والخبث في آن واحد.
تمتم بصوتٍ خافت، كأنما يخاطب أفكاره:
باران:"كل إنسان… له نقطة ضعف… وكل قلب… له باب يُفتح من جهةٍ واحدة."
اعتدل في جلسته، ومدّ يده نحو هاتفه، والتقطه بثقةٍ لا تعرف التردد. ضغط على رقمٍ محفوظ، ولم ينتظر طويلًا.
جاءه الصوت من الطرف الآخر، حادًا ومطيعًا:
شتاي: حاضر يا سيدي.
لم يُضِع باران وقتًا في مقدمات، صوته خرج منخفضًا، لكن محمّلًا بأمرٍ لا يُناقش:
باران: شتاي… استمع جيدًا لما سأقوله لك. أريد كل شيء أن يتم كما أطلب… دون خطأ واحد.
ساد صمتٌ قصير، كأن الطرف الآخر ينصت بكل حواسه.
شتاي: كما تأمر، سيدي. سيتم الأمر فورًا.
لم يشرح أكثر عبر الهاتف، لكن نبرته كانت كافية لتوحي بأن ما يُدبَّر ليس أمرًا عاديًا. أنهى المكالمة، وأعاد الهاتف إلى الطاولة أمامه، ثم مرر أصابعه على سطح المكتب ببطء، وكأنه يرسم خيوط خطته على أرضٍ غير مرئية.
لم تمضِ ثوانٍ حتى عاد والتقط الهاتف مرةً أخرى، لكن هذه المرة، كان صوته مختلفًا قليلًا. أكثر هدوءًا… وأكثر ترقبًا.
اتصل.
رنّ الهاتف في الجهة الأخرى، داخل المنزل، حيث كانت زينب تقف قرب المطبخ، تراقب ديلان بصمتٍ يحمل قلقًا خفيًا.
حين رأت اسم باران على الشاشة، شدّت قبضتها قليلًا، قبل أن تجيب بسرعة:
زينب: نعم، سيدي؟.
جاءها صوته واضحًا:
باران: هل ديلان بجانبك؟.
التفتت زينب نحو ديلان، التي كانت تقف قرب الطاولة، ملامحها متجمدة، لكنها لم تكن غافلة عمّا يدور.
قالت زينب:
زينب: نعم يا سيدي… إنها هنا.
توقف لثانية، ثم قال بنبرةٍ لا تقبل الرفض:
باران: أعطيها الهاتف. أريد التحدث معها.
شعرت زينب بانقباضٍ في صدرها، وكأنها تدفع ديلان نحو شيءٍ لا تعرف مداه. اقتربت منها، ومدّت الهاتف ببطء:
زينب:"إنه… يريد التحدث معكِ."
نظرت ديلان إلى الهاتف، للحظةٍ قصيرة، كأنها تزن قرارها… ثم أخذته.
رفعت الهاتف إلى أذنها، وصوتها خرج جافًا، خاليًا من أي ليونة: ديلان: نعم… ماذا تريد؟.
في الجهة الأخرى، اتسعت ابتسامة باران، كأنه كان ينتظر هذه النبرة تحديدًا.
قال بهدوءٍ محسوب:
باران: جهّزي لي الغداء. سأعود لأتناول طعامي في المنزل… وأرتاح قليلا.
صمتت لحظة، لكنه لم يمنحها فرصة للاعتراض، وأكمل:
باران: ليس لديّ مواعيد كثيرة اليوم. سأصل بعد قليل، وأريد كل شيء جاهزًا.
هل فهمتِ؟
كانت كلماته بسيطة في ظاهرها… لكنها حملت بين طياتها سلطةً خانقة، وضغطًا غير مرئي.
شدّت ديلان على الهاتف قليلًا، وعيناها لمعتا بشيءٍ يشبه الغضب المكبوت… لكنها لم تُجب.
ولم ينتظر.
أنهى المكالمة.
في تلك اللحظة، بقيت ديلان واقفة، تحدّق في الهاتف للحظات، وكأنها لم تُغلق الخط بعد، أو كأنها تحاول ابتلاع ما شعرت به.
أما زينب، فكانت تراقبها بصمت، تدرك أن ما يحدث ليس مجرد طلبٍ عادي، بل بداية شيءٍ أثقل.
على الجانب الآخر…
وضع باران الهاتف ببطء، وأسند رأسه قليلًا إلى الخلف، ثم أطلق ضحكةً منخفضة، خرجت من أعماقه كأنها إعلان انتصارٍ مبكر.
رفع يده، ومررها على ذقنه، وعيناه تلمعان ببرودٍ قاسٍ.
باران بهمسٍ خافت: لقد وقعتِ الآن… يا ديلان.
توقفت أنفاسه لحظة، ثم أردف بصوتٍ يحمل يقينًا مخيفًا:
باران:"خطوة واحدة فقط… وبعدها ستأتين بنفسك."
ساد الصمت من جديد…
لكن ذلك الصمت لم يكن فراغًا، بل كان امتلاءً بخطةٍ تتشكل، وبقلبٍ يستعدّ للانكسار… دون أن يدري.
-------****///***----
لم تمضِ سوى برهةٍ قصيرة، حتى اخترق صمت المكتب رنين الهاتف، حادًا كأنه يوقظ فكرةً لم تكتمل بعد.
انزلقت عينا باران نحو الشاشة… اسم "شتاي" يلمع عليها.
رفع الهاتف إلى أذنه ببطء، لكن في داخله كان شيءٌ ما قد بدأ يستعدّ.
باران: نعم، شتاي؟.
جاءه الصوت من الطرف الآخر سريعًا، يحمل نبرة التنفيذ دون سؤال:
شتاي: نعم يا سيدي… طلبك جاهز. هل آخذها إلى الشقة؟.
توقفت أنفاس باران لجزءٍ من الثانية… لا تردد، بل حساب.
ثم قال، بنبرةٍ حاسمة:
باران: لا. أحضرها إلى هنا. وعندما تصل إلى أمام الشركة… أخبرني، وسأنزل.
شتاي: كما تأمر، سيدي.
انتهت المكالمة، لكن أثرها لم ينتهِ.
وضع باران الهاتف ببطء، وأصابعه بقيت للحظةٍ فوقه، كأنها لم ترد أن تفارقه بعد.
في داخله… كان الشعور يتضخم.
لم يعد الأمر مجرد فكرة.
لقد بدأ التنفيذ.
مدّ يده إلى هاتف المكتب الثابت، ضغط الرقم، وعيناه ثابتتان، لا ارتعاش فيهما.
رنّ الخط.
في الخارج، داخل مكتب السكرتيرة، كانت شيناي تجلس أمام أوراقها، تحاول أن تغرق في العمل هربًا من شيءٍ لم تفهمه بعد…
لكن صوت الهاتف أعادها فجأة إلى الواقع.
رفعت السماعة:
شيناي: نعم، سيدي؟
جاءها صوته، هادئًا… أكثر من اللازم:
باران: هل عاكف وصل؟.
رفعت نظرها نحو باب مكتب عاكف، وكأنها تتحقق رغم يقينها:
شيناي: نعم يا سيدي… هو في مكتبه.
توقفت لحظة، شعرت أن شيئًا غير عادي سيأتي بعدها… وفعلاً:
باران: إذًا أخبريه أن لديّ عملًا طارئًا خارج الشركة… ولن أعود اليوم.
ساد صمتٌ قصير، لكنه لم يكن صمتًا عاديًا…
كان صمت تساؤلٍ لم تجرؤ على نطقه.
شيناي: حاضر، سيدي.
أغلق الخط.
بقيت شيناي ممسكة بالسماعة للحظة، تنظر إلى الفراغ أمامها.
قلبها لم يكن مطمئنًا…
شيءٌ في نبرته، في استعجاله، في تلك البرودة التي تخفي وراءها قرارًا كبيرًا، جعلها تشعر أن شيئًا ما يحدث، خلف الأبواب المغلقة.
أما في الداخل…
فلم تمر دقائق حتى عاد الهاتف يهتز مجددًا.
هذه المرة، لم ينظر باران إلى الشاشة، كأنه كان ينتظر الاتصال.
رفع الهاتف فورًا:
باران: نعم يا شتاي؟.
شتاي: كما أمرت، يا سيدي… أنا هنا في الأسفل.
لمع شيءٌ في عيني باران، شيءٌ أقرب إلى الترقب الممزوج بالظفر.
باران: دعها تنتظرني في السيارة، وأخبر السائق أن يجهز. سأخرج الآن.
شتاي: حاضر، سيدي.
أغلق الخط.
ساد الصمت لثانية واحدة، ثم نهض.
لم يكن نهوضًا عاديًا، بل كان كمن ينهض ليبدأ فصلًا جديدًا من خطته.
التقط متعلقاته بدقةٍ، وكأن كل حركةٍ محسوبة، ثم ارتدى سترته، وأغلق أزرارها بهدوءٍ متقن.
تقدم نحو الباب، فتحه، وخرج.
في الخارج، رفعت شيناي رأسها فور رؤيته.
توقفت أنفاسها للحظة، لم تعرف لماذا.
اقترب منها بخطواتٍ ثابتة، لا استعجال فيها… لكن فيها حسم.
باران: حولي كل ما يتعلق بي إلى عاكف، سأتصل به لاحقًا.
أومأت سريعًا:
شيناي: حاضر، سيدي.
لكنها لم تستطع منع نفسها من التحديق فيه وهو يلتفت،
كان هناك شيءٌ مختلف في ملامحه،
هدوءٌ لا يشبهه، أو ربما يشبهه أكثر مما ينبغي.
لم يلتفت إليها مجددًا.
مضى.
خرج من الشركة، والهواء الخارجي استقبله ببرودٍ خفيف، لكنه لم يشعر به.
كان داخله مشغولًا بما هو أبعد.
فتح باب السيارة، جلس، وأغلقه خلفه.
باران بهدوء مدروس: إلى القصر.
تحركت السيارة.
وفي الداخل، جلس باران، يحدّق من النافذة، لكن ما يراه لم يكن الشوارع،
بل ما سيحدث بعد قليل.
في مكانٍ ما، داخل تلك السيارة… كانت تنتظره.
ابتسامةٌ بطيئة ارتسمت على شفتيه.
لم تكن ابتسامة لقاء…
بل ابتسامة بداية السيطرة.
وفي مكانٍ آخر…
كانت خيوط اللعبة تُشدّ أكثر،
وقلبٌ ما، يقترب من اللحظة التي سيتصدع فيها، دون أن يدري.
_______****////****______
توقفت السيارة أمام القصر، وانطفأ هدير المحرك، ليحلّ مكانه صمتٌ ثقيل، صمتٌ يسبق شيئًا غير مألوف.
فتح باران الباب ونزل بخطوةٍ واثقة، ملامحه هادئة على السطح، لكن في عينيه شيءٌ آخر، شيءٌ لا يُقرأ بسهولة.
دار حول السيارة دون استعجال، بينما كانت الفتاة التي أحضرها شتاي تتبعه بخطواتٍ مترددة، كأنها لا تعرف إلى أين تُقاد، لكنها تدرك أنها لا تملك خيارًا.
بل جاءت بملئ إرادتها،
دخلا معًا إلى القصر.
بمجرد أن اجتاز العتبة، توقف باران لحظة، التفت إليها بنظرةٍ آمرة، لا تحتاج إلى شرح:
باران: اصعدي إلى الأعلى دون إثارة أي فوضى… وانتظريني في غرفة النوم...... مفهوم.
لم يرفع صوته، لكنه لم يترك مجالًا للرفض.
أومأت الفتاة بصمت، وانطلقت نحو الدرج، خطواتها خفيفة لكنها مضطربة، وقلبها يطرق صدرها بقلقٍ لا تعرف سببه تمامًا.
اختفى ظلّها في الأعلى،
أما هو؛
فاتجه بخطواتٍ ثابتة نحو المطبخ.
هناك، كانت ديلان تقف إلى جانب زينب، تنشغلان في إعداد الطعام.
رائحة الطبخ تعبّئ المكان، لكن الأجواء لم تكن دافئة، كانت مشحونة بشيءٍ غير مرئي.
ما إن وقع بصر ديلان عليه عند المدخل، حتى تجمدت للحظة، ثم رفعت نقابها بسرعةٍ لتغطي وجهها، وكأنها تحتمي به، أو تختبئ خلفه.
لم يفته ذلك.
بل… ابتسم.
ابتسامةٌ بطيئة، مائلة، تحمل في طياتها معرفةً مزعجة.
اقترب خطوة، وأسند كتفه إلى إطار الباب، كأنه يستمتع بالمشهد أمامه.
باران بمكرٍ هادئ: أحضري لي الطعام إلى غرفتي، سأتناوله هناك.
هيا، بسرعة… لا تُطيلِي، لا أريد أن أنتظر كثيرًا.
كانت كلماته عادية في ظاهرها، لكنها سقطت على ديلان كأمرٍ ثقيل.
تصلّب جسدها للحظة، ثم أجابت بصوتٍ خافت، حاولت أن تجعله ثابتًا:
ديلان: حاضر… ثوانٍ، وسألحق بك.
وقبل أن تتحرك، تقدمت زينب خطوة، وعيناها تتفحصان وجه ديلان بإشفاقٍ واضح، ثم قالت بسرعة:
زينب: ديلان متعبة قليلًا… سأحضره أنا لك.
ساد صمتٌ مفاجئ…
ثم انقلب.
استدار باران ببطء، ونظر إلى زينب نظرةً باردة، خالية من أي لين، قبل أن ينفجر صوته فجأة، حادًا كالسوط:
باران: قلتُ لها هي أن تحضره… وليس أنتِ.
تقدّم خطوة، وصوته انخفض… لكنه أصبح أكثر خطرًا:
باران: هل فهمتِ؟… ولا تجعليني أكرر كلامي.
توقفت أنفاس زينب، وانخفض بصرها فورًا.
هي تعرف… تعرف جيدًا ما يعنيه أن يعيد كلامه.
باران ببرودٍ قاتل: أنتِ تعلمين… عقاب ذلك.
سقطت كلماته في المكان، ثقيلة، خانقة، وكأنها أغلقت كل منفذٍ للهواء.
لم تجب زينب.
لم تستطع.
التفتت ببطء نحو ديلان، وبدأت تساعدها بصمت، ويداها ترتجفان قليلًا وهي تضع الأطباق على الصينية.
أما ديلان…
فكانت تعمل بصمتٍ مطبق، لكن داخلها كان صاخبًا.
شيءٌ ما لم يكن طبيعيًا.
نبرة صوته، إصراره، تلك النظرة التي لم تفهمها لكنها شعرت بثقلها في صدرها…
كل ذلك جعل قلبها ينقبض.
رفعت الصينية بيديها، وشعرت بثقلها، رغم أنها لم تكن كذلك.
تبادلت نظرة سريعة مع زينب،
نظرةٌ مليئة بشيءٍ لم يُقال.
قلق، وخوف، وتحذير صامت.
ثم استدارت.
اتجهت نحو الدرج.
خطوة، تليها أخرى…
ومع كل درجةٍ تصعدها، كان شعورٌ غامض يتسلل إلى داخلها، كأنها لا تحمل طعامًا فقط،
بل تحمل نفسها، إلى شيءٍ لا تعرف نهايته.
وفي الأسفل…
وقفت زينب مكانها للحظة، تراقب صعودها، وعيناها تتبعانها حتى اختفت.
------***///*****------
صعدت ديلان الدرج ببطء، تحمل الصينية بين يديها، وكأنها تحمل شيئًا أثقل من مجرد طعام.
كان قلبها يخفق على نحوٍ غير مريح، شعورٌ غامض يرافقها مع كل خطوة، كأن شيئًا ما ينتظرها في الأعلى، شيئًا لن يكون عاديًا.
وقفت أمام الباب.
طرقت طرقًا خفيفًا، مرة، ثم أخرى.
لا رد.
ترددت للحظة، نظرت إلى المقبض، ثم دفعت الباب ببطء.
انفتح…
وفي لحظةٍ واحدة، تجمّد الزمن.
اتسعت عيناها، وتخشّب جسدها في مكانه، كأن الأرض قد سحبت منها القدرة على الحركة.
كان باران… هناك…
يمسك بتلك الفتاة، يقبّلها بشراسة، بلا تردد، بلا اكتراث… كأن العالم كله خارج تلك اللحظة لا يعنيه.
ارتجفت يدا ديلان…
وانفلتت الصينية من بين أصابعها.
ارتطمت بالأرض بصوتٍ حاد، تناثر الطعام، وتبعثرت الصحون، لكن الصوت بدا بعيدًا، بعيدًا جدًا، مقارنةً بالضجيج الذي انفجر داخل صدرها.
توقف باران.
ابتعد عن الفتاة ببطء، والتفت نحو الصوت.
نظر أولًا إلى الفوضى على الأرض، ثم رفع عينيه نحو ديلان.
كانت واقفة، بلا حركة، وجهها شاحب، وعيناها ممتلئتان بصدمةٍ لم تعرف كيف تخفيها.
لثوانٍ… لم يتكلم.
ثم، فجأة، انفجر صوته:
باران: لماذا لم تطرقي الباب قبل أن تدخلي؟!.
اهتز جسدها مع صوته، كأنها عادت إلى الواقع قسرًا.
تلعثمت كلماتها، خرجت متكسرة، مغموسة بالذهول:
ديلان: لم… لم أتوقع أن تكون معك فتاة… ظننتك وحدك…
ارتفع حاجبه، ونظر إليها بنظرةٍ قاسية، تحمل شيئًا من التحدي:
باران: وما شأنكِ أنتِ إن كنتُ وحدي… أو برفقة فتاة؟.
تألم شيءٌ في داخلها عند كلماته، لكن الألم لم يُسكتها.
رفعت رأسها قليلًا، وصوتها خرج هذه المرة أكثر ثباتًا، رغم الارتجاف الخفي:
ديلان: ألا تعلم أن هذا… زنا؟.
وقد حرّم الله تعالى الزنا.
ساد صمتٌ ثقيل، حتى الفتاة التي كانت خلفه نظرت بدهشة.
لكن ديلان لم تتوقف…
كانت كلماتها تخرج وكأنها تحتمي بها، أو كأنها تتمسك بها كي لا تنهار:
ديلان بصوتٍ مختنق:
قال تعالى:
"الزانية والزاني فاجلدوا كل واحدٍ منهما مائة جلدة"…
كل ما تفعله الآن، ستحاسب عليه أشد حساب.
ارتجفت شفتاها، لكنها أكملت، وعيناها تمتلئان بدموعٍ لم تسقط بعد:
ديلان: كما تدين… تُدان.
تخيّل فقط… لو حدث هذا لشخصٍ عزيزٍ عليك…
تُب إلى الله قبل فوات الأوان.
ساد الصمت.
لكن هذه المرة، لم يكن صمت قوة، بل صمت صدمة.
لم تنتظر ردّه.
استدارت.
ومشت.
خطواتها كانت سريعة، كأنها تهرب، ليس منه فقط، بل من المشهد كله، من الشعور الذي كاد يمزقها.
خرجت.
أُغلقت الباب خلفها.
وفي الداخل…
قطعت الفتاة الصمت بسخريةٍ مستفزة:
الفتاة: ما الذي تقوله هذه الفتاة المتخلّفة؟.
لكنها لم تكمل.
في لحظة، التفت إليها باران، وعيناه اشتعلتا بغضبٍ لم تره من قبل.
أمسك بذراعها بقوة، وسحبها نحوه بعنف:
باران: اغربي عن وجهي الآن!.
ارتعبت، واتسعت عيناها.
صرخ بها باران : ولا أريد أن أراكِ مرةً أخرى!،
وإياكِ أن تلمحي لي في أي مكان… حتى ولو صدفة!.
تلعثمت:
الفتاة: آسفة… يا سيدي… لم أ.......
قاطعها، وصوته ازداد قسوة:
باران: من أنتِ حتى تسخري من زوجتي؟!.
تجمدت.
الفتاة بخوف ظاهر: لم… لم أعلم أنها زوجتك…
اقترب أكثر، وكلماته خرجت كصفعة:
باران: فتاةٌ قذرة مثلك، لا تفتح فمها ببنت شفة أمام زوجتي!.
ارتجف جسدها:
الفتاة: حاضر… يا باشا…
سحب يده منها بازدراء، فأسرعت نحو الباب، وخرجت كأنها تهرب من إعصار.
بقي وحده.
صامتًا.
الغرفة التي كانت منذ لحظات ممتلئة بالصخب، أصبحت الآن خانقة.
نظر إلى الأرض، إلى بقايا الطعام…
لكن ما رآه لم يكن الفوضى،
بل كلماتها.
"كما تدين… تُدان…"
جلس ببطء على حافة السرير، وأسند مرفقيه إلى ركبتيه، ومرر يده في شعره بعصبية.
شيءٌ ما داخله، لم يكن مستقرًا.
أما في الجهة الأخرى…
كانت ديلان قد وصلت إلى غرفتها.
أغلقت الباب خلفها…
وبمجرد أن استندت إليه…
انهارت.
سقطت على الأرض، كأن كل ما كانت تقاومه طوال الطريق قد تحطم دفعةً واحدة.
انفجرت دموعها… حارقة، متدفقة، بلا توقف.
ضمت نفسها، وانحنت قليلًا، وأنفاسها تتقطع، وكأنها تحاول النجاة من شيءٍ يضغط على صدرها.
رفعت يديها نحو السماء،
وصوتها خرج مكسورًا، لكنه صادق:
ديلان:"يا رب… أعلم أنه امتحانٌ صعب…
لكن خذ بيدي… وأرشدني إلى الطريق السليم…"
ارتجفت كلماتها، ودموعها لم تهدأ:
"لا تكلني إلى نفسي… واهدني… واهده يا رب إلى طريق الحق…
ولا تتركه لنزواته ورغباته… يا رب…"
بقيت على تلك الحال,
بين دموعٍ ودعاء,
بين ألمٍ وصبر,
وفي مكانٍ آخر من القصر؛
كان رجلٌ يجلس وحده؛
ولأول مرة؛
لم يكن متأكدًا، إن كان هو من يمسك بالخيوط…
أم أن شيئًا ما بدأ يفلت منها.
-----///**//******//**///-----
وقف باران فجأة واندفع باران خارج غرفته بخطواتٍ سريعة، كأن شيئًا في داخله يدفعه دفعًا لا رجعة فيه.
كان صدره يعلو ويهبط باضطرابٍ خفي، وعقله يعجّ بكلماتٍ لم تهدأ منذ أن غادرت ديلان تلك الغرفة.
"ألا تعلم أن هذا… زنا؟".
"الزانية والزاني فاجلدوا كل واحدٍ منهما مائة جلدة"
"كما تدين… تُدان…"
ترددت العبارات في رأسه كصدى ثقيل، لكنه لم يكن من النوع الذي يتراجع.
بل، من النوع الذي يحوّل التحدي إلى قرار.
وقف أمام باب غرفتها.
لحظةٌ واحدة فقط…
رفع يده، ثم فتح الباب دون تردد.
دخل.
كان المشهد أمامه كفيلًا بأن يوقف الزمن لثانيةٍ كاملة.
ديلان، كانت هناك.
ملقاة على الأرض قرب السرير، ملامحها منهكة، عيناها حمراوان من البكاء، ودموعها لم تجف بعد.
توقفت أنفاسه.
نظر إليها طويلًا، دون أن يتكلم.
لم يكن ينظر فقط، بل كان يقرأ.
يقرأ الانكسار، الألم، القوة التي قاومت حتى اللحظة الأخيرة.
رفعت ديلان رأسها حين شعرت بوجوده.
التقت عيناها بعينيه؛
لحظة صمتٍ مشحونة، كأن الهواء نفسه توقف بينهما.
ثم نهضت ببطء، جسدها لا يزال يرتجف، لكنها حاولت أن تثبت نفسها، أن لا تبدو ضعيفة أمامه.
رفعت ذقنها قليلًا، وقالت بصوتٍ مبحوح، لكنه واضح:
ديلان: ماذا تريد؟.
كانت كلمات بسيطة، لكنها خرجت محمّلة بكل ما تشعر به.
تقدم خطوة.
توقّف.
ثم قال، بنبرةٍ هادئة، هدوءٌ يخفي خلفه شيئًا أعنف:
باران: بما أنكِ تعرفين الحلال من الحرام…
تصلّب جسدها فورًا.
أكمل، وعيناه مثبتتان عليها:
باران: أنا طردتُ تلك الفتاة… لأنها حرام.
ارتجف شيءٌ في داخلها، لم تفهم إن كان خوفًا أم توقعًا لما سيأتي.
اقترب أكثر، وصوته ازداد ثقلًا:
باران: إذًا؛ أنتِ مُلزمة بالقيام بواجباتكِ نحوي كزوجة.
توسعت عيناها، وكأن الكلمات سقطت عليها فجأةً دون رحمة.
باران: وأظن أن هذا؛ حلال. وهذا حقي.
تراجعت خطوة دون وعي.
قلبها بدأ يخفق بعنف…
شيءٌ في صوته، في إصراره، جعلها تشعر أن الأرض تميد بها.
لكنّه لم يتوقف.
بل ألقى كلمته الأخيرة، كمن يحسم أمرًا لا نقاش فيه:
باران: لذلك؛ استعدّي.
صمت لحظة؛ ثم أردف:
باران: الليلة؛ ستكون دخلتي عليكِ.
كأن الزمن توقف.
لم تعد تسمع شيئًا…
فقط تلك الجملة، تتكرر داخل رأسها، بلا توقف.
ثم اكمل باران ببرودٍ قاطع : ولن أتراجع هذه المرة.
لم يمنحها فرصة للرد.
لم ينتظر، لم ينظر خلفه.
استدار؛
وخرج.
أُغلق الباب.
بقيت ديلان واقفة مكانها لثوانٍ، كأنها فقدت القدرة على الحركة، أو حتى التفكير.
ثم؛
انهار كل شيء.
سقطت على السرير، كأن ساقيها لم تعودا قادرتين على حملها.
انفجرت دموعها من جديد، أعنف، أوجع، بلا قدرة على التماسك.
دفنت وجهها في الوسادة، وأنفاسها تتقطع، وصوت بكائها مكتوم لكنه يمزق الصمت.
لم يكن مجرد خوف…
بل شعور بالاختناق، بالعجز، بالصراع.
بين ما تؤمن به،
وما يُفرض عليها.
رفعت وجهها قليلًا، وعيناها غارقتان بالدموع، ونظرت إلى الفراغ أمامها؛
كأنها تبحث عن مخرجٍ، عن نجاةٍ، عن إجابة.
لكن الغرفة بقيت صامتة.
والليل… كان يقترب ببطء.
_____////----////------
نزلت ديلان الدرج ببطءٍ هذه المرة…
لكن خطواتها لم تكن مثقلة كما كانت قبل قليل، بل كانت مشوبةً بشيءٍ آخر…
هدوءٍ غريب، هدوءٍ لا يشبه الاستسلام، بل يشبه القرار.
كانت قد أنهت صلاتها، وبكت طويلًا، حتى جفّت دموعها، وحتى شعرت أن قلبها؛رغم وجعه؛ قد هدأ قليلًا.
لم يختفِ الخوف، لكنه لم يعد يسيطر عليها كما كان.
دخلت المطبخ.
كانت زينب هناك، تتحرك بين الأواني، لكن ما إن رفعت رأسها ورأت ديلان، حتى توقفت، وارتسم القلق على وجهها فورًا.
اقتربت منها خطوة، ونظرت إليها بتمعّن، كأنها تحاول قراءة ما خلف ملامحها:
إقتربت زينب بصوتٍ خافت همست امامها:
زينب: ما بكِ يا ابنتي؟… أنتِ خائفة من باران، أليس كذلك؟.
صمتت لحظة، ثم أضافت بنبرةٍ حزينة، كأنها تقول حقيقةً لا مفر منها:
زينب: لكنكِ تعلمين… أنكِ أصبحتِ الآن زوجته… ولن يتوقف حتى يأخذ منكِ ما يريد.
سقطت كلماتها ثقيلة في المكان…
لكن ديلان لم تُجب.
لم تستطع.
اكتفت بأن أشاحت بنظرها، وبدأت تحرّك يديها في إعداد الطعام، بسرعةٍ أكثر مما يلزم، وكأنها تحاول الهروب من الحديث، أو من الحقيقة نفسها.
في داخلها، كان شيءٌ يتشكّل.
فكرة.
خيطٌ رفيع من النجاة.
توقفت فجأة.
رفعت رأسها، والتفتت إلى زينب، وصوتها خرج فجأة، وكأنه وُلد للتو:
ديلان: أختي زينب… هل لديكِ حبوب للنوم؟.
نظرت إليها زينب بدهشة، عندها اردفت ديلان قائلة:
ديلان: رأسي يكاد ينفجر، قلة النوم تُرهقني، والأرق لا يتركني. أظن أنه سبب إغمائي صباحًا.
ترددت زينب للحظة، ثم قالت:
زينب: سأطلب من أحد الحراس أن يجلبها من الصيدلية، لا تقلقي. وسأقول له إنها لي، وليس لكِ.
أومأت ديلان برأسها…
لكن في داخلها، ابتسمت.
ابتسامةٌ صغيرة، خفية، لا يراها أحد.
مرّ الوقت…
وجاءت لحظة العشاء.
جلسوا حول الطاولة.
كان الصمت يخيّم على المكان، ثقيلاً، خانقًا، كأن كل كلمةٍ يمكن أن تُقال قد تتحول إلى شرارة.
ديلان كانت مطأطئة الرأس، لا ترفع عينيها، ولا تنطق بكلمة.
أما باران، فكان يراقبها بين الحين والآخر، بنظراتٍ يصعب تفسيرها.
وحين انتهى من طعامه،
وضع ملعقته ومنديله ببطء، ثم التفت إليها.
وتحدث إليها ببرود:
باران: أنا أنتظركِ في غرفتي، لا تتأخري.
توقفت أنفاسها.
لكنها لم ترفع رأسها.
لم تُجب.
ثم ابتسم، ابتسامةً تحمل شيئًا من السخرية، وأردف بنبرةٍ متهكمة:
باران: أظنكِ تفكرين فيما سترتدينه، لا تتعبي نفسكِ كثيرًا.
مال قليلًا إلى الأمام، وعيناه تلمعان:
باران: لقد جلبتُ لكِ ثيابًا جميلة، الحراس وضعوها في غرفتك. اختاري ما يعجبكِ، إرتديه وتعالي.
توقف لحظة، ثم أضاف بنبرةٍ تحمل تهديدًا واضحًا:
باران: وإياكِ أن تتأخري.
نهض.
وغادر.
بقيت ديلان جالسة للحظة، ثم نهضت ببطء، واتجهت نحو المطبخ.
خطواتها كانت هادئة، لكنها محسوبة.
اقتربت من الثلاجة، وفتحتها، وأخرجت زجاجة عصير.
راقبتها زينب بقلق:
زينب: ماذا ستفعلين يا ابنتي؟… أظن أن السيد باران مصرّ على قراره… وهو ينتظركِ في غرفته.
أغلقت ديلان باب الثلاجة، ثم قالت بهدوء:
ديلان: سأحضر له عصيرًا… وأصعد به.
سأتحدث معه… ربما يغيّر رأيه.
نظرت إليها زينب بأملٍ ضعيف:
زينب: يا ليت… يا ابنتي…
أحضرت ديلان صينية.
وضعت عليها كأسين.
سكبت عصير الليمون ببطء، يدها ثابتة… بشكلٍ غريب.
ثم…
في لحظةٍ خاطفة، حين انشغلت زينب عنها…
أخرجت الحبوب.
نظرت إليها لثانية…
قلبها خفق بقوة.
"هل هذا صحيح؟… هل هذا الطريق الوحيد؟"
تذكرت كلماته، تهديده… إصراره…
أغمضت عينيها للحظة…
ثم…
وضعت الحبتين في أحد الكأسين.
راقبت ذوبانهما ببطء…
كأنها تراقب قرارها وهو يتحقق.
حرّكت الكأس برفق، حتى اختفى كل أثر.
رفعت رأسها…
عيناها لمعتا بشيءٍ جديد.
لم يكن خوفًا هذه المرة…
بل عزيمة.
حملت الصينية.
واستدارت نحو الباب.
خرجت من المطبخ.
واتجهت نحو الدرج.
كل خطوةٍ تصعدها، كانت كأنها تعبر حدًا فاصلاً.
بين الخوف، والمواجهة.
بين الضعف، والقرار.
وفي الأعلى…
كان ينتظر.
أما هي؛
فكانت تصعد نحوه…
لكن هذه المرة…
لم تكن كما كانت.
