الفصل الحادي عشر11
بقلم عاشقة القلم
خرجت ديلان من المطبخ بخطواتٍ هادئة، تكاد لا تُحدث صوتًا فوق الرخام اللامع، بينما كانت تحمل بين يديها صينيةً فضية صغيرة وُضع فوقها كوبان من عصير الليمون البارد.
كانت أصابعها مشدودة حول أطراف الصينية، لا خوفًا من أن تسقط… بل خوفًا من أن ترتجف يدها فينكشف ما تخفيه داخل قلبها.
كان البيت ساكنًا بصورة غريبة؛ سكونٌ يسبق شيئًا ما، شيئًا لا تعرف إن كان سينتهي بانتصارها أم بكارثة لن تنجو منها.
صعدت درجات السلم ببطء، وكل خطوة كانت تثقل فوق صدرها أكثر من سابقتها.
وحين وصلت إلى باب غرفة باران، توقفت.
رفعت بصرها نحو الباب المغلق، وأخذت نفسًا عميقًا طويلًا، كأنها تحاول أن تجمع شتات نفسها المبعثر.
بدأت ترتب الكلمات في عقلها؛ ماذا ستقول؟، كيف ستبدو طبيعية؟، كيف ستُخفي ارتباكها؟،
ثم طرقت الباب طرقاتٍ خفيفة.
جاءها صوته من الداخل، عميقًا هادئًا:
باران: ادخلي.
دفعت الباب ببطء، ثم دخلت وأغلقته خلفها بهدوء.
كانت الغرفة غارقة في إضاءة خافتة دافئة، تتسلل من الأباجورات الجانبية، بينما كان الليل يتمدد خلف الزجاج العريض للشرفة، والحديقة في الخارج تبدو ساكنة تحت ضوء القمر.
تقدمت نحو الطاولة الصغيرة الواقعة بين الأريكتين، ووضعت الصينية فوقها بحذر.
أما هو…
فكان واقفًا أمام الشرفة، يوليها ظهره، ينظر إلى امتداد الحديقة بشرودٍ غامض.
كان قد بدّل ثيابه الرسمية التي اعتاد الظهور بها طوال النهار، وارتدى ملابس منزلية مريحة؛ بنطالًا قطنيًا قصيرًا وقميصًا أبيض التصق بجسده، مبرزًا صلابة عضلاته وامتداد كتفيه العريضين.
شعرت ديلان للحظةٍ بتوترٍ غريب وهي تراه بذلك القرب، وذلك الهدوء.
لم يلتفت إليها بدايةً، لكن ما إن لمح انعكاس صورتها على الزجاج حتى استدار بسرعة نحوها.
توقفت عيناه عليها لثوانٍ طويلة، وكأنه يقرأ شيئًا خفيًا داخل ملامحها.
ثم قال بنبرةٍ تحمل شيئًا من السخرية اللطيفة:
باران: أراكِ لم تغيّري ثيابك، ومع ذلك أحضرتِ عصيرًا لنشربه.
اقترب بخطوات هادئة، ثم جلس على الأريكة وهو يراقبها بعينين نصف ضاحكتين، قبل أن يهمس بمكر:
باران: أم لم تعجبكِ الثياب التي جلبتها لكِ؟.
ارتبكت ديلان للحظة، لكنها أخفت ذلك سريعًا خلف ابتسامة خفيفة بالكاد ارتسمت فوق شفتيها.
ديلان: بل أعجبتني…
لكنني أحضرت عصير الليمون لنهدئ أعصابنا أولًا.
وأردت أن أتحدث معك في موضوع مهم، وبعدها سأذهب لأغيّر ملابسي كما طلبت.
كانت نبرتها هادئة على نحوٍ غير معتاد، حتى إن باران نفسه رفع حاجبه بدهشة.
أشارت بيدها إلى الكأس الآخر.
ديلان: تفضل.
تناول الكأس منها وهو لا يبعد عينيه عنها لحظة واحدة.
وفي داخله، كانت أفكاره تتسارع بطريقةٍ لم يستطع السيطرة عليها.
لقد لانت.
هكذا ظن.
كل شيء في تصرفاتها الليلة كان مختلفًا؛ هدوؤها، ابتسامتها، جلوسها قربه بإرادتها، وحتى صوتها الذي خلا من التحدي المعتاد.
شعر بانتصارٍ خفي يتسلل إلى داخله، كأن خطته التي رسمها طويلًا بدأت تؤتي ثمارها أخيرًا.
ارتشف من الكأس ببطء، بينما جلست ديلان على الأريكة المقابلة له.
بدأت الحديث في مواضيع متفرقة؛ مرةً عن المنزل، ومرةً عن الخدم، ثم تنتقل إلى شيء آخر بسرعة، وكأنها تحاول إبقاءه منشغلًا بالإنصات إليها.
وكان هو يسايرها دون اعتراض، بل على العكس…
كان مستمتعًا.
مستمتعًا برؤيتها هادئة هكذا.
مستمتعًا بقربها.
ومستمتعًا أكثر بفكرة أنها ربما بدأت تتقبله أخيرًا.
أما ديلان…
فكانت تخفي خلف هدوئها عاصفة كاملة.
كل ثانية تمر كانت تجعل قلبها يخفق بعنف.
كانت تخشى أن يلاحظ ارتجاف يدها، أو اضطراب أنفاسها، أو ذلك القلق المختبئ داخل عينيها.
ومع ذلك، استمرت.
كلما ارتشفت من كأسها الصغير، كانت تشير له بعينيها أن يشرب هو الآخر.
وفي حركةٍ لا إرادية، كان باران يفعل ذلك فعلًا.
كلما شربت… شرب.
كان مأخوذًا بتفاصيلها الصغيرة؛ بطريقة إمساكها للكأس، بخصلات شعرها التي انسلت قرب وجهها من تحت خمارها دون ان تشعر، وحتى بنبرة صوتها التي بدت أكثر دفئًا من أي وقت مضى.
أما هو، فقد بدأ يرسم داخل عقله صورًا أخرى…
صورًا لها وهي تقترب منه أكثر.
تجلس قربه.
تضعف مقاومة قلبها أخيرًا.
وترتمي بين ذراعيه بإرادتها.
ابتسم بخفة وهو ينظر إليها، بينما أخذت ملامحه تسترخي شيئًا فشيئًا.
لكن بعد دقائق…
شعر بثقلٍ غريب يزحف إلى رأسه.
رمش عدة مرات محاولًا التركيز.
توقفت الكلمات داخل رأسه للحظة، ثم عاد ينظر إليها بتشوش خفيف.
باران: غريب.....أشعر…
لم يكمل.
شعر بأن جفنيه أصبحا أثقل من أن يبقيهما مفتوحين.
حاول أن يعتدل في جلسته، لكن جسده خانه.
أما ديلان، فكانت تراقبه بصمت، وقلبها ينبض بعنف داخل صدرها.
هل نجحت…؟
بدأ رأسه يميل ببطء نحو الخلف، بينما اختلطت الرؤية أمامه.
آخر ما رآه كان وجه ديلان المقابل له… هادئًا على غير عادته.
ثم…
استسلم تمامًا.
استكان فوق الأريكة، وغاص في نومٍ عميق.
ساد الصمت الغرفة.
صمتٌ ثقيل، لم يقطعه سوى صوت أنفاسه المنتظمة.
ظلت ديلان تنظر إليه لثوانٍ طويلة، وكأنها غير مصدقة أن الأمر نجح بالفعل.
ثم…
ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة خفيفة متعبة، امتزج فيها الارتياح بالحزن.
اقتربت منه بحذر، ولوّحت بيدها أمام عينيه تتأكد من أنه غارق تمامًا في النوم.
وعندما اطمأنت، أطلقت زفرة طويلة كانت تحبسها منذ أن دخلت الغرفة.
همست بصوتٍ خافت بالكاد سمعته هي نفسها:
ديلان: سامحني… لم يكن لدي خيار آخر.
ثم حملت الأكواب بهدوء شديد، وتسللت خارج الغرفة بخفة، وكأنها تخشى أن يوقظ صوت خطواتها الليل بأكمله.
أغلقت الباب خلفها برفق، وأسندت ظهرها إليه للحظة.
كانت أنفاسها متسارعة، وقلبها لا يزال يرتجف من التوتر.
لكن رغم ذلك…
شعرت لأول مرة منذ وقتٍ طويل بأنها استعادت شيئًا من السيطرة.
نزلت إلى المطبخ، غسلت الأكواب بعناية، وأخفت كل أثرٍ لما حدث…
ثم اتجهت إلى غرفتها بخطواتٍ بطيئة، بينما كان الليل في الخارج يزداد عمقًا، وكأن القصر بأكمله يخبئ سرًا لن يعرفه أحد سواها.
______///////----////////-----
عادت ديلان إلى غرفتها بخطواتٍ متسارعة، وما إن دخلت حتى أغلقت الباب خلفها بسرعة، ثم أدارت المفتاح في القفل مرتين متتاليتين، وكأنها تخشى أن يقتحم أحد عالمها المرتبك في أي لحظة.
أسندت ظهرها إلى الباب، وأغمضت عينيها بقوة.
كان صدرها يعلو ويهبط بأنفاسٍ متقطعة، بينما ما زالت صورة باران وهو غارق في النوم فوق الأريكة عالقة أمام عينيها.
كانت تعلم…
بل متأكدة…
أن الحبوب التي وضعتها في العصير لن تسمح له بالاستيقاظ قبل الصباح.
ومع ذلك…
كان هناك خوفٌ خفي يزحف داخلها دون رحمة.
خوفٌ لم تفهم مصدره.
هل كانت تخشاه هو؟،
أم كانت تخشى نفسها؟،
رفعت يدها ببطء نحو صدرها، تشعر بذلك الانقباض المؤلم الذي يعصف بقلبها منذ خرجت من غرفته.
همست بصوتٍ مرتجف:
ديلان: ماذا فعلتِ يا ديلان…؟.
لكن حتى سؤالها لنفسها لم يحمل ندمًا كاملًا… بل حيرة.
لأن جزءًا منها كان يشعر بالذنب…
وجزءًا آخر كان يصرخ بأنها لم تملك خيارًا آخر.
دفعت نفسها مبتعدة عن الباب، ثم اتجهت نحو الحمام بخطواتٍ ثقيلة.
فتحت صنبور الماء، وبدأت تتوضأ ببطء، وكأن الماء البارد يحاول أن يغسل عنها ذلك الاضطراب الذي التصق بروحها.
كانت تغسل يديها، بينما عقلها يعيد كل ما حدث منذ أن دخلت غرفة باران.
نظراته…
ابتسامته الواثقة…
الطريقة التي كان ينظر بها إليها وكأنه حسم الأمر مسبقًا.
شعرت بغصةٍ حارقة في حلقها.
هي لا تكرهه…
لكنها أيضًا لا تستطيع أن تتقبّل كل ما حدث.
ذلك الزواج…
تلك القيود…
كل شيء جاء بالقوة، بالخداع، تحت ضغطٍ لم يمنحها فرصة حقيقية للاختيار.
كيف يُطلب منها أن تتصرف كزوجة طبيعية بينما قلبها ما زال يصرخ بالرفض؟.
أغلقت الماء، ثم رفعت بصرها نحو انعكاسها في المرآة.
بدت شاحبة، مرهقة، وعيناها تحملان تعبًا أكبر من عمرها بكثير.
أخفضت رأسها بصمت، ثم خرجت من الحمام.
فرشت سجادتها بهدوء وسط الغرفة، ووقفت فوقها.
وما إن كبّرت للصلاة حتى شعرت بشيء داخلها ينكسر.
كانت الكلمات تخرج من قلبها قبل شفتيها.
ركعت… ثم سجدت طويلًا.
طويلًا جدًا…
حتى شعرت أن الأرض وحدها تسمع ارتجاف روحها.
همست وهي تبكي بصوتٍ خافت اختنق بين شهقاتها:
ديلان: يا رب… اغفر لي…
أعلم أن ما فعلته ليس صحيحًا… لكنني خائفة… متعبة… ولا أعرف ماذا أفعل…
ارتجفت أنفاسها أكثر.
ديلان: أنا لا أريد أن أغضبك…
لكنني أيضًا لا أستطيع أن أعيش كأن شيئًا لم يحدث…
ذلك الزواج لم يكن بإرادتي…
لقد أُجبرت… خُدعت… وسُحبت إلى حياة لم أخترها…
كانت كلماتها تخرج ممزوجة بدموعها، وكأنها تفرغ فوق سجادة الصلاة كل الخوف والاختناق الذي كانت تخفيه طوال اليوم.
ديلان: كيف أهبه قلبي وجسمي وأنا لم أملك حتى حق الاختيار…؟
ثم صمتت.
بقيت ساجدة وقتًا طويلًا، حتى بدأت تلك الفوضى العنيفة داخلها تهدأ شيئًا فشيئًا.
وشيئًا غريبًا من السكينة تسلل إلى صدرها…
سكينة هادئة… دافئة…
كأن الصلاة وحدها تمتص ارتباكها دون أن تنطق به كاملًا.
رفعت رأسها أخيرًا، ومسحت دموعها بأنامل مرتجفة، ثم أنهت صلاتها ببطء.
ظلت جالسة للحظات فوق السجادة، تحدق بشرود في الفراغ أمامها.
ثم أخذت نفسًا عميقًا، وطوت سجادة الصلاة بعناية، وكأنها تطوي معها جزءًا من خوفها.
التفتت بعدها نحو الأكياس الموضوعة فوق الأريكة.
ترددت للحظة…
ثم اقتربت منها وجلست أرضًا.
بدأت تفتح الأكياس واحدًا تلو الآخر، وما إن أخرجت أول قطعة ثياب حتى اتسعت عيناها بصدمة.
رفعت الثوب أمامها وحدقت فيه للحظات، قبل أن تشهق قائلة بغيظٍ ممتزج بالخجل:
ديلان: آه يا قليل الأدب…! .
أخرجت قطعة أخرى، فازداد احمرار وجهها.
ديلان: يريدني أن أرتدي هذه الثياب؟!.
ثم أطلقت ضحكة قصيرة غير مصدقة، وهي تهز رأسها بعجز.
ديلان: حلالٌ عليك ما فعلته الليلة بك…
لن تراني بهذه الملابس حتى في أحلامك يا باران!.
ورغم تذمرها…
إلا أن شيئًا صغيرًا داخلها ارتبك وهي تتخيل للحظة كيف اختارها بنفسه.
هزّت رأسها بسرعة، وكأنها تطرد الفكرة بعيدًا.
ثم أعادت الثياب إلى الأكياس بعصبية، وأغلقتها جيدًا قبل أن تضعها داخل الخزانة، وكأنها تخفي جريمة ممنوعة.
بعدها اتجهت إلى خزانتها، وأخرجت ثيابًا مريحة للنوم.
بدّلت ملابسها ببطء، وقد بدأ الإرهاق يثقل جسدها أخيرًا بعد يومٍ طويل بدا وكأنه عامٌ كامل.
وحين تمددت فوق سريرها…
شعرت بكل عضلة في جسدها تستسلم للتعب.
أطفأت المصباح الجانبي، فغرقت الغرفة في ظلامٍ هادئ، لم يبقَ فيه سوى خيطٍ فضي من ضوء القمر يتسلل عبر الستائر.
أغمضت عينيها ببطء…
وكان آخر ما خطر في بالها قبل أن يغلبها النوم، هو وجه باران النائم فوق الأريكة… وملامحه الهادئة على غير عادته.
ثم غرقت في نومٍ عميق، بينما الليل خارج نافذتها كان يواصل ابتلاع أسرار ذلك المنزل الكبير بصمتٍ مخيف.
----///***//*****//***///----
في بيت سلمى......
عادت سلمى إلى منزلها مع والدها بعد ساعاتٍ طويلة بدت لها كأنها عمرٌ كامل.
كانت خطواتها بطيئة، شاحبة الوجه، وعيناها غارقتين في صدمةٍ لم تستطع استيعابها حتى الآن.
ما حدث هذا اليوم لم يكن طبيعيًا…
بل كان أشبه بكابوسٍ مفتوح العينين.
وما إن فتحت والدتها الباب حتى أسرعت نحوها بلهفةٍ واضحة، وقد ارتسم القلق فوق ملامحها منذ أن تأخرت ابنتها كل ذلك الوقت.
الأم بقلق: سلمى! أين كنتِ يا ابنتي؟ لقد أقلقتِ قلبي عليكِ!.
رفعت سلمى عينيها نحو أمها، وحين رأت الخوف الحقيقي في نظراتها شعرت بشيء داخلها ينهار فجأة.
ارتمت فوق الأريكة بتعب، بينما جلس والدها إلى جانبها وهو يزفر بإنهاك بعد يومٍ عصيب.
جلست الأم قبالتها، تحدق في ابنتها بترقبٍ وخوف، قبل أن تسأل بصوتٍ خافت:
الأم: ماذا حدث؟
ابتلعت سلمى ريقها بصعوبة.
ثم بدأت تسرد…
سردت كل شيء.
منذ اللحظة التي خرجت فيها مع ديلان…
حتى اختفائها أمام عينيها.
كانت كلماتها تتسارع أحيانًا، ثم تتقطع حين تختنق بعقدةٍ في حلقها.
حدثتهما عن السيارة السوداء…
عن الرجال الذين اختطفوا ديلان أمامها…
عن صراخها…
عن عجزها وهي تراها تُسحب بعيدًا دون أن تستطيع إنقاذها.
ثم أخبرتهما عن ذهابها للمستشفى، وعن لقاء زوجة والد ديلان وابنتها.
وحين وصلت إلى تلك النقطة، اتسعت عينا والدتها بصدمة.
سلمى بصوتٍ مرتجف: قالتا… إن والدها باعها لمديره بسبب الديون…
ساد الصمت.
حتى والدها الذي كان يحاول التماسك، عقد حاجبيه بعدم تصديق.
الأب: باع ابنته؟!.
هزت سلمى رأسها بسرعة، وعيناها تمتلئان بالحيرة.
سلمى: لا أعلم يا أبي، لا أعلم ما الحقيقة…
كل شيء كان غريبًا، مخيفًا، وكأنني داخل قصة ليست حقيقية.
ثم أكملت بصوتٍ مكسور:
سلمى: وبعدها رأيتُ والدها،
كان ممددًا فوق النقالة كأنه، كأنه جثة هامدة…
اختنق صوتها عند آخر كلمة، بينما وضعت والدتها يدها فوق فمها بصدمة.
أما والدها، فظل صامتًا للحظات طويلة، كأن عقله يحاول جمع تلك الأحداث المبعثرة في صورةٍ مفهومة، لكنه يفشل.
فتاة تُختطف أمام أعين الناس،
زوجة أب تتحدث ببرود عن بيعها…
رجل يصارع الموت داخل المستشفى…
واختفاء كامل بلا أي تفسير.
قال الأب أخيرًا بصوتٍ مثقل:
الأب: الأمر مريب جدًا…
ثم نظر إلى ابنته بعطفٍ واضح.
الأب: لكنكِ متعبة الآن يا سلمى…
اذهبي وارتاحي قليلًا.
ربما يحمل الغد إجاباتٍ لما يحدث.
هزت رأسها بصمت، لكنها في داخلها كانت تعلم أن النوم لن يمنحها الراحة.
كيف تنام وصورة ديلان وهي تُسحب بالقوة ما زالت عالقة أمام عينيها؟.
في صباح اليوم التالي…
استيقظت سلمى باكرًا كعادتها، لكن شيئًا داخلها كان مثقلًا بصورةٍ مؤلمة.
ارتدت ملابسها المدرسية ببطء، ثم خرجت متجهة نحو الثانوية.
كان الجو باردًا قليلًا، والطلاب يتوافدون نحو البوابة بأحاديثهم المعتادة وضحكاتهم العابرة، بينما كانت هي تشعر وكأنها منفصلة عن هذا العالم كله.
وقفت قرب المدخل تنتظر ديلان.
كما كل يوم.
تراقب الطريق بلهفة، علّها تظهر فجأة كعادتها، تحمل حقيبتها وتبتسم لها بخجل.
لكن…
الدقائق مرّت ببطء.
وديلان لم تأتِ.
بدأ القلق ينهش صدرها أكثر.
دخلت إلى القاعة على مضض، وجلست في المقعد الفارغ المجاور لها، تحدق فيه بشرود.
ذلك المقعد الذي لم تره يومًا خاليًا بهذا الشكل الموجع.
كان هذا آخر أسبوع قبل العطلة المخصصة للمراجعة، ثم ستبدأ الامتحانات التي سيرسم كل واحدٍ منهم بعدها طريقه نحو مستقبله.
لكن ديلان…
أين كانت الآن؟،
هل هي بخير؟،
هل تبكي؟،
هل تخاف وحدها؟،
كل تلك الأسئلة كانت تخنقها طوال الحصص.
وحين انتهى الدوام، لم تعد إلى منزلها مباشرة.
بل توجهت بسرعة نحو حي ديلان.
كانت تسير بخطواتٍ متعجلة، وقلبها يخفق بعنف وهي تدعو أن تجد أي خبر يطمئنها.
وصلت إلى الشقة، ثم بدأت تطرق الباب بقوة.
طرقات متتالية…
لكن لا أحد أجاب.
أعادت الطرق مرةً أخرى، ثم ثالثة…
الصمت فقط.
بدأ اليأس يتسلل إليها، وهمّت بالاستدارة للمغادرة، حين فُتح باب الشقة المقابلة.
خرجت منه امرأة ستينية تعرفها جيدًا.
السيدة كريمة.
رفعت سلمى رأسها بسرعة وقالت بلهفة:
سلمى: خالة كريمة… هل حسنية هنا؟ هل عادت ديلان؟.
تنهدت المرأة بحزن، ثم اقتربت منها ببطء.
كريمة: لا يا ابنتي… حسنية في المستشفى عند عباس.
تجمدت ملامح سلمى.
سلمى: ماذا حدث له؟!.
أجابت المرأة بأسى:
كريمة: أصيب بأزمة قلبية حادة…
والأطباء قالوا إن الساعات القادمة خطيرة جدًا.
إذا لم يستيقظ خلال اثنتين وسبعين ساعة… فقد يدخل في غيبوبة، وربما…
لم تكمل.
لكن سلمى فهمت البقية.
شعرت بقلبها يهبط داخل صدرها.
تابعت كريمة بحزن:
كريمة: الطبيب أخبر زوجي أن حالته ميؤوس منها تقريبًا… وحسنية لم تغادر المستشفى منذ الأمس.
ازدادت صدمة سلمى أكثر.
سلمى: وميرال؟ وديلان؟!.
هزت المرأة رأسها بحيرة.
كريمة: ميرال عادت البارحة متأخرة جدًا، ثم خرجت صباحًا ولم تعد حتى الآن…
أما ديلان… فلا أحد يعلم عنها شيئًا.
ثم أضافت بخفوت:
كريمة: وميرال تقول إن حالة أبيها كانت بسببها هي…
شعرت سلمى وكأن الأرض تميد تحت قدميها.
بسببها…؟،
ما الذي حدث فعلًا في ذلك المنزل؟،
ازدحمت الأسئلة داخل رأسها بصورةٍ مؤلمة.
استأذنت من السيدة كريمة بصوتٍ شارد، ثم غادرت وهي تكاد لا تشعر بخطواتها.
كانت تسير في الطريق كأنها تائهة داخل متاهة مظلمة.
عيناها ممتلئتان بالقلق، وعقلها لا يتوقف عن تخيل ديلان.
هل تعلم بحالة والدها؟
هل يسمح لها أحد حتى باستخدام هاتفها؟،
هل هي خائفة الآن؟،
توقفت فجأة وسط الطريق.
ثم أخرجت هاتفها بسرعة وأعادت الاتصال بديلان.
مرة…
اثنتين…
ثلاثًا…
لكن لا إجابة.
أغمضت عينيها بإحباط، قبل أن تقرر أخيرًا ترك رسالة صوتية.
ضغطت التسجيل، ثم بدأت تتحدث بصوتٍ مرتجف:
سلمى: ديلان… أرجوكِ إن سمعتِ هذه الرسالة اتصلي بي…
أنا خائفة عليكِ جدًا…
توقفت لحظة تحبس دموعها.
سلمى: والدكِ في المستشفى… حالته خطيرة جدًا…
يقولون إنه قد لا يستيقظ…
اختنق صوتها.
ثم همست برجاءٍ موجع:
سلمى: إن كان من معكِ يملك ذرة رحمة…
فليدعكِ ترين والدكِ…
ربما تكون هذه… آخر فرصة… وآخر وداع…
انتهت الرسالة.
وبقيت سلمى واقفة في منتصف الطريق، تحدق في شاشة هاتفها بعينين دامعتين، بينما كان شعورٌ ثقيل بالعجز يطبق فوق قلبها للمرة الأولى بهذه القسوة.
___//**///****///**//___
قبل بزوغ الفجر بقليل…
استيقظت ديلان فجأة، وكأن يدًا خفية أيقظتها من أعماق نومها.
فتحت عينيها ببطء وسط ظلام الغرفة الهادئ، بينما كان الصمت يلف أرجاء المكان بصورةٍ غريبة، حتى إنها استطاعت سماع خفقات قلبها بوضوح.
ظلت مستلقية للحظات، تحدق في السقف بشرود.
كان هناك شعور ثقيل يجثم فوق صدرها منذ أن فتحت عينيها…
شعور لا يشبه الخوف تمامًا، ولا يشبه الطمأنينة أيضًا.
شيء غامض…
مبهم…
كأن روحها تستشعر أن هذا اليوم لن يكون عاديًا.
أغمضت عينيها قليلًا، محاولة تجاهل ذلك القلق الذي بدأ يزحف داخلها بلا رحمة.
لكن عقلها لم يتركها.
بدأت الأسئلة تتقافز داخل رأسها واحدًا تلو الآخر.
هل استيقظ باران؟،
هل اكتشف ما فعلته؟،
كيف ستكون ردة فعله عندما يعلم أنها خدّرته عمدًا؟،
شعرت بقلبها ينقبض بقوة.
باران…
حتى الآن لم يأتِ إليها، لم يطرق بابها، لم يصرخ، لم يهددها… لا شيء.
وهذا ما أخافها أكثر.
همست لنفسها بصوتٍ خافت وسط العتمة:
ديلان: لماذا لم يبحث عني…؟،
هل ما زال نائمًا؟،
أم أنه استيقظ وغضبه يسبق خطواته نحوها؟،
بل… ماذا لو حدث له مكروه؟،
اتسعت عيناها قليلًا عند الفكرة، وسرعان ما جلست فوق السرير.
لا…
هي لم تكن تريد إيذاءه.
كل ما أرادته أن تنجو بنفسها تلك الليلة… فقط.
وضعت يدها فوق وجهها بتعب، ثم أخذت نفسًا طويلًا تحاول به تهدئة تلك الفوضى التي تعصف داخلها.
وأخيرًا… دفعت الغطاء عنها ونهضت.
اتجهت نحو الحمام بخطواتٍ هادئة، ثم بدأت تتوضأ.
كان الماء البارد ينساب فوق يديها ووجهها كأنه يطفئ شيئًا من احتراق روحها.
وكلما غسلت عضوًا، شعرت أن قلبها يهدأ قليلًا.
بعد أن انتهت، خرجت من الحمام وهي تضم عباءتها حول جسدها، ثم فرشت سجادتها بهدوء في زاوية الغرفة.
وقفت فوقها، وأغمضت عينيها.
وحين كبّرت للصلاة…
شعرت وكأن العالم كله انطفأ خلفها.
لم يعد هناك باران…
ولا خوف…
ولا قلق…
ولا مستقبل مجهول.
لم يبقَ سوى قلبٍ متعب يقف بين يدي خالقه.
صلّت بخشوعٍ عميق، وكل سجدة كانت تطيلها أكثر من سابقتها، وكأنها تفرغ فيها كل ما يثقل روحها.
همست في سجودها، وصوتها يرتجف بحرقة:
ديلان: يا رب… أنت تعلم ما في قلبي…
تعلم أنني ضعيفة… وخائفة… وتائهة…
انسابت دمعة دافئة فوق خدها.
ديلان: إن كنتُ أخطأت فاغفر لي…
وإن كنتُ مظلومة فارحمني…
ودلّني على الطريق الذي يرضيك…
كانت كلماتها تخرج من قلبٍ منكسر، لا يحمل سوى الرجاء.
أوكلت إليه خوفها…
وحيرتها…
وذلك الحمل الثقيل الذي بات ينهش روحها منذ دخلت هذا البيت.
وبعد أن انتهت من الصلاة، بقيت جالسة فوق السجادة بصمتٍ طويل.
ثم مدت يدها نحو المصحف الموضوع بجانبها.
فتحته بهدوء…
وفور أن وقعت عيناها على الصفحة، توقفت أنفاسها للحظة.
سورة يوسف.
شعور غريب اجتاحها فجأة.
كأن شيئًا خفيًا داخل قلبها ارتجف.
حدقت في الآيات بصمت، قبل أن تهمس بخفوت:
ديلان: يوسف…
شعرت وكأن الله يرسل إليها رسالة طمأنينة وسط كل ذلك الخوف.
سيدنا يوسف الذي أُلقي في الجب…
وخُذل…
وسُجن ظلمًا…
ثم جاء الفرج بعد كل ذلك الألم.
أخفضت رأسها، وابتسامة باهتة مرت فوق شفتيها.
ديلان: إذًا… ربما بعد هذا الضيق فرج أيضًا…
بدأت تتلو الآيات بصوتٍ خافت عذب، بينما كانت السكينة تتسلل إلى قلبها شيئًا فشيئًا.
كل آية كانت تمس جرحًا داخلها وتربّت عليه بلطف.
حتى إنها نسيت الوقت تمامًا.
نسيت خوفها…
ونسيت باران…
ونسيت ذلك البيت كله.
لم تشعر إلا حين بدأت خيوط الشمس الذهبية تتسلل عبر الستائر، وتمتد فوق صفحات المصحف ووجهها الهادئ.
رفعت رأسها ببطء، ثم نظرت نحو النافذة بدهشة خفيفة.
لقد مر الوقت سريعًا.
أغلقت المصحف برفق، ثم نظرت إلى الساعة.
ابتسمت بخفة حين أدركت أن وقت صلاة الضحى قد اقترب.
نهضت بهدوء، ثم أعادت وضوءها مرة أخرى.
وكانت هذه المرة أكثر راحة.
صلّت الضحى بقلبٍ أخف من ذي قبل، وكأن شيئًا من الطمأنينة استقر أخيرًا داخل روحها.
وحين انتهت، وقفت أمام خزانتها للحظات مترددة.
ثم أخرجت إحدى الملابس التي اشتراها لها باران بعد عقد قرانهما.
كانت عباءة واسعة بلونٍ بني هادئ، محتشمة وناعمة القماش.
تأملتها قليلًا بصمت.
لا تعلم لماذا شعرت بشيء غريب وهي تتذكر كيف اقنعته بأن يحظر لها شيء تلبسه، ثم تسألت هل اختارها بنفسه؟.
هزّت رأسها سريعًا، ثم ارتدتها، ووضعت فوقها خمارًا أسود ونقابًا بنفس اللون.
وقفت أمام المرآة للحظات.
بدت هادئة من الخارج…
لكن داخلها ما زال يموج بالخوف.
أغمضت عينيها وهمست بدعاءٍ خافت:
ديلان: يا رب… اجعل هذا اليوم بردًا وسلامًا عليّ…
ثم أخذت نفسًا عميقًا، وفتحت باب غرفتها أخيرًا.
خرجت بخطواتٍ حذرة نحو الطابق السفلي.
كان المنزل ساكنًا بصورةٍ مريبة، حتى إن صوت خطواتها بدا مرتفعًا وسط ذلك الصمت.
توجهت نحو المطبخ لتعدّ الإفطار قبل أن يستيقظ باران.
كانت تريد أن تنهي كل شيء سريعًا…
قبل أن يفتح عينيه.
قبل أن تتفجر عاصفته.
وقبل أن تعلم…
أيّ باران سيقف أمامها هذا الصباح.
