الفصل السادس6
بقلم عاشقة القلم
كان الليل يتسلل بهدوء، كضيفٍ ثقيلٍ لا يُستأذن، ينساب فوق المدينة ويطفئ آخر خيوط الشفق واحدةً تلو الأخرى. خفَتت الأصوات، وانكمش الضوء، حتى بدا العالم وكأنه يختبئ داخل ظلاله.
في غرفتها، شعرت ديلان أن هذا السكون يشبهها… هدوءٌ ظاهري يخفي داخله ضجيجًا لا يهدأ، ووحدةً تتمدد مع اتساع العتمة.
ارتفعت يداها ببطء، كأنهما تحملان ثقل العالم بأسره، وارتجفت أناملها وهي تتشابك فوق صدرها قبل أن ترفعهما نحو السماء. كانت عيناها الغارقتان بالدموع معلقتين في الفراغ، وكأنها تبحث عن خيط نور في عتمةٍ خانقة.
بصوت متهدّج، يكاد لا يُسمع، همست: ديلان: "يا رب… كن لي… ليس لي غيرك يا الله…"
في الخارج، لم يكن المشهد أقل اضطرابًا.
اندفع باران خارج الغرفة كعاصفةٍ فقدت اتجاهها، ملامحه متجهمة، وعيناه تقدحان شررًا من توترٍ لم يعترف به حتى لنفسه. وقف في منتصف الردهة، وصوته دوّى في أرجاء المكان كالرعد:
باران: "أنتم! أيها الخدم! إلى هنا… حالًا!".
لم تمضِ لحظات حتى تجمّع الجميع أمامه، صفًا متوترًا من الوجوه المنكسرة. كانت العيون مسمّرة إلى الأرض، وكأن النظر إليه قد يكون خطيئة تُكلّفهم الكثير.
أشار بيده بحدّة إلى إحدى الفتيات.
باران: "أنتِ… اقتربي."
تقدّمت سيبال بخطوات مرتجفة، كأن الأرض تهتز تحت قدميها. بالكاد رفعت رأسها، وهمست بخوف:
سيبال: "أنا… لم أفعل شيئًا يا سيدي…"
قاطعها ببرود حاد:
باران: "شششش… لا أريد سماع شيء."
ثم أضاف بنبرة آمرة لا تقبل النقاش:
باران: "اذهبي الآن مع السائق. إلى أقرب محل ملابس نسائية… وأحضري ملابس محتشمة مع نقاب، أي شيء تجيديه في طريقك لايهم."
توقفت لحظة، كأنها لم تستوعب الأمر، لكنه صرخ فجأة:
باران: "بسرعة! تحرّكي!".
ارتجفت سيبال بعنف، ثم استدارت مسرعة تكاد تتعثر بثوبها، لتلحق بالسائق. كان خوفها واضحًا في كل خطوة، كأنها تهرب من شيء أكبر من مجرد أمر.
التفت باران إلى زينب، وعيناه تضيقان:
باران: "أنتِ مع بقية الخدم… جهّزي الصالون. حالًا."
رفعت رأسها بسرعة:
زينب: "حاضر يا سيدي…"
لكنه لم يمهلها:
باران: "سيحضر الإمام قريبًا… ولا أريد أي شيء يثير الشك. ورد… مشروبات… حلويات… كل شيء يجب أن يبدو طبيعيًا."
اقترب خطوة، وصوته انخفض لكنه أصبح أكثر خطرًا:
باران: "وإلا… أنتم من ستدفعون الثمن."
ابتلعت زينب ريقها بصعوبة:
زينب: "مفهوم يا سيدي…"
مرّ الوقت ثقيلًا، كأنه يرفض الحركة.
ثم فُتح الباب فجأة.
دخلت سيبال، أنفاسها متقطعة، تحمل أكياسًا متعددة، يساعدها السائق الذي بدا عليه الإرهاق. بالكاد وضعت الأكياس حتى اندفع باران نحوها، انتزعها من يدها دون كلمة، واتجه مباشرة نحو الغرفة.
فتح الباب.
في الداخل…
كانت ديلان لا تزال في زاويتها.
مجردة من كل شعور بالأمان، تضم قدميها إلى صدرها، كأنها تحاول أن تختفي داخل نفسها. وما إن وقع بصرها عليه، حتى شدّت ثيابها بارتباك، تحاول ستر ما يمكن ستره، بينما ارتجف جسدها بالكامل.
توقّف لحظة، يراقبها… ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة باردة.
باران: "ماذا تحاولين أن تخفي؟".
اقترب خطوة، ثم أضاف بنبرة تحمل استهزاءً لاذعًا:
باران: "بعد أقل من ساعة… سأرى كل شيء."
ثم رمى الأكياس نحوها بلا اكتراث.
باران: "خذي… هذه الملابس التي طلبتيها. رغم أنني لا أرى ضرورة لذلك… فقد رأيت كل شيء بالفعل."
تجمّدت للحظة، ثم مدّت يدها ببطء، وكأنها تخشى أن تلمس تلك الأكياس. أخذتها، ونهضت بصعوبة، متجهة نحو الحمام.
أغلقت الباب خلفها…
وما إن أصبحت وحدها، حتى انهارت.
انفجرت دموعها بصمتٍ موجع، ووضعت يدها على فمها كي لا يُسمع صوتها. كانت كلماتها تخرج متقطعة، مخنوقة بالبكاء:
ديلان: "يا رب… أنقذني… يا رب… لا تتركني…"
غيّرت ملابسها بيدين مرتجفتين، وكأنها تحاول أن تستعيد جزءًا من نفسها الضائعة.
ثم خرجت.
كانت ملامحها شاحبة، لكن في عينيها بقايا قوةٍ لم تنطفئ بعد.
رفع باران نظره إليها…
تأمّلها لثوانٍ، ثم قال بتهكم:
باران: "هل انتهيتِ يا شيخة؟".
اقترب قليلًا، وعيناه تركزان على وجهها:
باران: "والعدسات… انزعيها."
تراجعت خطوة:
ديلان: "أنا… لا أضع عدسات… هذا لون عيني الحقيقي."
صمت للحظة.
تبدّل شيء خفي في نظرته… شيء يشبه الإعجاب، لكنه مرّ سريعًا كوميضٍ حاول إخفاءه.
تمتم بنبرة أخف، لكنها لا تخلو من السيطرة: "همم…"
ثم عاد إلى قسوته:
باران: "هيا… أمامي."
تجمّدت في مكانها للحظة، قلبها يخفق بعنف، وكأنها تقف على حافة مصير مجهول.
ثم… خطت خطوة.
ولم يكن أحد يعلم… أي طريق ينتظرها بعد تلك الخطوة.
________///////------//////------
هبطت ديلان الدرج خلف باران بخطواتٍ بطيئة، كأن كل درجةٍ تنزع منها جزءًا من روحها. كانت تمسك بطرف عباءتها بإحكام، تُخفي ارتجاف يديها، فيما عيناها معلّقتان بالأرض، تخشيان مواجهة أي نظرة… أي حقيقة.
في الأسفل، كان المشهد أشبه بلحظةٍ معلّقة بين الواقع واللاواقع.
الإمام يقف بهدوء، ملامحه وقورة، وعيناه تحملان شيئًا من الاستغراب الذي أخفاه خلف سكونه. إلى جانبه، جلس المحامي، أوراقه مبسوطة أمامه، يدوّن المعلومات بدقة، كأن ما يحدث مجرد إجراءٍ اعتيادي… لا عاصفة تُكتب سطورها الآن.
أما عاكف…
فكان يقف كتمثالٍ مندهش، عيناه متسعتان، تحدّقان في باران، كأنه يراه للمرة الأولى. لم يستوعب بعد… كيف وصل الأمر إلى هنا؟ كيف تحوّل صديقه، الذي لم يعرف يومًا معنى الالتزام، إلى رجلٍ يعقد قرانه بهذه السرعة… وبهذا الغموض؟
اقترب باران، ملامحه جامدة، تخفي خلفها صراعًا لم يظهر للعلن. جلس أمام الإمام، بينما جلست ديلان على مقربة منه، كأنها ظلٌ لا صوت له.
رفع الإمام صوته بهدوءٍ مهيب، وبدأ يتلو صيغة العقد.
كانت الكلمات تتردد في المكان ببطء… ثقيلة… حاسمة.
الإمام وهو يخاطب ديلان: "هل تقبلين يا ابنتي…؟"
ارتجفت شفتا ديلان، وتجمّد صوتها في حلقها لثوانٍ بدت كدهرٍ كامل. أغمضت عينيها للحظة، كأنها تستجمع ما تبقى من قوتها… ثم همست:
ديلان: "…نعم، أقبل."
كلمة واحدة… لكنها كانت كافية لتغيّر مصيرها.
انتقل نظر الإمام إلى باران: "وهل تقبل أنت…؟"
لم يتردد.
أجاب بصوتٍ ثابت: "نعم، أقبل."
لكن خلف ذلك الثبات… كان هناك شيءٌ آخر… شيء لم يفهمه حتى هو.
دوّن المحامي آخر الملاحظات، ثم دفع بالأوراق نحوهما.
المحامي: "تفضلا… التوقيع هنا."
أمسك باران القلم، نظر للحظة إلى الورقة… ثم وقّع. تبعته ديلان، يدها ترتجف وهي تخط اسمها، كأنها تكتب نهاية حياة… وبداية أخرى لا تعرف ملامحها.
وقف عاكف إلى جانب الحارس شتاي، كشاهدين على هذا العقد، ثم تقدما ووقعا على الاوراق كشاهدين على هذا العقد المبرم. لكن عاكف لم يكن حاضرًا حقًا… كان غارقًا في صدمته، عاجزًا عن تصديق ما يراه.
أنهى الإمام المراسم، ورفع يديه بالدعاء:
الإمام: "بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير."
سادت لحظة صمت… كأن المكان كله يحاول استيعاب ما حدث.
قطعها صوت المحامي، بنبرة عملية: المحامي: "غدًا صباحًا، سأقوم بتسجيل العقد في الدوائر الرسمية، وختمه… لتحصل على نسخة موثقة."
نظر باران إليه، ثم أطلق ضحكة خافتة، مشوبة بعدم التصديق:
باران: "أنا… لا أصدق. هل… هكذا تزوجت؟".
ابتسم الإمام ابتسامة هادئة، وقال: الإمام: "نعم يا ولدي… لقد أصبحت هذه الفتاة زوجتك شرعًا أمام الله. أصبحت حلالك… فاعتنِ بها، وكن لها زوجًا وأهلًا…"
توقّف لحظة، ثم أضاف بنبرة تحمل تعاطفًا: "فأظن… أنه لا أهل لها."
ردّ باران، دون أن ينظر إلى ديلان: باران: "نعم… ليس لها أهل."
رفعت ديلان عينيها إليه عند تلك الجملة.
نظرة واحدة فقط…
كانت كفيلة بأن تقول كل شيء: الألم… الوحدة… والانكسار.
لكنها لم تنطق.
أعاد المحامي ترتيب أوراقه، وقال: المحامي: "كما أخبرتك، سأهتم بإتمام الإجراءات غدًا، وستتحصل على الدفتر العائلي."
أشار باران لحارسه: "رافق الإمام… وأعده من حيث أتيت به."
انحنى شتاي برأسه، وخرج مع الإمام. تبعهما المحامي، حيث كان السائق بانتظارهم.
اوقف باران المحامي دوغان قبل خروجه قائلا...
باران: " إحتفظ بالاوراق في مكتبك حتى اخبرك أنا."
نظر إليه المحامي مستغربا من كلامه واردف...
دوغان: " الن توثق هذا الزواج يا سيد باران، لكن هذا....."
قاطعه باران بنبرة حاسمة لا تقبل النقاش..
باران:" إفعل ما أقوله لك، هل ستعرف مصلحتي أكثر مني."
دوغان: " لا يا سيد باران، لكن هذا سيثبت نسب اي طفل يمكن ان يكون بينكم لاحق وكذلك حقوق الفتاة الاي تزوجتها، وقبل كل هذا حتى لاتقع في مسائلة قانونية، كما تعلم الفتاة تحت السن القانونية للزواج، وهذا مخالف للقانون ويمكن تعريضك وتعريض....."
باران: حسنا حسنا، قلت لك إحتفظ بالاوراق إلى حين فقط، فربما لا أحتاج لتوثيق اي شيء."
إستغرب المحامي أكثر من كلام باران، لكن لم يرد إطالة النقاش معه، فهو على دراية تامة بعقلية باران، وأنه إنسان لايمكن مناقشته في امر إتخذه، او قرار اصدره، وان أي مخالفة او خروح عن كلامه عقوبته واضحة.
شد على حقيبته ثم إستأذن وخرج ليتلحق بشتاي ليوصله لبيته.
أُغلق الباب…
وبقي الثلاثة.
الصمت كان ثقيلاً… خانقًا.
قطع عاكف ذلك الصمت، صوته يحمل مزيجًا من الغضب والذهول:
عاكف: "لماذا؟".
نظر إلى ديلان، متمعنًا في هيئتها المنقبة، ثم عاد بنظره إلى باران:
عاكف: "لماذا تزوجت هذه الفتاة؟، الا يكفيك ما فعلته بها وبأبيها، ثم هي ليست مثلك… ولا تشبه الفتيات اللواتي تعرفهن وتعاشرهن، ويبدوا عليها الحشمة والالتزام، وليست مثل تلك العاهرات التي تواقعهن."
استدار باران نحوه ببطء، وعيناه تلمعان ببرودٍ حاد:
باران: "هذا… لا يعنيك."
اقترب خطوة، وصوته أصبح أكثر صرامة:
باران: "أحضرتك لتكون شاهدًا… لا أكثر. لن أسمح لك بالتدخل في حياتي. ليس من حقك."
اشتعل الغضب في عيني عاكف:
عاكف: "ليس لي حق؟!".
تقدم نحوه، وصوته ارتفع:
عاكف: "أنا صديقك! ومن واجبي أن أنصحك! ما الذي تفعله بنفسك؟! إذا استمريت هكذا… فمن الأفضل أن تنسى أن لك صديقًا اسمه عاكف!".
استدار بعنف، واتجه نحو الباب.
وفي لحظة خروجه، كان الصمت ينهار خلفه.
صرخ باران، صوته يلاحقه:
باران: "غبي! وستبقى كذلك! قلبك هو من يقودك!".
توقف عاكف لثانية… لكنه لم يلتفت.
ثم خرج.
بقي باران واقفًا مكانه، أنفاسه متسارعة، وملامحه مشدودة.
أما ديلان…
فكانت لا تزال واقفة في زاويتها.
زوجة.
كلمة جديدة، ثقيلة، غريبة.
نظرت إلى الأرض، وشعرت أن العالم من حولها قد تغيّر، دون أن يتغيّر شيء.
وفي قلبها…
كان الدعاء لا يزال مستمرًا.
----////**///*****///**////----
كانت ديلان تقف في زاوية الصالة كظلٍّ ضائع، جسدها حاضر، وروحها غارقة في مكانٍ لا يصل إليه أحد. عيناها معلّقتان في الفراغ، لكن عقلها كان يركض في ألف اتجاه؛ نحو الماضي الذي سُلب منها، ونحو مستقبلٍ لا ملامح له. كانت تحاول أن تفهم، كيف وصلت إلى هنا؟ كيف انقلبت حياتها في لحظات، لتجد نفسها في قصرٍ غريب، زوجةً لرجلٍ لا تعرف عنه سوى قسوته؟.
لكن شرودها انكسر فجأة،
بصوتٍ دوّى كالسوط في المكان.
باران: "أنتم يا بهائم! تعالوا أمامي… حالًا!".
ارتجف جسدها، والتفتت مع صوت الصراخ. كان باران يقف في منتصف القاعة، ملامحه مشدودة، وعيناه تضيقان بغضبٍ مكبوت. هرع الخدم من كل الجهات، كأنهم اعتادوا هذا النداء… هذا الخوف. اصطفّوا أمامه في صمتٍ مطبق، رؤوسهم منحنية، وأنفاسهم حبيسة صدورهم.
رمقهم بنظرة احتقار، ثم قال بلهجة آمرة:
باران:"كلكم… إجازة من اليوم. لا أريد أن أرى أحدًا في هذا القصر… إلا زينب. إلى أن أخبركم غير ذلك. مفهوم؟".
أجابوا بصوتٍ واحد، كأنهم آلة:
الخدم: "مفهوم يا باشا."
لوّح بيده بعنف: "انصرفوا!".
تفرقوا بسرعة، وكأن النجاة تكمن في الابتعاد عنه.
وفي لحظةٍ خاطفة، امتدت يده وأمسكت بمعصم ديلان.
شدّها نحوه بقوة، حتى كادت تفقد توازنها.
نظر إليها بعينين باردتين، وقال بنبرة خالية من أي رحمة: "اسمعي جيدًا… ليس لديّ مزاج لألمسك اليوم."
توقّف لحظة، وكأن كلماته التالية كانت أشد وقعًا:
باران: "لذلك… ستبقين هنا. تعيشين في هذا القصر… كخادمة. إلى أن يتحسن مزاجي… وأقرر أن ألمسك."
اتسعت عيناها، وتجمدت أنفاسها.
نظرت إليه، والدموع تتجمع في عينيها رغمًا عنها، ثم خرج صوتها مكسورًا، لكنه صادق:
ديلان: "حسبي الله ونعم الوكيل… في كل ظالم."
اشتعلت ملامحه غضبًا، واقترب منها صارخًا: "اصمتي!".
ثم أشار نحو الداخل:
باران: " هيا اذهبي… وأعدي لي العشاء. أريد كل شيء جاهزًا قبل أن أعود. هل فهمتِ؟"
لم ينتظر إجابتها.
فقد تركها… وخرج.
في الخارج، كان الهواء أبرد… لكن صدره لم يهدأ.
توجه نحو الحراس، الذين وقفوا في صفٍ مستقيم فور رؤيته.
قال بصوتٍ حاد:
باران: "الفتاة التي بالداخل… لن تخرج."
نظر في أعينهم واحدًا واحدًا:
باران: "لن تتجاوز عتبة هذا القصر. وإن حاولت…"
اقترب خطوة، وصوته انخفض لكنه أصبح أكثر رعبًا:
باران: "اقرؤوا الفاتحة على أرواحكم."
أجابوا فورًا: "أمرك يا سيد باران."
في الداخل…
كانت ديلان لا تزال واقفة مكانها، كأنها لم تستوعب ما حدث بعد. نظرت من خلف الباب الزجاجي، تراقب خروجه… خطواته… ابتعاده.
ثم خطرت الفكرة.
الهروب.
تحركت ببطء، كأنها تخشى أن يسمعها أحد. اقتربت من الباب، مدّت يدها… فتحته قليلًا.
لكنها توقفت فجأة.
الحراس.
عند الباب… في الحديقة… في كل زاوية.
كان القصر محاطًا بسورٍ من العيون.
تقدّم أحدهم نحوها، صوته جاف:
الحارس: "إلى أين؟".
ارتبكت، وسحبت يدها بسرعة:
ديلان:"لا… لا شيء. لا أنوي الذهاب إلى أي مكان."
أغلقت الباب.
بهدوء.
لكن قلبها كان يصرخ.
تراجعت خطوات؛ ثم جلست على الأرض، وكأن ساقيها لم تعودا قادرتين على حملها. وضعت وجهها بين يديها؛ وانفجرت بالبكاء.
بكاءٌ صامت؛ لكنه يمزّق الداخل.
اقتربت منها زينب، وجلست بجانبها، ومدّت يدها تمسح على كتفها بحنان: زينب:"اهدئي يا بنتي… اهدئي."
رفعت ديلان رأسها، ودموعها تبلل وجهها:
ديلان: "ماذا أفعل هنا؟!".
صوتها كان مكسورًا:
ديلان: "لا أعلم ماذا حدث لأبي؟… كيف وافق أن يسلمني؟… أن يبيعني بهذه السهولة؟!".
شهقت، وكأن الكلمات تخنقها: "وهذا الشيطان… يتحكم بي وكأنني لا شيء!".
تنهدت زينب، وعيناها تمتلئان شفقة:
زينب: "اهدئي يا حبيبتي… ربما… ربما أرسلك الله إليه لتهديه."
حاولت أن تبتسم لتخفف عنها:
زينب: "ومن يدري… قد تكونين سببًا في عودته إلى الطريق الصحيح."
ثم أضافت بخفة:
زينب: "بالمناسبة…حتى الان لا اعلم ماهو إسمك....... ما اسمك يا ابنتي؟".
مسحت ديلان دموعها بظهر يدها، كطفلةٍ صغيرة: "ديلان…"
ابتسمت زينب: "اسمك جميل… وأنا زينب. لكن ناديني… أختي زينب."
ارتجفت شفتا ديلان: "أرجوك يا أختي زينب… أريد أن أخرج من هنا. أريد أن أعرف الحقيقة… هل أبي فعلًا… باعني؟".
أطرقت زينب رأسها بحزن:
زينب: "يا ابنتي… ليس بيدي حيلة ولا قوة على مواجهة السيد باران."
رفعت نظرها إليها:
زينب: "ليس لنا إلا الدعاء… أن ينقذك الله من هذا الذئب المفترس."
ثم نهضت، ومدّت يدها لها:
زينب: "هيا… لنحضّر العشاء. قبل أن يعود… ويفرغ غضبه بنا."
وقفت ديلان ببطء، تمسح ما تبقى من دموعها:
ديلان: "حسبي الله ونعم الوكيل…"
في المطبخ…
كانت يداها تتحركان آليًا، تقطع… ترتب… تطهو…
لكن عقلها كان في مكانٍ آخر.
وفجأة…
توقفت.
نظرت إلى الطعام.
وفكرة مظلمة مرّت في ذهنها…
ماذا لو… وضعت له السم؟،
ماذا لو انتهى كل شيء… الآن؟،
ارتجفت يدها.
نظرت إلى القدر، ثم أغمضت عينيها بقوة.
ديلان:"أستغفر الله… أستغفر الله…"
همست بها مراتٍ متتالية، وكأنها تطرد شيطانًا تسلل إلى روحها.
فتحت عينيها…
وأكملت.
لكنها لم تكن كما كانت.
فداخلها…
قد بدأت حربٌ لا يعلم بها أحد.
--------*****////****
وصل عباس إلى البيت كالإعصار، خطواته مضطربة، وأنفاسه متلاحقة كأنها تسبق انهياره. لم يطرق الباب… بل كاد يخلعه من مكانه، ضربات متتالية عنيفة هزّت الجدران قبل أن تُفتح أخيرًا.
ظهرت حسنية على العتبة، ملامحها مشدوهة من هذا الهجوم المفاجئ، وما إن فتحت فمها لتعاتبه حتى صاحت بحدة:
حسنية: "لماذا تطرق الباب بهذه....."
لكن كلماتها لم تكتمل…
انقضّ عليها عباس كوحش جريح، أمسك بذراعها ولوى يدها خلف ظهرها بقوة جعلت صرخة ألمها تختنق في حلقها، وعيناه تقدحان نارًا:
عباس:"أنتِ من أخبرته… أليس كذلك؟!، أنتِ من قلتِ له إنني موافق؟! ، أنتِ من طلبتِ منه أن يأخذ ديلان من أمام الثانوية؟!".
ارتبكت، تلعثمت، حاولت الإفلات من قبضته دون جدوى، ثم قالت بصوت مرتجف:
حسنية: "هو… هو من اتصل يسأل عنك… قال إنه سيتزوجها… وأنا فقط… فقط أخبرته أنها ليست في البيت… وأنها لا تزال في الثانوية…"
في تلك اللحظة، انفتح باب الغرفة بعنف، وظهرت ميرال، وقد سحبها القلق من مكانها، لكن ما إن وقعت عيناها على المشهد حتى صرخت:
ميرال: "اترك أمي!".
لم يلتفت لها في البداية، وكأن صوته كان أعمق من أن يُقاطع، ثم هدر بغضب ممزوج بألم يكاد يمزقه:
عباس: "أمك لم تفعل شيئًا؟!، أتدرين أين ابنتي الآن؟!، إنها بين يدي ذلك الوحش… لن يرحم صغر سنها… ولا براءتها… أتدرين إلى أي جحيم رمتها أمك؟!".
تقدم خطوة، ويده تشتد حول عنق حسنية، كأن الألم الذي بداخله يريد أن يخرج خنقًا…
لكن صوت ميرال جاء هذه المرة مختلفًا… باردًا… قاسيًا بشكل صادم:
ميرال: "اترك أمي… وأحمد ربك أصلًا."
تجمدت اللحظة.
التفت إليها عباس ببطء، وكأن كلماتها صفعة لم يستوعبها بعد.
تابعت، بثبات غريب، وكأنها تتحدث عن أمر لا يعنيها:
ميرال: "السيد باران وافق عليها… أخذها… هذا ليس جحيمًا كما تقول… بل حياة لم تحلم بها حتى. قصر… رفاهية… رجل يتمناه الجميع…"
اقتربت أكثر، وعيناها تلمعان بنظرة لا تحمل أي شفقة:
ميرال: "الوحش الذي تتحدث عنه؟، شاب وسيم… وجذاب… بملك المال والسلطة… فتيات أجمل من ابنتك يتمنين نظرة منه… ويركعن تحت قدميه… فاحمد ربك أنه اختارها… على الأقل ستعيش كأميرة… بدل هذا البؤس!!."
كانت نبرتها حادة وهي تشد على اخر ملمتين بين اساننها قبل ان تخرج من شفتيها .
صمت.
صمت ثقيل، مرعب…
كانت كلماتها تتردد في أذنيه كصفعات متتالية، تحطم شيئًا فشيئًا ما تبقى من روحه.
نظر إليها بذهول، وكأنها لم تعد تلك الطفلة التي يعرفها، بل غريبة، بلا قلب.
وفجأة…
اتسعت عيناه بشكل مرعب، وكأن الحقيقة ضربته دفعة واحدة، وضع يده على صدره، أنفاسه اختنقت، جسده ترنح للحظة… ثم سقط أرضًا بلا صوت.
"عباس!"
صرخت حسنية، وقد تحررت من قبضته، لترتمي بجانبه، تهزه بعنف، تحاول إعادته، لكن جسده كان يبرد بين يديها.
حسنية: "ميرال! اتصلي بالإسعاف بسرعة!".
ارتبكت ميرال للحظة، ثم التقطت الهاتف، لكن عينيها، لم تكن تحمل الذعر الكافي.
مرّت دقائق ثقيلة كأنها دهر، حتى وصل المسعفون، اندفعوا نحوه، فحصوه بسرعة، تبادلوا نظرات سريعة، ثم قال أحدهم بجدية قاتلة:
المسعف: "أزمة قلبية حادة… يجب نقله فورًا!".
حُمل جسده، وانطلقت سيارة الإسعاف تشق الليل بصوتها الحاد، بينما قلب الحقيقة كان قد بدأ يتوقف بالفعل.
في المستشفى، أُدخل إلى قسم الطوارئ، ثم إلى الإنعاش، حيث اختفى خلف الأبواب المغلقة، تاركًا خلفه قلقًا خانقًا ينهش الانتظار.
الوقت كان يمضي ببطء قاسٍ،
حتى قبل أن يعلن الفجر عن نفسه، وقبل أن تتسلل خيوطه الفضية لتكسر ظلمة الليل، لاحظت حسنية حركة غير طبيعية داخل غرفة الإنعاش… أطباء… ممرضون… خطوات مسرعة… توتر يتصاعد…
وقلبها بدأ يرتجف.
لحظات… فقط لحظات…
ثم فُتح الباب.
خرج الطبيب، وملامحه تحمل الإجابة قبل أن ينطق بها.
أسرعت إليه حسنية، صوتها يرتجف:
حسنية: "كيف حاله؟!"
الطبيب: "حالته خرجة جدا ولا اخفي عليكم شي، كونوا جاهزين لاي شيء".
نظر إليها ثم طأطأ رأسه ومضى، تاركا إياها في خالة ذهول تام، وعيناها قد جحظتا وهي تنظر بإتجاه غرفة الإنعاش، لاتدري ماتحمله الساعات القادمة، أأخبار سعيدة ام نهاية لم تتوقعها.
_______/////_____///
خرج باران من القصر وإتجه نحو إحدى الخمارات، جلس على إحدى الطاولات، وبدأ يشرب الخمر بشراهة، لتقترب منه فتاة بملابس فاضحة الذي يظهر من جسدها أكثر من الذي تخفيه بتلك الملابس.
إقتربت منه وبخلاعة مفرطة وضعت يدها على كتفه هاتفة...
الفتاة: انا هنا يا سيدي وتحت امرك.
وقف باران وشدها من شعرها صارخا بوجهها...
باران: انا لا أحب ان يضع احدهم يده علي بدون امري، وبذات من واحدة قذرة مثلك.
الفتاة وهي تتألم: اتركني يا سيدي، ارجوك ولن اكررها.
تركها باران ونظر إليها قائلا.. .
باران: تعالى ورائي بسرعة..
اسرعت الفتاة ومشت خلفه.
______///_____////
وصل باران إلى الشقة بخطواتٍ متثاقلة، كأن شيئًا خفيًا كان يدفعه إلى الداخل رغم رفضٍ صامتٍ يتآكل في أعماقه. فتح الباب ودخل، وكانت الفتاة خلفه تتبعه بترددٍ خافت، تراقب ظهره العريض دون أن تجرؤ على الكلام. أغلق الباب خلفهما بإحكام، فارتد صوته في المكان كأنه إعلان بداية لليلةٍ لا تشبه غيرها.
توجه مباشرةً نحو الركن الذي اعتاد أن يلوذ به… طاولة صغيرة تصطف عليها زجاجات الخمر وكؤوسٌ لامعة تعكس ضوءًا باهتًا. كانت تلك الزاوية ملاذه كلما أراد أن يهرب من نفسه، أو يغرق أكثر فيها.
دون أن ينظر إليها، أشار بيده إشارةً مقتضبة:
باران: "املئي الكأس… وتعالي."
أسرعت الفتاة لتنفيذ أمره، يداها ترتجفان قليلًا، ربما رهبةً منه أو من صمته الثقيل. سكبت الخمر في كأسين، ثم اقتربت بخطواتٍ محسوبة، وجلست بجانبه محاولةً أن تبدو واثقة، رغم التوتر الذي كان واضحًا في عينيها.
أخذ منها الكأس، ورفعها ببطء، ارتشف رشفةً طويلة وكأنه يحاول أن يُسكت شيئًا يصرخ داخله. ثم التفت نحوها، نظر إليها نظرةً عابرة، قبل أن تمتد يده ويمسك بذراعها ليقربها منه.
اقتربت… امتزجت أنفاسهما… وضع شفته على شفافها، في محاولة ليفرغ نا بداخله، لمن وما إن فتح عينيه وإلتقت بعينيها، ولم تفصل بينهما سوى لحظة.
لكن، وفجأة…
تجمّد.
تصلّب جسده، واتسعت عيناه بشيءٍ يشبه الذعر. لم يكن يرى وجه الفتاة أمامه… بل شيئًا آخر، صورةً انطبعت في ذاكرته بقوة، صورة بثت فيه الذعر.
ملامح غريبة… لكن بنظرةٍ مخيفة. نظرة أخافته… نظرة ارعبته.
ابتعد عنها بعنف وكأنه لُدغ، دفعها عنه وهو يصرخ بصوتٍ اهتز له المكان:
باران: "ابتعدي عني! اذهبي… اخرجي حالًا! لا أريد رؤيتك أمامي!"
تراجعت الفتاة مذعورة، لم تفهم ما الذي حدث، ولا سبب هذا الانقلاب المفاجئ. جمعت حقيبتها بارتباك، وذلك المال الذي القى به لها على الطاولة، وعيناها تلمعان بصدمةٍ وإهانة، ثم اندفعت نحو الباب وغادرت دون أن تلتفت.
ما إن أُغلق الباب خلفها، حتى خيّم الصمت.
لكن الصمت لم يكن هدوءًا… بل كان صاخبًا بما يكفي ليخنقه.
وقف باران في منتصف الغرفة، أنفاسه متسارعة، وعيناه تلاحقان الفراغ… وكأن شبحًا لا يزال أمامه. رأى ديلان… ليس كجسدٍ، بل كذكرى حية تطارده؛ نظراتها المرتعبة الخائفة ، ابتعادها عنه ونفورها منه، ذلك الحاجز الذي لم يستطع كسره.
ضغط على صدره بقوة، وكأن ألمًا حادًا اخترقه فجأة.
باران: "لماذا…؟" تمتم بصوتٍ مكسور، لا ينتظر جوابًا.
بل كان يتوعد في داخله، من كانت السبب في هذا.
مدّ يده بعصبية، التقط سترته ومفاتيحه، وتحرك نحو الباب بخطواتٍ سريعة، كمن يهرب… لكن هذه المرة، لم يكن يهرب من المكان.
بل من نفسه
