الفصل السابع7
بقلم عاشقة القلم
كانت رائحة المطهّرات تملأ المكان، حادّة، باردة، تُشبه ذلك الفراغ الذي بدأ يتمدّد في صدر سلمى دون أن تفهم سببه. جلست على الكرسي المعدني البارد بمحاذاة غرفة الطوارئ،
تضمّ يديها إلى صدرها وكأنها تحاول احتواء ارتجافٍ خفيّ يسري في جسدها. عيناها معلّقتان بباب الغرفة، لكن عقلها كان عالقًا في مكانٍ آخر… عند تلك اللحظة التي غادر فيها عاكف.
لم تفهم.
لماذا رحل بهذه السرعة؟ لماذا بدا وجهه متجهّمًا، ونظراته مشحونة بشيءٍ لم تستطع تفسيره؟
همست لنفسها بصوتٍ خافت، يكاد لا يُسمع:
سلمى:"ما الذي حدث لك يا عاكف…؟".
لكن السؤال بقي معلّقًا في الهواء، بلا إجابة.
مرّت الدقائق ثقيلة، كأن الزمن تعمّد أن يبطئ خطواته، حتى سُمِع صوت باب المستشفى يُفتح بعجلة. رفعت سلمى رأسها بتلقائية، وكأن قلبها استشعر شيئًا قبل عينيها.
دخل أحمد.
كانت خطواته سريعة، مضطربة، وعيناه تجولان في المكان بقلقٍ واضح، حتى استقرتا عليها. في تلك اللحظة، تغيّرت ملامحه كليًا؛ امتزج الخوف بالراحة، والقلق بالاطمئنان، واندفع نحوها دون تردّد.
أحمد، بصوتٍ متقطّع من شدّة اللهاث:
أحمد: "سلمى!… حبيبتي، ماذا حدث لك يا ابنتي؟!".
نهضت سلمى بسرعة، وكأن وجوده أعاد لها توازنها الذي فقدته. ركضت نحوه بخطواتٍ متعثّرة، وما إن وصلت إليه حتى ارتمت بين ذراعيه.
سلمى: "أبي… أخيرًا أتيت…"
شدّها أحمد إليه بقوة، كأنّه يخشى أن تختفي من بين يديه إن تراخى لحظة، وأخذ يتحسس كتفيها ووجهها بعينين قَلِقَتَين.
أحمد: "هل أنتِ بخير؟ هل أصابكِ شيء؟ أخبريني…"
ابتعدت عنه قليلًا، وابتسامة خفيفة، مرهقة، ترتسم على شفتيها:
سلمى: "أنا بخير يا أبي… الحمد لله. لقد أنقذني شاب… لو لم يكن هناك…"
توقفت لحظة، وكأنها تستعيد المشهد.
سلمى: "لقد ضمّد جرحه… ثم رحل. لم ينتظر."
قطّب أحمد حاجبيه باستغراب، وقال بنبرةٍ فيها شيء من الأسف:
أحمد:"ولماذا لم ينتظر؟؛ كنت أودّ أن أتعرف عليه… أن أشكره. لقد أنقذ ابنتي."
تنهدت سلمى، وعيناها تسرحان للحظة:
سلمى: "لا أعلم… رحل وكأنه كان يهرب من شيء."
لم يدرك أيٌّ منهما أن ذلك "الشيء" كان فكرةً خاطئة… وأن عاكف غادر وهو يحمل في صدره ظنًا قاسيًا لم يخطر ببالها قط.
ربت أحمد على كتفها برفق، محاولًا طمأنتها:
أحمد:"المهم أنكِ بخير الآن. هيا، لنعد إلى البيت… أمكِ قلقة عليكِ."
أومأت سلمى برأسها:
سلمى: "نعم يا أبي… أنا بخير."
تحرّكا معًا نحو باب المستشفى، لكن خطوات سلمى تباطأت فجأة.
صوتٌ حادّ… صفير سيارة إسعاف يشقّ السكون.
توقفت.
التفتت.
رأت سيارة الإسعاف تتوقف بعنفٍ أمام المدخل، والأبواب تُفتح بسرعة، والمسعفون يهرعون وهم يدفعون سريرًا عليه رجلٌ ممدّد، وجهه شاحب، وجسده ساكن كأن الحياة انسحبت منه.
اتّسعت عيناها.
"عباس…؟!"
همست بالاسم دون وعي.
كان هو.
والد ديلان.
تقدّمت خطوة، ثم أخرى، كأن قوة خفية تدفعها نحوه… لكن خطواتها تجمّدت فجأة.
رأت زوجته… ورأت إبنتها.
وفي لحظةٍ واحدة، عادت إليها كل التفاصيل… الحادث… الألم… الخوف… والارتباك.
تراجعت.
قلبها انقبض.
اختارت أن تبتعد.
وقفت جانبًا، تراقب بصمتٍ ثقيل، حتى اختفوا خلف أبواب الطوارئ، وكأنهم ابتلعهم ذلك المكان البارد.
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم اقتربت من أحد المسعفين الذي كان قد تأخر قليلًا.
بصوتٍ متردد:
سلمى:"لو سمحت… ذلك الرجل… الذي أحضرتموه الآن… ماذا به؟".
نظر إليها المسعف بنظرةٍ سريعة، ثم قال بجدية:
المسعف:"أزمة قلبية حادة… حالته حرجة جدًا. نسبة النجاة… قليلة."
ثم أضاف بنبرةٍ إنسانية خافتة:
"نسأل الله أن يلطف به… وبعائلته."
كأن الكلمات سقطت على قلبها كحجارة.
خفضت رأسها، وهمست:
سلمى: "يا رب…"
في تلك اللحظة، كان أحمد يراقبها، ملامحه ممتلئة بالتساؤل. اقترب منها وقال:
أحمد: "هل تعرفين هذا الرجل يا سلمى؟".
رفعت عينيها نحوه، وفيهما خليطٌ من الحزن والارتباك:
سلمى: "نعم يا أبي… إنه عباس… والد ديلان، صديقتي."
توقف لثانية، ثم قال ببطء:
أحمد: "ديلان…؟"
أكملت، وصوتها بدأ يرتجف:
سلمى: "هي… السبب فيما حدث لي اليوم… أو ربما… لا أعلم…"
أغمضت عينيها للحظة، ثم فتحتها وقد امتلأت بالقلق:
سلمى:"ولا أعلم ما الذي حدث لها الآن… ولا كيف حالها وها هو والدها لا أعلم ما الذي أصابه."
ازداد استغراب أحمد، وقال بنبرةٍ حازمة لكنها هادئة:
أحمد: "أنا لا أفهم شيئًا يا سلمى… كيف تكون صديقتكِ سببًا في ما حدث لك؟".
تنفست بعمق، وكأنها تحاول ترتيب الفوضى داخلها:
سلمى:"تعال يا أبي… لنذهب. سأخبرك بكل شيء في الطريق."
أومأ برأسه، ورافقها نحو الخارج.
لكن قبل أن تخطو، أخرجت هاتفها بسرعة، واتصلت بديلان.
رنين…
رنين…
لا إجابة.
تغيّرت ملامحها، وازداد قلقها:
سلمى:"لا ترد…"
أعادت المحاولة.
لكن لا شيء.
أغلقت الهاتف ببطء، وهمست:
سلمى:"حتى هاتفها… لا يجيب…أين أنت يا ديلان الان؟ ...... وماذا حدث لك؟".
رفعت نظرها نحو باب الطوارئ الذي اختفى خلفه عباس، ثم إلى الممر الطويل الذي ابتلعهم.
وقفت بين عالمين…
ماضٍ بدأ ينهار…
وحاضرٍ يتشكّل على هيئة فاجعة.
ثم تمسكت بذراع والدها، وكأنها تخشى أن تفقد توازنها إن تركته، وغادرت المستشفى بخطواتٍ مثقلة… بينما في داخلها، كانت الأسئلة تتكاثر…
والإجابات… لا تزال بعيدة.
______/////----////-----
في القصر 🏰....🌚..
كان المطبخ غارقًا في هدوءٍ ثقيل، لا يقطعه سوى صوت الأواني الخافت ورنين الملاعق وهي تُرتّب بعناية. انتهت ديلان من تحضير العشاء بمساعدة زينب، لكن التعب الذي أثقل جسدها لم يكن تعبًا جسديًا فحسب… بل كان ثِقل يومٍ كاملٍ سقط على روحها دفعةً واحدة.
جلست على الكرسي القريب، تسند ظهرها إليه ببطء، وأغمضت عينيها لوهلة، كأنها تحاول أن تلتقط أنفاسها… أو ربما أن تفرّ من أفكارٍ بدأت تزحف إلى رأسها دون استئذان.
عاد بها شريط النهار…
صباحٌ عادي، ضحكة خفيفة، أحلام بسيطة… حقيبة كتبٍ ووجهٌ يفيض بالحياة وهي في طريقها إلى الثانوية.
ثم… ظلام.
فتحت عينيها فجأة، وكأنها سقطت من ذلك الحلم نحو كابوس مخيف.
همست لنفسها بصوتٍ مبحوح:
ديلان: "كيف… كيف حدث كل هذا في يومٍ واحد؟".
كانت لا تزال غير قادرة على الاستيعاب. وكأن الزمن انقلب عليها، وسحبها من عالمٍ إلى آخر دون أن يمنحها فرصة الفهم أو الرفض.
في الصباح… كانت فتاة.
وفي المساء… أصبحت زوجة.
زوجة لرجلٍ لا تعرف عنه سوى نظراته القاسية… وصوته الذي يحمل شيئًا من الوحشية.
ارتجفت أصابعها، فقبضت يديها بقوة، محاولة أن تسيطر على ذلك الخوف الذي بدأ يتسلل إليها.
في تلك اللحظة، اقتربت زينب منها بهدوء، ووضعت يدها على كتفها بحنانٍ أمومي، كأنها تحاول أن تُخفف عن تلك الروح الصغيرة بعض ما تحمله.
زينب، بصوتٍ دافئ:
زينب: "اصعدي لترتاحي يا ابنتي… أعلم أن هذا اليوم كان الأصعب في حياتك."
رفعت ديلان نظرها إليها، وفي عينيها تعبٌ عميق، كأنها كبرت سنواتٍ في ساعات.
تابعت زينب:
"السيد باران… لا أظنه سيعود الآن. ربما ذهب إلى شقته… أو سيعود كعادته مع الفجر. اذهبي، خذي قسطًا من الراحة."
صمتت لحظة، ثم أضافت بنبرةٍ أكثر لينًا:
زينب: "هيا يا ابنتي… أنتِ بحاجة إلى ذلك."
أومأت ديلان برأسها ببطء، دون أن تنطق. لم تكن تملك طاقة للكلام، ولا حتى للاعتراض.
وقفت، وكأن جسدها أثقل من أن يحملها، واتجهت نحو الدرج. كانت خطواتها بطيئة، مترددة، كأنها تصعد ليس إلى الطابق العلوي… بل إلى مصيرٍ مجهول.
وصلت إلى الغرفة الرئيسية، دفعت الباب برفق، ودخلت.
الغرفة كانت واسعة، فخمة… لكنها باردة. لا تحمل دفئًا، ولا روحًا. فقط حضورٌ طاغٍ… حضوره.
تقدمت نحو الأريكة بجانب السرير، وهمّت أن تجلس… لكنها توقفت فجأة.
تذكّرت.
هذه… غرفته.
انسحب الدم من وجهها، وكأن الفكرة وحدها كانت كفيلة بأن توقظ خوفها من جديد.
تراجعت خطوة، ثم أسرعت تلتقط الأكياس المبعثرة على الأرض. كانت مليئة بملابس نسائية… محتشمة، وأخرى للنوم، وبعض القطع التي جعلتها تشعر بالاختناق لمجرد النظر إليها.
شدّت الأكياس إلى صدرها، كأنها درعٌ تحتمي به، ثم خرجت من الغرفة بسرعة.
بدأت تتجول في الجناح، عيناها تبحثان عن أي مكان… أي زاوية… تختبئ فيها بعيدًا عنه.
كان خوفها واضحًا، صامتًا لكنه عميق.
فكرة أن يعود… ويجدها في غرفته… كانت كفيلة بأن تُرعبها.
"سيظن أنني… استسلمت…"
همست بها، وارتجف صوتها.
لا… لم تكن مستعدة لذلك.
تابعت السير، حتى وقعت عيناها على بابٍ آخر. غرفة أصغر، أبسط، كأنها منسية في ذلك الجناح الواسع.
تقدمت نحوه، فتحته بحذر، ثم دخلت.
أغلقت الباب خلفها ببطء… وكأنها تغلق على نفسها عالمًا كاملًا.
وضعت الأكياس جانبًا، ثم استدارت تنظر حولها. الغرفة كانت هادئة، بسيطة… لكنها، على عكس الأخرى، لم تكن تُشعرها بالاختناق.
تنفست بعمق.
ثم… جلست.
ولأول مرة منذ بداية ذلك اليوم… لم تحاول المقاومة.
همست لنفسها بصوتٍ خافت، منكسر:
"هذا… قدري."
رفعت عينيها نحو الساعة المعلقة، فوجدت أن الليل قد تجاوز منتصفه بساعة.
ديلان: "منتصف الليل…"
ابتسمت بسخرية خفيفة.
ديلان:"وكأن يومي لم ينتهِ بعد…"
وقفت ببطء، وتوجهت نحو بابٍ صغير داخل الغرفة. فتحته، فكان حمامًا بسيطًا.
دخلت، وأغلقت الباب خلفها.
وقفت أمام المغسلة، نظرت إلى انعكاسها في المرآة… لم تتعرف على نفسها.
وجهٌ شاحب… عيونٌ متعبة… وشيءٌ مكسور في الأعماق.
أدارت الماء.
بدأت تتوضأ ببطء… كأن كل قطرة ماء تسقط على بشرتها تُطفئ جزءًا من ذلك الاحتراق داخلها.
غسلت وجهها… فشعرت وكأنها تغسل خوفها.
غسلت يديها… وكأنها تحاول أن تمحو آثار ذلك اليوم.
مررت الماء على رأسها… وكأنها تستعيد شيئًا من سكونها.
انتهت.
خرجت من الحمام، فرأت سجادة صغيرة موضوعة في زاوية الغرفة.
تقدمت نحوها، حملتها برفق، وفرشتها على الأرض.
وقفت عليها.
رفعت يديها.
"الله أكبر…"
وما إن بدأت الصلاة… حتى انهارت الحواجز التي حاولت أن تبنيها طوال اليوم.
في السجود… طال صمتها.
كانت لا تقرأ فقط… بل تُناجي.
بصوتٍ مخنوق، بالكاد يُسمع:
ديلان: "يا رب… أنا لا أفهم ما يحدث…"
ارتجفت كلماتها، لكنها تابعت:
ديلان: "كنتُ أحلم… فقط أحلم بحياة بسيطة… بدراسة… بمستقبل…"
اختنق صوتها، وانحدرت دمعة سقطت على السجادة.
ديلان: "يا رب… إن كان هذا امتحانًا… فأعني عليه… لا تتركني وحدي."
أطبقت عينيها بقوة، وكأنها تتشبث بذلك الدعاء بكل ما تملك.
"كن معي… فأنا… خائفة."
طال سجودها… وكأنها وجدت فيه الملاذ الوحيد من عالمٍ انقلب عليها فجأة.
وفي تلك الغرفة الصغيرة،
بعيدًا عن العيون،
وبعيدًا عن القسوة،
كانت ديلان،
تضع قلبها كاملًا بين يدي الله،
وتنتظر، رحمةً تُنقذها من كابوسٍ لم تستيقظ منه بعد.
-----///**////****////**///---
عاد باران بعد ساعاتٍ طويلة من الخارج، يجرّ خلفه ظلال يومٍ ثقيل، لكن ملامحه لم تكن مرهقة، بل كانت مشدودة بشيءٍ آخر؛ نشوةٍ خفيّة، إحساسٍ مبهم بالسيطرة.
دفع باب القصر ودخل.
كان السكون يخيّم على المكان، سكونٌ عميق، لا يُسمع فيه سوى وقع خطواته على الأرضية الرخامية. لا أصوات، لا حركة… وكأن القصر قد فرغ من الحياة.
توقف لحظة، ألقى نظرة سريعة حوله، ثم اتجه نحو المطبخ.
ما إن دخل، حتى وقعت عيناه على المائدة.
الطعام كان موضوعًا بعناية، مغطّى كما لو أن من أعدّه كان ينتظر… ثم تراجع.
تسللت ابتسامة خفيفة إلى شفتيه، ابتسامة تحمل شيئًا من الرضا.
باران:"إذن… بدأت تفهم."
همس بها لنفسه، وكأنه يخاطب غيابها.
لم يتوقف كثيرًا. استدار، واتجه نحو الدرج بخطواتٍ واثقة، صاعدًا إلى الأعلى، إلى جناحه… إلى حيث كان يتوقع أن يجدها.
كان يسير منتشيًا بفكرةٍ واحدة:
أنه انتصر.
وصل إلى الباب، دفعه دون تردد.
ظلام.
سكون.
تجمدت خطواته لوهلة، ثم مدّ يده وأضاء النور.
الغرفة… فارغة.
اتسعت عيناه، وكأن ما رآه لم يكن ضمن حساباته.
باران: "أين هي…؟"
خرجت الكلمة من بين شفتيه حادة، متوترة.
بدأ الغضب يتسلل إلى ملامحه، ببطء، لكنه كان واضحًا، يتصاعد كدخانٍ كثيف في عينيه. تقدّم خطوة، ثم أخرى، يتفحّص المكان بعينين متحفزتين، كأن الغرفة تخفيها عنه.
لكنها لم تكن هناك.
شدّ على فكه، واستدار بسرعة نحو باب الجناح، عازمًا على النزول، على أن يسأل زينب.
"أين ذهبت…؟"
لكن قبل أن يفتح الباب؛
توقّف.
نورٌ خافت، يتسرّب من تحت باب الغرفة الأخرى.
تجمّدت حركته.
ثم؛ صوت.
بكاء.
ليس بكاءً عاديًا، بل أنينٌ ممزوج بشهقاتٍ مكتومة، كأن صاحبه يحاول أن يخفيه عن العالم، لكنه يفشل.
ارتفع الصوت قليلًا، فارتطم بأذنيه، واخترق شيئًا في داخله دون استئذان.
تغيّرت ملامحه.
تردّد.
ثم تحرّك.
اقترب من الباب بخطواتٍ بطيئة، كأن كل خطوة تُثقل عليه أكثر من سابقتها. مدّ يده نحو المقبض، قبض عليه، وتوقف لحظة.
شيءٌ ما في داخله قال له أن لا يفعل.
لكن فضوله، أو ربما شيءٌ آخر، دفعه.
أدار المقبض ببطء شديد، بحذرٍ حتى لا يصدر صوتًا.
فتح الباب… قليلًا.
ثم؛
تجمّد.
كانت ديلان هناك.
ساجدة.
لكنها لم تكن مجرد سجدة، كانت انهيارًا كاملًا.
جسدها يرتجف، يتحرك مع كل شهقة، وكل زفرةٍ مكسورة تخرج منها. صوت بكائها لم يعد مكتومًا، بل صار أنينًا عميقًا، موجعًا، كأنه يخرج من قلبٍ مثقلٍ بما لا يُحتمل.
كانت تناجي.
لم تكن كلماتها واضحة تمامًا، لكنها كانت كفيلة بأن تصل، أن تخترق صدره.
ديلان: "يا رب… لا تتركني…"
توقّف الزمن.
وقف باران عند الباب، وكأنه فقد القدرة على الحركة.
الصورة أمامه، لم تكن كما تخيّلها.
لم تكن تلك الفتاة التي توقع أن تنكسر أمامه، أو تستسلم.
بل كانت شيئًا آخر.
ضعفٌ صادق، وخوفٌ حقيقي، واستسلامٌ لربٍّ لا لغيره.
ارتعش شيءٌ في داخله.
كان كأنينها، كخنجرٍ دُفِع في صدره دون رحمة.
ضغط على فكه، محاولًا أن يستعيد قسوته، أن يتمسّك بتلك الفكرة التي جاء بها، لكنه لم يستطع.
صوتها دوى داخل أذنه…
ديلان: "أعني يا رب… أنا لا أحتمل…"
أغمض عينيه للحظة، كأن الكلمات أصابته مباشرة.
كانت تبكي، لكن ليس خوفًا منه فقط.
كانت تبكي، لأنها فقدت كل شيء.
ولأول مرة؛
لم يرَ فيها خصمًا.
بل إنسانًا.
مكسورًا.
ضعيفًا.
وحيدًا.
طال وقوفه عند الباب، كأنه عالق بين عالمين؛ عالمه الذي يعرفه، القاسي، المتحكم…
وهذا المشهد الذي يقف أمامه الآن، ويهزّ شيئًا في أعماقه لم يعتد أن يشعر به.
تنفّس بعمق.
زفرةٌ ثقيلة خرجت منه، كأن شيئًا كان يضغط على صدره فانفلت.
مدّ يده ببطء… وأغلق الباب.
دون صوت.
كما فتحه.
تراجع خطوة، ثم أخرى، كأن قدميه فقدتا الرغبة في التقدّم.
استدار.
وعاد أدراجه.
لكن خطواته لم تكن كما كانت.
لم تعد واثقة، ولا منتشية.
كانت بطيئة، مترددة.
دخل غرفته، وأغلق الباب خلفه.
وقف في منتصفها للحظة، ينظر إلى الفراغ، لكن ذهنه لم يكن هناك.
كان لا يزال عند ذلك الباب.
عند ذلك الصوت.
عند تلك السجدة.
مرر يده على وجهه بعنف، وكأنه يحاول أن يمحو ما رآه، أو ما شعر به.
لكن الصورة… بقيت.
والصوت… بقي.
وفي تلك الليلة؛
لم يكن باران هو نفسه الذي دخل القصر.
-----***------***------***-----
اقترب باران من سريره بخطواتٍ مثقلة، كأن شيئًا خفيًا يشدّه إلى الأرض، ثم جلس على طرفه ببطء. انحنى قليلًا إلى الأمام، وأسند مرفقيه إلى فخذيه، بينما تشابكت أصابعه في توترٍ واضح.
رفع رأسه أخيرًا.
كانت الشرفة الكبيرة أمامه، أبوابها الزجاجية تعكس عتمة الليل، والستائر تتحرك بخفةٍ مع نسماتٍ باردة تتسلل إلى الداخل.
لكن عينيه، لم تكونا ترى الشرفة.
بل كانت ملامحها.
ديلان.
تلك النظرة المنكسرة، ذلك الخوف الذي اختبأ في عينيها، وصوتها وهي تبكي وتناجي ربها.
شدّ على فكه، وكأن الذكرى كانت أثقل من أن تُحتمل.
تمتم بصوتٍ منخفض، مشوبٍ بضيقٍ واضح:
باران: "لماذا…؟"
سكت لحظة، وكأنه ينتظر جوابًا لن يأتي.
ثم عاد يتمتم، هذه المرة بصوتٍ أوضح، وكأنه يواجهها، أو ربما يواجه نفسه:
باران: "لماذا لا تزال ترفضني؟… لقد تزوجتكِ لأبعد عنكِ الحرج… لأكون الحل… فلماذا؟".
صمتٌ آخر.
لكن داخله لم يصمت.
كان هناك سؤالٌ أعمق، أخطر.
ارتفعت نبرته قليلًا، وقد تسللت إليها حدةٌ لم يستطع كبحها:
باران: "لكن… لماذا أضعف أنا أمامكِ كل مرة؟".
وقف فجأة، كأن الجلوس لم يعد يحتمل ثقل أفكاره، وأخذ يدور في الغرفة بخطواتٍ متوترة.
باران: "لماذا لا أستطيع أن أفعل ما نويت عليه؟".
مرّر يده في شعره بعنف، وزفر بقوة.
باران: "لماذا… لم أستطع أن أكمل ما عزمت عليه؟".
توقّف في منتصف الغرفة، ووجهه متجهم، وعيناه تلمعان بصراعٍ واضح.
لم يكن سؤالًا عنها فقط،
بل عنه هو.
عاد إلى السرير، ثم رمى بجسده عليه بقوة، كأنّه يهرب من نفسه، واستلقى على ظهره، محدقًا في السقف. وضع يديه فوق صدره، لكن صدره لم يكن هادئًا، كان يعلو ويهبط مع أنفاسٍ مضطربة.
همس لنفسه، بصوتٍ أخفت هذه المرة، لكنه كان أثقل:
باران: "لم أعد كما كنت…"
أغمض عينيه للحظة، ثم فتحهما بسرعة، كأن الفكرة أخافته.
باران: "لا أنا قادر أن أستمر في حياتي السابقة… ولا أنا قادر أن أتقدم خطوة نحوها…"
ساد الصمت، لكنه لم يدم.
فجأة، ارتفع صوته، حادًا، قاسيًا… موجّهًا لنفسه:
باران: "لماذا؟!".
جلس مرة أخرى، بعصبية، وضرب بيده على الفراش:
باران: "لماذا تنفر مني؟!، لماذا لا تريدني؟!".
نهض واقفًا، والغضب يشتعل في ملامحه:
باران: "أنا الذي لا أتنازل… لا أتراجع عن قراراتي…"
توقف، كأن الكلمات خانته فجأة.
خفض صوته، لكنه كان أكثر صدقًا:
باران: "بدأت أضعف… أمامها…"
تنفّس بعمق، وكأن الهواء لا يكفيه.
باران: "تزوجتها لأقترب منها… لكنها… ما زالت ترفضني…"
ضرب بيده على السرير مرة أخرى، ثم التفت بعنف، نازعًا سترته، ورماها على الكرسي بإهمال. تبعتها مفاتيحه وهاتفه، حين ألقاهما على الطاولة بلا اكتراث.
لم يعد يحتمل البقاء.
اتجه نحو الحمام بخطواتٍ سريعة، كأن شيئًا يطارده.
دخل، وأغلق الباب خلفه.
فتح الماء، ووقف تحته مباشرة.
كانت المياه باردة… قاسية… تنهمر على رأسه وكتفيه، تنزلق على جسده كصفعةٍ متكررة.
أغمض عينيه.
كأنه يريد أن يطفئ نارًا مشتعلة في داخله.
لكنها لم تنطفئ.
ظل واقفًا هناك، ساكنًا… بينما الماء ينساب، وكأن الزمن توقف معه.
همس بصوتٍ بالكاد يُسمع:
باران: "لماذا…؟"
لكن حتى الماء، لم يحمل له جوابًا.
بعد دقائق، خرج أخيرًا، يقطر ماءً، لكن داخله لا يزال مشتعلًا.
اتجه نحو غرفة الملابس، فتح الخزانة، وأخرج ملابس مريحة، ارتداها ببطء، وكأن كل حركة تتطلب جهدًا.
عاد إلى السرير.
نظر إليه لحظة، ثم استسلم.
ألقى بجسده عليه، مستلقيًا، وقد بدا عليه الإرهاق؛ ليس إرهاق الجسد فقط؛ بل إرهاق الروح.
أدار وجهه إلى الجانب، ثم إلى السقف، ثم أغلق عينيه، وفتحها مرة أخرى.
التقلب لم يفارقه.
كلما أغمض عينيه، رأى وجهها.
كلما حاول أن يهدأ، عاد صوتها.
"يا رب… لا تتركني…"
ضغط على عينيه بقوة، كأنّه يحاول إسكات ذلك الصوت، لكن بلا جدوى.
استدار على جانبه، ثم على ظهره، ثم أعاد الكرة.
صراعٌ صامت، بين رجلٍ اعتاد السيطرة، ومشاعر لم يعتد أن يشعر بها.
ومع مرور الوقت، بدأ جسده ينهار ببطء تحت وطأة التعب.
أنفاسه هدأت تدريجيًا، حركته خفّت…
حتى زحف النوم إليه أخيرًا، كضيفٍ ثقيل.
استسلم.
غرق في نومٍ عميق…
لكن ملامحه لم تكن هادئة.
وكأن حتى النوم…
لم يستطع أن ينقذه من صراعه.
______________
_____________________
في اليوم التالي 🌞 ....
استيقظ باران مع أول خيوط الصباح، حين تسللت أشعة الشمس بخجلٍ عبر ستائر غرفته، لترسم خطوطًا ذهبية على الجدران الهادئة. فتح عينيه ببطء، وكأن نومه لم يكن كافيًا ليطفئ ما يعتمل في داخله. بقي للحظةٍ مستلقيًا، يحدّق في السقف، نفس السقف الذي شهد صراعه ليلة أمس.
تنفّس بعمق، ثم نهض.
حاول أن يبدو عاديًا، أن يبدأ يومه كما اعتاد دائمًا. روتينٌ محفوظ، خطواتٌ ثابتة، لا مجال فيها للتردد أو التفكير.
خرج من غرفته، متجهًا نحو غرفة الرياضة، لكن؛
توقّف.
صوت.
لم يكن غناءً، ولم يكن حديثًا عاديًا.
كان شيئًا مختلفًا.
صوتٌ عذب، هادئ، يتلو كلماتٍ بنغمةٍ خاشعة، تتسلل إلى الأذن برفق، لكنها تصل إلى القلب بقوة.
التفت، وكأن الصوت ناداه باسمه.
ظل واقفًا لثوانٍ، يصغي.
ثم بدأ يتحرك ببطء، يتتبع مصدر الصوت، دون أن يدرك أنه قد غيّر وجهته بالكامل.
كلما اقترب، كان الصوت يزداد وضوحًا.
خشوع.
سكون.
طمأنينة.
أشياء لم يعتد أن يشعر بها.
وقف أمام باب الغرفة.
غرفة ديلان.
تردد لحظة، ثم مدّ يده، وفتح الباب بهدوء.
وتجمّد.
كانت جالسة على سجادتها.
ظهرها مستقيم، رأسها مائل قليلًا، وفي يديها مصحفٌ صغير كانت تحمله دائما معها، تحتضنه كما لو كان ملاذها الوحيد.
كانت تتلو.
آياتٍ من سورة البقرة.
صوتها، لم يكن مجرد صوتٍ جميل.
كان صادقًا.
يخرج من قلبٍ منكسر… لكنه متمسك.
كل حرفٍ كانت تنطقه، كان يحمل رجفةً خفيفة، كأن بين الكلمات دعاءً خفيًا، أو دمعةً لم تسقط بعد.
وقف باران عند الباب، دون أن يشعر بنفسه.
ينظر.
ويستمع.
وكأن الزمن توقف.
نظر إليها وبدا ينصت إليها بتركيز لتلوتها، ويتمعن في صوتها الجميل و التلاوة الأجمل.
كانت ديلان تقرأ في سورة البقرة..
ديلان:
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴾
﴿ الم ﴾
﴿ ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ﴾
﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾
﴿ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴾
﴿ أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾
﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ﴾
﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾
﴿ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾
﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ ﴾
لم يفهم لماذا لم يتحرك؟؛ لماذا لم يقاطعها؟؛ لماذا فقط وقف هناك، مأخوذًا بشيءٍ لا يشبهه.
ذلك الصوت، وذلك السكون، كانا نقيضًا تامًا لعالمه.
ومع ذلك…
شدّاه.
فجأة؛
توقفت.
شعرت بوجوده.
رفعت رأسها ببطء، والتفتت نحوه.
تلاقت أعينهما.
في عينيها… دهشة.
وفي عمقها… خوف.
أغلقت المصحف بهدوء، وضمتْه إلى صدرها للحظة، وكأنها تستمد منه قوة، ثم أنزلته جانبًا.
سكتت ديلان ورفعت نظرها.
أما هو؛
فكأنّه أفاق من غيبوبة.
تغيّرت ملامحه سريعًا، وكأن ما كان عليه قبل لحظات لم يكن. شدّ قناع القسوة على وجهه، وأخفى ارتباكه خلف صوتٍ مرتفع.
سار بضع خطوات حتى صار امامها، حينها صرخ بها، بحدةٍ متعمدة:
باران: "لقد أفقتِ إذن… الحمد لله."
فإنتفضت من مكانها وهي تهتف بخوف وغضب منه...
ديلان: كيف تدخل غرفتي من دون إستأذان او حتى ان تطرق الباب.
إقترب منها باران وهي تبتعد عنه وهو يقول...
باران: هذا بيتي وأنا ادخل اي غرفة اريد ثم اكمل بسخرية ...
وأنت زوجتي يعني ادخل عليك من دون ان اطرق الباب حتى.
تصلّبت ديلان في مكانها، دون أن ترد.
ديلان بخوف شديد: ولماذا أتيت؟.
إقترب منها حتى لم يبقى شيئا يفصل بينهما وقد إلتصقت ديلان بالحائط خلفها وهتف امام شفتيها قائلا...
باران: آتي في الوقت الذي اريد، وأظن انك تعلمين جيدا انه لن يمنعني اي احد ان ادخل غرفة زوجتي.
دفعته ديلان بعيدا عنها صارخة بوجهه..
ديلان: إياك ان تلمسني، ٱبتعد عني.
جذبها باران إليه بقوة حتى أصبحت بين أحظانه وهو يهمس قرب أذنها ...
باران: انا لا احد يملي عليا مالذي افعله وما لا افعله، وثانيا انت زوجتي ويجب ان تتعودي على هذا بسرعة، لانني لا احب ان اشتري شيئا ولا أستعمله.
لترد عليه ديلان بحنق:
ديلان: انا لست بشيء تشتريه وتستخدمه.
تركها باران وهو يقول:
باران: لا انت شيء اشتريتك من ابيك الذي باعكي لي، وانت مجرد سلعة وفقط ليس لديك اي قيمة، وانت ستكونين مثل العبد عن قدمي .
صرخت به ديلان: انا لست عبدا لأحد، انا أمة لله وحده وفقط.
تابع، بنبرةٍ آمرة:
باران. "هيا، قومي. أعدّي لي الإفطار. عندما أنتهي من تماريني… أريد أن أجده جاهزًا."
اقترب خطوة، وعيناه تضيقان:
"وأنتِ تعلمين جيدًا ما سأفعل إن لم يكن كذلك."
سكت لحظة، ثم أضاف بصوتٍ أخفض، لكنه أكثر قسوة:
"لا تجبريني أن أفعل ما أجلته منذ الأمس… أنا دفعتُ مالًا… ولم أتلقَّ مقابله."
سقطت كلماته كصفعة.
لكن ديلان؛
لم تنكسر هذه المرة.
وقفت ببطء، ونظرت إليه.
نظرة لم تكن خوفًا فقط،
بل كان فيها شيءٌ آخر.
احتقارٌ صامت.
نظرةٌ لم يعتد أن يراها.
تجمّد للحظة، وكأنها أصابته في مكانٍ لم يتوقعه.
لم تقل شيئًا.
تركها باران وقبل ان يخرج من الغرفة إلتفت إليها قائلا...
باران: جهزي طعام الإفطار بسرعة، خلال عشرة دقائق يكون جاهزا وإلا لا تعلمين كيف سيكون عقابك.
فقط تحركت.
تقدمت نحوه، وفي لحظة مرورها، رفعت نقابها عن وجهها بحركةٍ سريعة، لا تحمل أي خضوع، بل وكأنها إعلانٌ صامت عن رفضها.
ثم أكملت طريقها نحو الخارج.
نزلت إلى الأسفل.
إلى المطبخ.
بخطواتٍ هادئة، لكنها ثابتة.
أما هو؛
فبقي واقفًا.
ينظر إلى الباب الذي خرجت منه.
شيءٌ ما في داخله اشتعل.
غضب؟
ربما.
لكن ليس وحده.
كان هناك شيءٌ آخر، لم يعجبه.
لم يفهمه.
لم يعتده.
شدّ على فكه بقوة.
كيف…؟،
كيف تجرؤ على النظر إليه بهذه الطريقة؟
هو؛
الذي كانت النساء تتسابق إليه.
الذي يكفي أن يشير… فتُلبّى رغباته.
الذي اعتاد أن يُطلب… لا أن يُرفض.
والآن؛
تقف أمامه فتاة، تحمل اسمه، وتُسمّى زوجته…
ولا يرى منها… إلا الرفض.
همس لنفسه، بصوتٍ منخفض، لكنه مشحون:
باران: "ما هذه…؟"
أدار وجهه نحو الغرفة مرة أخرى، حيث كانت قبل لحظات.
حيث كان صوتها.
حيث شعر، بشيءٍ لم يعرف اسمه.
ثم شدّ على يديه، كأنّه يحاول سحق ذلك الشعور.
واستدار.
وحين وقف أمام الباب كانت ديلان خارجة من باب الجناح وهي تقلده..
ديلان: جهزي طعام الإفطار بسرعة، خلال عشرة دقائق يكون جاهزا وإلا لا تعلمين كيف سيكون عقابك.....ننننننني.
وقف يناظرها وهي تقلد كلماته وحركاته تبسم على وقع كلاماتها وتقدم نحو غرفة الرياضة.
لكن هذه المرة،
لم يكن ذهابه إلى غرفة الرياضة كما كان كل يوم.
كان يحمل معه… صراعًا جديدًا.
