رواية براءة ايقظت غافلا
الفصل العشرون20
بقلم عاشقة القلم
كانت أشعة الصباح تتسلل بخفوت إلى داخل المنزل القديم، تكشف آثار الإرهاق والحزن التي خلفتها أيام العزاء الطويلة.
الصمت كان يخيّم على المكان بطريقة ثقيلة.
حتى الجدران بدت وكأنها متعبة.
أما ميرال…
فكانت تقف أمام المرآة داخل غرفتها، ترتب خصلات شعرها بعناية، بينما ترتسم على شفتيها ابتسامة خفيفة لا تشبه أجواء البيت أبدًا.
فتحت خزانتها بسرعة، وأخرجت ثيابًا أنيقة نسبيًا مقارنة بما اعتادت ارتداءه داخل المنزل.
ظلت تتأمل نفسها في المرآة لثوانٍ.
ثم ابتسمت برضا.
كانت تشعر بحماس خفي يسري في داخلها كلما تذكرت أن جلال ينتظرها الآن.
ينتظرها بشوق… هكذا كانت تظن.
أما الحقيقة…
فكانت أبعد ما تكون عن الحب الذي رسمته في خيالها.
لكن ميرال لم تكن ترى شيئًا سوى الكلمات الناعمة التي يغرقها بها.
وضعت قليلًا من العطر، ثم التقطت حقيبتها وهمّت بالخروج من الغرفة.
لكن ما إن وصلت إلى الصالة…
حتى استوقفها صوت حسنية.
كانت والدتها تجلس على الأريكة القديمة، تحمل كوب شاي بين يديها، وملامح التعب واضحة على وجهها الشاحب.
رفعت رأسها نحو ابنتها بتعجب: حسنية: إلى أين أنتِ ذاهبة في هذا الوقت المبكر يا ميرال؟.
توقفت ميرال مكانها للحظة.
وفي داخلها…
ابتسمت بانتصار صغير.
ها قد جاءت اللحظة.
تظاهرت بالتردد أولًا، ثم اقتربت من أمها ببطء وجلست قربها.
وقالت بنبرة حاولت أن تجعلها جادة ومليئة بالمسؤولية:
ميرال: فكرت كثيرًا طوال الليل يا أمي…
نظرت إليها حسنية باهتمام.
أما ميرال، فأكملت وهي تخفض عينيها:
ميرال: حياتنا لن تبقى كما كانت بعد اليوم.
اهتز قلب حسنية فورًا عند سماع تلك الجملة.
فقد كانت هي نفسها تفكر في الأمر منذ الفجر.
بعد وفاة عباس…
من سيصرف على البيت؟،
كيف سيعيشان؟،
وماذا ينتظرهما لاحقًا؟.
تنهدت بألم:
حسنية: نعم يا ابنتي… الله وحده يعلم ماذا سيحدث لنا.
رفعت ميرال رأسها بسرعة، وكأنها تحمل حلًا كبيرًا:
ميرال: لهذا قررت أن أبدأ البحث عن عمل.
اتسعت عينا حسنية بدهشة حقيقية.
أما ميرال…
فكانت تراقب تأثير كلماتها بدقة.
تابعت بنبرة واثقة:
ميرال: لا يمكن أن نبقى هكذا.
يجب أن نجد مصدر دخل…
علينا أن نعتمد على أنفسنا من الآن فصاعدًا.
شعرت حسنية بغصة حادة في حلقها.
وفي تلك اللحظة…
رأت ابنتها بصورة مختلفة.
رأت فتاة مسؤولة، تفكر بالمستقبل، وتحاول حماية والدتها من قسوة الأيام.
فابتسمت بحزن، ثم أمسكت يد ميرال بحنان:
حسنية: بارك الله بكِ يا ابنتي…
كنت أعلم أنكِ عاقلة ولن تتركيني وحدي.
كادت ميرال تبتسم بانتصار واضح، لكنها تمالكت نفسها بسرعة.
خفضت رأسها بتصنع الخجل:
ميرال: هذا واجبي يا أمي… نحن ليس لنا أحد غير بعضنا.
اغرورقت عينا حسنية بالدموع.
كم احتاجت في تلك اللحظة أن تسمع كلمات تطمئنها.
وضغطت على يد ابنتها قائلة:
حسنية: سامحيني يا ابنتي… لقد تعبتِ كثيرًا معنا.
شعرت ميرال بوخزة ضيق خفيفة.
ليس تأنيب ضمير…
بل نفاد صبر.
كانت تريد الخروج بسرعة قبل أن يمل جلال من انتظارها.
لكنها حافظت على ملامحها الهادئة، وربتت على يد أمها:
ميرال: لا تقولي هذا يا أمي…
كل شيء سيتحسن، سترين.
ثم نهضت من مكانها، وعدلت حقيبتها فوق كتفها.
وقبل أن تغادر، قالت بثقة:
ميرال: سأبحث اليوم في عدة أماكن؛ وربما أعود متأخرة قليلًا.
أومأت حسنية برضا:
حسنية: اذهبي يا ابنتي… والله يفتحها بوجهك.
ثم ابتسمت بحنان وأضافت:
حسنية: فخورة بكِ يا ميرال.
وفي تلك اللحظة…
شعرت ميرال بسعادة خبيثة تتسلل إلى داخلها.
لقد نجحت خطتها بسهولة.
تمامًا كما توقعت.
ابتسمت لوالدتها ابتسامة دافئة مصطنعة، ثم استدارت متجهة نحو الباب.
وما إن خرجت من المنزل…
حتى اختفت تلك الملامح "المسؤولة" فورًا.
أخرجت هاتفها بسرعة، ونظرت إلى رسالة جلال الأخيرة:
"أسرعي… بدأت أفقد صبري."
اتسعت ابتسامتها فورًا.
ثم أسرعت خطواتها في الشارع، بينما قلبها يسبقها شوقًا ولهفة.
كانت تظن أنها ذاهبة نحو رجل يحبها حد الجنون…
بينما في مكان آخر…
كان جلال يجلس في شقته الفاخرة، يدخن سيجارته بملل، وينظر إلى الساعة بضيق.
لا ينتظر حبًا…
بل تسلية جديدة اعتاد الحصول عليها بسهولة.
_________________
___________
خرجت ميرال من المنزل بخطوات سريعة، بينما كانت نظرات الرضا التي رأتها في عيني والدتها قبل قليل لا تزال تمنحها شعورًا بالنشوة.
لقد صدّقتها.
بل وفخرت بها أيضًا.
ابتسمت بخبث خفيف وهي تنزل درجات المنزل القديمة، ثم رفعت يدها توقف سيارة أجرة كانت تمر في الشارع.
ركبت في المقعد الخلفي، وأعطت السائق العنوان بصوت منخفض، قبل أن تستند برأسها إلى النافذة.
كانت المدينة تستيقظ ببطء…
المحال تفتح أبوابها، والناس يسرعون نحو أعمالهم، بينما هي كانت تتجه نحو عالم آخر تمامًا.
كلما اقتربت السيارة من الحي الراقي الذي يسكنه جلال، شعرت ميرال بأنفاسها تتسارع.
كانت تحب ذلك المكان…
الأبنية الفاخرة…
السيارات الباهظة…
الواجهات الزجاجية اللامعة…
كل شيء هناك كان يشبه الحياة التي تحلم بها.
الحياة التي كانت ترى أن ديلان سبقتها إليها فجأة.
توقفت السيارة أخيرًا أمام بناء شاهق فخم.
دفعت الأجرة بسرعة، ثم نزلت وهي تعدل ملابسها وشعرها بعناية.
دخلت إلى البهو الواسع، وكانت الأرضية الرخامية اللامعة تعكس صورتها بوضوح.
تقدمت نحو المصعد الزجاجي، وضغطت على رقم الطابق.
وما إن بدأ المصعد بالصعود…
حتى رأت المدينة تمتد أسفلها من خلال الجدران الزجاجية الشفافة.
شعرت بلذة غريبة.
كأنها ترتفع فعلًا عن حياتها القديمة؛ وعن فقرها؛ وعن ذلك البيت الكئيب.
وصلت أخيرًا إلى الطابق المطلوب.
تقدمت بخطوات متلهفة نحو الشقة، ثم ضغطت الجرس.
ثوانٍ قليلة…
وانفتح الباب.
ظهر جلال أمامها بملامحه الوسيمة المرتبة، وقميصه الأسود المفتوح عند العنق قليلًا.
وما إن رآها…
حتى ابتسم ابتسامة واسعة، ثم جذبها مباشرة إلى أحضانه.
جلال: أخيرًا!.
قالها وهو يضمها بقوة متعمدة.
ثم ابتعد قليلًا ينظر إليها بعتاب مصطنع:
جلال: لماذا تأخرتِ؟،
هل تعلمين كم اشتقت لكِ؟،
أقسم أنني كنت على وشك الجنون.
ضحكت ميرال بخجل وهي تشعر بقلبها يذوب تحت كلماته.
أما هو…
فكان ينظر إليها بعينين تعرفان جيدًا كيف تصطادان نقاط ضعف الآخرين.
أمسك يدها فجأة، ثم قال:
جلال: تعالي… أريدكِ معي الآن، لا أريد أن يضيع وقتنا في الحديث.
سحبها خلفه نحو الداخل، وأغلق باب الشقة.
ثم اختفى الاثنان خلف باب غرفة النوم.
ومرّ الوقت…
طويلًا.
قبل أن يُفتح الباب أخيرًا.
خرج جلال أولًا بخطوات كسولة، وصدره العاري يلمع تحت ضوء الشقة الهادئ، بينما لم يكن يرتدي سوى سروال قصير يصل إلى ما فوق ركبتيه بقليل.
توجه نحو الأريكة وارتمى عليها براحة واضحة، وكأنه حصل على ما يريد تمامًا.
أما ميرال…
فخرجت خلفه ترتب ملابسها بسرعة، وتعيد تثبيت شعرها أمام المرآة القريبة بخجل خافت.
لكن نظراتها إليه كانت مليئة بالتعلق.
كانت تراه رجلها؛ مستقبلها؛ حلمها الذي يجب أن تتمسك به بأي ثمن.
أما هو…
فكان يراقبها بنصف اهتمام فقط.
أشعل سيجارة، ثم قال بنبرة تحمل عتابًا خفيفًا:
جلال: لا أريدكِ أن تتأخري عليّ مرة أخرى.
اقتربت منه بابتسامة ناعمة:
ميرال: قلت لك… الوضع في البيت صعب هذه الأيام.
زفر دخان سيجارته ببطء، ثم نظر إليها بخبث مفاجئ:
جلال: حسنًا… دعينا من هذا الآن.
توقفت ابتسامتها قليلًا.
أما هو فأكمل:
جلال: ماذا عن الشيك؟.
شعرت ميرال بتوتر خفيف وهي تجلس قربه.
خفضت صوتها:
ميرال: ما زال معي… أخفيته جيدًا.
لمعت عينا جلال فورًا.
ذلك ما كان ينتظره حقًا.
اقترب منها أكثر وقال بنبرة هادئة متلاعبة:
جلال: إذًا لماذا لم تصرفيه بعد؟،
نحن بحاجة للمال حتى أتمكن من التحرك رسميًا.
رمشت ميرال بسرعة:
ميرال: قلت لك… يجب أن ننتظر قليلًا.
إذا اكتُشف الأمر الآن، فسيعرفون أنني من أخذته.
تنهد جلال بضيق واضح، ثم اعتدل في جلسته:
جلال: ميرال… نحن لا نملك الوقت.
عقدت حاجبيها:
ميرال: ماذا تقصد؟.
نظر إليها لثوانٍ، وكأنه يختار كلماته بعناية، ثم قال:
جلال: أمي بدأت تضغط عليّ بشأن الزواج.
شعرت ميرال بانقباض مفاجئ في قلبها.
تابع وهو يراقب ملامحها:
جلال: هناك ابنة لصديقة العائلة…
والدها شخصية مهمة في الدولة، وإذا وافق أبي عليها فسينتهي كل شيء بسرعة.
اتسعت عينا ميرال بقلق حقيقي: ميرال: وماذا عني أنا؟!.
اقترب منها فورًا، وأمسك وجهها بين يديه بابتسامة ناعمة مخادعة:
جلال: أنتِ تعلمين أنني لا أريد غيركِ…
لكنني بحاجة لأن أُثبت نفسي أمام عائلتي أولًا.
ثم أضاف بخبث هادئ:
جلال: والمال سيساعدنا كثيرًا.
ابتلعت ميرال ريقها بتوتر.
بدأ الخوف يتسلل إلى داخلها.
خوف أن تخسره…
أن تضيع منها الحياة التي تحلم بها.
وفجأة…
مرت صورة ديلان في ذهنها.
ديلان التي كانت تعيش معها في ذلك البيت البائس…
ثم أصبحت فجأة زوجة رجل ثري، تعيش في قصر فاخر.
شعرت بوخزة حادة من الغيرة.
لماذا ديلان دائمًا تنجو…؟،
ولماذا تبدو الحياة وكأنها تفتح أبوابها لها وحدها؟.
قبضت على حقيبتها بقوة.
ثم قالت بإصرار:
ميرال: حسنًا… سأتصرف قريبًا.
ابتسم جلال فورًا، لكن خلف ابتسامته كانت ترتسم ملامح انتصار بارد.
لقد بدأت تقع في الفخ أكثر فأكثر.
وبعد مدة…
خرجت ميرال من الشقة أخيرًا.
لكن هذه المرة، لم تكن ملامحها حالمة كما جاءت.
كانت غارقة في التفكير.
تمشي في الممر الطويل وعقلها يدور بجنون.
عليها أن تتحرك بسرعة…
قبل أن يُكشف أمر الشيك…
وقبل أن تخسر جلال لصالح فتاة أخرى.
أما في داخل الشقة…
فكان جلال يقف عند النافذة يدخن سيجارته ببرود، ثم أطلق ضحكة خافتة ساخرة.
لأنه لم يكن يفكر بالزواج منها أصلًا…
بل كان يفكر فقط:
كم سيحصل من المال قبل أن تنتهي اللعبة؟.
------***//****///**
مرّ أسبوع…
سبعة أيام كاملة منذ وقفت ديلان أمام قبر والدها، ترتجف وهي تشعر أن جزءًا من روحها يُدفن معه تحت التراب.
سبعة أيام بدت لها وكأنها عمرٌ كامل من الحزن.
لكنها، رغم ذلك، لم تسمح لنفسها بالسقوط.
في كل صباح، كانت تستيقظ قبل شروق الشمس، حين يكون القصر غارقًا في سكونٍ عميق، وتبدأ يومها بالصلاة.
كانت تطيل السجود كثيرًا…
تدعوه سبحانه بحرقة لا يسمعها أحد سواه.
ديلان: يا رب… أعنّي.
يا رب لا تجعل حزني يسرق مستقبلي.
يا رب اغفر لأبي… واجعلني سببًا في رفعته حتى بعد موته.
ثم تجلس قرب نافذتها، تفتح مصحفها، وتقرأ وردها بصوت هادئ، بينما تتسلل خيوط الفجر إلى ملامحها المتعبة، فتمنحها شيئًا من الطمأنينة.
كانت تشعر أن القرآن وحده هو الذي يجمع شتات قلبها كل يوم.
وبعدها…
تبدأ معركتها الحقيقية.
الكتب.
الأوراق.
الملاحظات المتراكمة.
والذكريات التي تهاجمها فجأة دون رحمة.
كانت تجلس لساعات طويلة داخل غرفة الدراسة التي جهزها باران لها.
الغرفة الواسعة أصبحت عالمها الجديد؛ جدران هادئة، مكتب كبير، رفوف ممتلئة بالكتب، ولوح أبيض امتلأ بالمواعيد والملاحظات.
وفي كل زاوية من المكان…
كان هناك أثر خفي لاهتمام باران.
القهوة التي تصلها دافئة كل صباح دون أن تطلبها.
الطعام الذي يُرسل إليها في أوقاته بدقة.
الهدوء الذي فرضه على القصر كله حتى لا يزعجها أحد أثناء الدراسة.
حتى الخدم أصبحوا يتحركون حول جناحها بخطوات خافتة.
وكأن الجميع تلقى أوامر واضحة: "لا أحد يزعج ديلان."
في البداية، كان الأمر يربكها.
بل ويخيفها أحيانًا.
كيف يمكن لذلك الرجل نفسه، الذي أدخل الرعب إلى قلبها يوم جاءت إلى هذا القصر، أن يتحول فجأة إلى شخص يهتم بأدق تفاصيل راحتها…؟.
لكنها، رغم كل شيء، لم تسمح لنفسها بالاستسلام لتلك الأفكار.
كلما شعرت أن قلبها بدأ يلين نحوه…
تذكرت.
تذكرت كيف جلبها إلى هنا.
كيف أرعبها.
كيف جعلها تشعر يومًا أنها سجينة داخل هذا القصر.
فتعود وتبني الحواجز داخلها من جديد.
لكن المشكلة…
أن باران لم يعد كما كان.
وفي كل يوم، كان ذلك التغير يزداد وضوحًا.
في أحد الأيام، كانت ديلان جالسة أمام مكتبها، تراجع إحدى المواد الصعبة، بينما عقدت حاجبيها بإرهاق واضح.
كانت تعيد قراءة الفقرة نفسها للمرة الخامسة، دون أن تستوعب شيئًا.
تنهدت بإحباط، ثم أغلقت الكتاب قليلًا وضغطت أصابعها على صدغيها.
وفي تلك اللحظة…
فتح باب الغرفة بهدوء.
رفعت رأسها بسرعة.
كان باران.
تجمدت قليلًا فور رؤيته، بينما دخل هو بخطوات هادئة غير معتادة.
توقفت عيناه عليها مباشرة.
لاحظ شحوب وجهها، والهالات الخفيفة تحت عينيها.
قال بهدوء:
باران: منذ متى وأنتِ جالسة هنا؟.
رمشت ديلان بتوتر:
ديلان: لا أعلم… ربما منذ الصباح.
عقد حاجبيه فورًا:
باران: وهل تناولتِ الغداء؟.
ترددت قليلًا، ثم قالت بصوت منخفض:
ديلان: لم أكن جائعة.
زفر باران بضيق خافت، ثم اقترب من المكتب وأغلق الكتاب أمامها فجأة.
اتسعت عيناها بدهشة:
ديلان: ماذا تفعل؟! لدي الكثير لأراجعه!.
نظر إليها بثبات:
باران: وأنتِ لديكِ جسد سيتعب إن استمريتِ هكذا.
ثم أضاف بنبرة حازمة:
باران: لن تنجحي إن انهرتِ قبل الامتحان.
شعرت ديلان بشيء غريب يتحرك داخل قلبها.
الطريقة التي قال بها الجملة…
لم تكن أمرًا.
بل خوفًا حقيقيًا عليها.
خفضت عينيها بسرعة وهي تهمس:
ديلان: أخاف أن أخيّب ظن أبي…
سكنت ملامح باران للحظة.
ورأى في عينيها ذلك الوجع الصامت الذي تحمله وحدها كل يوم.
قال بصوت أخفض:
باران: والدكِ… لو كان يراكِ الآن، لفخر بكِ.
ارتجفت شفتاها فورًا.
وحاولت أن تخفي دموعها، لكنها فشلت.
فنهضت بسرعة وأدارت وجهها بعيدًا.
أما باران…
فشعر بالعجز للمرة الأولى.
لم يكن يعرف كيف يواسي أحدًا.
كل حياته كانت قسوة وصراخًا وخسارات.
لكن هذه الفتاة…
كانت توقظ داخله شيئًا لم يعرفه يومًا.
اقترب خطوة، ثم قال بتردد غريب عليه:
باران: ديلان…
التفتت نحوه بعينين دامعتين.
فصمت.
لأنه فجأة؛ لم يعرف ماذا يقول.
فاكتفى بأن وضع كوب العصير الذي كان يحمله أمامها وقال:
باران: اشربي هذا أولًا؛ ثم ارتاحي ساعة كاملة.
ثم غادر بسرعة، وكأنه يهرب من نفسه.
أما ديلان…
فبقيت تحدق في الباب طويلًا.
وقلبها مضطرب بصورة لم تفهمها.
ومع مرور الأيام…
بدأت تلاحظ تفاصيل صغيرة.
تفاصيل لم تكن تراها سابقًا.
كيف كان يعود متعبًا من عمله، لكنه رغم ذلك يسأل زينب عنها أولًا.
كيف كان يمر أحيانًا قرب غرفة الدراسة بصمت، فقط ليتأكد أنها بخير.
كيف كان يحضر لها الكتب الناقصة بنفسه دون أن تطلب.
وفي إحدى الليالي…
كانت تراجع دروسها حتى وقت متأخر، حين انطفأت الأنوار فجأة بسبب عطل كهربائي.
شهقت بخوف بسيط، ونهضت تبحث عن إنارة وسط الظلام.
لكن بعد ثوانٍ…
فُتح الباب.
ودخل باران يحمل مصباحًا صغيرًا.
اقترب منها بسرعة:
باران: هل أنتِ بخير؟.
أومأت برأسها:
ديلان: نعم… فقط انطفأت الكهرباء.
ظل ينظر إليها للحظة، ثم قال:
باران: خفتُ أن تخافي وحدكِ.
تجمد قلبها عند الجملة.
أما هو…
فأدرك ما قاله متأخرًا.
فأدار وجهه سريعًا، ووضع المصباح فوق الطاولة:
باران: سيُصلحون العطل حالًا.
ثم غادر قبل أن يرى الارتباك الذي ملأ عينيها.
لكن رغم كل هذا…
كانت هناك لحظات تعيد كل شيء إلى نقطة البداية.
حين يعود باران آخر الليل؛
مثقل الخطوات؛ تفوح منه رائحة الكحول.
كانت تسمع أحيانًا صوت خطواته المتعبة في الممرات، وصوت زينب وهي تطلب منه أن يهدأ.
وفي كل مرة…
كان قلبها ينقبض.
فتعود الحيرة من جديد.
من هو باران الحقيقي…؟،
الرجل الذي يهتم بتفاصيلها الصغيرة كأنها شيء ثمين…؟،
أم الرجل الذي يعود محطمًا كل ليلة، هاربًا من نفسه داخل كأسٍ فارغ؟.
وفي إحدى الليالي…
خرجت من غرفتها لتشرب الماء، فوجدته جالسًا وحده في الصالة المظلمة، رأسه مستند إلى الأريكة، وعيناه شاردتان في الفراغ.
بدا متعبًا بصورة مؤلمة.
ولأول مرة…
لم تشعر بالخوف منه.
بل بالحزن عليه.
رفع رأسه عندما شعر بها.
تلاقت عيناهما للحظة طويلة صامتة.
ثم قال بصوت متعب:
باران: لماذا لم تنامي بعد؟.
أجابت بهدوء:
ديلان: كنت أراجع.
ابتسم بسخرية مريرة:
باران: دائمًا تدرسين…
ثم أضاف وهو يطالعها بنظرة غريبة:
باران: كيف تستطيعين الوقوف رغم كل ما حدث لكِ؟.
صمتت قليلًا.
ثم قالت بصوت خافت لكنه ثابت:
ديلان: لأن أبي كان يريدني قوية…
ولأن الله لا يترك أحدًا وحده.
سكنت ملامحه تمامًا.
أما هي…
فلم تنتبه أن كلماتها أصابت شيئًا عميقًا داخله.
شيئًا ظل ميتًا لسنوات طويلة.
وهكذا…
بين الكتب والدعاء والدموع المخفية، كانت ديلان تحاول أن تبني نفسها من جديد.
تحاول أن تنجو.
بينما كان باران، دون أن يدرك، يقع في حبها ببطء…
حب لم يشبه أي شيء عرفه من قبل.
حب جعله يخاف لأول مرة…
لأنه لم يعد يريد أن يكون الوحش الذي تخشاه.
بل الرجل الذي تلجأ إليه حين يتعبها العالم.
لكن القدر…
كان يراقبهما بصمت.
وكان يخبئ خلف الأيام القادمة عاصفة لم يتوقعها أي منهما.
_____////////------///////__
مرّت الأيام في القصر ببطءٍ ثقيل على ديلان…
لكنها، رغم الألم الذي كان يسكن قلبها منذ وفاة والدها، بدأت تتعلّم كيف تقف من جديد.
كانت تستيقظ كل صباح قبل الجميع، تصلي بخشوع طويل، ثم تجلس قرب نافذتها تحمل كتبها بين يديها، وكأنها تتشبث بها لتنجو من الغرق.
أما في الجهة الأخرى من المدينة…
فكانت ميرال تعيش حياة مختلفة تمامًا.
حياة مليئة بالكذب، والخداع، والركض خلف وهمٍ اسمه "جلال".
كل يوم…
كان جلال يطلبها إلى شقته.
وكل يوم…
كانت ميرال تختلق كذبة جديدة لتخرج من البيت.
مرة تدّعي أنها تبحث عن عمل،
ومرة تقول إنها ذاهبة لمقابلة صاحبة متجر،
ومرة تزعم أنها بدأت التدريب في شركة صغيرة.
أما حسنية…
فكانت تصدق كل شيء بسهولة، وتنظر إلى ابنتها بفخر، معتقدة أنها تحاول إنقاذ مستقبلهما بعد وفاة عباس.
وفي كل مرة كانت ميرال تغلق باب البيت خلفها…
كانت ترتدي قناعًا جديدًا.
قناع الابنة المسؤولة أمام أمها…
وقناع المرأة العاشقة أمام جلال.
لكن الحقيقة…
أنها كانت تغرق أكثر كل يوم.
في المقابل…
كانت ديلان تغرق أيضًا.
لكن داخل الكتب.
داخل الدعاء.
داخل محاولة يائسة للتمسك بنفسها حتى لا تنهار.
كانت تجلس لساعات طويلة أمام مكتبها، تراجع دروسها بعينين متعبتين، بينما صوت والدها لا يفارق ذاكرتها.
"أريد أن أراكِ في أعلى المراتب يا ديلان…"
وكانت كلما شعرت بالتعب…
تتذكره.
فتكمل.
أما باران…
فكان يراقبها بصمت.
شيء فيها كان يهزّه من الداخل بعنف.
لم يفهم كيف تستطيع فتاة بهذه الرقة أن تتحمل كل هذا الألم دون أن تنكسر.
في إحدى الليالي…
كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل حين مرّ قرب غرفة الدراسة.
لاحظ الضوء لا يزال مشتعلًا.
فتح الباب بهدوء…
فوجدها نائمة فوق الكتب.
رأسها مستند إلى ذراعها الصغيرة، والقلم لا يزال بين أصابعها.
توقف مكانه طويلًا.
تأمل وجهها الشاحب بإرهاق، والهالات التي بدأت تظهر تحت عينيها بسبب السهر.
ثم اقترب ببطء.
ولأول مرة في حياته…
شعر برغبة غريبة في حماية أحدهم.
مد يده بتردد، وأخذ القلم من بين أصابعها حتى لا يؤلمها أثناء النوم.
لكن ديلان استيقظت فجأة.
رفعت رأسها بسرعة، وبدت مرتبكة:
ديلان: أنا… لم أقصد النوم.
نظر إليها باران للحظات، ثم قال بهدوء:
باران: ومتى كانت آخر مرة نمتِ فيها جيدًا؟.
ابتسمت ابتسامة صغيرة متعبة:
ديلان: بعد الامتحانات سأنام كما أشاء.
عقد حاجبيه:
باران: أنتِ تستهلكين نفسكِ هكذا.
خفضت عينيها، ثم قالت بصوت خافت:
ديلان:إن توقفت الآن… سأغرق في حزني.
تجمدت ملامحه.
أما هي فأكملت، وعيناها تلمعان بالدموع:
ديلان: عندما أدرس… أشعر أن أبي ما زال يراني… وأنني ما زلت أملك هدفًا.
شعر باران بشيء يخنقه.
تلك الفتاة…
كلما ظن أنه فهمها، اكتشف أنها أعمق مما تخيل.
جلس أمامها لأول مرة دون حواجز، ثم قال بصوت منخفض:
باران: كيف تستطيعين أن تبقي قوية هكذا؟.
ابتسمت ديلان ابتسامة حزينة:
ديلان: لست قوية…
أنا فقط… لا أملك رفاهية الانهيار.
صمت طويل مرّ بينهما.
ثم قالت بهدوء:
ديلان: الإنسان عندما يعرف طريقه الصحيح… يتمسك به مهما تعب.
ارتجف شيء خفي داخل باران عند سماعها.
لأنها، دون أن تدري، كانت تصفع كل ما تربى عليه.
هو الذي نشأ في بيت علمه أن القوة تعني القسوة…
أن النساء مجرد أدوات…
أن الضعف عار.
لكن ديلان…
كانت تهزم كل تلك الأفكار بصمتها فقط.
بعفتها.
بطريقتها في التمسك بالله رغم الألم.
بطهارتها التي لم يستطع العالم أن يلوثها.
وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة…
بدأ يشعر بالخجل من نفسه.
أما ميرال…
فكانت تسير في طريق آخر تمامًا.
طريق بدأ يبتلعها ببطء.
في نهاية ذلك الأسبوع…
خرجت من عند جلال مع غروب الشمس.
كانت تبتسم وهي تغادر البناية، بعد أن أمضت ساعات طويلة معه، تستمع إلى كلماته المعسولة، وتغرق أكثر في أوهامه.
لكن ما إن وصلت إلى الشارع…
حتى شعرت بدوار مفاجئ يضرب رأسها.
توقفت مكانها، وأمسكت الجدار القريب بسرعة.
تنفست بصعوبة.
كادت تسقط.
أغمضت عينيها للحظة، ثم همست:
ميرال: ما هذا…؟.
ظنت أنه الإرهاق فقط.
لكن القلق بدأ يتسلل إلى داخلها.
عادت إلى البيت متعبة على غير عادتها.
وعندما جهزت حسنية العشاء…
وما إن اقتربت رائحة الطعام منها…
حتى شعرت بغثيان حاد.
وضعت يدها فوق فمها بسرعة.
انتبهت حسنية فورًا:
حسنية: ماذا بكِ يا ابنتي؟.
أجابت بسرعة وهي تبعد الطبق عنها:
ميرال: لا شيء… فقط متعبة من العمل.
ثم نهضت بسرعة:
ميرال: سأذهب لأنام.
راقبتها حسنية بقلق، لكن ميرال اختفت داخل غرفتها قبل أن تسأل المزيد.
وفي تلك الليلة…
لم تنم ميرال جيدًا.
كانت مستلقية تنظر إلى السقف، وقلبها يخفق بخوف مجهول.
حتى جاءت الفكرة أخيرًا…
فكرة جعلت الدم يهرب من وجهها.
"ماذا لو…؟"
جلست فجأة فوق السرير، ووضعت يدها فوق بطنها بارتجاف.
ثم هزت رأسها بعنف:
" لا… مستحيل."
لكن الخوف لم يغادرها.
وفي صباح اليوم التالي…
ادعت أمام والدتها أنها ستذهب لإحضار الخبز الطازج للإفطار.
خرجت بسرعة، واتجهت إلى صيدلية بعيدة حتى لا يعرفها أحد.
اشترت اختبار الحمل ويداها ترتجفان.
ثم عادت إلى البيت وقلبها يكاد يخرج من صدرها.
أغلقت باب غرفتها بالمفتاح.
وأجرت الاختبار.
كانت الدقائق تمر ببطء قاتل.
وقفت تحدق في الجهاز بعينين متسعتين، وأنفاس متقطعة.
ثم…
ظهرت النتيجة.
إيجابية.
تجمد العالم حولها.
شعرت وكأن الأرض سُحبت من تحت قدميها.
جلست ببطء فوق السرير، تحدق في الاختبار بصدمة مرعبة.
" لا…"
خرجت الكلمة هامسة مرتعشة.
ثم وضعت يدها فوق فمها فجأة.
بدأ الخوف يلتهمها.
ماذا ستفعل الآن…؟،
ماذا لو تركها جلال…؟،
ماذا لو اكتشف الجميع الأمر…؟.
وفي تلك اللحظة…
اختفى الحب من رأسها.
ولم يبقَ سوى الرعب.
لكن بعد دقائق طويلة من الصمت والانهيار…
تبدلت ملامحها تدريجيًا.
وحلّ مكان الخوف شيء آخر.
قرار.
التقطت هاتفها بسرعة، واتصلت بجلال.
رد بعد لحظات بصوت ناعس:
جلال: هل اشتقتِ لي بهذه السرعة؟.
لكن صوتها هذه المرة لم يكن كالسابق.
كان متوترًا… حادًا:
ميرال: يجب أن نلتقي اليوم.
شعر جلال بشيء غريب في نبرتها:
جلال: ماذا حدث؟.
ابتلعت ريقها، ثم قالت:
ميرال: سأعطيك الشيك…
علينا أن نصرفه من البنك فورًا.
وفجأة…
لمعت عينا جلال بانتصار خفي.
أما ميرال…
فكانت تجلس وحدها، تمسك الاختبار بيد مرتجفة، وتشعر أن حياتها بدأت تنزلق نحو هاوية لا تعرف كيف ستخرج منها.
وفي مكان آخر…
كانت ديلان تجلس أمام كتبها تدعو الله بهدوء، وتحاول بناء مستقبلها بالحلال والصبر.
بينما ميرال…
كانت تهدم حياتها بيديها خطوة بعد أخرى.
