رواية براءة ايقظت غافلا الفصل الثامن والعشرون28 بقلم عاشقة القلم

رواية براءة ايقظت غافلا 

الفصل الثامن والعشرون28

 بقلم عاشقة القلم 

لقراءة باقي الفصول اضغط هنا 

ساد الصمت داخل المنزل بعد كلمات باران الأخيرة…


صمت ثقيل إلى درجة أن ديلان أصبحت تسمع صوت أنفاسها المرتجفة بوضوح.


كانت جالسة قبالته، لكن عقلها لم يعد قادرًا على استيعاب ما تسمعه.


كل شيء اختلط داخلها دفعة واحدة.


جلال،


الشيك،


ميرال،


الخيانة


الكذب،


ثم الحقيقة الأكبر،


والدها كان بريئًا.


شعرت وكأن شيئًا انهار داخل صدرها بعنف.


حدقت بباران طويلًا، وكأنها تنتظر منه أن يقول إن الأمر مجرد سوء فهم… مجرد كابوس… مجرد خطأ.


لكنه لم يفعل.


بقي جالسًا بصمت قاتل، وعيناه مثقلتان بندم لم يعد يستطيع إخفاءه.


أما هي…


فبدأت تهز رأسها ببطء.


ديلان: "لا…"


همست بها بصوت بالكاد سُمع.


ثم عادت تنظر إليه وعيناها ممتلئتان بالصدمة:


ديلان: "أنت تكذب…"


خرجت الكلمات مرتجفة وضعيفة، وكأنها تحاول إنقاذ آخر ما تبقى من عالمها.


لكن باران أغمض عينيه للحظة، ثم قال بصوت منخفض:


باران: "أتمنى لو كنت أكذب."


ارتجفت شفتاها فورًا.


وشعرت أن الهواء لم يعد يكفيها.


ديلان: "أبي…"


همست باسمه وكأن قلبها يبحث عنه وسط كل هذا الخراب.


ثم انفجرت فجأة:


ديلان: "أبي مات وهو يظن نفسه مذنبًا!".


ارتفع صوتها المختنق داخل المنزل الفارغ، وامتلأت عيناها بالدموع دفعة واحدة.


ديلان: "مات وهو يعتقد أنني سأكرهه!".


وضعت يدها فوق صدرها وكأن الألم أصبح جسديًا.


ديلان: "وأنت…"


اختنق صوتها وهي تنظر إلى باران:


ديلان: "أنت صدقتهم؟".


خفض باران نظره ببطء.


وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة…


شعر بالخجل من نفسه.


خجل حقيقي.


ذلك النوع من الخجل الذي يجعل الإنسان عاجزًا حتى عن الدفاع عن أخطائه.


باران: "نعم."


قالها أخيرًا بصوت خافت.


فشهقت ديلان وكأن الكلمة صفعتها.


أما هو؛


فمرر يده فوق وجهه بإرهاق، ثم أكمل بصعوبة:


باران: "كنت غاضبًا… أعمى… وكل شيء كان يشير ضد عباس."


رفع عينيه إليها أخيرًا:


باران: "لكن هذا لا يبرر ما فعلته."


سقطت دموع ديلان أخيرًا.


دموع حارة ومتتابعة.


لكنها لم تمسحها.


فقط بقيت تنظر إليه بوجع هائل.


ديلان: "أبي لم يكن يستحق هذا…"


همست بها بانكسار.


ثم أضافت بصوت مرتعش:


ديلان: "لقد كان يحبني كثيرًا…"


وأغمضت عينيها بقوة وهي تتذكر والدها.


ابتسامته المتعبة.


يده الحانية فوق رأسها.


طريقته في الدفاع عنها حتى وهو مريض.


ثم تذكرت شيئًا آخر…


شيئًا قتلها من الداخل.


ذلك اليوم داخل المستشفى.


حين مات وهو يحاول الاعتذار منها.


اختنقت شهقة داخل صدرها فجأة، فانحنت للأمام وهي تبكي أخيرًا بلا قدرة على التماسك.


ديلان: "لقد ظلموه…"


خرج صوتها ممزقًا.


ديلان: "كلهم ظلموه…"


أما باران…


فبقي يراقب انهيارها بصمت قاتل.


وكان كل شيء داخل صدره ينهار معها.


لأنه يعرف؛


أنه جزء من هذا الظلم.


بل ربما الجزء الأقسى.


قبض على يده بقوة حتى ابيضت مفاصله.


ثم قال بصوت منخفض ومثقَل:


باران: "أعرف."


رفعت رأسها نحوه بعينين غارقتين بالدموع.


أما هو؛


فأكمل بصعوبة:


باىان: "ولهذا أحضرتك إلى هنا اليوم."


تجعد حاجباها بألم وعدم فهم.


باران: "ماذا؟".


تنفس ببطء شديد، وكأن الكلمات تسحقه قبل أن تخرج.


ثم قال:


باران: "لأنك تستحقين الحقيقة."


سكت لحظة…


ثم أضاف بصوت أكثر انخفاضًا:


باران: "ولأن عباس… يستحق أن تُعرف براءته أخيرًا."


ارتجفت شفتاها فور سماع اسم والدها منه.


أما باران؛


فنهض ببطء من مكانه، واتجه نحو الطاولة القديمة القريبة.


فتح أحد الأدراج، وأخرج ملفًا سميكا.


ثم عاد ووضعه أمامها بهدوء.


باران: "كل شيء هنا."


نظرت إلى الملف بارتباك.


ديلان: "ما هذا؟".


باران: "الأدلة."


رفع عينيه إليها مباشرة:


باران: "اعترافات… تحويلات مالية التي كانت تسرقها منه ميرال… وكل ما يثبت أن جلال وميرال وحسنية إستغلون والدك."


شعرت ديلان أن يديها ترتجفان وهي تفتح الملف ببطء.


بدأت عيناها تتحركان فوق الأوراق…


لكن الكلمات أصبحت مشوشة أمام دموعها.


صور.


توقيعات.


رسائل.


وحقائق قاسية كانت كفيلة بتحطيم ما تبقى داخلها.


شهقت فجأة وهي ترى أحد المستندات.


ديلان: "هذا الشيك… وهذا توقيع أبي."


قالتها بصوت مختنق.


أما باران؛


فقال بهدوء مؤلم:


باران: "كانوا يسرقونه دون أن يدرك التفاصيل."


ارتجفت يدها أكثر.


ثم أغلقت الملف فجأة وكأنها لم تعد تحتمل.


وضعت يديها فوق وجهها، وبدأت تبكي بصمت موجع.


أما باران…


فوقف مكانه للحظات طويلة.


يراقبها.


ويشعر أن كل دمعة تسقط منها تتحول إلى سكين داخل صدره.


تقدم نحوها أخيرًا…


ثم توقف أمامها مترددًا لأول مرة.


لم يعرف ماذا يفعل.


كيف يواسي شخصًا كان هو أحد أسباب ألمه؟،


لكن حين سمع شهقتها المختنقة؛


تحرك دون تفكير.


جلس أمامها على ركبتيه، ثم أبعد يديها برفق عن وجهها.


رفعت عينيها إليه بضعف وانكسار.


أما هو؛


فنظر إليها طويلًا، قبل أن يقول بصوت أجش:


باران: "لو كان بإمكاني إعادة الزمن…"


توقف لحظة، وكأن الكلمات تخنقه.


ثم أكمل:


باران: "لكنت حميتكم بدل أن أؤذيكم."


ارتجف قلبها بعنف.


لأنها لأول مرة ترى باران بهذه الصورة.


بلا قسوة.


بلا غرور.


بلا ذلك الجدار البارد الذي كان يفصله عن الجميع.


فقط رجل مثقل بالندم.


ورغم ألمها؛


ورغم كل شيء؛


شعرت أن صدقه يؤلمها أكثر من كذبه لو قاله.


أما هو؛


فبقي يحدق في عينيها المحمرتين، ثم رفع يده بتردد شديد ومسح دموعها بإبهامه.


حركة بسيطة؛


لكنها جعلت أنفاسها ترتبك فجأة.


وقال بصوت منخفض جدًا:


باران: "أنا آسف يا ديلان…"


______//********//____


بقيت دموع ديلان تنساب بصمت فوق وجنتيها، بينما كانت نظراتها معلقة بعيني باران وكأنها تحاول أن تفهمه للمرة الأولى حقًا.


ذلك الرجل الذي دخل حياتها كالعاصفة؛


أخافها.


أربكها.


وقلب عالمها رأسًا على عقب.


ها هو الآن يجلس أمامها بكل هذا الانكسار، وكأن الألم نزع عنه كل أقنعته دفعة واحدة.


أما باران؛


فكان يشعر أن قلبه يثقل أكثر مع كل دمعة تسقط من عينيها.


ولأول مرة في حياته…


لم يعرف كيف يهرب من شعوره بالذنب.


لأنه لم يعد ذنبًا عابرًا.


بل أصبح شيئًا يلتصق بروحه.


شيئًا لن يغفره لنفسه بسهولة.


أبقى يده قرب وجهها للحظات بعد أن مسح دموعها، ثم أنزلها ببطء، وكأنه يخشى أن تبتعد عنه أو ترفض قربه.


لكن ديلان لم تتحرك.


فقط كانت تنظر إليه بصمت موجوع.


تنفس باران ببطء، ثم قال بصوت أجش أثقلته المشاعر:


باران: "أعرف… أن الاعتذار لا يكفي."


خفض عينيه للحظة، ثم أكمل:


باران: "وأعرف أنني مهما فعلت… فلن أستطيع إعادة والدك."


ارتجفت شفتا ديلان فور سماع كلمة "والدك".


أما هو…


فتابع بصعوبة أكبر:


باران: "ولا الزمن الذي سُرق منك."


ساد الصمت للحظات.


لكن هذه المرة…


لم يكن صمتًا باردًا.


بل صمتًا ممتلئًا بالمشاعر الثقيلة التي يعجز الكلام عن حملها.


رفع باران عينيه إليها مجددًا، وكانت نظرته مختلفة تمامًا عن أي نظرة رأتها منه سابقًا.


أهدأ…


وأصدق…


وفيها شيء يشبه الوعد.


ثم قال ببطء شديد، وكأنه يريدها أن تحفظ كل كلمة:


باران: "لكنني أستطيع أن أعدك بشيء واحد يا ديلان."


شعرت أن قلبها خفق بقوة دون إرادة منها.


أما هو…


فأكمل وعيناه ثابتتان عليها:


باران: "لن أسمح لأحد أن يؤذيك بعد اليوم."


ارتجفت أنفاسها بخفة.


باران: "لا حسنية… ولا ميرال… ولا أي شخص آخر."


ثم اقترب منها قليلًا وأضاف بصوت أكثر انخفاضًا:


باران: "وأنا أيضًا… لن أؤذيك."


تجمدت عيناها فوق وجهه.


لأنها شعرت أن تلك الجملة تحديدًا خرجت من أعماق شيء حقيقي داخله.


شيء لم يعد قادرًا على إيذائها حتى لو أراد.


أما باران…


فأكمل وهو يحاول السيطرة على ارتجاف صوته:


باران: "ستعيشين معي معززة… مكرمة… كما كان يجب أن تعيشي منذ البداية."


وأغمض عينيه للحظة قصيرة قبل أن يضيف بألم:


باران: "ربما لا أستحق أن تطمئني لي… بعد كل ما حدث."


ثم عاد ينظر إليها مباشرة:


باران: "لكن امنحيني فرصة واحدة فقط."


سكت لحظة…


وكأن الكلمات القادمة أثقل من أن تُقال بسهولة.


باران: "فرصة… لأعوّضك عن جزء مما خسرتِه."


شعرت ديلان بشيء يعتصر قلبها بعنف.


لأنها لم ترَ باران يومًا يتحدث بهذا الضعف.


بهذا الصدق.


حتى نبرة صوته…


كانت تحمل تعب رجل يقاتل نفسه منذ وقت طويل.


أما هو…


فابتسم ابتسامة صغيرة حزينة، ثم قال بصوت خافت:


باران: "أعرف أنني لن أستطيع إعادة والدك."


ارتبكت أنفاسه للحظة، لكنه أكمل:


باران: "ولا أن أعيد لك طفولتك… ولا الأيام التي بكيتِ فيها وحدك."


خفض نظره وكأن مجرد تخيلها تتألم يؤذيه.


ثم رفع عينيه إليها مجددًا وقال بهدوء:


باران: "لكنني… أريد أن أصنع لك أيامًا لا تضطرين فيها للبكاء مجددًا."


ارتجفت شفتاها دون أن تشعر.


أما قلبها…


فكان يعيش فوضى مؤلمة.


جزء منها ما يزال خائفًا.


وجزء آخر…


بدأ يصدق كلماته رغمًا عنها.


وفجأة…


تنهد باران ببطء، ثم أراح ظهره إلى الأريكة وكأنه استسلم أخيرًا لشيء ظل يقاومه طويلًا.


وقال بصوت منخفض جدًا:


باران: "الغريب…"


توقفت ديلان عن البكاء تدريجيًا وهي تنظر إليه.


أما هو…


فابتسم تلك الابتسامة المتعبة التي تحمل وجعًا أكثر من الفرح.


باران: "أنني… ولأول مرة منذ سنوات… أشكر القدر."


عقدت حاجبيها بعدم فهم.


فتابع وهو يحدق بها مباشرة:


باران: "لأنه وضعك في طريقي."


اتسعت عيناها ببطء.


وشعرت أن قلبها نسي الخفقان للحظة.


أما باران…


فلم يبعد عينيه عنها هذه المرة.


وكأنه قرر أخيرًا ألا يهرب من الحقيقة التي بدأت تكبر داخله يومًا بعد يوم.


باران: "في البداية ظننتك مجرد مسؤولية فُرضت علي."


خرجت ضحكة قصيرة خالية من الفرح من بين شفتيه.


باران: "ثم أصبحتِ مصدر صداع دائم."


ورغم دموعها…


ظهرت ابتسامة صغيرة مرتجفة فوق شفتي ديلان دون إرادة منها.


لاحظها باران…


فتابع بصوت أكثر هدوءًا:


باران: "لكنني اكتشفت متأخرًا… أن وجودك غيّر شيئًا بداخلي أنا."


ساد الصمت بينهما مجددًا.


صمت دافئ هذه المرة.


أما ديلان…


فكانت تنظر إليه بعينين مضطربتين، تشعر أن ذلك الرجل الذي كان يخيفها يومًا، أصبح الآن الشخص الوحيد الذي تشعر بالأمان قربه.


وذلك الإدراك وحده…


أخافها أكثر من أي شيء آخر.


خفضت نظرها أخيرًا وهمست بصوت ضعيف:


ديلان:"أنا… لا أعرف ماذا أقول."


اقترب باران منها ببطء، ثم قال بهدوء شديد:


باران: "لا تقولي شيئًا."


ثم أضاف وهو ينظر إلى دموعها:


باران: "فقط… توقفي عن الخوف."


رفعت عينيها إليه.


أما هو…


فمد يده نحوها بتردد خفيف، ثم أحاط يدها الصغيرة بكفه للمرة الأولى دون قوة أو فرض.


فقط دفء هادئ…


ووعد صامت.


وقال بصوت منخفض عميق:


باران:"من اليوم… أنتِ لست وحدك يا ديلان."


-------////////------///////----


في تلك الليلة…


عادا إلى القصر، لكن شيئًا خفيًا كان قد تبدّل بينهما إلى الأبد.


لم يعد الصمت الذي يجمعهما يشبه ذلك الجدار البارد الذي كان يقف بينهما في البداية، بل أصبح ممتلئًا بأشياء كثيرة غير مفهومة؛ أشياء لم تُقل بعد، لكنها كانت تُشعرهما معًا بأن المسافة بين قلبيهما بدأت تضيق ببطء.


كانت ديلان تجلس قرب نافذة السيارة، تحدق في أضواء المدينة المنعكسة فوق الزجاج بشرود طويل، بينما كلمات باران الأخيرة ما تزال تتردد داخلها وكأنها عالقة في روحها.


"من اليوم… أنتِ لست وحدك يا ديلان."


أغمضت عينيها للحظة.


كم اشتاقت لسماع جملة كهذه،


منذ وفاة والدها وهي تشعر أن العالم كله تخلى عنها دفعة واحدة، وأنها أصبحت تسير وحدها داخل ظلام كبير لا تعرف نهايته.


لكن ذلك الرجل…


الرجل الذي دخل حياتها بالقوة، وأخافها، وأربكها، وجرحها أحيانًا…


هو نفسه من كان يحاول الآن أن يكون مأمنها الوحيد.


أما باران…


فكان يقود بصمت، لكن داخله لم يكن هادئًا أبدًا.


كل كلمة قالتها داخل ذلك المنزل ما تزال تنهش قلبه بعنف.


"كنت أخدمهما كأنني خادمة…"


"الإهانات… الضرب… الحرمان…"


قبض على المقود بقوة حتى ابيضّت مفاصل يده.


شعر بغضب حارق تجاه نفسه قبل أي أحد آخر.


كيف لم يرَ الحقيقة مبكرًا؟،


كيف صدّق تلك الوجوه الكاذبة بينما كانت هذه الفتاة الصغيرة تتحمل كل ذلك الألم وحدها؟،


أطلق زفرة طويلة، ثم التفت إليها للحظة قصيرة.


كانت متعبة…


لكن رغم ذلك، كانت ما تزال تحاول أن تبدو قوية.


وهذا تحديدًا ما وجعه أكثر.


خفض عينيه للطريق مجددًا، ثم قال فجأة بصوت هادئ:


باران: "هل أنتِ نادمة؟".


التفتت إليه بعدم فهم:


ديلان: "على ماذا؟".


تردد لثوانٍ قبل أن يكمل:


باران: "على مجيئك معي."


اتسعت عيناها قليلًا من السؤال.


أما هو…


فبقي ينظر إلى الطريق وكأنه يخشى النظر إليها أثناء انتظار الإجابة.


ساد الصمت للحظات.


ثم قالت ديلان بهدوء صادق:


ديلان: "في البداية… نعم."


ارتخت يداه قليلًا فوق المقود.


أما هي، فأكملت وهي تنظر أمامها بشرود:


ديلان: "كنت خائفة منك جدًا."


ظهرت ابتسامة باهتة فوق شفتيها.


ديلان: "كنت أظنك شخصًا بلا قلب."


شعر باران بشيء مؤلم يتحرك داخل صدره، لكنه لم يقاطعها.


أما ديلان…


فخفضت نظرها وهمست:


ديلان: "لكنني الآن…"


توقفت للحظة وكأنها تبحث عن الكلمات المناسبة.


ثم رفعت عينيها إليه أخيرًا وقالت بصوت خافت:


ديلان: "أشعر بالأمان معك."


تجمدت يد باران فوق المقود.


أما قلبه…


فخفق بعنف مفاجئ أربكه هو نفسه.


لأنه لم يتوقع يومًا أن يسمع منها هذه الجملة تحديدًا.


ولم يعرف لماذا شعر أن شيئًا داخله يلين بالكامل لحظة قالتها.


لكنه أخفى كل ذلك خلف هدوئه المعتاد وقال بصوت منخفض:


باران: "لن أجعلك تندمين على ثقتك بي."


نظرت إليه ديلان طويلًا.


ثم ابتسمت لأول مرة منذ ساعات ابتسامة حقيقية صغيرة…


ابتسامة جعلت شيئًا دافئًا يمتد داخل صدره بصمت.


تلك الليلة…


بعد أن وصلت إلى غرفتها، توضأت ديلان وصلت طويلًا.


وحين انتهت، بقيت جالسة فوق سجادة الصلاة، تضم يديها إلى صدرها وعيناها شاردتان.


كانت تفكر بباران.


لأول مرة…


لا تشعر نحوه بالخوف.


بل بشيء آخر لا تعرف كيف تسميه.


شيء يجعل قلبها يوجعها كلما رأت ذلك الحزن العميق داخل عينيه.


شيء يجعلها تشعر أنه رغم قوته وهيبته… وحيد جدًا.


تنهدت بخفوت، ثم رفعت يديها بالدعاء وهمست:


ديلان: "يا رب…"


ارتجف صوتها قليلًا.


ديلان: "لقد أرسلته إليّ حين كنت وحيدة تمامًا…"


أغمضت عينيها وهي تكمل:


ديلان: "فلا تتركه غارقًا في حزنه."


شعرت بالدموع تملأ عينيها مجددًا.


ديلان: "أعده إليك يا رب… واهدِ قلبه."


وفي اللحظة نفسها تقريبًا…


كان باران جالسًا وحده داخل مكتبه.


الأنوار خافتة.


وفنجان القهوة أمامه بارد كعادته.


لكنه هذه المرة لم يكن يفكر بالعمل…


ولا بالانتقام…


ولا حتى بالماضي.


بل بها.


بديلان.


بصوتها المرتجف وهي تبكي.


وبابتسامتها الصغيرة حين تطمئن.


وبالطريقة التي بدأت تتسلل بها إلى الأماكن الأكثر ظلمة داخله دون أن يشعر.


أراح رأسه للخلف وأغمض عينيه.


ثم همس لنفسه لأول مرة بصدق كامل:


باران: "سأعوّضك يا ديلان…"


حتى لو اضطر أن يحارب العالم كله لأجل ذلك.


ومرّت الأيام بعدها مختلفة تمامًا.


أصبح القصر أكثر دفئًا بطريقة غريبة.


صوت ضحكة ديلان بدأ يُسمع داخله أحيانًا.


ورائحة الطعام الذي تحبه أصبحت تُحضّر يوميًا لأن باران صار يسأل بنفسه عمّا ترغب به.


حتى زينب بدأت تراقبه بدهشة.


فهو لأول مرة منذ سنوات يعود إلى القصر مبكرًا دون أن يهرب إلى العمل أو السهر الطويل خارج المنزل.


كان يجلس مع ديلان أثناء تناول الطعام.


يسألها عن الجامعة التي تريدها.


وعن أحلامها الصغيرة التي لم تجد يومًا من يستمع إليها.


وكان يراقبها بصمت كلما بدأت تتحدث بحماس.


شيء ما في فرحتها…


كان يريح ذلك الخراب داخله.


أما ديلان…


فكانت تلاحظ أشياء كثيرة عنه مع الوقت.


كيف يسهر وحده طويلًا.


كيف يهرب من النوم.


كيف تبدو عيناه متعبتين دائمًا وكأنهما تحملان سنوات من الألم.


وكان أكثر ما يوجعها…


أنه ابتعد عن الله تمامًا.


وفي إحدى الليالي…


كانت تجلس قربه في المكتبة، تقرأ كتابا إختاره لها، وبينما هو يراجع بعض الملفات بصمت.


ترددت طويلًا قبل أن تقول:


ديلان: "باران…"


رفع عينيه إليها بهدوء:


باران: "نعم؟".


عضّت شفتها بخفة ثم سألت:


ديلان: "هل تمانع لو طلبت منك شيئًا؟"


أغلق الملف الذي بيده وقال:


باران: "اطلبي."


ترددت للحظة، ثم قالت بصوت خافت:


ديلان: "صلِّ معي مرة واحدة فقط."


ساد الصمت فجأة.


أما باران…


فتجمد مكانه بالكامل.


كأن كلماتها أصابت جرحًا قديمًا داخله.


خفض نظره للحظات طويلة قبل أن يضحك بخفوت مرير:


باران: "أنا لست رجلًا صالحًا يا ديلان."


شعرت بألم حقيقي في قلبها من طريقته.


فقالت بسرعة:


ديلان: "ومن قال إننا يجب أن نكون صالحين تمامًا حتى نعود إلى الله؟".


رفع عينيه إليها ببطء.


أما هي…


فابتسمت له تلك الابتسامة الهادئة النقية التي تربكه دائمًا وقالت:


ديلان: "أبي كان يقول إن الله يحب العائدين إليه أكثر من الذين لم يبتعدوا أبدًا.


حيث قال تعالى وهو يصف نبينا ايوب فقال: 


٫٫نعم العبد إنه كان اوابا٫٫ 


اي كان كثير التوبة والرجوع لله كلما اذنب."


ظل ينظر إليها طويلًا…


طويلًا جدًا.


وكأن شيئًا داخل روحه بدأ يهتز لأول مرة منذ سنوات.


&-ثم جاء أخيرًا…


يوم ظهور النتائج.


ومنذ الصباح، كانت ديلان تمشي داخل غرفتها بتوتر شديد، تعصر يديها بعصبية، بينما زينب تضحك عليها بحنان:


زينب: "يا ابنتي اهدئي قليلًا… ستُسقطين الغرفة فوق رؤوسنا من كثرة المشي!".


التفتت إليها ديلان بسرعة:


ديلان:"قلبي سيتوقف فعلًا يا أختي زينب!".


ثم وضعت يدها فوق صدرها وأضافت:


ديلان: "أشعر أنني لن أتحمل رؤية النتيجة."


أما باران…


فكان يراقبها بصمت من باب الغرفة.


ورغم مظهره الهادئ…


كان متوترًا مثلها تمامًا.


بل ربما أكثر.


لأنه أدرك منذ فترة أن نجاحها لم يعد يعنيها وحدها.


بل يعنيه هو أيضًا بطريقة لا يستطيع تفسيرها.


وحين ظهرت النتيجة أخيرًا…


تجمدت ديلان أمام الشاشة.


اتسعت عيناها ببطء…


ثم وضعت يدها فوق فمها بصدمة.


ديلان: "نجحت…"


همست بها وكأنها لا تصدق.


ثم فجأة انفجرت باكية وهي تضحك في الوقت نفسه:


ديلان: "نجحت! يا الله… لقد نجحت!".


اندفعت زينب تعانقها بسعادة، بينما وقف باران يراقبها فقط.


وكان شيء دافئ جدًا يتمدد داخل صدره وهو يراها تضحك بهذه الطريقة.


وفجأة…


ركضت نحوه دون وعي وعانقته بقوة.


ديلان: "باران! لقد نجحت!".


تجمد مكانه للحظة كاملة.


شعر بحرارة جسدها المرتجف بين ذراعيه…


وشعر بقلبه يخفق بعنف غير مألوف.


أما ديلان…


فما إن أدركت ما فعلته حتى ابتعدت بسرعة واحمرّ وجهها بالكامل.


لكن قبل أن تعتذر…


قال باران بصوت هادئ دافئ:


باران: "كنت أعرف أنكِ ستفعلينها."


ثم اقترب منها قليلًا وأضاف وهو ينظر مباشرة إلى عينيها:


باران: "لكن هذا ليس كل شيء."


رمشت باستغراب:


ديلان: "ماذا تعني؟".


ظهرت تلك النظرة الغامضة المعتادة في عينيه وقال:


باران: "استعدي الليلة."


ديلان: "لماذا؟".


لكنّه اكتفى بابتسامة خفيفة:


باران: "سترين."


______//////-----///////__


كانت ديلان تهبط درجات السلم ببطء…


يدها تستند بخفة إلى الدرابزين، بينما قلبها يخفق بتوتر غريب لا تعرف سببه.


منذ أن أخبرتها زينب أن باران ينتظرها في الحديقة الخلفية، وهي تشعر أن هناك شيئًا غير اعتيادي يحدث.


لكنها لم تتوقع أبدًا…


أن ترى كل هذا.


ما إن وصلت إلى آخر درجة…


حتى توقفت أنفاسها بالكامل.


الحديقة التي اعتادت رؤيتها هادئة وبسيطة، تحولت هذه الليلة إلى عالم آخر.


مئات الأضواء الذهبية الصغيرة كانت معلقة بين الأشجار، تتلألأ فوق المكان كنجوم هبطت من السماء.


الورود البيضاء والحمراء تملأ الممرات الحجرية بعناية مدهشة، ورائحتها تختلط بنسمات الليل الباردة فتجعل الجو أشبه بحلم هادئ.


وعلى الجانبين…


كانت الطاولات مزينة بالشموع والكريستال، بينما تنساب موسيقى ناعمة في الخلفية، رقيقة إلى درجة جعلت قلبها يرتجف دون إرادة منها.


اتسعت عيناها أكثر وهي تنظر حولها بذهول.


كل شيء…


كل تفصيل صغير…


كان مرتبًا بعناية وكأن من أعدّه فكر طويلًا فيما قد يسعدها.


ثم وقعت عيناها على الطاولة الكبيرة في المنتصف.


كعكة ضخمة بلون أبيض ناعم، تتوسطها ورود صغيرة من السكر، وقد كُتب عليها بخط أنيق:


"إلى ديلان… مبارك نجاحك وعيد ميلادك الثامن عشر."


شعرت بشيء حار يصعد إلى عينيها فجأة.


عيد ميلادها…


هي نفسها نسيته.


وسط الحزن، والامتحانات، وكل ما عاشته مؤخرًا…


نسيت حتى اليوم الذي جاءت فيه إلى الحياة.


أما هو…


فقد تذكره.


بل وأقام كل هذا لأجلها.


رفعت عينيها ببطء…


لتجده واقفًا غير بعيد عنها.


باران.


كان يرتدي بذلة سوداء داكنة، يقف بصمته المعتاد وهيبته التي تملأ المكان، لكن شيئًا في نظراته هذه الليلة كان مختلفًا.


أهدأ…


وألين…


وكأنه يراقب رد فعلها بترقب حقيقي.


اقترب منها ببطء بينما بقيت هي واقفة مكانها، عاجزة حتى عن الكلام.


ثم قال بصوت منخفض:


باران: "أعجبك المكان؟".


نظرت إليه ديلان طويلًا، قبل أن تهمس بصوت متأثر:


ديلان: "أنت… فعلت كل هذا؟".


ظهرت ابتسامة صغيرة جدًا على شفتيه.


باران: "لم يعجبك إذًا."


هزت رأسها بسرعة، وعيناها تلمعان بالدموع:


ديلان: "لا… بل…"


اختنق صوتها قليلًا.


ديلان: "إنه جميل جدًا."


ولأول مرة منذ زمن طويل…


شعر باران بشيء يشبه الراحة الحقيقية وهو يراها تنظر إلى المكان بهذه السعادة.


أما ديلان…


فكانت تشعر أن قلبها يمتلئ بمشاعر كثيرة دفعة واحدة.


الامتنان…


الدهشة…


وذلك الدفء الغريب الذي بات يظهر كلما كان باران السبب في ابتسامتها.


اقتربت من الطاولة ببطء، تمرر أصابعها فوق الزينة برقة، وكأنها تخشى أن تفسد هذا الحلم إن لمسته بقوة.


ثم التفتت إليه وقالت بصوت خافت:


ديلان: "لم يفعل أحد شيئًا كهذا لأجلي من قبل."


تجمدت نظرات باران فوقها.


أما هي…


فأخفضت عينيها وأكملت بابتسامة حزينة صغيرة:


ديلان: "حتى أعياد ميلادي السابقة… كانت تمر عادية جدًا، فزوجة أبي كانت دوما تقول انها تبذير للمال فقط."


شعر باران بشيء مؤلم يضغط قلبه.


ثم قال بهدوء:


باران: "إذًا كان يجب أن يكون هذا مختلفًا."


رفعت عينيها إليه مجددًا.


وكانت نظراته هذه المرة عميقة بطريقة جعلت أنفاسها تضطرب دون أن تفهم السبب.


ثم أشار إلى الكرسي أمام الطاولة وقال:


باران: "اجلسي."


جلست ببطء وهي ما تزال تنظر حولها بانبهار طفولي واضح، بينما تقدم هو نحو إحدى الطاولات الجانبية.


التقط صندوقًا صغيرًا مخمليًا أسود اللون.


وما إن رأته ديلان…


حتى عقدت حاجبيها بدهشة.


اقترب منها بهدوء، ثم وقف أمامها للحظات دون أن يتكلم.


أما هي…


فبدأ قلبها يخفق أسرع دون سبب واضح.


مد يده أخيرًا ووضع العلبة أمامها.


باران: "هناك شيء آخر."


نظرت إليه باستغراب:


ديلان: "باران… يكفي كل هذا فعلًا."


لكنه قال بهدوء حاسم:


باران: "افتحيه."


ترددت لثوانٍ…


ثم أمسكت العلبة ببطء وفتحتها.


وفي اللحظة التي رأت ما بداخلها…


شهقت بصدمة حقيقية.


طقم ألماس كامل…


قلادة رقيقة تتوسطها حجرة ألماس براقة، وأقراط وسوار وخاتم، كلها مصممة بذوق راقٍ يخطف الأنفاس.


انعكس بريق الألماس داخل عينيها المرتجفتين وهي تنظر إليه بعدم تصديق.


ديلان: "باران…!".


خرج اسمه من شفتيها كهمسة مذهولة.


أما هو…


فجلس أمامها بهدوء، ثم أخذ القلادة بين يديه.


ولأول مرة منذ عرفته…


بدت عليه ملامح توتر خفيف حقيقي.


رفع نظره إليها وقال بصوت منخفض عميق:


باران: "هذه… حقك يا ديلان."


اتسعت عيناها أكثر.


أما هو…


فأكمل بينما يقترب منها ببطء:


باران: "هذا مهرك… الذي كان يجب أن أقدمه لكِ يوم تزوجتك."


شعرت ديلان أن قلبها ارتجف بعنف داخل صدرها.


أما باران…


فأضاف وعيناه ثابتتان عليها:


باران: "وأتمنى أن تقبليه مني… ولو متأخرًا."


ساد الصمت للحظة.


لكن تلك اللحظة وحدها كانت كافية لتشعر ديلان بشيء يذيب قلبها بالكامل.


لأنه لم يقدم لها الهدية بتعالٍ…


ولا كواجب.


بل وكأنه يحاول أن يمنحها شيئًا من حقها الذي سُلب منها منذ البداية.


ارتجفت أناملها وهي تهمس:


ديلان: "باران… هذا كثير جدًا."


ابتسم ابتسامة صغيرة باهتة.


باران: "لا."


ثم نظر إليها بنظرة عميقة جعلت أنفاسها تتعثر.


باران: "القليل بحقك."


شعرت بحرارة غريبة تزحف إلى وجنتيها.


أما هو…


فرفع القلادة ببطء وقال بهدوء:


باران: "هل تسمحين؟".


تجمدت للحظة…


ثم أومأت برأسها بخجل.


اقترب منها أكثر.

حتى اصبحت تشعر بأنفاسه القريبة منها.

رفع شعرها برفق شديد، ثم وضع القلادة حول عنقها ببطء.

لكن يديه توقفتا للحظة قرب رقبتها…

وكأنه شعر بارتجافها.

أما ديلان…

فكانت تجلس بلا حركة، وقلبها يخفق بجنون لم تختبره من قبل.

وحين انتهى…

أبعد يديه ببطء، ثم نظر إليها طويلًا.

طويلًا جدًا.

وكأن الأضواء كلها اختفت من حوله، ولم يعد يرى سوى هي.

أما ديلان…

فرفعت يدها تتحسس القلادة بخجل، ثم همست بصوت ضعيف:

ديلان: "إنها جميلة…"

لكن باران قال بهدوء جعل قلبها يرتجف مجددًا:

باران: "ليست بجمالك.

               الفصل التاسع والعشرون من هنا

لقراءة باقي الفصول اضغط هنا 

تعليقات



<>