رواية براءة ايقظت غافلا الفصل التاسع والعشرون29 بقلم عاشقة القلم

رواية براءة ايقظت غافلا

 الفصل التاسع والعشرون29 

بقلم عاشقة القلم 

بعد أن هدأت أصداء الضحكات في أرجاء المنزل، وانطفأت آخر لمعةٍ للشموع التي زيّنت تلك الليلة، غادرت زينب المكان بهدوء، تاركةً خلفها سكونًا دافئًا، سكونًا بدا وكأنه يفسح المجال لشيءٍ آخر، شيءٍ لم يكن أيٌّ منهما يملك الشجاعة الكاملة لمواجهته، تركت لهما مساحة من الخصوصية، لعل الله يجمع بينهما، ويؤلف بين قلوب انهكت الأيام، لتجد مرفئ للأمان و السكينة.

أُغلِقت باب الصالون برفق، بعد ان دخل الجميع للقصر، بعد ان توسط الليل وهبت نسمات باردة،

وعاد الصمت يلفّ المكان.

لكنّه لم يكن صمتًا مريحًا تمامًا.

بل كان صمتًا ممتلئًا بالمشاعر التي لم تُقَل بعد.

وقفت ديلان قرب النافذة الكبيرة، تضمّ يديها أمامها بهدوء، بينما كانت عيناها معلّقتين بالسماء المظلمة التي ازدانت بنجومٍ خافتة. النسيم الليلي كان يتسلل عبر النافذة نصف المفتوحة، يحرّك خصلات خمارها برقة، فيما بقيت ملامحها ساكنة، إلا أن داخلها لم يكن كذلك أبدًا.

كانت تشعر بشيءٍ غريب.

راحة؛ وخوف؛ وطمأنينة تربكها.

كل ما فعله باران اليوم؛ الاحتفال؛ اهتمامه؛ طريقته المختلفة معها؛ كل ذلك جعل قلبها يقف حائرًا أمام رجلٍ لم تعد تعرفه كما كانت تظن.

أما هو…

فكان يقف خلفها على بُعد خطوات قليلة، يراقبها بصمت.

لأول مرة منذ سنوات طويلة، يشعر باران بالعجز أمام امرأة.

لم يكن يخيفه الرفض، بل كان يخيفه أن يراها تبتعد عنه بعد أن بدأت تقترب.

كان ينظر إلى ظهرها الصغير، وإلى هدوئها الذي يخفي ألف سؤال، وشعر بثقلٍ غريب في صدره.

هو الذي اعتاد أن يأخذ ما يريد بالقوة، يقف الآن عاجزًا عن أخذ خطوة واحدة دون خوف.

ابتلع ريقه ببطء، ثم تقدّم نحوها بخطوات هادئة حتى توقف بالقرب منها.

باران: ديلان…

خرج اسمها من شفتيه منخفضًا؛ مختلفًا؛ وكأنه لم يعد مجرد اسم، بل شيءٌ يخشى فقدانه.

التفتت إليه ببطء.

كانت عيناها لا تزالان تحملان بقايا الفرح الذي شعرت به طوال الليلة، لكنه رأى أيضًا شيئًا آخر، حذرًا خفيفًا لم يفارقها بعد.

باران: أريد أن أقول لكِ شيئًا.

نظرت إليه بصمت لثوانٍ، ثم أومأت برأسها بهدوء:

ديلان: تفضل.

أخذ نفسًا عميقًا، ثم مرّر يده في شعره بتوترٍ لم تستوعبه هي في البداية.

حتى توتره، كان جديدًا عليها.

قال بعد لحظة:

باران: مرّ أكثر من شهر منذ جئتِ إلى هنا.

ثم رفع عينيه إليها مباشرة.

كانت نظرته هذه المرة صادقة بصورةٍ مؤلمة.

باران: وخلال هذا الشهر؛ توقفت حياتي كلها عندكِ.

ارتبكت أنفاسها قليلًا، لكنه أكمل قبل أن تقاطعه:

باران: كنتِ في البداية مجرد مسؤولية، ثم أصبحتِ عبئًا على عقلي، وبعدها.....، سكت للحظة، وكأنه يحاول الاعتراف بشيءٍ يصعب عليه قوله.

باران: وبعدها أصبحتِ الشيء الوحيد الذي أفكر به.

اتسعت عيناها قليلًا.

أما هو، فابتسم بسخريةٍ خافتة من نفسه:

باران: غريب، أليس كذلك؟… أنا الذي لم أعتد يومًا أن أنتظر أحدًا، أصبحت أنتظر نظرة منكِ، أو كلمة، أو حتى خصامًا منكِ.

خفضت ديلان عينيها، بينما بدأ قلبها يخفق بعنف.

كان صوته هادئًا، لكن كل كلمةٍ منه كانت تصل إليها بوضوحٍ مؤلم.

اقترب خطوة أخرى، ثم قال بصوتٍ أكثر خفوتًا ودفئا:

باران: لذلك… ألا ترين أنه حان الوقت لنفتح صفحة جديدة؟.

رفعت رأسها إليه ببطء.

وشعرت فجأة بأن الهواء أصبح أثقل.

أما هو… فتابع، رغم التردد الذي لم تستطع تجاهله:

باران: أريدكِ أن تكوني زوجتي حقًا يا ديلان، اريد ان نعيش حياتنا كزوجين حقيقيين لا على ورق فقط.

تجمّدت أنفاسها.

تلك الكلمات، كانت تعلم أنها ستأتي يومًا ما، لكنها لم تتوقع أن تسمعها الآن، بهذه الطريقة.

لا أمر. لا فرض. لا قسوة.

بل رجاء.

ولأول مرة… كان باران يطلب منها شيئًا، بدل أن يفرضه عليها.

ابتعدت بنظرها عنه، محاولةً تهدئة اضطراب قلبها.

كانت تشعر بارتباكٍ كبير.

جزءٌ منها أراد أن يصدّق تغيّره، وجزءٌ آخر كان خائفًا من أن يكون هذا الهدوء مجرد مرحلة مؤقتة.

قالت أخيرًا بصوتٍ منخفض:

ديلان: باران… الأمر ليس بهذه السهولة.

عقد حاجبيه قليلًا، لكنه بقي صامتًا يستمع إليها.

أخذت نفسًا مرتجفًا، ثم أكملت:

ديلان: أنت تطلب مني أن أبدأ حياةً جديدة معك، وكأن كل ما حدث يمكن أن يُنسى ببساطة.

ارتجف شيءٌ خفي في ملامحه.

أما هي، فقد تابعت بصراحةٍ أرهقتها طويلًا:

ديلان: أنا خفت منك. تألمت بسببك. وبكيت كثيرًا بسبك…

خفض باران عينيه للحظة.

كل كلمةٍ منها كانت تصيبه في مكانٍ لا يعرف كيف يدافع عنه.

قالت وهي تنظر إليه مباشرة:

ديلان: ربما تغيّرت؛ وربما أصبحت مختلفًا فعلًا؛ لكن قلبي لا يستطيع أن ينسى ما مررت به بهذه السرعة.

ساد الصمت بينهما.

حتى النسيم بدا وكأنه توقف احترامًا لثقل تلك اللحظة.

رفع باران عينيه إليها مجددًا، وقال بصوتٍ خافت:

باران: أعلم.

كلمة واحدة… لكنها خرجت محمّلة بندمٍ حقيقي.

ثم أكمل:

باران: وأعرف أنني لا أملك الحق في مطالبتكِ بأي شيء بعد كل ما فعلته. اقترب قليلًا، لكن بحذرٍ شديد، وكأنه يخشى أن يخيفها. باران: لكنني… أريد فرصة. فرصة واحدة فقط لأجعلكِ ترينني كما أنا الآن، لا كما كنت سابقا.

شعرت ديلان بشيءٍ يضغط قلبها.

لأنها كانت ترى صدقه بالفعل، وهذا ما أخافها أكثر.

قالت بعد صمت:

ديلان: أنا بحاجة إلى وقت.

نظر إليها بصمت.

فأكملت:

ديلان: وقتٍ لأصدق أن هذا التغيير حقيقي، ووقتٍ لأتعلّم كيف أطمئن لك.

ثم أضافت بصوتٍ أكثر نعومة:

ديلان: إن منحتني هذا الوقت، ربما نستطيع أن نخطو خطوة أخرى.

ظل باران يحدّق بها لثوانٍ طويلة.

وفجأة…

ابتسم.

لكنها لم تكن ابتسامة رجلٍ انتصر.

بل ابتسامة رجلٍ نجا.

رجلٌ كان يخشى أن يسمع منها رفضًا قاطعًا، ثم اكتشف أنها فتحت له بابًا صغيرًا للأمل.

أغمض عينيه للحظة، وكأن الحمل الثقيل الذي فوق صدره خفّ قليلًا، ثم قال بصوت هادئ:

باران: سأمنحكِ كل الوقت الذي تريدينه،خذي وقتك ديلان، لن اظغط عليك، ولن احملك عبئا لا تستطيعينه، لكن فقط إمنحني فرصة لاثبت لك انني تغيرت، تغيرت من اجلك، تغيرت لافوز بك، لانك المكافأة التي منحني إياه الله.

ديلان: قبل ان تتغير من أجلي، تغير من اجل نفسك اولا، من اجل ان تعيش في سلام داخلي، قرب من الله وابدأ بالطاعات، إبدأ بالصلاة التي ستشرح قلبك للعباظة، وتأكد كلما إقتربت من الله، ودعوت بصدق فيحاويك الله بما تتمنى.

سكتت برهة تستجمع افكارها لتنتقي كلامها حتى لاتأذيه بكلمة يكون تأويلها عكس ما تود قوله:

ديلان: صدقني يا باران الطريق إلى الله، هو الطريق الذي سيجعلك تنال كل ما تتمنى، هو الطريق الانسب لتحقيق المعجزات، ربما في البداية سيكون صعب، شاق، مرهق لنفس إعتادت على الشهوات والملذات، لكن صدقني ستشعر براحة نفسية كانت غائبة عنك، ومنغت تبحث عنها دوما، طريق يجعلك دوما راض قانع مقبل على الطاعات، راض بما كتبه الله لك، لن اخفي عليك انني كنت افكر في طلب الطلاق منك.

شهق باران من كلمة الطلاق، جعلت قلبه يرتجف داخل صدره.

اكملت ديلان بكلمات منتقاة و وصوتةثابت هادئ...

ديلان: لكن سرعان ما تراجعت، وجودي هنا لم يكن عبثا، طريقنا لم تتلتقي صدفة، بل لشيء اراده الله، باران انت كنت لي حماية طيلة نذا الشهر، ولا انكر ما فعلته من اجلي، لكن لأصدقك القول، قلبي محتاج ليطمئن انك فعلا تغيرت، إبتعدت عن ذلك الطريق المظلم الذي نهايته خراب، وانا هنا لاساعدك وآخذ بيدك لتصل لبر الامان.

رفع عينيه إليها مجددًا، وأضاف بابتسامةٍ هادئة:

باران: المهم أنكِ لم ترفضي وجودي في حياتكِ، ومنحتني فرصة لاولد من جديد، وسأثبت لك انني أستحق هذه الفرصة، وجدير بأن افوز بقلبك، وان تكوني ملكة قلبي ونور دربي.

شعرت بحرارةٍ غريبة تتسلل إلى وجنتيها.

أما هو، فاقترب منها خطوة أخرى، هذه المرة بترددٍ واضح.

ترددٌ لم تعرفه فيه يومًا.

اخرج علبة صغيرة من جيبه وفتحها، كان به خاتم💍 من الذهب الابيض، تتوسطه حجرة من الالماس، على شكل قلب ❤️، اخرج الخاتم💍 ووضع العلبة جانبا، 

مدّ يده ببطء نحو يدها الصغيرة.

كانت اللحظة قصيرة،

لكن قلبه كان يخفق بعنفٍ لم يشعر به من قبل.

حتى إنه كان يخشى أن تسحب يدها في اللحظة الأخيرة.

لكنها لم تفعل.

وضع الخاتم💍 بأصبعها برفق وعناية، كانه شيء هش يخاف ان ينكسر.

بقيت ساكنة…

تنظر إلى يده التي أمسكت يدها بحذرٍ شديد، وكأنه يحمل شيئًا هشًا يخاف أن ينكسر بين أصابعه.

نظرت للخاتم 💍في اصبعها الصغير، وكان مناسبا لحجم اصبعها تماما.

شعر باران بشيءٍ دافئ يجتاح صدره، عندما لم ترفض وتلك اللمعة التي رآها في عينيها.

شيءٌ يشبه الطمأنينة.

رفع يدها ببطء نحو شفتيه…

ثم قبّلها.

قبلة خفيفة، هادئة، لكنها حملت من المشاعر ما لم تحمله كل كلماته السابقة.

أغمضت ديلان عينيها للحظة دون وعي.

لأن تلك اللمسة… لم تكن تشبه لمسته القديمة أبدًا.

لم يكن فيها تملك. ولا قسوة. ولا رغبة في السيطرة.

بل كان فيها احترام، وصبر، ووعدٌ صامت بأنه لن يؤذيها مجددًا.

وعندما فتح عينيه ونظر إليها، وجدها لا تزال واقفة أمامه دون خوف.

تنظر إليه بعينين مرتبكتين، لكنهما لم تعودا تحملان النفور ذاته.

وفي تلك اللحظة…

شعر كلاهما أن شيئًا ما قد تغيّر فعلًا.

ربما لم يكن حبًا مكتملًا بعد،

لكنه لم يعد مجرد زواجٍ فُرض بالقوة.

بل أصبح بدايةً هادئة، تنمو ببطءٍ بين قلبين أنهكتهما الحرب، وأرهقهما الخوف، لكنّهما… للمرة الأولى… يحاولان الوصول إلى بعضهما دون ألم.

_____////////------///////_

أشرقت شمس الصباح ببطء فوق المدينة، وانسابت خيوطها الذهبية عبر ستائر الغرفة الهادئة، لتتسلل برفق إلى وجه ديلان النائم… كأن النهار نفسه يخشى أن يوقظها بقسوة بعد ليلةٍ لم تكن عادية أبدًا.

كانت قد غفت بعد ان صلت فرضها، وجلست تقرأ وردها، لكنها لم تشعر من شدة الارهاق، الذي عاشته الايام السابقة.

تحركت أهدابها ببطء قبل أن تفتح عينيها أخيرًا.

لثوانٍ قصيرة بقيت تحدق في السقف بشرود، وكأن عقلها يحاول استيعاب هذا الشعور الغريب الذي يملأ صدرها منذ أن استيقظت.

رفعت ✋ يدها ورأت الخاتم 💍، إذن لم يكن حلما.

ثم عادت إليها تفاصيل الليلة الماضية دفعةً واحدة…

صوت باران الهادئ… نظراته التي كانت مختلفة عن أي وقت مضى… وطريقته حين أمسك يدها وقبّلها برفق، وكأنه يخشى أن يؤذيها حتى بلمسة.

شعرت بحرارةٍ تتسلل فورًا إلى وجنتيها، فاعتدلت بسرعة فوق السرير وهي تضم الغطاء إلى صدرها بتوتر.

ديلان: ما الذي يحدث لي…؟.

همست بها لنفسها بخفوت، بينما كانت ضربات قلبها تتسارع دون رحمة.

لم تكن تلك المرة الأولى التي يعاملها فيها باران بلطف… لكنه كان مختلفًا هذه المرة.

مختلفًا بطريقةٍ أربكتها.

لأنها شعرت… للمرة الأولى… أن كل كلمة قالها لها الليلة الماضية خرجت من قلبه فعلًا.

أغمضت عينيها للحظة وهي تتذكر نظرته حين أخبرها أنه لن يسمح لأحدٍ بإيذائها بعد الآن.

تلك النظرة تحديدًا… أضعفت شيئًا بداخلها كانت تظنه مات منذ زمن.

نهضت سريعًا وكأنها تهرب من أفكارها، واتجهت نحو الحمام تحاول استعادة هدوئها، لكن حتى الماء البارد الذي لامس وجهها لم يستطع إخماد ذلك الارتباك الذي يسري داخلها.

وبعد وقتٍ قصير، ارتدت ثيابها ونزلت إلى الطابق السفلي.

وما إن اقتربت من غرفة الطعام حتى لمحته.

كان يقف قرب النافذة مرتديًا قميصًا أسود بسيطًا، بينما يده تستقر حول فنجان قهوته بهدوء.

لكن ما إن رفع رأسه ورآها…

حتى نسي كل شيءٍ حوله.

توقفت عيناه عليها للحظة طويلة.

كانت أشعة الشمس تنعكس على ملامحها بهدوءٍ ناعم، وخمار يلتف حول وجهها، بطريقة جعلت قلبه يضطرب دون إرادة منه.

أما ذلك الارتباك الخفيف الذي يلمع داخل عينيها كلما نظرت إليه…

فقد أصبح يربكه هو أيضًا أكثر مما يجب.

شعر بشيءٍ دافئ يتمدد داخل صدره وهو يراقبها تقترب بخطوات مترددة.

ثم ابتسم دون أن يشعر.

باران: صباح الخير.

خرج صوته هادئًا… لكنه كان أدفأ من المعتاد.

خفضت ديلان عينيها قليلًا وهي تتمسك بطرف كمّها بتوتر خفيف قبل أن ترد بخجل:

ديلان: صباح النور.

راقبها بصمت لثوانٍ.

حتى هذا الخجل الصغير منها… أصبح يعني له الكثير.

شيءٌ لم يفهمه تمامًا بعد.

لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا فقط…

أنه لم يعد قادرًا على إبعاد عينيه عنها.

اقتربت ديلان من الطاولة وجلست بهدوء، بينما حاولت التظاهر بالانشغال بفنجان الشاي أمامها كي تهرب من نظراته التي كانت تشعر بها فوقها طوال الوقت.

أما باران فجلس مقابلها، لكنه بقي يراقب تفاصيلها الصغيرة بصمت.

طريقة تحريكها لأصابعها حين تتوتر؛ نظراتها المترددة؛ حتى صمتها أصبح يلفت انتباهه بشكلٍ مخيف.

قطع الصمت أخيرًا وهو يضع فنجانه جانبًا:

باران: استعدّي… سنخرج بعد قليل.

رفعت عينيها نحوه باستغراب:

ديلان: إلى أين؟.

اتسعت ابتسامته قليلًا، ثم قال وكأنه يذكّر طفلةً نسيت يوم عيدها:

باران: ألم تنسي؟ اليوم موعد استلام الشهادات.

تجمدت ملامحها فورًا.

ثم اتسعت عيناها فجأة وكأن الكلمات أيقظت شيئًا نائمًا داخلها.

اليوم…

اليوم الذي انتظرته طويلًا.

اليوم الذي حلمت به مرارًا وهي تسهر حتى الفجر فوق كتبها، تقاوم التعب والخذلان والخوف.

لكن مع الحلم… كان هناك خوف أيضًا.

خوف الفشل. خوف ألا تكون جيدة بما يكفي.

قبضت على طرف ثوبها بتوتر وهمست:

ديلان:  لم أكن اتوقع ان أحصل على المعدل الذي أريده…؟.

نظر إليها باران طويلًا.

ورغم هدوء ملامحه… إلا أن قلبه انقبض فور رؤيته لذلك القلق داخل عينيها.

كم مرة رآها تدرس حتى تنهار من التعب؟ كم مرة وجدها نائمة فوق كتبها بينما القلم لا يزال بين أصابعها؟،

كان يعرف جيدًا كم قاتلت لأجل هذا اليوم.

ولهذا… لم يسمح حتى لفكرة شكّها بنفسها أن تمر أمامه.

مال قليلًا نحوها وقال بثبات:

باران  ديلان… أنتِ اجتهدتِ أكثر من أي شخص أعرفه.

ثم أضاف وهو ينظر مباشرةً إلى عينيها:

باران: وأنا كنت متأكد أنكِ ستفاجئين الجميع.

رفعت عينيها إليه بصمت.

شيءٌ ما في نبرته… في ثقته المطلقة بها… جعل قلبها يهدأ رغم كل شيء.

لأنها للمرة الأولى منذ مدة…

تشعر أن هناك من يؤمن بها حقًا.

ليس مجاملة؛ ولا شفقة؛

بل إيمان حقيقي.

خفضت عينيها بسرعة قبل أن يلاحظ تأثرها وهمست بخفوت:

ديلان: تعبت من أجل ذلك…

لكن باران لم يرد.

اكتفى بالنظر إليها للحظة، وهو يشعر بشيءٍ غريب يتضخم داخل صدره.

فخر.

فخر لم يشعر به حتى تجاه نفسه يومًا.

إتصلت بصديقتها لعلها تلتقي بها، لكن سلمى اخبرتها انها ستتأخر قليلا، فوالدها سيتأخر في المستشفى بسبب طارئ حدث معه، وستتواصل معها لاحقا.

طوال الطريق إلى الثانوية، بقيت ديلان صامتة تنظر من نافذة السيارة.

كانت الأشجار والمباني تمر أمامها سريعًا، بينما أصابعها تعبث بحقيبتها بتوتر واضح.

أما باران…

فكان يراقبها خلسة بين حين وآخر.

كان يرى ارتجافة أصابعها الصغيرة… ويرى كيف تعض شفتها كلما ازدادت أفكارها سوءًا.

ابتسم بخفة داخله.

رغم قوتها؛ ما زالت تلك الفتاة تخاف من حلمها كأنها تخشى ألا تستحقه.

وفجأة قال دون أن ينظر إليها مباشرة:

باران: إن بقيتِ تعصرين الحقيبة هكذا ستتمزق قبل أن نصل.

التفتت إليه بدهشة قبل أن تدرك ما يفعله.

يحاول تهدئتها.

ارتبكت قليلًا ثم تركت الحقيبة بسرعة وهي تتمتم:

ديلان: أنا لست متوترة…

رفع حاجبه ببطء ونظر إليها نظرة جعلتها تشيح بوجهها فورًا.

فضحك بخفة لأول مرة منذ مدة طويلة…

ضحكة حقيقية.

وحين سمعتها ديلان، شعرت بشيءٍ دافئ يتحرك داخل قلبها.

توقفت السيارة أخيرًا أمام الثانوية.

وما إن نزلت ديلان حتى شعرت بأنفاسها تضيق.

الطلاب في كل مكان، الأصوات المرتفعة، الضحكات، التوتر…

كل شيء أعاد إليها شعور الطالبة التي كانت تخفي خوفها دائمًا خلف الصمت.

أغلقت يدها على حقيبتها بقوة وهي تنظر حولها بتوتر.

لكن قبل أن تتمكن من قول أي شيء، سمعت صوتًا مألوفًا يصرخ بسعادة:

" ديلان!"

التفتت بسرعة…

وما هي إلا لحظة حتى اندفعت استاذتها نحوها تحتضنها بقوة.

الاستاذة: اشتقت لكِ كثيرًا!.

اتسعت ابتسامة ديلان أخيرًا، واحتضنتها بقوة مماثلة.

ديلان: وأنا أيضًا… كثيرًا.

ابتعدت الاستاذة قليلًا وهي تنظر إليها بدهشة حقيقية.

ثم ضيقت عينيها بمكر وقالت:

الاستاذة: أنتِ مختلفة اليوم، وقد خفت عليك عندما غبت الايام الاي سبقت الامتحان.

ارتبكت ديلان فورًا:

ديلان: حدثت معي ضروف!!؟.

مالت الاستاذة نحوها أكثر وهمست بخبث:

الاستاذة: لا أعلم… لكن هناك شيء في عينيكِ لم يكن موجودًا من قبل.

اتسعت عينا ديلان بتوتر، ثم التفتت سريعًا بعيدًا عنها محاولة الهروب من نظراتها الفاضحة.

فضحكت الاستاذة بخفة وهي تتمتم:

الاستاذة: يا إلهي… يبدو أنني أصبت الهدف فعلًا.

ديلان : لا يوجد شيء فقط تزوجت.

همست ديلان بإحراج شديد، بينما شعرت بحرارة وجهها تزداد أكثر.

وفي تلك اللحظة تحديدًا…

رفع باران عينيه نحوهما من بعيد.

لم يكن قريبًا بما يكفي ليسمع كل الكلمات… لكنه رأى بوضوح ارتباك ديلان، وضحكات استاذتها، وذلك الاحمرار الذي ملأ وجهها فجأة.

فتسللت ابتسامة صغيرة إلى شفتيه دون وعي.

ابتسامة لم ينتبه لها حتى هو.

أما الاستاذة، فانتبهت لوجوده أخيرًا حين رأته يقف قرب السيارة ينتظر بهدوء.

خفضت صوتها فورًا وهمست بسرعة:

الاستاذة: هل هذا… زوجك؟، باران كول اغلو.

ترددت ديلان للحظة قبل أن تومئ بخفة.

راقبته الاستاذة بدهشة حقيقية.

كانت تسمع عنه كثيرًا… لكنها لم تتوقع أبدًا أن ينظر إلى ديلان بهذه الطريقة.

طريقة رجلٍ يراقب شخصًا يخشى عليه من العالم كله.

التفتت إليها مجددًا وقالت بخفوت:

الاستاذ   إنه لا يبعد عينيه عنكِ.

شهقت ديلان بخجل:

ديلان: هو فقط ينتظرني لانهي الاجراءات حتى يعيدني للبيت…

لكن قلبها…

خانها بقوة حين سمعت تلك الكلمات.

دخل الجميع إلى القاعة الكبيرة، وبدأ الطلاب يتجمعون بترقب.

جلست ديلان في مقعدها ويداها متشابكتان بقوة فوق حجرها.

أما باران، فجلس غير بعيد عنها بصمت.

كان يبدو هادئًا من الخارج…

لكن داخله لم يكن أقل اضطرابًا منها.

لم يفهم لماذا يشعر بهذا التوتر كله وكأنه هو من ينتظر النتيجة.

لكن الحقيقة كانت واضحة داخله…

نجاحها أصبح يعنيه أكثر مما ينبغي.

وبينما بدأ المدير بإعلان أسماء المتفوقين، شعرت ديلان بأن قلبها يكاد يخرج من صدرها.

حتى جاء الصوت أخيرًا…

واضحًا داخل القاعة كلها:

المشرف:  الطالبة ديلان تكين… بتقدير امتياز.

تجمد الزمن.

شعرت ديلان وكأنها لم تسمع جيدًا.

امتياز…؟،

هي…؟،

امتلأت عيناها بالدموع فورًا، ووضعت يدها فوق فمها بعدم تصديق.

أما باران…

فشعر بشيءٍ يهتز بقوة داخل صدره.

فخر.

فخر جارح من شدته.

نهض دون أن يشعر بنفسه، وعيناه لا تفارقانها وهي تتجه بخطوات مرتجفة لاستلام شهادتها وسط التصفيق.

وكان يرى فيها الآن شيئًا أكبر من مجرد فتاة خائفة.

رأى إنسانةً قاتلت وحدها طويلًا… وتستحق أخيرًا أن ترفع رأسها بفخر.

وحين عادت إليه أخيرًا، كانت دموعها تنساب بصمت وهي تهمس بصوت مرتجف:

ديلان: لقد نجحت يا باران…

نظر إليها طويلًا.

ثم ابتسم ابتسامةً واسعة صادقة أضاءت وجهه بالكامل وهو يقول:

باران: قلت لكِ انني كنت متأكد إنكِ ستفاجئين الجميع.

ارتجف قلبها بعنف.

لأن تلك النظرة في عينيه، لم تكن نظرة شخص يهنئها فقط.

بل نظرة رجلٍ يشعر أن نجاحها يخصه هو أيضًا.

اقتربت الاستاذة منهما سريعًا وهي تلوّح بيدها بحماس:

الاستاذة: وأنا كنت متأكدة أنك  ستنجحين وبتفوق أيضا!.

ثم ضحكت بخفة:

الاستاذة: صحيح انني سأشتاق لك ديلان المجنون… لكنني سعيدة جدًا لنحاجك، بعد كل ما مررت به!، فقد حكت لي أم سلمى عن مل شيء. 

ضحكت ديلان وسط دموعها:

الاستاذة: والمهم أنكِ نجحتِ.

تنهدت ديلان،و زفرت انفاسا شعرت ان شيء كان يحثم فوق صدرها:

ديلان: الحمد لله أنني نجحت، وحققت امنية أبي بالدراسة أخيرًا. فمنذ طفولتي وهو يقول لي إنك ستصبحين صيدلانية.

ثم نظرت الاستاذة إلى ديلان بفخر :

الاستاذة: وأنت تستحقين هذا النحاج!.

ضحكت ديلان بخجل، بينما تحركت عينا باران نحوها ببطء.

وشعر فجأة أنه يستطيع تخيلها فعلًا بذلك المعطف الأبيض،

تبتسم بثقة، وتحقق كل ما حلمت به.

فقال بهدوءٍ عميق:

باران: وستصبح أفضل صيدلانية أيضًا.

توقفت ديلان عن الضحك فورًا.

ورفعت عينيها إليه ببطء.

لأن الطريقة التي قالها بها…

لم تكن مجرد مجاملة.

بل يقين.

يقين كامل بأنها قادرة.

وهذا وحده… هز قلبها أكثر مما يجب.

ولأول مرة منذ ما حدث معها…

شعرت أن المستقبل لم يعد مظلمًا كما كان.

وكأن وجوده إلى جانبها… جعل الطريق أقل خوفًا.

-----/////***//**//***/////----


عادت السيارة السوداء تشقّ الطريق نحو القصر بهدوءٍ مهيب، بينما كانت ديلان تجلس إلى جانب باران وقلبها يكاد يعجز عن احتواء تلك السعادة التي تغمرها.

كانت تضمّ حقيبتها الصغيرة إلى صدرها وكأنها تخشى أن تستيقظ من حلمها فجأة.

لقد نجحت...

نجحت أخيرًا.

ولأول مرة منذ وفاة والدها، شعرت بأن تعبها لم يذهب هباءً.

اختلست النظر نحو باران الجالس خلف المقود، فرأت تلك النظرة مجددًا..، تلك النظرة التي جعلت شيئًا دافئًا يرتجف داخل روحها.

الفخر.

كان ينظر إليها بفخرٍ حقيقي؛ لا مجاملةً؛ ولا شفقةً؛ بل فخر رجلٍ يرى ثمرة تعبه أمامه.

ابتسمت بخفوت وهي تهمس بصوتٍ متردد:

ديلان: لم أكن أظن أنني سأفرح هكذا.

التفت إليها باران للحظة قصيرة قبل أن يعيد نظره للطريق، لكن ابتسامته الخافتة لم تغب عنه. باران: لأنك تعبتِ كثيرًا من أجل هذا اليوم.

خفضت بصرها وهمست:

ديلان: كنت أتمنى... لو أن أبي رآني الآن.

ساد الصمت للحظة...

صمتٌ ثقيل، لكنه لم يكن مؤلمًا هذه المرة.

كان باران يدرك جيدًا ما تعنيه تلك الكلمات.

كان يعلم أن داخلها طفلةً صغيرة ما تزال تبحث عن يد والدها وسط هذا العالم القاسي.

شدّ على المقود قليلًا ثم قال بصوتٍ منخفض يحمل دفئًا غريبًا:

باران: لو كان حيًا... لكان الأكثر فخرًا بكِ.

ارتجفت عيناها فورًا.

كادت تبكي.

لأنها رأت الصدق في صوته؛ ورأت في عينيه شيئًا يشبه ما كانت تنتظره طويلًا من والدها.

أما باران؛ فكان يشعر بشيءٍ أعنف بكثير مما أظهره.

كان يراقب لمعان عينيها، وابتسامتها الصغيرة، وطريقتها وهي تحاول إخفاء تأثرها... فيشعر بأن قلبه يلين بطريقة خطيرة.

خطيرة جدًا.

هو الذي أقسم أن يبقى بعيدًا عن الضعف، أصبح يضعف أمام ابتسامتها وحدها.

وصلت السيارة أخيرًا إلى بوابة القصر الضخمة.

توقفت بهدوء، فالتفت إليها باران قائلًا:

باران: ادخلي وارتاحي قليلًا، يبدو أنك استنزفتِ كل طاقتك اليوم.

ابتسمت بخجل وهي تفتح الباب: 

ديلان  وأنت؟ ألا ستدخل؟.

أجابها وهو ينظر إلى ساعته:

باران: لديّ اجتماع مهم... عليّ الذهاب حالًا.

أومأت بتفهم، ثم نزلت من السيارة.

لكن قبل أن تغلق الباب، التفتت نحوه مجددًا وقد لمعت عيناها بامتنانٍ صادق:

ديلان: شكرًا يا باران...

رفع حاجبه بخفة:

باران: على ماذا؟.

ابتسمت تلك الابتسامة التي أصبحت تربك اتزانه أكثر يومًا بعد يوم.

ديلان: لأنك كنت معي اليوم.

توقفت أنفاسه للحظة.

شيءٌ ما في صوتها اخترق داخله بعنف.

لكنه أخفى ذلك سريعًا وأجاب ببرودٍ متعمد:

باران: ادخلي قبل أن تبردي.

ضحكت بخفة وأغلقت الباب، ثم اتجهت نحو القصر بخطواتٍ خفيفة تكاد تشبه خطوات طفلة سعيدة.

ظلّ باران يراقبها حتى اختفت خلف الأبواب الكبيرة.

وعندها فقط... اختفت تلك الليونة من عينيه تدريجيًا.

وعاد وجهه إلى صلابته المعتادة.

أدار محرك السيارة وانطلق في طريقه نحو الموعد.

لكن بعد عدة دقائق...

ضيّق عينيه فجأة.

شخصٌ ما كان يسير على الرصيف المقابل.

تجمّد نظر باران عليه للحظة طويلة.

شعر بأن قلبه انتفض بعنف.

ذلك الشخص...

يعرفه.

أو بالأحرى... يشبه شخصًا يعرفه جيدًا.

شخصًا من الماضي.

من ماضٍ دفنه بيديه منذ سنوات.

خفّف السرعة تدريجيًا، وعيناه لا تفارقان الشخص الذي كان يسير بخطواتٍ سريعة بين الزحام.

همس باران بذهول:

باران: مستحيل...

ركن السيارة بعنفٍ إلى جانب الطريق، ثم نزل منها بسرعة.

كان شعورٌ غريب يضغط على صدره.

الغضب؛ الصدمة؛ والريبة.

بدأ يتبع ذلك الرجل وسط الشارع المزدحم.

كانت خطواته تتسارع كلما لمح طيفه بين الناس.

حتى دخل الرجل إلى مجمعٍ سكني مكتظ.

توقّف باران عند المدخل يحدّق حوله بعينين حادتين.

الأصوات متداخلة؛ الأطفال يركضون؛ الناس يعبرون في كل اتجاه...

لكن ذلك الشخص اختفى.

اختفى وكأنه تبخر.

اشتد فك باران بعنف.

دار بعينيه في المكان محاولًا العثور على أي أثر له، لكنه لم يجد شيئًا.

تنفس بحدة وهو يتمتم:

باران: أين يكون...؟.

كان هناك شبهٌ مرعب بين ذلك الشخص وشخصٍ لم يكن يتوقع أن يراه مجددًا أبدًا.

شخصٍ لو عاد، فقد يقلب كل شيء رأسًا على عقب.

ظل واقفًا للحظات يحاول تهدئة اضطراب أفكاره، لكن إحساسه الداخلي كان يصرخ بأن الأمر ليس صدفة.

أبدًا.

عاد أخيرًا إلى سيارته، إلا أن ملامحه بقيت متجهمة طوال الطريق.

حتى عندما وصل إلى اجتماعه... كان ذهنه شاردًا.

الكلمات تُقال أمامه، لكنه بالكاد يسمعها.

وصورة ذلك الرجل لا تغادر رأسه.

وبعد انتهاء الاجتماع، عاد إلى شركته بخطواتٍ ثقيلة.

ما إن دخل مكتبه حتى نزع سترته بعصبية وألقاها على الأريكة.

ثم ضغط زر الاتصال الداخلي بصوتٍ حاد:

باران: شتاي... إلى مكتبي حالًا.

لم تمر سوى دقائق حتى دخل شتاي، حارسه الشخصي، بهيبته المعتادة ونظرته الجادة.

شتاي: أمرك سيدي؟.

وقف باران أمام النافذة الزجاجية العملاقة، بينما كانت أضواء المدينة تنعكس فوق وجهه القاسي.

قال دون أن يلتفت:

باران  أريد معلومات عن شخص.

تبادل شتاي نظرةً حذرة مع ظهره الصامت.

شتاي: من هو؟.

أغمض باران عينيه للحظة وكأنه يستعيد ملامح ذلك الرجل. ثم قال ببطء:

باران: خذ هذه صورة له ،لكنني أريدك  ان تجمع كل المعلومات عنه.

التفت نحوه أخيرًا، وكانت عيناه مليئتين بشيءٍ خطير.

باران:  رأيته اليوم قرب حيّ، هذا هو العنوان &&&&&.

دوّن شتاي الملاحظات بسرعة قبل أن يرفع نظره إليه:

شتاي: سأجمع كل ما اجده عنه يا سيدي، عل هو شخص تعرفه؟.

ساد الصمت لثوانٍ...

ثم أجاب باران بصوتٍ منخفض أرعب حتى شتاي:

باران: هذا ما أريد معرفته بالضبط، إذا كان نفس الشخص.

اقترب من مكتبه وأسند يديه عليه بقوة.

كانت أفكاره تتصارع بعنف.

هل يعقل أن يكون حيًا؟ هل يمكن أن يعود الماضي الآن بالذات؟ ولماذا شعر للحظة أن ذلك الشخص كان يهرب منه عمدًا؟.

رفع رأسه فجأة وقال بصرامة: 

باران: أريد كل شيء عنه... اسمه... مكان سكنه... مع من يلتقي... وحتى ماذا يأكل. وخفض صوته أكثر:

باران: وإن اكتشفت أنه الشخص الذي أفكر فيه... فلا تدعه يشعر ولو للحظة أننا نراقبه.

أومأ شتاي فورًا:

شتاي: كما تريد سيدي.

غادر الحارس المكتب، بينما بقي باران وحده وسط الصمت.

نظر عبر الزجاج إلى المدينة المظلمة...

لكن داخله كان أكثر ظلمةً منها.

ولأول مرة منذ سنوات...

شعر أن شيئًا ما يقترب.

شيءٌ قد يغير كل شيء من حوله، ويقلب حياته رأسا على عقب

                  الفصل الثلاثون من هنا

لقراءة باقي الفصول اضغط هنا 

تعليقات



<>