الفصل السادس عشر16
بقلم عاشقة القلم
ما إن خرج باران من الغرفة تاركًا خلفه ذلك الصمت الثقيل، حتى خُيّل لزينب أن الجدران نفسها تنوح حزنًا على تلك الفتاة المنكسرة فوق السرير.
أغلِق الباب بهدوء، فالتفتت زينب نحو ديلان، وعيناها تغرورقان بالدموع قهرًا عليها، لا شفقةً فقط… بل وجعًا.
فمنذ أن علمت بحقيقتها، وبالخديعة القذرة التي حيكت لها لتُرمى في طريق رجل كـباران، وقلبها يعتصر ألمًا. كانت تعرف جيدًا ماذا يعني أن تقع فتاة بريئة بين أنياب رجل فقد الرحمة منذ زمن، رجل لو شاء، لسحقها دون أن يرف له جفن… ثم رماها كما تُرمى الأشياء حين تنتهي صلاحيتها.
لكن زينب، بخبرتها الطويلة في الحياة، كانت تؤمن أن الله يُخرج الخير حتى من رحم المصائب.
ففي الوقت الذي أُلقيت فيه ديلان إلى الجحيم… كانت يد الله تحيطها خفيةً.
وكأن القدر أراد أن يضعها في طريق باران، لا لتكون ضحية فقط… بل لتكون شيئًا آخر… شيئًا يوقظ إنسانيته الميتة منذ سنوات.
اقتربت زينب منها ببطء، تنظر إلى تلك الملامح الشاحبة التي أنهكها البكاء والخوف والفقد معًا.
مدّت يدها المرتجفة وربتت على شعرها بحنان أمومي افتقدته ديلان منذ أعوام، ثم جذبتها إلى صدرها.
وما إن شعرت ديلان بذلك الحضن الدافئ… حتى انهارت.
ارتمت بين ذراعيها كطفلةٍ تائهة وجدت أخيرًا ملاذًا يحميها، وانفجرت بالبكاء المرير.
كانت شهقاتها حادة، متقطعة، وكأن روحها تُنتزع من بين ضلوعها انتزاعًا.
تعلقت بزينب أكثر وهي تقول بصوت مختنق:
ديلان: أرأيتِ يا أختي زينب…؟، زوجة أبي… هي من رمتني إلى حضن الوحش…!.
ثم أجهشت بالبكاء من جديد، بينما راحت كلماتها تخرج ممزقة بين شهقاتها:
ديلان: أبي لم يبعني… والله لم يفعل… هي من حطمت حياتي… هي من سلبتني أحلامي… وهي السبب فيما أصاب أبي… قلبه لم يحتمل ما فعلته بي وبه…
ارتجف صوتها في آخر كلماتها، وكأنها تختنق بندمٍ ليس ذنبها أصلًا.
أغمضت زينب عينيها بألم، وشدت على الفتاة أكثر، ثم قالت بصوت دافئ هادئ يشبه حضن الأمهات:
زينب: اهدئي يا ابنتي… اهدئي…
رفعت يدها تمسح دموع ديلان برفق، ثم تابعت بنبرة إيمانية ثابتة:
زينب: هذا قدر الله يا ديلان… وأبوكِ قد قضى أجله حين كتب الله له ذلك. سواء كانت زوجة أبيكِ سببًا فيما حدث… أو كان شخصًا آخر… فلن يسبق أحدٌ أجلًا كتبه الله لعبده.
تنهدت بحزن، ثم أكملت:
زينب: الموت حق يا ابنتي… وكلنا راحلون. لا اعتراض على قضاء الله، بل نقول كما أمرنا سبحانه: إنا لله وإنا إليه راجعون.
كانت كلمات زينب تنساب إلى قلب ديلان المشتعل كالماء البارد فوق الجراح النازفة.
ثم أردفت بحزمٍ ممزوج بالأسى:
زينب: أما ما فعلته بكِ تلك المرأة… فلا نقول إلا: حسبنا الله ونعم الوكيل. يا ويلها مما اقترفت يداها… ويا ويلها من حساب الله، إنها ظلمت يتيمةً مكسورة مثلك.
ارتعشت شفتا ديلان وهي تستمع إليها.
شيئًا فشيئًا… بدأت أنفاسها تهدأ.
وكأن كلمات زينب انتشلتها من بحر الجنون الذي كانت تغرق فيه منذ ساعات.
ابتعدت قليلًا عن حضنها، ثم مسحت دموعها المرتجفة بكفها الصغير، وقالت بصوت مبحوح:
ديلان: صدقتِ يا أختي زينب…
إنا لله وإنا إليه راجعون… ولا اعتراض على قدر الله…
ثم رفعت يديها المرتجفتين إلى السماء.
وفي تلك اللحظة، بدا وجهها رغم الانكسار… نقيًا كروحٍ تتضرع لله بكل ما تبقى فيها من قوة.
أغمضت عينيها وهمست بحرقة أبكت حتى زينب:
ديلان: اللهم اغفر لأبي وارحمه… وأدخله فسيح جناتك…
اللهم أحسن مدخله… واغسله من خطاياه كما يُنقّى الثوب الأبيض من الدنس…
يارب… ثبّته عند السؤال… وآنس وحشته… وأنر قبره… وارحمه من ضيق اللحد وظلمته…
اللهم منا الدعاء… ومنك القبول…
وما إن انتهت، حتى عمّ الغرفة صمت مهيب.
حتى الهواء بدا وكأنه توقف احترامًا لذلك الدعاء الخارج من قلبٍ مكلوم.
لكن ذلك السكون انكسر حين فُتح الباب بهدوء.
دخل عزت بخطوات مترددة، وقد بدا التأثر واضحًا على وجهه هو الآخر.
توقف عند الباب مطأطئ الرأس، وكأنه يخشى أن يقتحم حزنها.
ثم قال بصوت خافت:
عزت: السيد باران ينتظركما في الخارج…
رفعت زينب رأسها نحوه، بينما ظلت ديلان واجمة كأنها لم تعد تشعر بشيء.
أكمل عزت بأسى:
عزت: وقد أرسلني لأخبركما أن تستعدا… سيأخذكما إلى بيت الفقيد من أجل مراسم العزاء والدفن…
فسيوارى جثمان الفقيد إلى مثواه الأخير بعد صلاة العصر اليوم…
ما إن سمعت ديلان عبارة "إلى مثواه الأخير" حتى ارتجف قلبها بعنف.
تلك هي الحقيقة إذًا…
لن يعود والدها مجددًا.
لن تسمع صوته…
لن تراه يبتسم لها…
لن يفتح لها الباب آخر الليل كما كان يفعل دائمًا…
لقد انتهى كل شيء.
اتسعت عيناها بصدمة موجعة، ثم انحدرت دمعة صامتة على خدها دون صوت هذه المرة… دمعة تشبه الاستسلام الكامل للحزن.
أما زينب، فشدّت على يدها برفق، وكأنها تخبرها بصمت:
"أنا هنا… ولن أتركك وحدك."
_____//////----/////----
خرجت ديلان من المستشفى بخطواتٍ ثقيلة، وكأن الأرض تسحب روحها معها عند كل خطوة.
كانت ملامحها شاحبة إلى حدٍ موجع، وعيناها غارقتين في احمرار البكاء والقهر والصدمة، بينما كانت زينب تسير إلى جانبها تسندها بذراعها بحنانٍ صامت، كأمٍ تخشى أن تسقط ابنتها المنهكة بين يدي الفقد.
في الخارج، كانت السماء ملبدة بغيوم رمادية كئيبة، والهواء البارد يلف المكان بجوٍ خانق يشبه الحزن الذي يطبق على صدر ديلان.
تقدم عزت سريعًا وفتح باب السيارة الأمامي باحترام، منتظرًا أن تركب ديلان إلى جانب باران كما جرت العادة، لكنها توقفت لثانية، ثم التفتت بصمت واتجهت نحو المقعد الخلفي الآخر وجلست ملاصقة لزينب.
وما إن استقرت بجانبها… حتى انهارت مجددًا.
ارتمت في حضن زينب دون كلمة، وكأنها طفلة أرهقها الخوف والتعب، تبحث عن أي دفء يحميها من هذا العالم القاسي.
ضمتها زينب إلى صدرها وربتت على شعرها بحنان، بينما راحت ديلان تبكي بصمتٍ موجع، ذلك البكاء الذي لا يصدر صوتًا لكنه يمزق القلب.
أما باران…
فقد كان يجلس خلف المقود يراقب المشهد عبر المرآة الأمامية.
ظلت عيناه معلقتين على تلك الفتاة المرتجفة داخل حضن زينب، وشعور غريب يضغط صدره دون أن يفهمه.
لأول مرة… لم يشعر بالغضب من ضعف أحد.
ولأول مرة… لم يزعجه بكاء امرأة.
بل على العكس…
كان هناك شيء في داخله يرفض أن تُترك ديلان وحدها مع هذا الألم.
لكن كعادته، أخفى كل شيء خلف ملامحه الجامدة.
قال بصوت منخفض دون أن يلتفت:
باران: عزت… اركب مع الحراس في السيارة الخلفية.
أومأ عزت فورًا:
عزت: حاضر سيدي.
ثم انطلقت السيارة تشق الطريق نحو بيت عباس رحمه الله، وسط صمتٍ ثقيل لم يقطعه سوى صوت شهقات ديلان المكتومة.
حين وصلوا إلى الحي القديم، بدأت ملامح ديلان ترتجف شيئًا فشيئًا.
ذلك الطريق…
تلك الأزقة…
ذلك البيت…
كل شيء كان يحمل رائحة والدها.
أوقف باران السيارة أمام المنزل وأطفأ المحرك، ثم نزل بهدوء.
ترجلت زينب أولًا، ثم ساعدت ديلان على النزول.
كانت ساقاها ضعيفتين بالكاد تحملانها، بينما وقف باران قرب السيارة يراقبها بصمت، عيناه لا تفارقانها لحظة.
تقدمت ديلان نحو الباب ببطء، تسندها زينب، وما إن وطئت قدماها عتبة المنزل… حتى شعرت وكأن شيئًا داخلها قد انكسر بالكامل.
تجمدت في مكانها.
عينها جالت في أرجاء البيت المرتبك بالمواساة والوجوه والحزن… لكن ما رأته لم يكن الحاضر.
بل الماضي.
رأت والدها جالسًا على أريكته القديمة يقرأ الجريدة.
سمعت ضحكته وهو يناديها: "تعالي يا ديلان الصغيرة."
شعرت بيده الحانية تربت على رأسها.
اختنقت أنفاسها فجأة.
وانسابت دموعها بصمت فوق وجنتيها وهي تحدق في المكان كأنها ترى روح والدها لا جدران البيت.
لاحظت بعض النسوة حالتها فتقدمن نحوها بحزن، وبدأت همسات العزاء تتعالى:
— الله يرحمه…
— البقاء لله يا ابنتي…
— اصبري يا حبيبتي…
لكن قبل أن ترد ديلان أو حتى ترفع رأسها…
انشق صوت حاد كالسوط داخل المكان.
حسنية: لماذا أتيتِ إلى هنا أصلًا؟!.
التفت الجميع بصدمة.
كانت حسنية تقف وسط المجلس، وعيناها تقدحان نارًا وحقدًا، بينما ارتسمت على وجهها ملامح امرأة تبحث عن النجاة ولو على حساب ميت.
تقدمت خطوة وهي تشير إلى ديلان باتهام:
حسنية: ألم يكفِكِ ما فعلتِه بأبيكِ؟!،
ألم تشبعي من إذلاله حتى أتيتِ الآن تتباكين عليه؟!.
شهقت بعض النساء بذهول، بينما تجمدت ديلان مكانها.
شعرت وكأن الكلمات صفعتها أمام الجميع.
انعقد لسانها، واتسعت عيناها بصدمةٍ موجعة، بينما راحت تنظر إلى زوجة أبيها غير مصدقة أنها تجرؤ على قول هذا في يوم دفن والدها.
لكن حسنية لم تتوقف.
بل ازدادت شراسة حين رأت صمت ديلان.
اقتربت أكثر وهي تقول بصوت مرتفع:
حسنية: لقد قهرتِ أباكِ!،
الرجل الذي عاش مرفوع الرأس بين الناس… وضعتِه في الوحل بهروبكِ مع رجل غريب!.
بدأت الهمسات تتصاعد بين النسوة، وبعضهن تبادلن نظرات مرتبكة، بينما وقفت ديلان ترتجف كأن الأرض تميد بها.
كانت تشعر بالإهانة تخنقها.
ليس خوفًا على نفسها… بل على ذكرى والدها.
وفي اللحظة التي أوشكت فيها دموعها أن تسقط مجددًا…
دوّى صوت جهوري غاضب من خلف الجميع:
" اخرسي أيتها الوقحة!".
ساد الصمت دفعة واحدة.
حتى الأنفاس توقفت.
التفتت الرؤوس جميعها نحو مصدر الصوت…
وكان باران.
(تذكر ما فعلته حسنية في المستشفى، وخمن انها لن تفلت الفرصة خغتى تنال من ديلان وتذلها أمام الجميع، فقد فهم سبب إقدامها على رمي ديلان امام قدميه).
وقف عند مدخل المجلس كالإعصار، وعيناه تشتعلان غضبًا مرعبًا، حتى إن بعض الرجال الذين كانوا في الخارج تجمدوا في أماكنهم من هيبته.
أما حسنية، فتراجعت خطوة لا إراديًا حين التقت عيناها بعينيه.
تقدم باران بخطوات ثابتة حتى وصل إلى ديلان، ثم أمسك بمعصمها وسحبها خلفه بحركةٍ غريزية، وكأنه يضع نفسه حاجزًا بينها وبين العالم كله.
كانت ديلان تحدق فيه بذهول.
لم تفهم ما يحدث.
أما هو… فكان ينظر إلى حسنية نظرة رجل مستعد لسحق كل من يؤذي من يقف خلفه.
ثم قال بصوتٍ منخفض… لكنه مرعب:
باران: ديلان أشرف من الشرف نفسه.
شهقت النسوة بصمت، بينما شعرت ديلان بقلبها يتوقف للحظة.
تابع باران وهو يقترب من حسنية أكثر:
باران: وديلان لم تهرب من بيت أبيها…
بل والدها هو من زوجني إياها على سنة الله ورسوله.
ثم أشار بيده نحو الموجودين، وصوته يزداد قسوة وهيبة:
باران: وأقسم بالله… أي شخص يفتح فمه بكلمةٍ تمس شرف ديلان أو كرامة والدها… سأقطع بيدي لسانه.
ساد الصمت.
صمت ثقيل… خانق… مرعب.
لا أحد تجرأ على الكلام.
حتى حسنية نفسها شحب وجهها وعجزت عن الرد.
أما ديلان…
فكانت تنظر إلى ظهر باران وكأنها تراه لأول مرة.
هذا الرجل الذي كانت تخشاه؛
هذا الرجل الذي ظنته وحشًا بلا قلب؛
وقف الآن أمام الجميع يحمي اسمها؛ وكرامة والدها؛ وشرفها.
شعرت بحرارة الدموع تعود إلى عينيها، لكن هذه المرة لم تكن دموع انكسار؛
بل دموع امرأة أعاد لها أحدهم كرامتها بعدما أوشكت أن تُداس أمام الناس.
ولأول مرة منذ وفاة والدها؛
شعرت أنها ليست وحدها تمامًا.
-----//////******//////-----
ساد الصمت في أرجاء البيت بعد كلمات باران الأخيرة، صمتٌ ثقيل كأن الهواء نفسه توقف عن الحركة.
كانت الأنظار كلها معلقة بذلك الرجل الواقف أمام ديلان كالسد المنيع، بينما بقيت هي خلفه تحدق فيه بعينين متسعتين من الذهول، عاجزة حتى عن استيعاب ما يحدث.
أما حسنية… فقد بدا وجهها شاحبًا مرتبكًا، كمن انقلب السحر عليه فجأة.
كانت تظن أن باران سيحطم ديلان أمام الجميع، أو على الأقل سيتركها تواجه الإهانات وحدها، لكنها لم تتوقع أبدًا أن يقف معها بهذه الطريقة، ولا أن يعلن زواجه منها أمام الناس بتلك الهيبة وذلك الغضب.
لكن أكثر من صُدمت في تلك اللحظة، كانت ميرال.
وقفت في زاوية الصالون، ويداها ترتجفان دون شعور، بينما أخذت كلمات باران تتردد داخل رأسها كالصواعق:
"ديلان زوجتي…"
"أشرف من الشرف…"
"سأقطع لسان من يؤذيها…"
شعرت وكأن شيئًا حادًا يغرز في صدرها.
هي التي كانت تظن أن باران أخذ ديلان لإذلالها فقط…
أنها ستكون نزوة عابرة، لعبة مؤقتة، فتاة سيرميها بعد أن ينتقم منها ومن أبيها،
لكن ما رأته الآن لم يكن انتقامًا.
كان حماية.
وكان اعترافًا علنيًا هزّ كيانها بالكامل.
ابتلعت ريقها بصعوبة وهمست داخلها بصدمة:
"هل… هل فعلًا تزوجها؟!"،
"لم يهِنها؟… لم يلطخ شرفها كما خططت؟!"،
"بل حفظ اسمها أمام الجميع؟!".
اشتعلت النار داخل صدرها أكثر.
غيرة،
حقد،
وخوف.
لأنها أدركت أن الأمور بدأت تفلت من يدها ويد أمها.
وفجأة، وكأنها لم تعد تحتمل ذلك المشهد، صاحت بصوت مرتفع اخترق الصمت:
ميرال: أنت لم تتزوجها…!.
التفت الجميع نحوها.
كانت تنظر إلى باران بعينين مشتعلتين وهي تكمل بحدة:
ميرال: بل اشتريتها! ؛
أبوها باعها لك!.
شهقت بعض النسوة، بينما ارتجفت ديلان بعنف من وقع الكلمات.
أما باران…
فقد تبدلت ملامحه بالكامل.
هدأ فجأة بطريقة مخيفة.
ذلك الهدوء الذي يسبق العاصفة.
استدار ببطء نحو ميرال، ثم بدأ يقترب منها بخطوات ثابتة جعلت الرعب يتسلل إلى قلبها رغم عنادها.
حتى حسنية نفسها توترت وهي تراه يقترب بتلك الهيبة المرعبة.
توقف أمام ميرال مباشرة، قريبًا منها إلى درجة جعلتها تتراجع خطوة للخلف دون وعي.
ثم انحنى قليلًا نحوها وقال بصوت منخفض جدًا…
لكنه كان حادًا كنصل سيف بارد على الرقبة:
باران: أبوها… لم يبعها.
ارتجفت ميرال.
تابع وهو يثبت عينيه داخل عينيها كأنه يفضح روحها:
باران: وما أُخذه… كان مهرها الشرعي.
وديلان الآن زوجتي أمام الله والناس.
ثم مال أكثر وهمس بتهديد جعل الدم يتجمد في عروقها:
ميرال: وإن لم تخرسي حالًا؛ فسأخبر الجميع بلعبتكِ القذرة أنتِ وأمكِ.
اتسعت عينا ميرال بخوف.
أما هو، فأكمل دون رحمة:
باران: سأخبرهم كيف خططتما لتلويث شرف ديلان؛ وتشويه سمعتها وسمعة أبيها.
شحب وجه حسنية دفعة واحدة.
بينما شعرت ميرال بأن الأرض تميد تحت قدميها.
لقد فهمت من نظرة باران أنه لايهدد فقط.
بل رجل قادر على فعل كل شيء.
ولم يكن ذلك رجلًا يطلق تهديدات فارغة.
ساد الصمت مجددًا، لكن هذه المرة كان صمت خوف.
ثم استدار باران بعيدًا عنهما وكأن وجودهما لم يعد يستحق اهتمامه.
التفت نحو ديلان.
وفي اللحظة التي التقت فيها عيناه بعينيها، خفّ ذلك الجليد القاسي قليلًا داخل نظرته.
كانت ديلان تنظر إليه باضطراب شديد، وعيناها ممتلئتان بدموع عاجزة عن السقوط.
أما هو، فقال بصوت قوي سمعه الجميع:
باران: بعد أن يُوارى أبوكِ في قبره…
توقفت أنفاس ديلان.
وأكمل:
باران: لا مكان لكِ في جحر الأفاعي هذا بعد اليوم.
ارتجفت شفاه حسنية بصدمة، بينما ازدادت عينا ميرال اتساعًا.
أما باران، فتابع بثبات:
باران: ستعودين إلى بيتكِ معززةً مكرمة، لا مطأطئة الرأس.
ثم نظر إلى الموجودين جميعًا، وكانت هيبته في تلك اللحظة كافية لإسكات مئة فم دفعة واحدة:
باران: وإياكم أن يتجرأ أحد أمامها بكلمة تؤذيها.
ومن يفعل؛ سيجدني أنا أمامه.
توقف لحظة، ثم قال بنبرة حاسمة هزّت المكان كله:
باران: لأن ديلان… زوجتي.
زوجة باران كول أوغلو.
شعرت ديلان بأن قلبها توقف عن النبض للحظة.
تلك الكلمات…
لم تكن مجرد دفاع عنها.
بل كانت إعلانًا صريحًا أنه وضع اسمه حولها كدرع يحميها من العالم كله.
انخفضت عيناها المرتجفتان، وشعرت بحرارة غريبة تسري في صدرها رغم الحزن الذي ينهشها.
أما حسنية وميرال؛
فكانتا تقفان كمن تلقى صفعة أمام الجميع.
لقد حاولتا قلب الكفة لصالحهما، وإذلال ديلان أمام الناس، لكن النتيجة جاءت عكس ما أرادتا تمامًا.
فالناس الذين كانوا قبل دقائق يتهامسون بحذر؛ بدأوا الآن ينظرون إلى ديلان بعين مختلفة.
عين احترام.
عين تعاطف.
عين تصديق.
بدأت النسوة يقتربن منها واحدة تلو الأخرى:
— مبارك يا ابنتي…
— الله يجعله زوجًا صالحًا لكِ…
— البقاء لله… رحم الله أباكِ…
— كان رجلًا طيبًا ورباكِ على الأخلاق…
اختنقت ديلان بالمشاعر.
كانت تتلقى العزاء والتهاني في الوقت نفسه، في مشهد غريب لم تتخيل يومًا أنها ستعيشه.
أما زينب…
فكانت تقف تراقب كل شيء بصمت.
وعيناها امتلأتا بدموع مختلفة هذه المرة.
ليست دموع حزن؛
بل دموع دهشة ممزوجة بأمل قديم.
كانت تنظر إلى باران وكأنها ترى ذلك الطفل الصغير الذي ربّته بيديها، الطفل الذي كانت تخشى أن يضيع وسط الظلام والقسوة والغضب.
كم حلمت أن تراه رجلًا يحمي لا يؤذي…
رجلًا يستر امرأة لا يكسرها…
رجلًا يقف في وجه الظلم لا يكون جزءًا منه.
وها هو الآن…
ينقضّ كالنمر على كل من حاول النيل من ديلان، دون أن يمنحهم حتى فرصة للمساس بها.
عندها… ارتسمت ابتسامة صغيرة دافئة على شفتي زينب.
وهمست داخلها بيقين جعل قلبها يطمئن أخيرًا:
زينب: "ديلان… هي كلمة السر في معادلة باران."
_____//////------/////____
أسدل الليل عباءته السوداء الثقيلة على المدينة، وغرقت الأزقة والبيوت في صمتٍ كئيب لا يقطعه سوى نباح كلبٍ بعيد أو همسات الريح الباردة وهي تعبر بين الأشجار.
أما بيت عباس…
فكان لا يزال يختنق برائحة الحزن.
المصابيح الخافتة ألقت ظلالًا باهتة على الجدران التي شهدت صباحًا جنازة رجلٍ خرج منها للمرة الأخيرة، بينما بدأ المعزون ينصرفون تباعًا بعد يومٍ طويل أنهك الجميع.
انتهت تلاوة القرآن على روح الفقيد، وانطفأت الأصوات شيئًا فشيئًا، حتى لم يبقَ في البيت سوى بقايا التعب، وأثر البكاء العالق في الزوايا.
كانت ديلان تجلس بصمت قرب زينب، كأن روحها انفصلت عن جسدها منذ أن وُوري والدها التراب.
وجهها شاحب، وعيناها متورمتان من كثرة الدموع، ويداها الصغيرتان متشابكتان فوق حجرها كطفلة تحاول التمسك بآخر ما تبقى لها من قوة.
فجأة، قطع رنين هاتف زينب ذلك السكون الثقيل.
أخرجت هاتفها ونظرت إلى الشاشة، لتجد رسالة قصيرة من باران:
"أنا أمام البيت… أحضري ديلان وتعالي."
رفعت زينب عينيها نحو ديلان، ثم قالت بصوت هادئ يحمل حنانًا أموميًا:
زينب: إنه زوجكِ يا ابنتي…
هو الآن أمام البيت.
هيا بنا… ستعودين إلى بيتكِ، فلا مقام لكِ هنا بين تلك الأفاعي.
ما إن نطقت بكلمة "الأفاعي" حتى التفتت عيناها نحو حسنية وميرال الجالستين في الزاوية.
كانت حسنية تهمس لابنتها بوجه متجهم، بينما جلست ميرال تحدق بديلان بنظرات مشتعلة بالحقد والغيرة.
كانت تشعر وكأن النار تأكل قلبها.
هي التي أرادت تحطيم ديلان؛
إذلالها؛
تلويث سمعتها؛
لكن القدر، وكعادته، قلب كل شيء لصالح تلك الفتاة.
فبدلًا من أن تنكسر؛
ارتفع شأنها أكثر.
بل إن الرجل الذي ظنت أنه سيدمرها؛ أعلنها زوجته أمام الجميع، ووضع اسمه وهيبته درعًا يحميها.
أما ديلان…
فلم تنظر إليهما حتى.
كانت غارقة في حزنٍ أعمق من أن يسمح لها بالاهتمام بحقد البشر.
نهضت ببطء مستندة إلى زينب، وكأن جسدها لم يعد قادرًا على حمل كل هذا الألم.
"لقد بقيت وحدي…"
ترددت الفكرة داخلها بمرارة.
والدها رحل…
وخالتها انقطعت أخبارها منذ سفر زوجها خارج البلاد…
ولا أحد بقي لها في هذا العالم.
خرجت مع زينب من البيت تحت أنظار النسوة والجارات اللواتي راقبنها بصمتٍ ممتزج بالشفقة والفضول.
وفي الخارج، كانت سيارة باران السوداء تقف أمام المنزل بهيبتها المعتادة، بينما انعكست أضواء الشارع الخافتة على زجاجها الداكن.
اقتربت ديلان بخطوات متعبة.
فتح عزت الباب الخلفي كعادته، لكن زينب لمحت نظرات بعض الجارات المعلقة بهما، فأشارت سريعًا إلى ديلان أن تجلس بجانب باران في الأمام.
فهمت ديلان مقصدها فورًا.
كان على الجميع أن يروا أنها زوجته؛ حتى تُغلق الألسنة التي لا ترحم.
ترددت لثوانٍ، ثم جلست بصمت إلى جانب باران.
أما هو… فلم ينظر إليها.
أدار المحرك بصمت، وانطلقت السيارة تشق ظلام المدينة، تتبعها سيارة الحرس.
داخل السيارة، كان الصمت خانقًا.
ديلان تحدق عبر النافذة بعينين زجاجيتين، ترى أضواء المدينة تمر أمامها كأشباح باهتة.
أما باران، فكانت يداه تقبضان على المقود بقوة غريبة، بينما تعود كلماتها السابقة لتضرب رأسه بعنف.
"أنت من أعطى زوجة أبي الفرصة…"
"أنت من دمرت حياتي…"
أغمض عينيه لثانية وكأن شيئًا داخله بدأ يختنق.
حين وصلوا إلى القصر، بدا المكان أكثر برودة من المعتاد.
الهدوء يملأ الممرات الواسعة، والثريات العملاقة تلقي ضوءًا ذهبيًا خافتًا فوق الرخام البارد.
ترجل الجميع من السيارة.
كانت ديلان تبدو منهكة إلى حدٍ مخيف، حتى إن خطواتها بدأت تتعثر وهي تتجه نحو الدرج.
اقترب منها باران غريزيًا، ومد يده ليسندها.
لكن ما إن لامست أصابعه يدها…
حتى انتفضت بعنف.
نزعت يدها من يده كأنها تحترق، ثم رفعت رأسها نحوه.
وفي عينيها… كان هناك وجعٌ أعمق من البكاء.
صرخت بصوت مرتجف ممزق:
ديلان: لا تظن أن ما فعلته اليوم؛ سيشفع لك عندي!.
تجمد باران مكانه.
أما زينب، فشعرت بقلبها ينقبض وهي ترى الألم يفيض من ديلان بهذا الشكل.
تابعت ديلان بانفعال، والدموع تنهمر من عينيها:
ديلان: لا تظن أنني سأنسى ما فعلته بي… وبأبي!.
ارتفع صوتها أكثر، كأن القهر الذي مر بها عمره سنوات، خرجت كلماتها كلها دفعة واحدة:
ديلان: إن كان وجودي هنا مكيدة من زوجة أبي؛ فأنت من منحها الفرصة لتسحقني أنا وأبي!،
أنت من حطمت حياتي!،
أنت من سرق أحلامي!،
شهقت أنفاسها وسط البكاء، ثم وضعت يدها فوق صدرها وكأن قلبها يؤلمها حرفيًا.
ديلان: كنت فتاةً عادية؛ أحلم بدراستي؛ بمستقبلي؛ بحياة بسيطة…
لكن كل شيء انتهى بسببك!،
كانت كلماتها كسكاكين تُغرس في صدره واحدة تلو الأخرى.
أما هي، فلم تتوقف:
ديلان: ولا تظن أنني سأسامحك…
أو أن قلبي سيلين تجاهك يومًا…
ثم نظرت إليه بعينين غارقتين بالخذلان وقالت بصوت مكسور:
ديلان: بل ازداد كرهي لك بعد الذي عرفته اليوم…
وأبي… أبي مات قهرًا بسبب ما حدث لي…
اختنق صوتها أخيرًا، وارتفعت شهقاتها بعنف حتى كادت تسقط.
ساد الصمت.
صمت موجع.
كان باران يحدق بها مطولًا دون أن ينطق بحرف.
لأول مرة منذ سنوات… لم يجد ردًا.
كل كلمة قالتها أصابت مكانًا في داخله حاول طويلًا أن يدفنه.
شيء ثقيل… مؤلم… يشبه الذنب.
لكن باران لم يكن رجلًا يعرف كيف يواجه الألم.
بل كان دائمًا يهرب منه.
لذلك… استدار فجأة دون كلمة.
وغادر القصر.
ركب سيارته بعنف، ثم انطلق بها كالإعصار، يشق شوارع المدينة بسرعة جنونية.
كانت أضواء الطرقات تنعكس على وجهه القاسي، بينما أنفاسه تزداد اضطرابًا.
قبض على المقود حتى برزت عروق يديه، وعقلُه يعيد كلمات ديلان مرارًا:
"أنت من دمرت حياتي…"
"أبي مات قهرًا…"
ضغط على دواسة الوقود أكثر، وكأنه يريد الهروب من صوتها الذي يطارده.
حتى وجد نفسه أخيرًا أمام المكان الذي يعرفه جيدًا…
ذلك المكان الذي كان دائمًا ملجأه حين تضيق به الدنيا.
البار.
ترجل من السيارة بخطوات مضطربة، ودخل المكان المغمور بالدخان والموسيقى الصاخبة والأضواء الخافتة.
نظر إليه النادل بدهشة خفيفة، فقد انقطع باران عن المجيء منذ أيام.
اقترب باران من الطاولة الطويلة، ثم قال بصوت أجش:
باران: أعطني زجاجة.
ناولَه النادل الشراب بصمت.
أمسك باران الكأس وارتشفه دفعة واحدة.
ثم آخر.
ثم آخر.
كان يشرب بشراهة كمن يحاول إغراق شيء يصرخ داخله.
لكن الألم لم يختفِ.
بل ازداد.
صورة ديلان وهي تبكي…
صوتها المرتجف…
اتهامها له…
كل شيء كان يلاحقه حتى وسط الضجيج.
ضرب الكأس بقوة فوق الطاولة وهو يلهث بغضب، ثم سكب المزيد.
كأس يعقبه كأس…
حتى بدأت الرؤية تتشوش أمامه.
وثقل رأسه بشدة.
وفي لحظةٍ ما… فقد السيطرة تمامًا.
ترنح جسده الضخم قبل أن يسقط مغشيًا عليه فوق الأرض، وسط ذهول النادل ورواد المكان.
أما في القصر…
فكانت ديلان تبكي داخل غرفتها، غير مدركة أن كلماتها هذه المرة… أصابت الوحش في أكثر مكانٍ يؤلمه.
