رواية براءة ايقظت غافلا الفصل الثالث3 بقلم عاشقة القلم

رواية براءة ايقظت غافلا
 الفصل الثالث3
 بقلم عاشقة القلم 
كانت سلمى تصل إلى باب الشقة كمن يصل إلى آخر خيطٍ من النجاة.
أنفاسها متقطعة، صدرها يعلو ويهبط بعنف، ويداها ترتجفان وهي تطرق الباب… لا، لم تكن تطرقه؛ كانت تضربه بكل ما بقي فيها من قوة، كأنها تحاول كسره، كأن خلفه الحياة نفسها.
سلمى:"افتحوا! افتحوا!".
لم تكن كلمات واضحة؛ بل صرخات ممزقة.
في الداخل…
اقتربت حسنية من الباب، وملامح الضيق ترتسم على وجهها، وهي تتمتم بانزعاج:
حسنية:"على مهلكم! ستكسرون الباب!".
مدّت يدها وفتحته بعنف؛
وما إن وقعت عيناها على الطارق؛
حتى انعقدت ملامحها، واشتعل صوتها حدةً:
حسنية:"أنتِ؟! ماذا تريدين؟ ولماذا تطرقين الباب بهذه الطريقة؟! ألا تعرفين الاحترام؟!".
لكن سلمى لم تسمع التوبيخ؛
أو ربما لم تعد قادرة على سماعه.
فتحت فمها، والدموع تسبق الكلمات، وصوتها يرتجف كطفلةٍ ضائعة:
سلمى:"خالتي حسنية؛ ديلان خُطِفَت!".
توقفت لثانية، تلهث، ثم أكملت بسرعةٍ يائسة:
سلمى:"أين عمي عباس؟! يجب أن نخبره؛ ونذهب إلى الشرطة! رأيتهم؛ رأيت الرجال؛ وأعرف السيارة؛ أظنني أتذكر رقمها أيضًا!".
كانت تتكلم وكأنها تتشبث بالحقيقة قبل أن تضيع.
لكن الرد لم يأتِ كما توقعت.
من خلف حسنية؛
خرج صوت ميرال.
بارد.
ساخر.
ميرال:"وما دخلكِ أنتِ؟".
ظهرت، تستند إلى إطار الباب، وعيناها تضيقان بازدراء:
ميرال: "ابتعدي عن هذا الموضوع، هذا أفضل لكِ. فهمتِ يا شطورة؟".
تجمدت سلمى للحظة، وكأن الكلمات لم تدخل عقلها بعد.
ثم قالت، بإصرارٍ يكاد ينكسر:
سلمى:"أنا أقول لكم ديلان خُطفت! وعمي عب....."
لكن حسنية قاطعتها، بصوتٍ حاد كالسوط:
حسنية:"ألا تسمعين؟! أم لا تفهمين؟!"؛
اقتربت منها خطوة، وعيناها تلمعان بتهديدٍ صريح:
حسنية:"نقول لكِ ابتعدي عن ديلان؛ وإلا ستلحقين بها!".
ثم أضافت ببرودٍ مخيف:
حسنية: "أما عمك عباس؛ فقد ذهب إليها."
ارتبكت سلمى، وتراجعت خطوة، وعيناها تتسعان:
سلمى:"ماذا؟!؛ هل عرف مكانها؟! هل اتصل به الخاطفون؟!؛ هم يريدون فدية!… أليس كذلك؟!"
ضحكة.
خرجت من ميرال.
عالية؛ ساخرة؛ جارحة.
ميرال: "لا يا روحي…" قالتها وهي تبتسم ابتسامة ملوثة بالشماتة،
ميرال: "بل ذهب ليودّعها."
توقفت لحظة، ثم أضافت ببرودٍ قاتل:
ميرال: "لأن ديلان؛ لن تعود إلى هذا البيت."
انقبض قلب سلمى.
شعرت أن الكلمات لم تعد مفهومة.
سلمى: "ماذا تقولين؟، أنا لا أفهم… أين ديلان؟!، ومن خطفها؟!".
حينها…
تكلمت حسنية.
بهدوءٍ مرعب.
هدوء من يعلن كارثة بلا تردد:
حسنية:"هي لم تُخطف…"
توقفت، ثم أردفت:
حسنية: "بل باعها أبوها."
سقطت الكلمات كصاعقة.
حسنية: "لمديره… ولن تعود."
تجمدت سلمى في مكانها.
عيناها فارغتان، عقلها يرفض التصديق.
سلمى: "ماذاااا؟!".
كان صوتها أقرب إلى صرخةٍ ممزقة.
ثم، وكأنها تتشبث بأي أمل، سألت بسرعة:
سلمى: "هل تعرفون العنوان؟!، سأذهب إليها، سأُعيدها!".
قهقهت ميرال.
قهقهة طويلة، متعمدة.
ميرال:"إذا أردتِ…" قالت وهي تميل برأسها،
ميرال: "يمكنني أن أعطيكِ العنوان، هو في منطقة…" وذكرت اسم المنطقة.
تعلقت سلمى بالكلمات:
سلمى:"لكن… العنوان ناقص!".
رفعت ميرال كتفيها بلا مبالاة:
ميرال: "لا أعلم… أعرف المنطقة فقط."
ثم أضافت، بنبرةٍ ملؤها السخرية:
ميرال: "هيا يا شطورة؛ اذهبي لصديقتك؛ ورافقيها هناك أيضًا!".
تبادلت نظرةً مع أمها؛
نظرة فهمٍ؛ وشماتة.
ثم؛
انفجرتا ضاحكتين.
ضحكًا عاليًا.
قاسيًا.
كأنهما تحتفلان.
وفي لحظة؛
أُغلق الباب في وجه سلمى.
بلا رحمة.
بلا تفسير.
وقفت.
مكانها.
كأنها تمثال.
الصدمة شلتها؛ الكلمات تدور في رأسها دون أن تستقر.
"باعها…؟"؛
"لن تعود…؟"؛
"اذهبي إليها…؟"؛
ثم فجأة؛
تحركت.
ركضت.
نزلت الدرج، خرجت إلى الشارع، لاتدري ماذا تفعل ؟ او إلى اين تذهب.
اخرجت هاتفها من جيب سترتها، فتخت الخط وإتصلت على رقم ديلان.
رن الهاتف كثيرا ثم إنقطع الإتصال، أعادت الكرة رن الهاتف...
مرة،
الثاتية،
الثالثة فتح الخط فصاحت....
سلمى : "ديلان حبيبتي اين انت..."
لم يأتيها الرد وقطع الاتصال، فصاحت هذه المرة باعلى صوتها، ربما تسمعها فقد رأتها عندما فقت وعيها، ورميت داخل تلك السيارة، فظنت انها مشوشة وبصراخها ستستفيق وتخبرها، لكن ما كادت ان تفتح فمها حتى اغلق الهاتف مرة اخرى، وبقيت تصرخ وهي مثبتة الهاتف على اذنها...
سلمى: "ديلان.... ديلان ....هل تسمعينني......."
لكن الخط اغلق ، واغلق امامها امل ارادت ان تتشبث به.
بقيت تنظر للهاتف تارة، وتارة اخرى تحوب عبنها ما حولها، ثم إهتدت لفكرة، فحزمت امرها لتذهب للعنوان الذي اعطتها إياه ميرال، لكن سرعان ما همست لنفسها..
"لكن العنوان ناقص ولا اعلم إسم هذا الرجل الذي اخذها."
سكتت برهة ثم حسمت الامر هذه المرة.
سلمى: "ساذهب وابحث عنها ربما اجد من يدلني على المكان."
وقفت مكانها وبدأت تلوّح بيديها المرتجفتين حتى توقفت سيارة أجرة.
فتحت الباب بسرعة، وجلست، وصوتها يختنق:
سلمى:"من فضلك… إلى منطقة…" وذكرت الاسم.
انطلقت السيارة.
وقلبها معها.
وصلت بعد وقتٍ بدا لها دهراً.
توقفت السيارة.
التفت السائق إليها، وقال بهدوء:
السائق:"هذا هو المكان الذي ذكرتيه، إلى أين الآن يا ابنتي؟".
نظرت حولها؛
قصور.
بوابات ضخمة.
طرق نظيفة، صامتة.
عالم آخر.
ابتلعت ريقها، وقالت بصوتٍ ضائع:
سلمى: "لا أعلم… ليس معي العنوان الكامل…"
تنهد السائق قليلًا، ثم قال بلطف:
السائق: "إذن انزلي… واسألي. إن كنتِ تعرفين الاسم، قد يدلكِ أحد. هذه منطقة الأغنياء، لكن لاتتأخري كثيرا فالنهار يوشك ان ينتهي، وكما ترن هذه المنطقة معزولة يا إبنتي، إن اردت عودي صباحا احسن."
أخرجت المال بيدٍ مرتجفة:
سلمى: "شكرًا لك…لمن الامر لايختنل التأجيل."
امسك السائق المال وقال بنبرة تحذير..
توقّف السائق للحظة، وعيناه تتابعان الطريق شبه الخالي كأنه يحذّره من صمته أكثر مما يطمئنه. ثم التفت إليها ببطء، وفي صوته نبرة قلقة تختلط فيها الخبرة بالخوف المكتوم، وقال:
السائق: "لا تتوغّلي في الداخل كثيرًا… هذه المنطقة شبه معزولة، لا تكاد تجدين فيها وسائل نقل. هنا يعيش الأثرياء، كل شيء لديهم محسوب ومغلق على ذاته؛ من الأب إلى الطفل المراهق، الجميع يملك سيارته الخاصة، وكأن الطريق لا يحتاج إلا إليهم."
سكت لحظة، وكأنه يختار كلماته بعناية، ثم أضاف بنبرة أكثر حزمًا ممزوجة بنصحٍ صادق:
السائق: "اعتني بنفسك، وخذي كلامي على محمل الجد. إما أن تعودي صباحًا قبل أن يشتدّ هدوء هذا المكان ويصبح أكثر غرابة، أو تتصلي بمن تقصدينهم ليأتوا ويأخذوك مباشرة… سأوصلك حتى بابهم، ولا داعي لأن تتركي نفسك هنا أكثر من اللازم."
ثم أدار وجهه نحو الطريق من جديد، لكن صوته بقي معلقًا في الهواء، يحمل شيئًا من القلق الذي لم يرد الاعتراف به، وكأنه لا يتحدث فقط عن مكان… بل عن خطرٍ خفيّ يختبئ خلف هذا الهدوء الفاخر.
اومأت له برأسها وشكرته ثم نزلت.
أغلقت الباب.
وانطلقت السيارة تاركةً إياها وحدها.
وقفت في منتصف الطريق…
تنظر حولها.
كل شيء كبير.
هادئ.
مخيف.
لا تعرف من أين تبدأ، ولا إلى أين تذهب.
لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا فقط…
أن صديقتها هناك.
في مكانٍ ما.
تحتاجها.
فشدّت قبضتها،
وأخذت خطوة.
ثم أخرى.
في طريقٍ مجهول…
نحو قدرٍ لا تعرف شكله… لكنها لن تتراجع عنه.

________////______/////

في أحد القصور الفارهة، التي تتوارى خلف بواباتٍ شاهقة وأسوارٍ عالية، حيث الصمت ليس راحةً بل رهبة، كانت هناك غرفة نوم واسعة، غارقة في فخامةٍ باردة، كأنها لا تعرف الدفء.
على السرير،
كانت ديلان.
جسدها ساكن، أنفاسها خفيفة بالكاد تُرى، وملامحها شاحبة كزهرةٍ قُطفت قبل أوانها. خصلات شعرها تناثرت على الوسادة، ويديها مستسلمتان بلا حراك، كأنها أُلقيت خارج الزمن.
وعلى بعد خطواتٍ منها،
كان يجلس باران.
مسترخيًا على كرسيٍ فاخر، ساقٌ فوق الأخرى، وعيناه لا تفارقانها.
لم تكن نظرته عادية،
بل كانت مزيجًا غريبًا من الفضول، والتملك، والانتصار.
كمن اعتاد أن ينال كل ما يريده.
كمن لا يعرف كلمة "مستحيل".
سمع صوت هاتف يرن داخل حقيبتها الملقاة على الارض، فتحها فتش داهلها حيدا ختى عثر عليه  وما كاد ان يلمسه ليرى المتصل توقف، لكن سرعان ماعاد يرن من جديد، نظر إليه فرأى كلمة "My love" تزين الشاشة، فتحه بسرعة ووضعه على اذنه ليستمع ويعلم من يتصل...
المتصل: "ديلان حبيبتي اين انت...".
علم ان المتصل فتاة فكاد قلبه يقع، عندما قرأ تلك الكلمة، التي كانت تزين شاشة الهاتف، ظن لوهلة ان هذا الوجه البريئ الملائكي، قد سبقه احد إليه، لكن عندما تأكد انها فتاة اغلق العاتف فورا، واطفئه حتى لايتمكن المتصل من الإتصال مرة اخرى، ويفقد الامل في اخذه لجواب...
عاد يتأملها طويلًا، ثم نهض ببطء.
خطوة،
ثم أخرى،
كان يقترب منها وكأنه يستمتع بكل لحظة، بكل مسافةٍ تُختصر بينه وبين "غنيمته".
لكن،
قبل أن يصل،
اهتز هاتفه هذه المرة داخل جيب سترته.
توقف.
امتقعت ملامحه قليلًا.
أخرج الهاتف، نظر إلى الشاشة، فظهر اسم حارسه الشخصي.
فتح الاتصال بحدّة:
باران: "ماذا هناك يا شتاي؟ لماذا تتصل وتزعجني؟!".
جاءه الصوت من الطرف الآخر، مترددًا بعض الشيء:
شتاي: "سيدي… عباس هنا… ومصرّ على لقائك."
تجهم وجه باران، وزفر بضيق:
باران: "اطرده. ليس لدي مزاج لرؤيته الآن. قل له أن يعود غدًا."
وأغلق الخط دون انتظار رد.
أعاد الهاتف إلى جيبه، واستدار نحو ديلان مجددًا،
عادت تلك النظرة.
وتحرك نحوها،
لكن الهاتف رنّ مرة أخرى.
هذه المرة، اشتعل غضبه.
أخرجه بسرعة، وفتح الاتصال:
باران: "ماذا هناك مرة أخرى؟!، ألم أقل لك لا تتصل وتزعجني؟!".
جاء صوت الحارس أكثر توترًا:
شتاي:"أنا آسف سيدي… لكنه يصرّ على لقائك… ويحاول الدخول بالقوة… ويصرخ الآن عند البوابة…"
صمتٌ لثانية.
ثم ارتفع صوت باران، حادًا، قاطعًا:
باىان: "دعه يدخل."
توقف، ثم أضاف بلهجةٍ آمرة:
باران: "لكن… اجعله ينتظر في الأسفل. وإياك أن يتمادى ويصعد إلى الأعلى. مفهوم؟".
شتاي: "مفهوم سيدي."
أغلق الخط.
بقي واقفًا للحظة…
ثم نظر إلى ديلان، وابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيه، وقال بصوتٍ منخفض، أقرب إلى الهمس:
باران:"يبدو أنك أفلتِّ مني الآن…"
اقترب خطوة، ثم أضاف:
باران: "أباك… أفسد مزاجي."
تراجع، واستدار نحو الباب:
باران: "سأذهب لأرى ماذا يريد، ربما جاء يطلب المزيد من المال."
وخرج.
نزل الدرج بخطواتٍ واثقة، كمن يملك المكان ومن فيه.
وفي بهو القصر…
كان عباس.
حالته لا تشبه إنسانًا عادياً.
ملابسه مبعثرة، أنفاسه متسارعة، عيناه حمراوان من البكاء، وملامحه مشوهة بالألم.
ما إن وقع بصره على باران…
حتى اندفع نحوه، والغضب يشتعل في صوته:
باران: "ماذا تريد؟!"، قالها باران ببرودٍ مستفز،
باران: "هل جئت تطلب مالًا آخر؟"،
لكن عباس لم يسمع السخرية…
كان قلبه يصرخ فقط:
عباس: "لماذا؟!".
تقدم خطوة، وصوته يرتجف من القهر:
عباس: "لماذا اختطفت ابنتي؟!، لم يكن هذا اتفاقنا!، لم تنتهِ المهلة التي أعطيتني إياها!".
رفع باران حاجبه، وكأن ما يسمعه لا يثير اهتمامه:
باران:"بالعكس…"؛ قالها بهدوءٍ قاتل،
باران: "أنت من طلب مني أن آخذها من أمام الثانوية، لا من البيت."
تجمد عباس.
باران: "حتى لا تضعف أمامها، ويؤلمك ذلك."
اتسعت عينا عباس، وارتد خطوة للخلف:
عباس: "ماذا…؟!".
همسها، وكأنه لا يصدق.
عباس: "أنا قلت لك ذلك؟! متى؟!".
ابتسم باران بسخرية خفيفة:
باران: "لم تقلها أنت… بل اوملت ذلك لزوجتك."
سقطت الكلمة.
عباس: "زوجتي!!…"
خرجت من شفتي عباس كهمسٍ مكسور، وكأنها خنجرٌ استقر في صدره.
باران: "نعم… زوجتك." تابع باران، بلا اكتراث،
باران: "وهي من أبلغتني بقرارك… وأنا نفذت.
جلس على الاريكة ووضع رجلا غلى رجل، ثم قال بنبرة ساهرة بعا بعض الخبث....
باران: " هل عذه مسرخية جديدة إتفقت انت وزوحتك عليها،وتريد ان تأخذ مزيدا من المال؟."
نظر عباس إليه ولم يستوعب ما قاله اخيرا.
ساد صمت.
صمتٌ ثقيل.
فيه انهار كل شيء داخل عباس.
لم يعد يقف أمام باران،
بل أمام خيانة.
طعنة.
من أقرب الناس إليه.
تجمّد في مكانه،
وعيناه تلمعان بدمعةٍ واحدة، سقطت ببطء.
دمعة قهر.
دمعة عجز.
دمعة أبٍ خُذل.
لكن باران،
لم يهتم.
لوّح بيده بملل:
باران: "والآن… مع السلامة."
ثم أضاف ببرودٍ جارح:
باران: "أنت بعت… وأنا اشتريت."
وقف واقترب قليلًا، وهمس بسخرية:
باران:"هنيئًا لك المال الذي سرقته."
ثم أشار للحراس:
باران: "أخرجوه... ارموه امام باب القصر، لاأريده امامي الآن."
اقترب الرجال، أمسكوا بعباس.
لم يقاوم.
لم يستطع.
كان جسده قد فقد قوته، وروحه سبقت.
سحبوه نحو الخارج، وهو يجرّ خطواته، ودموعه تنهمر بصمتٍ مرير.
في تلك اللحظة…
دخل عاكف.
توقفت عيناه على المشهد…
عباس يُسحب كمنهزمٍ في معركة.
وجهه محطم.
صوته مختنق بالبكاء.
تجمد عاكف لثوانٍ، ثم التفت نحو باران، وصوته يعلو بصدمةٍ وغضب:
عاكف:"باران! ما الذي تفعله؟!".
اقترب خطوة، وعيناه تقدحان رفضًا:
عامف: " لقد علمت بما فعلته، كيف تختطف فتاة بريئة؟!، لا حول لها ولا قوة؟!".
اهتز صوته، وهو يضيف:
عامف: "والله… هذا أمر عظيم عند الله!".
لكن باران…
ظل كما هو.
بارد.
صلب.
نظر إليه بملل، وقال:
باران: "أرجوك يا عاكف… لا تتدخل."
اقترب منه قليلًا، وعيناه تضيقان:
باران: "أنا أحل أموري بالطريقة التي تروق لي، وليس كما يعجبك أنت."
ثم أضاف بنبرة تحذير:
باران: "وقد حذرتك من قبل… مفهوم؟".
صمت عاكف.
الغضب في عينيه لم ينطفئ… لكنه فهم.
تراجع خطوة.
نظر إليه نظرة طويلة… مليئة بالخيبة.
ثم استدار.
خرج.
أما باران،
فلم يلتفت.
عاد أدراجه نحو السلم.
نحو الأعلى.
نحو الغرفة،
حيث كانت ديلان،
لا تزال
بين يديه.

_____////_____///

مرّ وقتٌ لا يُقاس بالدقائق، بل بثقل الصمت.
ثم؛
ارتعشت جفونها.
كأن روحها عادت إلى جسدها على استحياء.
فتحت ديلان عينيها ببطء، نظرةٌ ضبابية تكسو حدقتيها، كأنها تحاول التقاط العالم من جديد. لم تفهم أين هي؛ ولا كيف وصلت. كل ما شعرت به؛ ثقلٌ في رأسها، ووخزٌ خافت في صدرها.
حاولت أن تتحرك؛
فانتفضت فجأة.
جلست على السرير، ثم تراجعت بسرعة، كأنها هربت من شيءٍ غير مرئي. أنفاسها تسارعت، صدرها يعلو ويهبط بعنف، وقلبها يخبط داخلها كأنه يريد أن يفرّ من سجن جسدها.
نظرت حولها.
ببطء.
بخوف.
غرفة واسعة؛
فخمة؛ أكثر مما ينبغي.
لكنها؛ باردة.
باردة كأنها لا تنتمي للحياة.
الجدران صامتة، الأثاث منمّق، كل شيءٍ مثالي؛ إلا الإحساس. لا دفء. لا أمان.
ديلان: "اتركوني!".
صرخت فجأة، دون أن تدري لمن.
كانت تتخيل، لا، كانت تشعر، أن تلك الأيادي التي أمسكتها ما زالت هناك، تضغط على ذراعيها، تشدّها، تسحبها بعيدًا.
تراجعت خطواتٍ متعثرة، حتى كادت تسقط.
وقفت في منتصف الغرفة، ترتجف، ويديها تضمان عباءتها إلى صدرها، وتبحث في الارض عن نقابها أين سقط، وكأنها آخر ما تبقى لها من حصنٍ يحميها.
مرّت ثوانٍ،
لكنها بدت كأنها دهر.
صمتٌ ثقيل.
خانق.
حتى؛
انفتح الباب.
ببطء.
ودخل.
باران.
بخطواتٍ هادئة؛ مدروسة.
ملامحه جامدة، لا تعكس شيئًا، لكن عينيه؛ كانتا مثبتتين عليها منذ اللحظة الأولى.
أما هي؛
فما إن رأته؛
حتى تراجعت.
خطوة.
ثم أخرى.
عرفته.
لم تنسَ.
ذلك الوجه، الذي سلب الطمأنينة من بيتها.
ذلك الصوت، الذي جعل والدها يرتجف.
خرجت الكلمة من شفتيها، بصوتٍ مرتجف، لكنه مشحون بالصدمة:
ديلان:"أنت…"
توقف أمامها.
نظر إليها طويلًا؛
كما لو كان يقرأ شيئًا لم يره من قبل.
ثم قال بهدوءٍ بارد:
باران: "أهلًا بكِ."
ارتجفت شفتاها، وصوتها خرج مختنقًا بالخوف:
ديلان:"لماذا أنا هنا؟!".
لم يجب فورًا.
ظل صامتًا.
ينظر.
يراقب.
كأنها لغز.
ثم قال:
باران: "أباكِ أرسلَك، لقد باعك لي."
اتسعت عيناها.
في لحظة.
وكأن الكلمات صفعتها.
ديلان: "كاذب!".
صرخت بها دون تفكير، دون تردد.
ديلان: "أبي لا يفعل هذا… مستحيل!".
اقترب خطوة.
صوته لم يتغير:
باران: "بل فعل."
هزت رأسها بعنف، كأنها تطرد الفكرة من عقلها:
ديلان: "لا!… أبي لا يمكن أن يبيعني!".
توقفت الكلمة عند حافة شفتيها.
"يبيعني…"
كأنها خافت أن تسمعها.
لكنها خرجت.
وسمعها.
باران.
جيدًا.
ولم يهتز.
باران: "ليس بيعًا." قالها ببرودٍ قاتل،
ثم أضاف:
"بل صفقة."
نظر إليها مباشرة:
باران: "هو أخذ المال… وأنا أخذتك."
ثم أكمل، وكأن الأمر لا يعنيه:
باران:"مقابل المال الذي سرقه مني."
سقطت دمعة.
هادئة.
بطيئة.
لكنها لم تكسرها.
رفعت رأسها.
نظرت إليه.
ولأول مرة؛
لم يكن في عينيها خوف فقط.
بل شيء آخر.
ثبات.
قالت بصوتٍ واضح، رغم ارتجافه:
ديلان:"أنت مخطئ."
تغيرت ملامحه… قليلًا.
اقترب أكثر:
باران: "ماذا؟".
قالتها بهدوءٍ مفاجئ:
ديلان: "أبي… قد يموت… لكنه لا يبيعني."
ساد الصمت.
ثوانٍ.
لكنها كانت ثقيلة.
غريبة.
للحظة…
شيء ما تحرك داخل باران.
لم يكن واضحًا.
ربما… شك.
ربما… ارتباك.
لكنه لم يسمح له بالبقاء.
سحقه.
عاد كما كان.
باردًا.
قاسيًا.
باران: "لا يهم ذلك الآن."
قالها دون اكتراث.
ثم أردف، بنبرةٍ نهائية:
باران: "أنتِ هنا الآن… وأنتِ من سيدفع الثمن."
تراجعت خطوة.
لكنها لم تنكسر.
كانت عيناها عليه…
بثباتٍ مؤلم.
وفي تلك اللحظة…
لم يكن الصراع بينهما مجرد مواجهة.
بل بداية شيءٍ آخر.
شيء لم يفهمه بعد.
ولم تعِه هي.
في تلك الليلة…
كان باران يسير… نحو سقوطٍ جديد.
وكان القدر…
ينسج خيوطه بصمت.
لم يكن يعلم…
أن الفتاة التي تقف أمامه، رغم خوفها…
ستكون هي نفسها…
الشرارة التي ستوقظه…
حين يكون الأوان قد تأخر
                      الفصل الرابع من هنا
تعليقات



<>