الفصل الرابع4
بقلم عاشقة القلم
كان اقترابه منها بطيئًا، بطيئًا حدّ الاختناق، كأن الزمن نفسه قرر أن يتثاقل في تلك اللحظة الثقيلة.
مدّ يده نحو وجهها، وبدون استئذان… نزع النقاب.(بعد خروجه من الغرفة وجدت ديلان النقاب وإرتدته).
توقّف.
لم يكن التوقف عاديًا، بل أشبه بصدمةٍ صامتةٍ ضربت كيانه فجأة. عيناه اتسعتا، وكأنهما لم تتوقعا هذا النقاء، هذا الوجه الذي بدا كأنه لم يعرف قسوة العالم بعد؛ ملامح طفولية، بريئة، نقية حدّ الألم.
لكن تلك اللحظة لم تدم.
شيءٌ ما تغيّر في عينيه، شيء مظلم، قاسٍ، جعل نظراته تنزلق من الدهشة إلى شيءٍ آخر أكثر قسوة، أكثر خطورة.
تراجعت ديلان خطوة إلى الخلف، أنفاسها تتسارع، وقلبها يخفق داخل صدرها بعنف.
صرخت بصوتٍ مرتجف، لكن فيه قوة من اليأس:
ديلان: "ابتعد عني! أعطني نقابي! من أنت لتقترب مني؟! ألا تخاف الله؟!"
رمقها بنظرة باردة، خالية من أي تعاطف، وكأن كلماتها لم تصله أصلًا.
ثم قال بصوتٍ منخفض، لكنه مشبع بالتهديد:
باران: "ألا تعلمين لماذا أنتِ هنا؟… قلت لكِ، لتدفعي الثمن. أباكِ باع، وأنا اشتريت. وأنا لا أشتري شيئًا لأتركه دون أن أستعمله."
تجمدت ملامحها للحظة، ثم اشتعلت عيناها بالغضب رغم خوفها:
ديلان:"أنا لست سلعة؛ أنا إنسان! هل فقدت إنسانيتك؟!".
ابتسم ابتسامة باهتة، خالية من أي حياة؛ خطوة واحدة كانت كفيلة بأن تجعلها تتراجع حتى اصطدمت بحافة السرير.
لم يعد هناك مجال للهروب.
وفي لحظة خاطفة، اندفع نحوها،
وأنقذ عليها كما ينقذ الذئب 🐺 الجائع على فريسته.
صرخت.
صرخة شقت الصمت كزجاجٍ تحطم فجأة.
ديلان: "اتركني!!! لا تقترب مني! ألا تخاف الله؟! ألا تعلم حدود الله؟!".
كانت تقاوم بكل ما أوتيت من قوة، تضرب بيديها الصغيرتين على صدره، تحاول دفعه بعيدًا، لكن الفرق بينهما كان قاسيًا، ظالمًا.
وقع جسدها على السرير بعد أن دفعها، فاهتزت أنفاسها، وتبعثرت أفكارها بين خوفٍ خانق ورفضٍ يصرخ داخلها.
ديلان: "أرجوك… اتركني…"
لم تكن كلماتها مجرد صوت، كانت استغاثة، رجاءً أخيرًا، محاولة يائسة للنجاة.
لكن ملامحه ازدادت قسوة، وكأن كل صراخها لم يكن إلا وقودًا لعناده.
كانت ترتجف بين يديه، ليس فقط من الخوف، بل من الإحساس بالعجز، بالاختناق، بانهيار العالم من حولها.
حاولت النهوض، لكن جسدها خانها، ضعفها بدأ يزحف إليها ببطء، أنفاسها أصبحت متقطعة، رؤيتها تتلاشى.
الصوت أصبح بعيدًا، كأنه يأتي من آخر العالم.
صرخت مرة أخيرة، صرخة ممزقة، خرجت من أعماق روحها قبل جسدها.
ثم؛
سكن كل شيء.
ارتخت يداها، وسقط رأسها جانبًا، وغابت عن الوعي؛ كأنها هربت أخيرًا، ولكن ليس إلى الأمان؛ بل إلى ظلامٍ مؤقت.
وقف هو للحظة، يحدق بها؛
الغرفة التي امتلأت قبل لحظات بصراخها، أصبحت الآن صامتة بشكلٍ مرعب.
صمت؛ ثقيل؛ خانق؛ وكأن الجدران نفسها شهدت ما حدث، لكنها عجزت عن التدخل.
أما هي؛
فكانت غارقة في ظلامٍ لا صوت فيه، ولا خوف؛ فقط هروب مؤقت من كابوس لم ينتهي بعد.
_____///////
كانت خطوات سلمى مترددة، مضطربة، كأن الأرض تحت قدميها لم تعد ثابتة. عيناها تجولان في المكان بقلقٍ واضح، تتلفت يمينًا ويسارًا، تبحث عن أي علامة، أي خيطٍ يقودها إلى ديلان.
المنطقة بدت غريبة، صامتة على نحوٍ يثير الريبة؛ قصورٌ فخمة مصطفة خلف بواباتٍ عالية، وكل بوابة تحمل اسمًا لا يعني لها شيئًا.
توقفت أمام إحداها، حدّقت في اللافتة طويلًا، ثم تمتمت:
سلمى:" أظن ليس هذا…"
انتقلت إلى أخرى، ثم أخرى، وكلما قرأت اسمًا ازداد اضطرابها.
زفرت بضيق، وأخرجت هاتفها بسرعة، كأنها تتمسك بآخر أملٍ لها، وضغطت على اسم ديلان.
وضعت الهاتف على أذنها، وقلبها ينبض بسرعة.
سلمى: "ألو؟… ديلان؟ أين أنتِ حبيبتي؟ لقد أقلقتِني… ألو؟… ديلان؟!".
ثم ضغطت على الزر لترسل رسالة📨 صوتية لديلان، لعلها تلتقطها هذه المرة، بعد ان عجزت للوصول إليها، فكلما ضغطت على رقمها جاءها الرد من المسجلة..
إ«ن الرقم الذي طلبتهوه خارج مجال التغطية او مغلق حاليا. »
الصمت.
كان صمتٌ باردٌ يتسلل عبر الخط، ثم انقطع الاتصال.
أنزلت الهاتف ببطء، وعيناها امتلأتا بالقلق، لكن قبل أن تستوعب الأمر؛
يدٌ خشنة انتزعت الهاتف من بين أصابعها فجأة.
شهقت، والتفتت بسرعة.
وقف شابان أمامها، ملامحهما تحملان شيئًا غير مريح؛ ابتسامات ملتوية ونظرات زائغة.
قال أحدهما وهو يقلب الهاتف بين يديه:
الشاب1: "هل تبحثين عن شخص؟".
ترددت للحظة، لكن الخوف لم يمنعها من الإجابة:
سلمى: "نعم… هل تسكنان هنا؟".
تبادل الشابان نظرة سريعة، ثم اقترب الثاني خطوة، وابتسامته تتسع بطريقةٍ أثارت قشعريرة في جسدها:
الشاب2: "تعالي معنا… سندلك على القصر الذي تبحثين عنه… أو ربما....."
انحنى قليلًا وهو يهمس بسخرية،
"يعجبك قصرنا نحن، وتنسين كل شيء."
انفجرا بالضحك.
ضحكٌ ثقيل، أجوف، جعل قلبها ينقبض.
نظرت حولها بسرعة.
الشارع؛ فارغ.
صمتٌ مطبق؛ لا أحد؛ لا صوت.
تسلل إلى صدرها إحساسٌ بارد، إنذارٌ داخلي صرخ فيها: اهربي.
وبدون تفكير؛
استدارت وانطلقت.
ركضت بأقصى ما تستطيع، أنفاسها تتلاحق، وقلبها يكاد يقفز من صدرها.
لكن لم تبتعد كثيرًا.
خطوات ثقيلة لحقت بها؛ أسرع؛ أقوى.
في لحظة؛
أُمسكت.
قبضتان شدّتا ذراعيها بقسوة، وسُحبت إلى الخلف.
صرخت:
سلمى: "اتركاني!!!".
ضحك أحدهما وهو يجرّها:
الشاب1: "إلى أين الهروب يا جميلة؟، تعالي… سنوصلك بطريقتنا الخاصة."
كانت تقاوم، تتخبط، تحاول الإفلات، لكن قبضتهما كانت أقوى.
صرخاتها شقت الصمت، ارتدت بين الجدران العالية كاستغاثة ضائعة.
وفي تلك اللحظة،
صوت محركٍ مزّق السكون.
توقفت سيارة أمامهم فجأة.
انفتح الباب بعنف، ونزل منها شاب طويل، عريض الكتفين، ملامحه حادة، وعيناه تشتعلان غضبًا.
كان عاكف.
تقدم بخطوات ثابتة، وصوته خرج كأمرٍ قاطع: "اتركا الفتاة… ألا تخافان الله؟!".
التفت أحد الشابين نحوه بازدراء:
الشاب2: "وما شأنك أنت؟ اذهب من هنا… وإلا...."
لم يُكمل.
سحب🔪 سكينًا من جيبه، لمع نصلها تحت الضوء، وأشهرها في وجهه.
لكن القادم لم يتراجع.
في لحظة خاطفة،
انقض.
ضربة سريعة أطاحت بالسكين 🔪أرضًا، تلتها لكمة قوية أسقطت الشاب أرضًا يتلوى.
التفت للآخر، وصوته أشد صرامة: عاكف: "اترك الفتاة."
لكن هذا لم يكن أقل خطورة.
أخرج سكينًا 🔪أخرى، ووضعها على رقبة سلمى، التي تجمدت في مكانها، أنفاسها انحبست، والخوف شلّ حركتها.
قال مهددًا:
الشاب1:"اقترب… وسأجعل دمها يسيل أمامك."
لحظة صمت ثقيل؛
عيناهما تلاقتا.
لكن سلمى؛ لم تكن ضعيفة كما ظن.
بينما كان منشغلًا بتهديده؛
رفعت مرفقها بكل قوتها؛ وضربته في جانبه.
صرخ متألمًا، وارتخت قبضته للحظة.
كانت كافية.
انفلتت منه، وابتعدت بسرعة.
عاكف:"اركبي في السيارة!".
صرخ بها عاكف.
لكنها تجمدت.
الخوف قيّدها، لم تعد تعرف من تثق به.
عاكف: "قلت اركبي!!!".
جاء صوته هذه المرة حادًا، آمرًا.
انتفضت، وتراجعت بخطوات متعثرة، ثم فتحت باب السيارة واندفعت إلى الداخل، وأغلقته خلفها بقوة، وكأنها تغلق باب النجاة.
في الخارج،
لم ينتهِ الأمر.
اندفع الشاب الآخر نحو عاكف محاولًا طعنه.
لم يتفادَ الضربة كليًا،
النصل شقّ ذراعه.
تجمدت ملامحه لجزءٍ من الثانية، ثم اشتعل غضبه.
انهال عليه بلكمات متتالية، أسقطته أرضًا.
أما الآخر فقد فهرب.
والثاني تبعه على إثره.
اختفيا.
عاد الصمت.
وقف عاكف لحظة، يتنفس بعمق، ثم التفت نحو سيارته.
ركب بجانب سلمى، التي كانت ما تزال ترتجف.
نظر إليها، وقال بنبرة أقل حدّة:
عاكف:"ما الذي أتى بك إلى هنا؟، هذا المكان ليس آمنًا، هل كنتِ تبحثين عن أحد؟".
نظرت إليه بخوف، ثم همست:
سلمى:"نعم… صديقتي."
عاكف:"هل تعرفين أين تسكن؟".
هزت رأسها بالنفي، ثم قالت بسرعة: سلمى:"لم يعد مهمًا… سأعود إلى المنزل."
حاولت فتح الباب.
لكن صوته أوقفها:
عامف:"إلى أين؟ وحدك؟! ألم تري ما حدث قبل قليل؟ أين تسكنين؟ سأوصلك."
سلمى:"لا داعي… سأجد سيارة أجرة."
مدّ يده وأمسك بذراعها ليمنعها، وقال بصرامة:
عاكف:"أنتِ عنيدة؛ كدتِ تفقدين نفسكِ قبل دقائق، وما زلتِ ترفضين المساعدة؟!".
لكنها؛ لم تكن تنظر إلى وجهه.
كانت تحدق في ذراعه.
الدم… يسيل.
شهقت سلمى: "ذراعك!… أنت تنزف! الجرح عميق!".
قال بإهمال: "ليس مهمًا."
سلمى: "ليس مهمًا؟! يجب أن نذهب إلى المستشفى فورًا! هل تستطيع القيادة؟"
تردد للحظة.
ثم قالت بسرعة، بنبرة أكثر ثباتًا رغم خوفها:
سلمى: "أنا أستطيع القيادة؛ لدي رخصة."
نظر إليها.
لأول مرة؛ رأى شيئًا مختلفًا خلف خوفها.
إصرار.
تنهد، وهز رأسه.
تبادلا المقاعد.
وضعت يديها على المقود، لا تزال ترتجف قليلًا؛ لكن عينيها أصبحتا أكثر تركيزًا.
أدارت المحرك.
وانطلقت السيارة؛ تشق الطريق نحو المستشفى، تاركة خلفها خوفًا لم ينتهِ… وقصة بدأت للتو.
_____****////-----///
حملها باران بين ذراعيه للحظةٍ قصيرة، ثم ألقاها على السرير بقدرٍ من القسوة التي اعتادها؛ لكن شيئًا ما في تلك اللحظة لم يكن كما كل مرة.
تمدّدت ديلان فوق الفراش، جسدها ساكن كزهرةٍ ذابلة، وأنفاسها بالكاد تُسمع. ثيابها كانت ممزقة، تكشف عن أجزاءٍ من جسدٍ بدا هشًّا، ضعيفًا، لا يشبه تلك الصور التي اعتاد رؤيتها.
إلتعد عنها ووقف باران عند طرف السرير، يحدّق بها.
لم يكن ذلك التحديق عابرًا.
تقلّبت ملامحه بين صرامةٍ مألوفة… وشيءٍ آخر، غريب، لم يألفه من قبل. شعورٌ تسلل إليه دون إذن؛ لم يفهمه، أولم يرغب في فهمه.
قبض على يده، وكأنه يرفض ما شعر به.
ثم استدار بعنف، واتجه نحو الباب الجناح، وفتحه بقوة حتى ارتطم بالجدار.
باران: "زينبببب!!!… زينببببب!!!"
دوّى صوته في أرجاء القصر، حادًا، غاضبًا، كصوتٍ اعتادت الجدران أن ترتجف له.
لم تمضِ لحظات حتى ظهرت زينب، تلهث، وقد ارتسم الخوف على وجهها بوضوح. كانت أنفاسها متقطعة من أثر صعودها السريع، لكن ما أثقل صدرها لم يكن التعب، بل ذلك النداء.
اقترب منها باران بخطواتٍ سريعة، وأمسك بذراعها بقوة جعلتها تتأوه بصمت، ثم صرخ في وجهها:
باران: "أين كنتِ؟! كم مرة قلت لكِ أنني لا أنادي أكثر من مرة؟! أم أنكِ لم تعودي تسمعين؟!".
ارتجفت زينب، وتلعثمت الكلمات في فمها:
زينب: "آ… آسفة يا سيد باران… ك… كنت في المطبخ… أعد الطعام… لم أسمع… أعدك لن يتكرر الأمر…"
شدّ على ذراعها أكثر، وعيناه تلمعان بحدّة:
باران: "هذه آخر مرة، ولن تكون هناك أخرى. أفهمتِ؟!".
هزّت رأسها بسرعة:
زينب: "نعم… نعم يا سيدي…"
تركها فجأة، وأشار بيده نحو الغرفة: باران:"ادخلي… وانظري لتلك المرمية على السرير. اعرفي ما بها… وأخبريني."
ترددت زينب لثانية، ثم دخلت الغرفة.
وما إن وقعت عيناها على ديلان… حتى تجمدت في مكانها.
شهقة خافتة خرجت من صدرها.
اقتربت ببطء، وقلبها ينقبض ألمًا. تلك الفتاة؛ لم تكن كغيرها. لم تكن تحمل ملامح الانكسار المعتاد؛ بل ملامح براءةٍ مزقتها القسوة فجأة.
انحنت بجانبها، ومدّت يدها برفق، وربتت على خدها:
زينب:"ابنتي… هيا… أفيقي… أرجوكِ…"
لم يكن هناك رد.
تأملت وجهها لحظة، ثم همست بحزنٍ عميق:
زينب:"لا حول ولا قوة إلا بالله… ما الذي رماكِ في طريق هذا الوحش…؟ تبدين فتاة محترمة؛ ليست من أولئك اللواتي يأتي بهن إلى هنا… ربنا ينجيكِ منه…"
قطع همسها صوتٌ حاد من الخارج: باران:"ماذا تفعلين هناك يا امرأة؟! هل أفاقت؟!".
انتفضت زينب، وأجابت بسرعة:
زينب:"لا يا سيدي… لا تزال مغيبة عن الوعي… أرى أن تستدعي الطبيب… حالتها ليست طبيعية."
ساد صمت قصير، ثم جاء صوته أكثر هدوءًا:
باران: "حسنًا… سأتصل بالطبيب. ابقي بجانبها."
زينب: "حاضر يا سيدي."
جلست زينب قرب ديلان، وعيناها لا تفارقان وجهها. كان في نظرتها حزن أمٍّ فقدت القدرة على الحماية، وعجزت عن إنقاذ من وقعت في هذا المصير.
مرت لحظات ثقيلة،
حتى دوّى صوت باران مجددًا:
باران: "زينبببب!!! الطبيب وصل!".
نهضت بسرعة، وقالت:
زينب:"حاضر يا سيدي…"
ثم نظرت إلى ديلان، وسحبت الغطاء برفق لتغطي جسدها:
زينب: "لا يصح أن يراها هكذا…"
دخل الطبيب بعد لحظات، يحمل حقيبته، لكن عينيه سبقتا خطواته. كان يرمق الجسد المغطى بنظراتٍ لم تخفَ على باران.
وفي لحظة؛
انفجر صوته كالرعد:
باران:"ماذا تفعل؟! جئت لتفحصها أم لتحدق بها؟!".
ارتبك الطبيب، وانخفض بصره فورًا: الطبيب: "أ… آسف… سأبدأ الفحص حالًا…"
اقترب، وفحص نبضها، عينيها، تنفسها، ثم اعتدل، موجّهًا كلامه لباران:
الطبيب: "لقد فقدت وعيها نتيجة صدمة قوية، أعطيتها مهدئًا، وستفيق خلال ساعتين. لكن…"
توقف لحظة، ثم أكمل:
الطبيب:"يجب أن تُبعد عن أي توتر. كما يبدو أنها تعاني من ضعفٍ عام؛ ربما لم تتغذَّ جيدًا. هذا أدى إلى هبوط في الدورة الدموية."
صمت، ثم أضاف بنبرة تحذيرية:
"أي ضغط نفسي أو عصبي الآن قد يسبب لها انهيارًا عصبيا حادًا."
ناول الوصفة لباران وقال:
"هذه فيتامينات ومقويات، يجب أن تتناولها."
أخذها باران دون أن ينظر إليه طويلًا، ثم قال ببرود:
باران: "مع السلامة."
كانت إشارة 🫲 يده كافية.
غادر الطبيب بسرعة، وكأن الغرفة تضيق به.
نظر باران إلى زينب:
باران: "ابقي بجانبها… حتى تفيق."
ثم نادى الحارس: "رافقه… وأحضر الدواء."
عاد بعدها إلى الغرفة للحظة، نظر إلى ديلان، ثم قال بحدة لزينب:
باران: "عندما تفيق، افهميها ما عليها فعله. مفهوم؟".
زينب: "نعم يا سيدي…"
استدار وغادر.
لكن قبل أن يختفي؛
توقف جزءٌ من الثانية.
نظر إليها؛ مرة أخرى.
ثم رحل.
جلست زينب قرب السرير، تنظر إلى ديلان بعينين دامعتين، وهمست:
زينب: "ربنا يهديك يا بني… ويبعدك عن هذا الطريق…"
ثم نظرت إلى الفتاة: "وأنتِ… أسأل الله أن يحفظكِ… فملامحكِ تقول إنكِ لستِ من هذا العالم…لست من من إعتاد على جلبهن."
سكن المكان.
لكن خلف هذا السكون…
كانت عاصفةٌ تتشكل، لم تبدأ بعد.
-----//////////*////----
اندفع باران إلى مكتبه كإعصارٍ مكتوم، وأغلق الباب خلفه بعنفٍ خافت، كأنما يحاول أن يحبس في الداخل شيئًا يطارده. كانت خطواته ثقيلة، متوترة، تضرب أرض الغرفة بإيقاعٍ مضطرب، وكأن كل خطوةٍ تحمل سؤالًا لا يجد له جوابًا.
تقدم نحو مكتبه، ثم سقط على كرسيه دفعةً واحدة، متكئًا إلى الخلف، رافعًا رأسه نحو السقف. عيناه لم تكونا تنظران إلى شيء محدد، بل كانتا تائهتين بين الظلال التي صنعتها الإضاءة الخافتة على الجدران، ظلالٌ بدت كأنها تتحرك، تتشكل، تقترب منه.
ساد صمتٌ ثقيل.
صمتٌ لم يكن راحة، بل كان أشبه بضغطٍ يخنق صدره.
ثم، كأن شيئًا في داخله انفلت؛
تمتم بصوتٍ منخفض، لكنه مشحون: باران: "لماذا…؟"
مرر يده في شعره بعنف، ثم أعاد بصوتٍ أكثر توترًا:
باران: "لماذا ضعفتُ أمامها؟، لماذا لم أكمل ما عزمتُ عليه؟!".
أغلق عينيه فجأة، وكأن العالم أصبح أثقل من أن يُحتمل.
لكن ما إن أظلم كل شيء خلف جفنيه، حتى ظهرت هي.
صورتها.
وجهها الشاحب، تلك الرجفة التي لم تستطع إخفاءها، وعيناها، المملوءتان بخوفٍ صادق، لم يكن فيه تصنّع ولا ادّعاء.
ارتجف شيءٌ في داخله.
فتح عينيه بسرعة، وكأنه يحاول الهروب منها، لكن صورتها بقيت عالقة في أعماقه.
زفر ببطء، وهو يشعر بضيقٍ غريب يطبق على صدره.
باران: "ما هذا…؟"
همسها كأنه يسأل نفسه، لكنه لم ينتظر جوابًا.
هزّ رأسه بعنف، كمن يطرد فكرةً مزعجة:
باران: "لا… لا…"
نهض من كرسيه، وبدأ يسير في الغرفة ذهابًا وإيابًا، خطواته متسارعة، مضطربة، وكأن الأرض تضيق به.
باران: "هذه الفتاة… فيها شيء مختلف…ليست كتلك الفتيات التي إعتدت عليهن."
توقّف فجأة.
شدّ على قبضتيه.
باران: "تلك النظرة تلك الرجفة، ذلك الخوف… إنها مختلفة....."
صوته خفت تدريجيًا، وكأنه لم يعد واثقًا مما يقول.
لكن سرعان ما تبدلت ملامحه، وعادت الصلابة إلى وجهه، كقناعٍ يحتمي به.
ضحك ضحكةً قصيرة، باردة، خالية من الدفء:
باران: "مختلفة؟…"
هز رأسه بسخرية، وهو يهمس لنفسه: باران: "أنتَ فقط تتوهم يا باران…"
عاد إلى مكتبه، ووضع يديه على سطحه، وانحنى قليلًا، يحدق في الفراغ أمامه، ثم بدأ يتمتم، كمن يحاول إقناع نفسه:
باران: "هي مثلها مثل غيرها…"
سكت لحظة، ثم تابع بنبرةٍ أكثر قسوة: "ربما تمثل…تتصنع العفة....بل تريد المزيد… مالًا…و مجوهرات…"
ارتسمت ابتسامة قاسية على شفتيه: "لن تصمد طويلا…"
رفع رأسه، وعيناه تلمعان بثقةٍ مظلمة: "ولا واحدة منهن تصمد امامي، أمام انوالي ومغرياتي لهن."
بدأ صوته يعلو تدريجيًا، وكأن غروره يستعيد سيطرته:
باران:"كلهن يعشقن المال… كلهن يخضعن… يركعن… تحت قدمي."
تقدم خطوة للأمام، وصوته أصبح أكثر حدّة:
باران. "وأنا… أنا من يجعلهم يفعلون ذلك."
صمت للحظة، ثم قال ببطء، وكأن كل كلمةٍ تثبّت قناع القوة على وجهه:
باران: "أنا أستطيع السيطرة عليهن جميعًا، اعلم جيدا كيف اخظعهن، كيف ينحنين أمام المال، وياتين راغبات طائعات خانعات امامي، ليضعن انفسهن بين ✋ يدي."
لكن…
حين انتهت الكلمات، لم يختفِ ذلك الشعور.
بل بقي.
خفيفًا، خفيًا، لكنه موجود.
تسلل إلى صدره كشوكةٍ صغيرة لا تُرى، لكنها تُشعر.
عاد الصمت يملأ الغرفة.
وقف باران مكانه، ثابتًا، لكن داخله لم يكن كذلك.
كان هناك صراعٌ صامت، لم يعترف به، ولم ينتصر عليه.
وفي زاويةٍ بعيدة من عقله؛
بقيت صورتها.
لا تختفي.
_//////------****------//////
جلس باران على كرسيه مرةً أخرى، لكن جلسته هذه لم تكن كالسابق؛ لم تكن جلوس المنتصر الواثق، بل جلوس رجلٍ أثقله شيءٌ لا يرى، لكنه يشعر به في كل نبضةٍ من صدره.
أراح مرفقيه على المكتب، وتشابكت أصابعه أمامه، بينما عيناه غارقتان في الفراغ، فراغٌ لم يكن خاليًا، بل ممتلئًا بأسئلةٍ تلاحقه.
مرّت لحظات طويلة، ثقيلة، لا يُسمع فيها سوى صوته الداخلي الذي بدأ يتسلل ببطء، كهمسٍ لا يريد أن يُسمع:
باران: "ماذا بها…؟"
تحركت شفتاه بالكاد، كأنه يخشى أن يسمع نفسه.
أغمض عينيه للحظة، ثم فتحهما ببطء، وكأن هذا السؤال أثقل من أن يُحتمل.
باران: "ما الذي جعل قلبي… يهتز أمامها؟".
تصلّب جسده فور أن نطقها.
كأنه قال شيئًا لا يليق به، لا يليق بباران.
شدّ على أصابعه بقوة حتى ابيضّت مفاصله، وهمس بنبرةٍ مشوبة بالرفض: باران: "قلبي…؟"
سخر من نفسه بصوتٍ خافت:
باران: "منذ متى كان لك قلب أصلًا؟".
لكن السخرية لم تكن مقنعة، حتى له.
ارتدّ إلى ظهر الكرسي، وزفر ببطء، لكن أنفاسه لم تهدأ.
كانت صورة ديلان تتسلل إليه رغمًا عنه، وجهها الشاحب، ارتجافها، ذلك الخوف الذي لم يكن مفتعلًا، بل كان صادقًا حدّ الوجع.
ارتجف شيءٌ في داخله.
فتح عينيه فجأة، وكأنه يهرب من تلك الصورة، ثم هزّ رأسه بعنف:
باران: "لا… لا…"
نهض من مكانه مرة أخرى، وبدأ يسير في الغرفة، خطواته هذه المرة أبطأ… لكنها أكثر اضطرابًا.
باران: "إنها ليست مثل غيرهن…"
توقّف.
تنفّس بعمق، وكأن الجملة خرجت منه دون إذن.
باران: "إنها… مختلفة."
سكنت الغرفة.
حتى أنفاسه بدت وكأنها تتردد قبل أن تخرج.
رفع يده إلى صدره، كأنه يتحسس ذلك الاضطراب الذي لم يعتده، ذلك الشعور الذي لا يشبه الرغبة، ولا يشبه الغضب، بل شيءٌ بينهما، شيءٌ أربكه.
باران: "ما هذا الذي يحدث لي…؟".
همسها هذه المرة بصراحةٍ أكبر، لكن صوته كان يحمل توترًا خفيًا.
تقدّم نحو النافذة، ووقف أمامها، ينظر إلى الخارج دون أن يرى شيئًا.
الأضواء البعيدة بدت ضبابية، كأن عينيه لم تعودا قادرتين على التركيز… لأن ما في داخله كان أعلى، أوضح، وأقسى.
باران: "أنا لا أضعف…"
قالها ببطء، وكأنه يثبتها لنفسه.
باران: "أنا لم أضعف يومًا… ولن أضعف أبدأ الآن."
لكن صوته هذه المرة لم يكن صلبًا كما اعتاد.
كان هناك شرخ، صغير، لكنه واضح.
أدار ظهره للنافذة، وأسند يده إلى الجدار، مطأطئ الرأس، وكأن ثقلًا خفيًا يجبره على الانحناء.
باران: "لماذا إذًا…؟"
سؤالٌ خرج منه أخيرًا، صادقًا، عاريًا من أي قناع.
باران: "لماذا لم أستطع أن ألمسها…لماذا توقفت ولم انعي ما نويت فعله؟"،
ارتفعت أنفاسه، وتسارعت، وكأنه يعيد تلك اللحظة.
باران: "لماذا توقفت…؟".
ضغط على أسنانه، وعيناه تشتعلان بصراعٍ داخلي:
باران: "أنا لم أتوقف… أنا فقط…"
سكت.
لأنه لم يجد تبريرًا.
مرّت لحظة صمتٍ ثقيلة، ثم ضحك ضحكةً قصيرة، لكنها كانت متوترة، شبه مكسورة:
باران: "مضحك…"
مرر يده على وجهه بتعب:
باران: "أقنع نفسي بأنها مثل غيرها… لو كانت فتاةٍ أخرى مكانها........ كانت ستخضع… ستنهار… ستطلب المال…"
رفع رأسه ببطء، وعيناه تلمعان بشيءٍ أقرب إلى الغضب:
باران: "لكن… لماذا لا أصدق ذلك؟"،
سؤالٌ بقي معلقًا في الهواء.
لم يجد له جوابًا.
ولأول مرة منذ زمنٍ طويل،
لم يكن باران يملك السيطرة الكاملة على نفسه.
كان هناك شيءٌ يتسلل إليه، بهدوء، بإصرار، دون أن يستأذن.
شيءٌ يزعزع ذلك الجدار الذي بناه حول قلبه لسنوات.
وقف في منتصف الغرفة، ساكنًا، لكن داخله لم يكن كذلك.
كانت هناك غصّة، حادة، غير مفهومة، تضغط على صدره.
وكان هناك غضب، لكنه هذه المرة لم يكن موجّهًا للآخرين.
بل، لنفسه.
أغمض عينيه ببطء، وهمس أخيرًا، بصوتٍ يكاد لا يُسمع:
باران: "ما الذي تفعلينه بي…؟"
لكنها لم تكن هناك… لتجيب.
ومع ذلك،
كان حضورها، أقوى من الغياب.
حظورا بدا يتسلل لقلبه قبل عقله،
تلك العينين جعلته يسقط في واد سحيق، والك النظرات اربكته وزعزعت عرشه الذي مان يتربع عليه، وكسرت تلك القسوة التي كان يغلف نفسه به، وذلك الجدار العالي الذي بناه امامه ، ليخفي كل معالم الانسانية خلفه
