رواية براءة ايقظت غافلا الفصل التاسع9 بقلم عاشقة القلم

رواية براءة ايقظت غافلا 
الفصل التاسع9
 بقلم عاشقة القلم 
استدار باران مبتعدًا عن السرير، وكأن شيئًا ما قد حُسم داخله، أو هكذا أراد أن يبدو. كانت خطواته نحو باب الغرفة ثابتة، بطيئة، لكنها تحمل ذلك الثقل الغريب… ثقل رجلٍ يفرض سيطرته على كل شيء، إلا ما يدور في أعماقه.
لم يلتفت.
لم ينظر خلفه.
كأن وجودها لم يعد يعنيه… أو كأنه يحاول إقناع نفسه بذلك.
لكن خلفه، كانت ديلان تقف بصعوبة، جسدها لا يزال مرهقًا، ورأسها يثقله الدوار، إلا أن شيئًا آخر دفعها للوقوف… شيء أقوى من الخوف، أقرب إلى سؤالٍ يحترق داخلها ولا يمكن كتمه.
تعلقت عيناها بظهره، بذلك الجمود الذي يغلفه، بذلك البرود الذي بدا كقناعٍ متقن، لكنه لم يكن مقنعًا لها بالكامل.
خطت خطوة، مترددة، ثم أخرى.
وصوتها خرج فجأة، مرتجفًا لكنه حاد، يحمل ألمًا واستفهامًا لا يحتمل التأجيل:
ديلان: "لماذا تفعل هذا؟… كيف يمكنك أن تكون هكذا؟!".
توقف.
تجمدت خطواته عند الباب، لكن جسده لم يستدر فورًا. وكأن الكلمات أصابته في نقطةٍ لم يكن مستعدًا لها.
استدار ببطء.
ملامحه عادت إلى قسوتها، وعيناه استقرتا عليها بنظرة باردة، كأن ما سمعه لا يعنيه، رغم أن الصمت الذي سبق الرد كان أطول من اللازم.
اقترب خطوة واحدة فقط، ثم قال بنبرة منخفضة، خالية من أي تردد:
باران: "أنا سأُخرجكِ الآن… ولا شيء سيمنعني من أن أفعل ما أريده."
كانت كلماته كالجدار… صلبة، قاطعة، لا تسمح بأي نقاش.
لكن ديلان لم تتراجع.
بل تقدمت خطوة، رغم ارتجافها، رغم ضعفها، كأن شيئًا في داخلها قرر أن يقف هذه المرة، لا أن يهرب.
ارتفع صوتها، ولم يعد مجرد رجاء… بل مواجهة:
ديلان: "أنت شيطان!… تفعل أشياء تؤذي الناس! لماذا تفعل هذا؟!".
تسارعت أنفاسها، وامتلأت عيناها بالدموع، لكنها لم تسقط هذه المرة بسهولة، وكأنها تحاول أن تبقى قوية رغم كل شيء:
ديلان: "ألم تدرك أنه حرام؟!… ألم تفكر أن الله قد ينتقم منك؟!"
للحظة…
تغير شيء.
لم يكن واضحًا، لكنه كان موجودًا.
تنفس باران بعمق، وزفر ببطء، كأن الكلمات التي سمعها أعادت فتح بابٍ قديم في داخله… باب لم يُغلق جيدًا.
صوته حين خرج، لم يكن كما قبل.
كان أخفض… أثقل… وفيه شيء خافت من الانكسار:
باران: "هو… لم ينتظر لينتقم مني."
توقف، وكأن الكلمات القادمة أثقل من أن تُقال بسهولة.
ثم أكمل، ببطءٍ واضح:
باران:"لقد بدأ بالفعل."
رفع عينيه نحوها، لكن نظرته لم تكن موجهة لها وحدها، بل كأنه يرى شيئًا أبعد:
باران: "أنا أعيش عقوبة ذنب أبي… أو ما فعله أبي."
سقط الصمت.
هذه المرة، لم يكن صمت خوف… بل صمت كشف.
شيء من الماضي خرج إلى الحاضر، بلا زينة، بلا قناع.
لكن ديلان… لم تصمت.
لم تتراجع.
بل شدّت نفسها، وكأن ما سمعته لم يُخِفها، بل دفعها أكثر للرد.
ارتفع صوتها، واضحًا، ثابتًا رغم ارتجافه:
ديلان: "لا تتحدث عن الله هكذا!".
خطت خطوة نحوه، عيناها تلمعان بإصرار:
ديلان: "الله كريم… رؤوف بعباده… لا يُعاقب أحدًا بذنب غيره!".
ثم، وكأنها تتمسك بشيءٍ أكبر من اللحظة، أكبر من الخوف، بدأت كلماتها تتدفق، تحمل يقينًا لا يشبه ضعفها الجسدي:
ديلان:
"قال الله تعالى:
(ولا تزر وازرة وزر أخرى)…"
كان صوتها يعلو تدريجيًا، ليس بالصراخ… بل بالقوة.
ثم قالت:
"(ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة…).
ثم اردفت:
(لهم عذاب في الدنيا ولعذاب الآخرة أشد…).
ثم اضافت:
(ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم…)"
كل آية كانت كأنها تُلقى في وجهه… لا لتؤذيه، بل لتكسر ذلك الجدار الذي بناه حول نفسه.
أما باران…
فلم يتحرك.
لم يقاطعها.
لكن شيئًا في داخله بدأ يضطرب.
كانت نبرتها مختلفة، ليست خائفة فقط، وليست متحدية فقط؛ بل صادقة.
وذلك الصدق؛ كان أخطر من أي شيء آخر.
تراجع خطوة.
ثم أخرى.
لأول مرة، لم يكن التراجع بسبب سيطرة، بل بسبب شيء داخلي لم يفهمه.
شعر بثقل غريب في صدره، كأن الكلمات التي قالتها لم تمرّ من حوله، بل اصطدمت بشيءٍ في داخله.
شيء حاول تجاهله طويلًا.
نظر إليها للحظة أخيرة.
لم تكن نظرة تهديد هذه المرة، ولا سيطرة.
كانت أقرب إلى صراع.
ثم، استدار.
فتح الباب، وخرج دون كلمة.
لكن خطواته لم تكن كما دخل.
كانت أثقل.
أبطأ.
كأن كل خطوة تحمل معها سؤالًا لم يجد له جوابًا.
أما داخل الغرفة…
فبقيت ديلان واقفة، أنفاسها متسارعة، جسدها لا يزال ضعيفًا، لكن شيئًا فيها كان أقوى الآن.
لم تنتصر.
ولم تنكسر.
لكنها… لم تعد صامتة.
______//////----///////____

ما إن أُغلق الباب خلف باران، حتى بدا وكأن الغرفة قد لفظت أنفاسها أخيرًا.
وقفت ديلان في مكانها لثوانٍ، تحدّق نحو الباب المغلق، كأنها لا تصدّق أنه خرج فعلًا. ثم، ببطءٍ شديد، استنشقت نفسًا عميقًا، نفسًا طويلًا، متعبًا، لكنه كان أول نفسٍ تشعر فيه بشيءٍ من الحرية منذ بداية تلك المواجهة.
وضعت يدها على صدرها، حيث كان قلبها لا يزال يخفق بعنف، لكن الإيقاع بدأ يهدأ تدريجيًا. لم تختفِ مشاعر الخوف تمامًا، لكنها تراجعت خطوة، تاركة مكانها لشيءٍ آخر: حيرة ثقيلة، وأسئلة بلا إجابات.
لم تمضِ لحظات، حتى فُتح الباب مجددًا.
دخلت زينب بسرعة، وكأنها كانت تقف خلفه طوال الوقت، تنتظر لحظة خروجه. عيناها كانتا مليئتين بالقلق، تتفحصان ديلان من رأسها إلى قدميها، كأنها تبحث عن أثرٍ خفي لما قد يكون حدث.
اقتربت منها بخطوات متسارعة، وصوتها خرج مشبعًا بالخوف والحنان:
زينب: "أنتِ بخير يا بنتي؟… هل فعل لكِ باران شيئًا؟".
رفعت ديلان عينيها نحوها، وبدا التعب واضحًا في ملامحها، لكنها حاولت أن تبدو هادئة، أن تُطمئن تلك المرأة التي تحملت أكثر مما يجب:
ديلان: "لا يا أختي زينب… لم يفعل شيئًا."
توقفت لحظة، وكأنها تبحث عن الكلمات، ثم أضافت بصوتٍ أخفض، مشوبٍ بالحيرة:
ديلان:"لكن… أريد أن أفهم."
جلست على حافة السرير، ونظرت أمامها، لا إلى زينب، بل إلى الفراغ، حيث كانت أفكارها تتزاحم دون ترتيب:
ديلان "لماذا يفعل هذا؟… ما الذي حدث له… ليصبح هكذا؟"
كان سؤالها صادقًا، عاريًا من الاتهام، أقرب إلى محاولة لفهم لغزٍ معقّد يقف أمامها كل ليلة بوجهٍ مختلف.
أما زينب…
فوقفت للحظة دون أن تجيب.
ملامحها تغيّرت، وعيناها ابتعدتا قليلًا، كأن السؤال لم يكن جديدًا عليها… بل قديمًا، مؤلمًا، لم تجد له جوابًا حتى الآن.
تقدمت ببطء، ثم جلست على الكرسي القريب، وزفرت زفرة خفيفة، تحمل في طياتها سنواتٍ من الصمت:
زينب:
زينب:"يا إلهي… ماذا يحدث؟".
هزّت رأسها، وكأنها تحاول طرد أفكارٍ لا تريد استحضارها:
زينب:"لم يكن هكذا… أبدًا لم يكن."
نظرت إلى ديلان، لكن عينيها لم تكونا تريانها فقط… بل ترى شيئًا أبعد، طفلًا من الماضي، صورةً قديمة لم تعد تشبه الحاضر:
زينب: "كان… طيبًا. مختلفًا. إنسانًا يُحتذى به."
ثم خفت صوتها، وأكملت وكأنها تحدث نفسها:
زينب:"لكن… نسأل الله أن يسامح… من كان السبب في جعله هكذا."
رفعت ديلان رأسها بسرعة، وقد التقطت تلك الجملة كخيطٍ يقودها للحقيقة:
ديلان: "من هو؟".
تجمّدت زينب للحظة.
السؤال كان مباشرًا… أكثر مما توقعت.
لكنها ابتسمت ابتسامة خفيفة، فيها شيء من الهروب، وشيء من الحذر:
زينب: "لا يهم الآن يا بنتي…"
نهضت من مكانها بسرعة، وكأنها تريد أن تُنهي هذا المسار قبل أن يتعمق:
زينب: "تعالي… أنتِ لم تأكلي شيئًا بعد. يجب أن تأكلي، وسأحضّر لك شيئًا يخفف عنك الضغط."
فهمت ديلان.
لم تكن بحاجة إلى تفسير.
ذلك التهرب… كان إجابة بحد ذاته.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، صامتة، لا تحمل سخرية ولا اعتراضًا… فقط قبولًا مؤقتًا.
ثم نهضت ببطء، وسارت خلف زينب نحو المطبخ.
في المطبخ، كان كل شيء أبسط.
لا صراخ… لا تهديد… فقط أصوات خفيفة للأواني، ورائحة طعام دافئ بدأت تنتشر في المكان.
وقفت زينب أمام الطاولة، والتفتت إليها بنبرة حنونة:
زينب: "ماذا تحبين أن تفطري اليوم؟".
جلست ديلان، ويديها متشابكتان فوق الطاولة، وصوتها خرج هادئًا، خافتًا، لكنه أكثر استقرارًا من قبل:
ديلان: "أي شيء يا أختي… فقط ليكن خفيفًا."
ابتسمت زينب، هذه المرة بصدقٍ أكبر:
زينب: "حسنًا يا بنتي."
بدأت تُحضّر الطعام بعناية، كأنها لا تعدّ وجبة فقط، بل تحاول أن تُعيد ترتيب الفوضى التي حدثت قبل قليل.
وضعت الطعام أمام ديلان، وجلست قبالتها، تراقبها بعينٍ قلقة، وأخرى مطمئنة قليلًا.
أخذت ديلان أول لقمة.
ببطء.
كانت بسيطة… لكنها حملت معها شيئًا أكبر من مجرد طعام.
مع كل لقمة، كان جسدها يهدأ قليلًا، أنفاسها تنتظم، وقلبها، الذي عاش ساعات من التوتر، بدأ يستعيد إيقاعًا أقرب إلى الطمأنينة.
لم تختفِ الأسئلة.
لم يختفِ الخوف.
لكن في تلك اللحظة…
وسط هذا المطبخ الصغير، ودفء حضور زينب، شعرت ديلان أن العالم، ولو مؤقتًا… أقل قسوة.

رفعت ديلان رأسها قليلًا عن الطبق، وقد هدأت أنفاسها بعض الشيء، وبدا على ملامحها ذلك التردد الخفيف الذي يسبق طلبًا بسيطًا في ظاهره، لكنه يحمل في داخله حاجةً عميقة للهروب.
ابتسمت ابتسامة خجولة، وقالت بصوتٍ ناعم:
ديلان: "يا اختي… هل يمكن أن أخرج قليلًا إلى الحديقة؟".
رفعت زينب عينيها إليها، وتفحّصت وجهها لثوانٍ، كأنها تقرأ ما خلف السؤال، لا السؤال نفسه. رأت الإرهاق، ورأت بقايا الخوف… لكنها رأت أيضًا حاجةً ملحّة للهواء، للاتساع، لشيءٍ خارج هذه الجدران.
ابتسمت بحنان، وقالت:
زينب: "بالطبع يا حبيبتي… اذهبي، افرغي قلبك قليلًا."
همّت ديلان بالوقوف، لكنها توقفت فجأة، كأن فكرةً داهمتها. التفتت نحو زينب، وصوتها هذه المرة حمل حذرًا واضحًا:
ديلان: "هل هناك أحد في الحديقة؟… أعني… رجال؟"
أجابتها زينب بهدوء، محاولةً طمأنتها:
زينب: "لا يا بنتي، لا أحد هناك… الحراسة تكون غالبًا خارج القصر. داخل الحديقة، نادرًا ما يكون أحد."
تنهدت ديلان ببطء، وكأن ثقلًا صغيرًا أُزيح عن صدرها. ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها، ثم قالت:
ديلان: "حسنًا…سأصع نقابي وأخرج..... سأخرج قليلًا."
ارتدت نقابها بعناية، وكأنها ترتدي درعًا يحميها من العالم، ثم نزلت الدرج بخطوات هادئة، مترددة قليلًا، لكنها مصممة على أن تمنح نفسها لحظة تنفس.
ما إن فتحت باب الحديقة…
حتى لفحها الهواء.
هواء بارد، منعش، لكنه لم يكن مريحًا كما توقعت. كان يحمل معه سكونًا غريبًا، كأن المكان… لا يتنفس.
خطت خطوة إلى الخارج.
ثم أخرى.
الأشجار مصطفة، أوراقها تتمايل بخفة، تصدر همسات خفيفة، كأنها تتحدث بلغة لا تُفهم. المكان واسع، جميل… لكنه هادئ أكثر مما ينبغي.
ذلك النوع من الهدوء… الذي يسبق شيئًا.
توقفت ديلان قليلًا، وأخذت نفسًا عميقًا، تحاول أن تُقنع نفسها أن كل شيء طبيعي. لكن قلبها… لم يقتنع.
كان ينبض بسرعة، ليس من التعب هذه المرة، بل من إحساس خفي يتسلل إلى أعماقها: هناك شيء غير مريح.
بدأت تسير ببطء، عيناها لا تتوقفان عن الحركة. تراقب كل زاوية، كل ظل، كل تفصيلة صغيرة. عقلها يعمل بسرعة، يعيد تحليل كل ما رأته، كل ما مرت به، كأنها تتوقع خطرًا قد يظهر في أي لحظة.
ديلان:"اهدئي… لا يوجد أحد… فقط تمشّي."
قالت ذلك في داخلها، لكنها لم تشعر بالاطمئنان.
كل خطوة كانت محسوبة.
كل نفس… محاولة للسيطرة.
لكن فجأة؛
تعثرت.
لم ترَ ما كان تحت قدمها.
انزلقت، وارتطمت بالأرض بخفة، لكنها أطلقت شهقة صغيرة من الألم، ووضعت يدها على الأرض لتتوازن.
نظرت بسرعة إلى الأسفل.
وعندها… تجمدت.
سلك.
رفيع، ممتد بطريقة غير طبيعية، ملفوف بشكلٍ مقصود، لا يمكن أن يكون صدفة.
اتسعت عيناها، وشعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
ديلان بهمسٍ غاضب:
"ما هذا؟… من يضع سلكًا هنا؟!"
ارتفع الغضب في صدرها فجأة، ممزوجًا بخوفٍ لم تعد قادرة على إنكاره:
"هل هو…ذلك البغيض الذي تزوجني......إنني أكرهه.؟"
توقفت، لكن الفكرة كانت واضحة في ذهنها.
ديلان: "لكن هل هو من فعل هذا ؟".
نهضت بسرعة، قلبها عاد يخفق بعنف، لكن هذه المرة ليس فقط من الخوف، بل من إحساسٍ بالخطر الحقيقي.
رفعت رأسها، وبدأت تنظر حولها بحدة.
كل شيء أصبح مشبوهًا.
الأشجار،
الظلال،
الصمت نفسه،
كانت أعصابها مشدودة، كوترٍ على وشك الانقطاع. كل حاسة فيها يقِظة، كل تفصيلة تُقرأ وكأنها إشارة.
ديلان: "هل هناك أحد يراقبني؟".
سؤال مرّ في عقلها كبرق.
استدارت ببطء، تحاول أن ترى ما خلفها، ما حولها، ما قد يكون مختبئًا.
ثم؛
توقفت.
تجمدت في مكانها.
عيناها اتسعتا بذهول.
أنفاسها انحبست.
كأن الزمن… توقف.
أمامها مباشرة، على بُعد خطوات؛
كان هناك شيء.
شيء لم تتوقعه.
شيء لم يخطر لها حتى في أسوأ احتمالاتها.
شعرت بقشعريرة باردة تمتد من أطرافها إلى عمق صدرها، ودموع الخوف التي كانت تملأ عينيها، توقفت فجأة، وكأنها تحولت إلى دهشةٍ جامدة.
لم تتحرك.
لم تتكلم.
فقط؛
وقفت هناك، بين الخوف والذهول، تحدّق في ذلك الشيء، الذي غيّر معنى كل لحظة هدوء ظنّت أنها حصلت عليها.
-----///**//*****///**///-----

في تلك اللحظة، شعرت زينب بالقلق، كانت قد لاحظت أن خروج ديلان وحدها ليس بالأمر الآمن، وكل خطوة لها كانت تزيد قلقها، لكنها لم تتدخل بعد لتترك لها حرية الحركة، ولتعلم أنها تتعلم الاعتماد على نفسها، في مواجهة المواقف الغامضة.

كانت ديلان تتجول ببطء، تحاول أن تهدئ خفقان قلبها المتسارع، كل خطوة محسوبة، كل نفس يُؤخذ بعناية. وفجأة، لمحت زاوية مظلمة بين الأشجار، لم ترَها من قبل. شيء غريب لفت انتباهها: باب صغير معزول، مغلق بسلسلة حديدية قديمة، ودهان الباب متقشر، وكأن المكان لم يُفتح منذ سنوات.
اقتربت ديلان بحذر، كل عضلة في جسدها مشدودة، وكل عقلها يحذرها: 
“ابتعدي… لا تقتربي… ماذا يمكن أن يكون وراء هذا الباب؟”.

لكن الفضول كان أقوى، وعينها لا تكف عن فحص التفاصيل.
لمحت من خلال شق صغير بين الباب والإطار، وارتجف قلبها بشدة. هناك، في الظلام الداخلي، رأت أشياءً لم تكن تتوقعها:
أقنعة غريبة مرسومة عليها تعابير مخيفة، كأنها وجوه مشوهة تتجسس عليها من الماضي.
أدوات قديمة، حادة، موضوعة بعناية وكأنها تحمل رسالة: “احذر، هذا المكان ليس للعب!”.
كتب ومخطوطات غريبة مكتوبة بخطوط ملتوية، بعضها تحتوي على رموز ورسومات غامضة تُثير الرهبة.
آثار دماء يابسة على الأرض، مختلطة بأشياء صغيرة توحي بأن المكان يستخدم لإثارة الرعب أو التحكم النفسي، ادوات حادة مصفوفة فوق طاولة في الزاوية.
شعرت ديلان بقشعريرة شديدة، وكأن كل الهواء حولها قد أصبح ثقيلاً. قلبها يخفق بعنف، عيناها تتسعان، كل شعور بالخوف، الغضب، والدهشة يتصاعد داخلها دفعة واحدة. حاولت أن تهرب، لكن قدماها تجمدتا في مكانها، وبدأ عقلها يراقب كل تفصيلة: “لماذا لم يخبرها أحد بهذا؟ ما علاقة هذا باران؟ لماذا كل هذا الغموض؟ ماذا يخفي عن الجميع؟”.
مع كل ثانية تمر، شعرت بأن باران نفسه يراقبها من الظلال، وكأن الغرفة السرية جزء من شخصيته القاسية والمهيمنة، جزء من عالمه المخفي الذي لم يُسمح لأحد بالدخول إليه من قبل. الرعب النفسي امتزج بالفضول، والدهشة أعادت تشكيل صورتها عن باران: ليس مجرد رجل صارم، بل غامض، ذكي، وربما خطير بطريقة لم تتخيلها من قبل.
أخذت خطوة إلى الوراء، تتنفس بصعوبة، وتحتضن قلبها المملوء بالخوف. لكنها لم تستطع منع عقلها من التفكير: 
“كل هذا… هذا ما يفعله باران؟ كل شيء مدروس، كل شيء مخفي… هل يفعل هذا ليرى كيف سنتصرف؟ أو ليخيفنا؟ ام ليسيطر بطريقته على الآخر”.
الحديقة حولها صمتت فجأة، والرياح خفتت، لكن الصدى النفسي لما رأته لم يخف، بل أصبح أثقل وأكثر حضورًا في كل خلية من جسدها. في تلك اللحظة، أدركت ديلان أن الغموض القاتم لباران لم يكن مجرد مظهر، بل جانب من شخصيته الحقيقية، الذي لم يراه أحد من قبل…
_____/////-----/////-----

عادت ديلان إلى المنزل، كل خطوة تخطوها إلى الداخل كانت مثقلة بثقل ما رأته في الحديقة. شعورها بالارتباك لا يزال يختلط بالخوف والدهشة، وعيناها تحملان بريقًا لم يعتده أحد من قبل، مزيج من الفضول والرعب والصمت المطبق على عقلها.
عند الباب، وقفت زينب، وجهها يعكس القلق الشديد، عينان تراقبان كل حركة لديلان، وحاجباها متشابكان بخوف:
زينب: أنت بخير، يا بنتي؟.
لكن ديلان لم تجب مباشرة. نظرتها كانت بعيدة، كأنها تتذكر شيئًا لم تفصح عنه بعد، لكنها ابتسمت ابتسامة خفيفة، تكتم من خلالها ارتجاف قلبها:
ديلان: نعم… أنا بخير، فقط… شعرت بحاجة للتمشي قليلًا.
دخلت إلى الداخل، وحاولت أن تخفي تهيجها الداخلي، والارتباك الذي امتزج بالخوف من الغرفة السرية وما رأته. أما زينب، فقد حاولت أن تظهر الهدوء والطمأنينة، رغم أن قلبها ينبض بعنف، وكل شعور بالقلق يتصاعد داخلها:
"حقًا… لا بأس؟" سألت زينب، محاولة أن تتحكم في نبرتها.
ديلان نظرت إليها بعينين مليئتين بالكتمان، محاولة أن تُخفف من ردة فعلها، وقالت بصوت هادئ لكن متوتر:
ديلان: نعم… فقط كنت أحتاج بعض الهواء النظيف.
زينب ابتسمت ابتسامة قصيرة، لكنها كانت تعرف أن هناك شيئًا يختبئ خلف هذا الهدوء المصطنع.
زينب: أفهم… تعالي، سأحضّر لك شيئًا لتتناوليه، لتهدئة نفسك.
رغم المحاولة، تبادلت كلتاهما نظرات مختصرة مليئة بالتلميحات: كل واحدة تحاول أن تخفي ما يدور بداخلها. ديلان تخفي خوفها وفضولها تجاه الغرفة السرية، بينما زينب تخفي مدى شعورها بالقلق من مغامرة ديلان وحدها في الحديقة وما يمكنها ان تكتشفه قد يعود عليها بالعكس .
دخلت ديلان إلى المطبخ وجلست، تحاول أن تسيطر على قلبها المتسارع. زينب وقفت خلفها، تراقبها بعناية، كل حركة صغيرة، كل نبضة خوف أو توتر، وكأنها تحاول قراءة ما لا يجرؤ أحد على قوله بصوت عالٍ.
وبينما كانت ديلان تلتقط أنفاسها، كان هناك صمت قصير، لكنه مثقل بالمعاني: صمت يحمل خوف ديلان من المجهول، وحرص زينب على حمايتها دون التدخل المباشر. شعرت ديلان بأن زينب تعرف أكثر مما تظهر، لكن فضولها لم يسمح لها بالكشف، فابتسمت ابتسامة طفيفة، وقالت:
زينب: أنت تبدين مختلفة اليوم…
أجابت ديلان، مبتسمة، محاولًة تهدئة الجو:
ديلان: أوه، مجرد… بعض التفكير فقط.
لكن في أعماقها، كانت تدرك أن الحديقة والغرفة السرية قد غيرتا شيئًا بداخلها، شيئًا يوقظ فضولها، ويزيد من حذرها تجاه باران، ويجعلها ترى جانبه الغامض بطريقة لم تشهدها من قبل.
زينب لم تصر على الحديث، لكنها شعرت بالارتباك من التغيير في ملامح ديلان، محاولة أن تخفي خوفها، بينما ديلان كانت تخفي دهشتها وخوفها من الغرفة السرية وما خلفها من أسرار باران. كل واحدة منهما تعرف أن هناك أسرارًا لم تُفصح بعد، لكن الآن، الصمت كان أقوى من أي كلمات.

______/////_____////

من جهةٍ أخرى…
وصل باران إلى شركته، كعادته، تحيط به هالة من الهيبة تسبقه قبل خطواته. كان حضوره كافيًا ليُربك المكان بأكمله؛ شابٌ بملامح حادة، عينان بندقيتان واسعتان تحيط بهما أهداب كثيفة، وشعر أسود فاحم ينسدل على جبينه بتمرد، أما بشرته المائلة إلى السمرة فكانت تضفي عليه صرامةً إضافية، تزيد من جاذبيته وخطورته في آنٍ واحد.
ما إن وطأت قدماه أرض الشركة، حتى انتفض الموظفون واقفين، وكأنهم يستعدون لمرور عاصفة. لم ينظر إليهم، بل تابع طريقه بثبات، وكأن كل شيء من حوله لا يستحق انتباهه.
دخل مكتبه، وأغلق الباب جلس باران على كرسيه الوثير، وأسند ظهره ببطء، عيناه تراقبان المكان بصمت.
تبعته السكرتيرة بخطواتٍ بطيئة متعمّدة، وكأنها تستعرض نفسها لا تمشي فقط. كانت ترتدي فستانًا قصيرًا ضيقًا، يلتصق بجسدها التصاقًا يكاد يكشف أكثر مما يستره، يرسم تفاصيلها بوقاحةٍ لا تخطئها عين.
أما قميصها، فكان مفتوحًا إلى حدٍّ مبالغ فيه، لا يُغلقه سوى زرٍّ يتيم، وكأنها تركت الباقي عمدًا… دعوةً صامتة لكل من ينظر. صدرها يكاد ينفلت من بين طيات القماش، وأنفاسها المتسارعة تزيد المشهد جرأةً ووضوحًا.
شعرها الأسود منسدل بعنايةٍ مفتعلة، تتعمد بين كل خطوة وأخرى أن تزيحه بيدها، لتكشف عن عنقها، وكأنها تعرض كل تفصيلة منها بلا حياء. أما وجهها، فغارق في مساحيق التجميل، ألوان صارخة، وابتسامة مائلة تحمل وقاحة الإغراء أكثر مما تحمل أنوثة طبيعية.
كانت تمشي خلفه وهي تتمايل بشكلٍ مبالغ فيه، وكأن كل خطوة رسالة، وكل حركة دعوة صريحة. لم تكن تخجل… بل كانت تتعمد أن تُرى، أن تُلاحظ، أن تُثير.
دخلت المكتب، وأغلقت الباب ببطء، ثم استدارت نحوه، عيناها تلمعان بجرأةٍ فاضحة. تقدمت بخطوات محسوبة، تقترب أكثر… وأكثر… حتى أصبحت أمام مكتبه تمامًا.
انحنت نحوه ببطء، وكأنها تبحث عن شيء على سطح المكتب، لكن الحقيقة كانت أوضح من أن تُخفى…
كانت تتعمد أن تقترب… أن تلتصق… أن تفرض وجودها عليه.
رفعت عينيها نحوه، تحدّق فيه بلا خجل، وكأنها تقول:
"انظر إليّ… أنا هنا… هل ستتجاهلني أيضًا؟"
لكنها، رغم كل هذه الجرأة…
ورغم تلك الثقة المصطنعة…
كان هناك شيء في عينيها لا يمكن إخفاؤه…
خوف خافت… خوف من رجل لا يتأثر… بل يُخيف.
لم تمنحه لحظة ليرد…
فجأة، تحرك باران.
قبض على شعرها بقوة، جذبها نحوه بعنفٍ صادم، حتى اختفى أي توازن كانت تحاول التمسك به. اتسعت عيناها بذهول، ولم تجد فرصة حتى للاعتراض…
وانقض عليها.
قبلة قاسية، بلا رحمة، بلا أي أثر للّين…
كأنها لم تكن رغبة، بل إعلان سيطرة.
حاولت أن تبتعد، لكن قبضته اشتدت في شعرها، يقرّبها أكثر، يفرض وجوده عليها، يمنعها حتى من التفكير في الهروب.
أنفاسها تلاحقت، وجسدها تجمد بين يديه، بينما هو لم يترك لها مجالًا…
كل حركة منه كانت تحمل قسوةً واضحة، وكأنه يفرغ غضبًا لا علاقة لها به… لكنها تدفع ثمنه.
ثم… فجأة…
ابتعد.
تركها كما لو أنها شيء فقد أهميته، يتنفس ببطء، يمرر يده على شعره، وكأن شيئًا لم يحدث.
أما هي، فبقيت مكانها، مرتبكة، أنفاسها متقطعة، تحاول أن تستوعب ما حدث، بينما ابتسامتها المصطنعة عادت لتغطي خوفها الحقيقي…
خوفٌ من رجل…
لا يُغرى… بل يُخضع.
اقتربت أكثر، تحاول كسر ذلك الجدار البارد، لكنه كان كصخرة لا تتزحزح. للحظة، انحنت نحوه، كأنها تنتظر رد فعل...
تظن بفعلته تلك قد ظمنت مكانا في قلبه، ومنه تكون لها مساحة في حياته، لا تدري انها تبيع آخرتها بدنيها كما قال تعالى:
﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ﴾
— سورة البقرة، الآية 86.
لكن باران لم يكن يرى فيها سوى انعكاس لروتينٍ ممل.
عندها همس امامها...
باران: كم مرة قلت لك لاتستعملي معي هذه الاساليب الرخيصة.
مدّ يده مرة أخرى، و جذبها نحوه بقوة، وصرخ في وجهها...
باران: كم مرة سأحذرك من تماديك بهذه الطريقة.
ثم ابتعد عنها فجأة، وكأن شيئًا لم يكن.
تنفّس بعمق، عدّل من مظهره، وعاد إلى جلسته الصارمة، بينما كانت هي ترتب نفسها بصمت، تخفي ارتباكها خلف ابتسامة باهتة.
قال ببرود:
باران: ما جدول اليوم؟.
بدأت تسرد المواعيد، وصوتها يحاول أن يستعيد توازنه، بينما هو يستمع دون اهتمام حقيقي، عقله في مكانٍ آخر.
وحين انتهت، أشار بيده:
باران: يمكنكِ الانصراف… وأحضري قهوتي. وأخبري السيد عاكف أن يأتي.
ترددت لحظة، وكأنها تنتظر شيئًا آخر، فسألته بخفوت:
السكرتيرة: هل تريد شيئًا آخر؟.
رفع عينيه إليها… نظرة واحدة فقط كانت كفيلة بأن تُسقط كل محاولاتها.
قال بصوت منخفض لكنه حاد:
باران: ليس الآن… ربما لاحقًا.
ثم اوقفها بغتة بسؤاله.
باران: ماهو الشيء الذي يجعل المرأة تخضع وتستسلم لاي رجل.
إلتفتت نحوه وقالت..
شيناي: لم افهم ما تقصد يا سيدي.
نهض من خلف مكتبه ببطءٍ محسوب، كأن كل خطوةٍ يخطوها كانت جزءًا من لعبةٍ لا يُتقنها سواه. اتجه نحوها، وعيناه لا تفارقان ملامحها، تراقبان أدقّ ارتعاشةٍ فيها، حتى وقف أمامها تمامًا، قريبًا بما يكفي ليُربك أنفاسها.
قال بصوتٍ منخفضٍ، لكنّه كان حادًا كحدّ السكين:
باران: أقصد… إن كنتِ مرتبطةً برجل، ما الشيء الذي لا ترغبين أن يفعله إلا معكِ؟ شيء… قد يكسركِ ويجعلك تودين ان ترضيه بأي طريقة؟.
ترددت للحظة، وكأن السؤال لم يكن عابرًا كما بدا، بل كان يحمل في طيّاته شيئًا أثقل، شيئًا يُلامس منطقةً حسّاسة في أعماقها. ابتلعت ريقها، ثم قالت بنبرةٍ حاولت أن تبدو ثابتة:
شيناي: أن أراه مع غيري… أريد أن أكون أنا محور اهتمامه. لذلك… سأفعل كل شيء لأجذب انتباهه، ولن أسمح له أن ينشغل عني.
لمعت عيناه بوميضٍ غامض، وكأنه التقط خيطًا كان يبحث عنه منذ زمن. اقترب أكثر، وكأن كلماته التالية تحتاج أن تُقال على مسافةٍ أقصر:
باران: إذًا… رؤيته مع امرأةٍ أخرى… يؤلمكِ؟.
أجابت دون تردد هذه المرة، لكن في صوتها شيء من الحقيقة المُرّة:
شيناي: ليس أنا فقط… كل امرأة.
رفع حاجبه قليلًا، متلذذًا بجرّها أكثر نحو الاعتراف:
باران: حتى إن لم تكوني تحبينه؟
ساد صمتٌ قصير، لكنها أجابت أخيرًا:
شيناي: إن كان يعني لي شيئًا… زوجًا، صديقًا مقربًا، وليس فقط إن كان حبيبًا.
عندها، استدار فجأة، وكأن الحديث انتهى بالنسبة له في اللحظة التي حصل فيها على ما يريد. عاد إلى مكتبه بخطواتٍ هادئة، ثم أشار بيده إشارةً مقتضبة نحو الباب.
لم تحتج شيناي إلى تفسير. التقطت الإشارة فورًا، واستدارت مسرعة، تكاد تفرّ من الغرفة لا تخرج منها فقط، وكأن الهواء ذاته أصبح خانقًا. أغلقت الباب خلفها، تاركةً وراءها صمتًا ثقيلًا… وصراعًا لم تفهمه بعد.
أما هو…
فجلس على كرسيه ببطء، وأسند ظهره إليه، وعيناه تحدّقان في الفراغ أمامه. لحظة صمتٍ مرت، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ باردة، لا تحمل دفئًا، بل تحمل وعدًا بشيءٍ مظلم.
شيءٌ خطير.
انحنى قليلًا للأمام، وتشابكت أصابعه فوق سطح المكتب، بينما أخذ يهمس بصوتٍ خافت، كأنه حديثٌ بينه وبين نفسه… أو كفحيح أفعى تتلذذ بسمّها:
باران: أخيرًا… وجدتُ ما قد يكسركِ به.
توقفت أنفاسه لثانية، ثم أردف، بنبرةٍ أكثر ظلمة:
باران: وسأجعلكِ… تستسلمين لي بإرادتكِ.
وعاد الصمت يبتلع الغرفة… لكن هذه المرة، لم يكن صمتًا عاديًا، بل كان بدايةً لشيءٍ لا يُبشّر إلا بالألم.
                      الفصل العاشر من هنا
تعليقات



<>