رواية براءة ايقظت غافلا الفصل الخامس عشر15 بقلم عاشقة القلم

رواية براءة ايقظت غافلا 
الفصل الخامس عشر15 
بقلم عاشقة القلم 
أغلق باران الهاتف مع عاكف، لكن صدى الكلمات الأخيرة لم يبقَ في رأسه طويلًا…
فما إن ألقى الهاتف جانبًا حتى مرت أمام عينيه صورة ديلان وهي نائمة بين ذراعيه تلك الليلة؛ هادئة، ضعيفة، مستسلمة للنوم بثقة أربكته أكثر مما أراحته.
تلك الملامح البريئة التي كانت تستكين فوق صدره، أنفاسها الدافئة التي لامست عنقه، ويدها الصغيرة التي تشبثت بقميصه دون وعي…
كل ذلك عاد دفعة واحدة، كأنه يُنتزع من ذاكرته بالقوة.
شدّ فكه بقسوة، محاولًا طرد ذلك الشعور الغريب الذي أخذ يتمدد داخله ببطء.
شعور لم يجرؤ يومًا على الاعتراف به.
شيء يشبه الخوف…
أو ربما التعلق.
جلس أمام مكتبه بعصبية، فتح جهاز الحاسوب المحمول بسرعة، ثم بدأ يتنقل بين كاميرات القصر واحدة تلو الأخرى.
عيناه كانتا تبحثان عنها بجنونٍ خفي.
غرفتها… فارغة.
المطبخ… لا أحد.
غرفة المعيشة… خالية.
الممرات… السلالم… حتى غرفة الجلوس الصغيرة قرب المسبح…
لا أثر لها.
ومع كل شاشة تمر أمامه، كان شيء ثقيل يهبط أكثر داخل صدره.
بدأ قلبه يخفق بعنف غريب حتى شعر بأن أنفاسه تضيق.
همس لنفسه بصوت خافت خرج متوترًا على غير عادته:
باران:
"يا ترى… هل فهمت أنني فعلت لها شيئًا…؟ فقررت الهرب؟".
وما إن خطرت الفكرة في رأسه حتى شعر وكأن أحدهم يضغط على عنقه بقوة.
نهض بعنف من كرسيه، جذب ربطة عنقه وأرخاها قليلًا وهو يحاول التقاط أنفاسه، ثم التقط هاتفه بسرعة واتصل بزينب.
رن الهاتف مرة… مرتين…
ثم جاءه صوتها المرتبك:
زينب: "نعم يا سيد باران؟".
لكن باران لم يمنحها فرصة حتى.
انفجر صوته عاليًا، حادًا، ومخيفًا:
باران: "أين ديلان؟!".
ارتجفت زينب خلف الهاتف من نبرته، وأجابت بسرعة:
زينب: "لقد خرجت إلى الحديقة يا سيدي… قالت إنها تشعر بشيء يخنقها وأرادت أن تتنفس قليلًا، فسمحت لها…"
لكن ملامح باران ازدادت قتامة.
نظر مجددًا إلى الشاشات أمامه بعينين متوترتين، ثم صاح بغضب أكبر:
باران: "لا توجد في أي مكان على الكاميرات أمامي!، هل أنتِ متأكدة مما تقولينه؟!".
ارتبكت زينب أكثر، لكنها حاولت تهدئته:
زينب: "نعم يا سيدي… هي لم تكن تنوي الهرب… كانت شاردة فقط…"
ضغط باران على أسنانه بقوة حتى برز عرق عند صدغه.
تلك الجملة الأخيرة لم تطمئنه…
بل جعلت خوفه أسوأ.
لأن فكرة هروبها وحدها… كانت كفيلة بجعله يشعر بغضب لا يفهم سببه.
أغلق الهاتف دون كلمة إضافية، ثم ضغط فورًا على رقم آخر.
جاءه صوت الرجل سريعًا:
عزت: "أوامرك يا سيدي."
باران، بصوت جهوري متوتر:
"عزت… هل رأيت ديلان اليوم؟، وهل خرجت من بوابة القصر؟".
ساد صمت قصير قبل أن يجيب الحارس بحذر:
عزت: "لا يا سيدي… لم تخرج، ولم أرها أصلًا. أليست مع زينب؟، فهي تلازمها طوال النهار."
مرر باران يده في شعره بعصبية ثم صرخ فجأة:
باران: "ابحثوا عنها فورًا!، إن كانت قد هربت… أو حدث لها مكروه… سأحاسبكم جميعًا، هل فهمت؟!".
ارتجف عزت فور سماعه تلك النبرة.
فهو يعرف جيدًا أن باران حين يتحدث بذلك الصوت… لا يكون مجرد غاضب.
بل مرعبًا.
عزت بسرعة:
"حاضر يا سيدي! سأبحث عنها حالًا."
أغلق باران الخط بعنف، ثم التفت نحو عزت نحو الرجال المتمركزين حول القصر.
عزت : "كلكم… إلى الحديقة الخلفية. ابحثوا عنها في كل زاوية."
خرج الرجال بسرعة يبحثون عنها، بينما عند باران بقي واقفًا مكانه للحظة، يحاول عبثًا فهم سبب ذلك الرعب الذي ينهش صدره.
لماذا يشعر وكأن اختفاءها… يهدد شيئًا داخله؟،
في الجهة الأخرى من القصر…
كانت ديلان تمشي وسط الحديقة الخلفية الواسعة بخطوات بطيئة.
الهواء البارد يلامس وجهها، لكنها رغم ذلك لم تشعر بالراحة.
كان هناك شيء ثقيل داخلها.
شيء يشبه الاختناق.
رفعت رأسها نحو السماء المظلمة، ثم أغمضت عينيها قليلًا محاولة تهدئة أفكارها.
لكن صورة باران لم تفارقها.
نظرته… قربه… والطريقة التي كان ينظر بها إليها مؤخرًا.
كل ذلك جعل قلبها مرتبكًا بطريقة أخافتها.
وأثناء شرودها… تذكرت فجأة ذلك الكوخ البعيد في آخر الحديقة.
ذاك المكان المنعزل الذي لم يقترب منه أحد تقريبًا.
ترددت قليلًا، ثم بدأت تتجه نحوه بخطوات حذرة، وهي تلتفت حولها بين حين وآخر كأنها تخشى أن يراها أحد.
لكن ما إن اقتربت من الممر الجانبي حتى اصطدمت فجأة بجسد صلب كالجدار.
شهقت بخوف وتراجعت خطوة للخلف.
رفعت رأسها ببطء…
لتتجمد في مكانها.
كان أحد الحراس يقف أمامها.
ضخم الجثة بصورة مخيفة، عريض الكتفين، ونظرته الحادة جعلتها تشعر للحظة بأنها طفلة ضائعة.
ظلّت تحدق به مذهولة، بينما عقد الحارس حاجبيه قائلًا بصوت خشن:
الحارس:
"عن ماذا تبحثين هنا يا سيدتي؟، أم أنكِ نسيتِ طريق العودة إلى القصر؟".
أفاقت ديلان من شرودها بسرعة، وارتبكت وهي تحاول التماسك.
ديلان: "آه… لا… أنا فقط…"
لكن الكلمات اختنقت في حلقها.
أخرج الحارس جهازه اللاسلكي مباشرة، ثم تحدث بعملية واضحة:
الحارس: "لقد وجدنا السيدة. يبدو أنها تاهت في الحديقة ولم تعرف طريق العودة… سأحضرها الآن."
اتسعت عينا ديلان بصدمة.
"وجدنا السيدة"؟،
هل كانوا يبحثون عنها فعلًا؟،
ولماذا…؟،
هل غضب باران لأنها خرجت فقط؟،
أم أنه…
توقف عقلها عند الفكرة الأخيرة قبل أن تكملها.
أما الحارس فأعاد الجهاز إلى مكانه، ثم أشار لها بيده قائلًا بجدية:
الحارس: "تفضلي يا سيدتي… اتبعيني."
ابتلعت ديلان ريقها بصعوبة، ثم سارت خلفه بخطوات بطيئة.
بينما في مكان آخر …
كان باران يقف أمام الشاشة ينتظر.
عيناه مثبتتان على الكاميرات، وقلبه يشتعل قلقًا بطريقة لم يعهدها في نفسه يومًا.

______/////------//////_____

لم ينتظر باران أن يتلقى اتصالًا آخر من الحراس…
فور أن أغلق المكالمة مع عزت، مرت أمام عينيه عشرات الصور دفعة واحدة؛
ديلان وهي تمشي وحدها خارج القصر…
ديلان وهي تركض هاربة…
ديلان وهي تختفي من حياته كما ظهرت فجأة.
وتلك الفكرة وحدها…
كانت كفيلة بأن تسحق ما تبقى من اتزانه.
نهض بعنف من مكانه حتى تحرك الكرسي خلفه بقوة، التقط سترته وهاتفه ومفاتيحه في حركة سريعة مضطربة، ثم اندفع خارج مكتبه كالإعصار.
حتى سكرتيرته التي نهضت فور رؤيته لم يستمع إليها.
السكرتيرة بقلق:
"سيد باران… الاجتماع بعد....."
لكنه مرّ من أمامها دون أن يلتفت.
وجهه كان مشدودًا بصورة مخيفة، وخطواته سريعة حتى بدا وكأن الغضب يشتعل تحت جلده.
خرج من الشركة بخطوات حادة، وما إن لمحه سائق سيارته حتى أسرع ليفتح له الباب الخلفي كعادته، لكن باران تجاوزه مباشرة.
فتح باب السائق بنفسه بعنف، وجلس خلف المقود.
السائق بدهشة:
"سيدي… سأقود أنا...."
لكن صوت المحرك الذي دوّى بعنف قطع كلماته.
وفي اللحظة التالية…
انطلقت السيارة كالسهم.
كانت يدا باران تقبضان على المقود بقوة حتى ابيضت مفاصله، بينما عيناه مثبتتان على الطريق بجنونٍ حقيقي.
الإشارات… السيارات… الضجيج…
كل شيء كان يمر أمامه مشوشًا.
لم يكن يفكر إلا بشيء واحد:
"إن كانت قد هربت فعلًا…؟"
ولأول مرة منذ سنوات طويلة…
شعر بالخوف.
ليس خوفًا على هيبته… ولا على أسراره…
بل خوفًا عليها هي.
كان قلبه يخفق بعنف يكاد يمزق صدره، بينما عقله يرفض الاعتراف بسبب كل هذا الذعر.
لكن الحقيقة كانت واضحة بصورة مخيفة:
هو لم يعد يحتمل فكرة غيابها.
ضغط على دواسة الوقود أكثر، حتى صرخت إطارات السيارة فوق الإسفلت عند انعطافه الأخير نحو القصر.
وما إن وصل حتى أوقف السيارة بعنف، فاحتكّت الإطارات بالأرضية الحجرية محدثة صوتًا حادًا دوّى في المكان.
ترجل منها بسرعة، وأغلق الباب بقوة خلفه، ثم اندفع داخل القصر بخطوات متوترة.
كان صدره يعلو ويهبط بعنف، وأنفاسه متسارعة بصورة غير معتادة عليه.
وفجأة…
توقفت خطواته.
هناك…
في الصالون الكبير أمام الواجهة الزجاجية المطلة على الحديقة…
كانت ديلان واقفة.
ساكنة تمامًا.
تحدق إلى الخارج بشرودٍ عميق، وكأنها منفصلة عن العالم كله.
تجمد باران للحظة وهو يراها.
شعر وكأن شيئًا ثقيلاً انزاح فجأة عن صدره.
لكن ذلك الارتياح لم يدم سوى ثانية واحدة…
قبل أن يتحول إلى غضب متوتر.
اقترب منها بسرعة، ثم صاح بصوتٍ مرتفع أخافها:
باران: "أين كنتِ؟!".
التفتت إليه ديلان بفزع خفيف، ثم عقدت حاجبيها باستغراب.
كان يبدو… مرتبكًا.
متوترًا.
بل وكأنه كان يبحث عنها بجنون.
ديلان بهدوء متردد:
"لقد كنت هنا… خرجت إلى الحديقة فقط…"
سكتت لحظة ثم أكملت وهي تحاول تفسير الأمر:
ديلان: "كنت شاردة قليلًا… وتوغلت بين الأشجار دون أن أشعر، ثم لم أعرف طريق العودة… حتى وجدني أحد الحراس وأعادني."
لكن كلماتها بدأت تتباطأ تدريجيًا…
لأنها كانت تنظر إلى وجهه.
ذلك الوجه الذي بدا متصلبًا كعادته… لكنه لم يستطع إخفاء شيء آخر هذه المرة.
القلق.
كان واضحًا في عينيه رغمًا عنه.
تسللت الفكرة إلى عقلها فجأة:
"هل… كان قلقًا عليّ؟".
لكنها سرعان ما تذكرت الكاميرات المنتشرة في القصر.
إذن… لقد رآها.
وربما خاف أن تكتشف شيئًا… أو تصل إلى مكان لا يريدها أن تراه.
رفعت عينيها إليه ببطء، ثم سألته بنبرة خافتة تحمل شيئًا من الفضول:
ديلان:
"وكيف علمت أنني لست في القصر؟"
ثم أضافت وهي تراقب أنفاسه المتسارعة:
"وما بالك تلهث هكذا…؟ هل قلقت عليّ؟"
تجمد باران مكانه.
تلاشت الكلمات من رأسه فجأة.
نظر إليها للحظات دون رد، وقد فهم تمامًا ما ترمي إليه.
لكن المشكلة…
أنه لم يجد كذبة جاهزة هذه المرة.
وذلك وحده أربكه أكثر.
أما ديلان فظلت تنظر إليه ببراءة حائرة.
فهي لم تعتد رؤيته هكذا أبدًا.
باران الذي يملك دائمًا إجابة قاسية… وردًا جاهزًا… ونظرة باردة…
كان الآن واقفًا أمامها مرتبكًا كمن ضُبط متلبسًا بشعورٍ حاول إنكاره طويلًا.
وفجأة…
اهتز هاتفه داخل سترته.
كأن الرنين أنقذه من ورطة حقيقية.
أخرجه بسرعة شديدة، ونظر إلى الشاشة.
"عاكف."
تنفس ببطء، ثم ابتعد عنها فورًا متجهًا نحو مكتبه داخل القصر.
دخل الغرفة وأغلق الباب خلفه بقوة، قبل أن يجيب الاتصال.
ثم  بصوت خافت متوتر رد على الهاتف:
باران: "نعم يا عاكف… ماذا وجدت؟".
جاءه صوت عاكف مثقلًا بالجدية:
عاكف: "عباس موجود في العناية المركزة منذ يومين… وحالته ميؤوس منها."
ساد الصمت للحظة.
بينما شعر باران بأن شيئًا باردًا انغرس داخل صدره.
أكمل عاكف بصوت أكثر انخفاضًا:
"تحدثت مع الطبيب المشرف على حالته… قال إنه دخل في موت سريري، ومن الممكن أن يتوقف قلبه في أي لحظة."
أغمض باران عينيه للحظة، بينما مر شريط سريع في رأسه…
وجه ديلان.
دموعها.
كرهها له إن اكتشفت الحقيقة.
طال الصمت حتى تنهد عاكف فجأة:
عاكف: "باران… ماذا ستفعل؟"
ثم أضاف بحدة واضحة:
"الفتاة يجب أن تعلم بحالة والدها… يجب أن تودعه قبل أن يفوت الأوان."
سكت لحظة قبل أن يكمل بمرارة:
"أرأيت نتيجة أفعالك المتهورة الآن؟"
عندها انفجر باران مقاطعًا إياه:
باران: "كفى يا عاكف!".
ارتفع صوته بعنف حتى ارتد صداه داخل المكتب.
"توقف عن لومي الآن… لا يمكنني إعادة الزمن!".
تنفس بعنف ثم تابع بنبرة أقل حدة لكنها مثقلة بالعجز:
"قل لي فقط… هل من المناسب أن ترى ديلان والدها بتلك الحالة؟".
أجابه عاكف مباشرة:
عاكف:
"وهل موته المفاجئ سيكون أهون عليها؟".
صمت باران طويلًا.
طويلًا جدًا.
ثم سأل أخيرًا بصوت خافت:
"في أي مستشفى هو؟"
عاكف: "في المستشفى الحكومي."
أغلق باران عينيه للحظة، ثم قال باستسلام ثقيل:
"حسنًا… لن أعود إلى الشركة اليوم. اهتم أنت بكل شيء، وابعث لي كل التفاصيل المتعلقة بحالة عباس، وادخل مكاني للأجتماع ونتواصل ليلا لاعلم ماذا فعلت."
اجابه. عاكف: "حسنا سابعث لك برسالة عن مكانه غرفته وسأخبر الطبيب المتابع لحالته انه من طرفك، انا الاجتماع لا تقلق فقد جهزنا له من مدة".
باران بصوت خافت يشبه الهمس: "حسنا ".
ثم أنهى الاتصال.
ظل واقفًا أمام النافذة للحظات.
ينظر إلى انعكاس صورته على الزجاج، وكأنه يرى رجلًا آخر لا يعرفه.
رجلًا بدأ يفقد سيطرته… بسبب فتاة واحدة.
تنفس ببطء، ثم استدار أخيرًا وخرج من المكتب.
كانت ديلان ما تزال واقفة في مكانها نفسه.
اقترب منها بخطوات ثابتة هذه المرة، ثم توقف أمامها مباشرة.
نظر إليها طويلًا…
نظرة جعلت قلبها ينقبض دون أن تعرف السبب.
ثم قال بصوت آمر:
باران: "ارفعي نقابك… وتعالي معي."
رمشت بدهشة.
ديلان: "إلى أين؟".
شد فكه قليلًا ثم قال بحدة أكبر:
باران: "قلت لكِ ارفعي نقابك وتعالي… دون مناقشتي."
تراجعت خطوة صغيرة وهمست بتردد:
ديلان: "لكنني أريد أن....."
لم يسمح لها بإكمال جملتها.
أطبق على معصمها فجأة، وسحبها خلفه بخطوات سريعة نحو خارج القصر.
شهقت ديلان وهي تحاول مجاراة سرعته.
أما هو…
فكان يمشي وكأنه يهرب من شيء يطارده.
أو ربما…
من الحقيقة التي بدأت تخرج من قلبه رغماً عنه.

-------///***//////***///------

كانت ديلان تسير خلف باران بخطوات مترددة، وقلبها ممتلئ بأسئلة لم تجد لها تفسيرًا.
إلى أين يأخذها؟،
ولماذا يبدو متوترًا إلى هذا الحد؟،
كان يسير أمامها بسرعة، وملامحه جامدة بطريقة أربكتها أكثر.
حتى قبضته المشدودة على مفاتيح السيارة كانت توحي بأنه يقاوم شيئًا يشتعل داخله.
وصل إلى السيارة، فتح لها الباب الأمامي دون أن ينظر إليها، ثم قال بصوت جاف لا يقبل النقاش:
باران: "اركبي."
ترددت لحظة، ثم صعدت بصمت.
أغلق الباب بقوة، واستدار سريعًا نحو الجهة الأخرى ليجلس خلف المقود، ثم التفت إليها أخيرًا.
كانت لا تزال تنظر إليه بريبة واضحة.
قال بصرامة:
باران: "ضعي حزام الأمان."
تنهدت بضيق وهي تسحب الحزام بتذمر واضح، ثم تمتمت بصوت خافت بالكاد سمعه:
ديلان: "ماذا سيفعل هذا المعتوه الآن… وإلى أين يأخذني بعدما حبسني في هذا القصر؟".
رمقها باران بنظرة جانبية قصيرة، لكنه لم يرد.
فهو أصلًا لم يكن قادرًا على ترتيب أفكاره.
كل ما كان يفكر فيه منذ أن علم بحالة عباس… هو كيف سيخبرها.
وكيف ستنهار حين تعرف الحقيقة.
أدار المحرك بعنف، ثم انطلقت السيارة بسرعة هائلة تشق الطريق كأنها تهرب من شيءٍ يلاحقها.
جلست ديلان بجواره صامتة، تراقب ملامحه بين الحين والآخر.
كانت تشعر بأن هناك أمرًا خطيرًا يحدث…
شيء أكبر من مجرد غضبه المعتاد.
أما باران، فكان يقود والسيطرة تفلت من داخله تدريجيًا.
صوت عاكف ما يزال يتردد في أذنيه:
"الفتاة يجب أن تودع أباها…"
قبض على المقود بقوة أكبر.
ولأول مرة منذ سنوات… شعر بالعجز.
فهو الرجل الذي اعتاد السيطرة على كل شيء، لم يكن يعرف كيف يحمي قلب فتاة من الانكسار.
وبعد دقائق طويلة من الصمت المشحون…
تباطأت السيارة أخيرًا.
رفعت ديلان رأسها، وما إن وقع نظرها على المبنى الضخم أمامها حتى عقدت حاجبيها بدهشة.
مستشفى.
أوقف باران السيارة بسرعة، ثم التفت إليها وقال بصوت منخفض لكنه حاسم:
باران: "انزلي."
نظرت إليه بعدم فهم، لكن شيئًا في ملامحه جعلها تبتلع اعتراضها.
نزلت بصمت، ثم تبعته بخطوات حائرة نحو داخل المستشفى.
كان يمشي بسرعة، بينما نظرات الناس تتبعه أينما مرّ.
هيبته المعتادة كانت تسبق خطواته، لكن خلف تلك الهيبة كان هناك توتر خفي يكاد يخنقه.
أخرج هاتفه أثناء سيره، فرأى رسالة من عاكف تخبره برقم الغرفة والطابق.
الطابق الثالث.
ضغط زر المصعد بعصبية، وما إن فُتحت الأبواب حتى دخلهما معًا.
ساد الصمت داخل المصعد.
ديلان كانت تشعر بأن قلبها ينقبض تدريجيًا دون سبب مفهوم.
أما باران…
فكان ينظر إلى الأرقام المضيئة فوق الباب وكأن كل ثانية تمر تثقل فوق صدره أكثر.
وحين توقف المصعد أخيرًا…
انفتحت الأبواب ببطء.
خرج باران أولًا، وتبعته ديلان بخطوات حذرة.
لكن ما إن رفع نظره نحو الممر حتى لمح امرأتين تجلسان قرب إحدى الغرف.
حسنية… وميرال.
تصلبت ملامحه فورًا.
أما ديلان، فما إن وقعت عيناها عليهما حتى شهقت بدهشة:
ديلان: "زوجة أبي… وميرال؟!".
ثم التفتت إلى باران بسرعة:
"ماذا تفعلان هنا؟".
لكنه لم يجب.
واصل السير نحوهما بخطوات ثقيلة.
رفعت حسنية رأسها، وما إن رأت ديلان حتى وقفت فجأة، واتسعت عيناها بالغضب والاحتقان.
اندفعت نحوها وهي تصرخ بصوت مرتفع جذب أنظار الجميع:
حسنية: "ما الذي أتى بكِ إلى هنا؟!".
ارتجفت ديلان من نبرتها الحادة، بينما أكملت المرأة بانفعال هستيري:
"منذ أن عاد من عندكِ وهو جثة هامدة! ماذا فعلتِ به؟!".
تجمدت ديلان مكانها.
شعرت وكأن الكلمات سقطت فوق رأسها كالصاعقة.
اقتربت منها ببطء وهمست بعدم فهم:
ديلان: "عن… ماذا تتحدثين يا خالة حسنية؟".
لكن حسنية انفجرت أكثر:
حسنية: "أتحدث عن أبيكِ!، عن الرجل الذي يرقد هناك بين الحياة والموت!، لا نعلم ماذا أصابه بعد أن عاد من عندكِ!".
في تلك اللحظة…
شحب وجه ديلان بالكامل.
واتسعت عيناها بصدمة حقيقية.
شعرت بأن الأرض تهتز تحت قدميها.
خرج صوتها مرتجفًا مختنقًا بالألم:
ديلان: "أبي…؟".
ثم هتفت فجأة وكأنها ترفض تصديق ما تسمعه:
"ما الذي حدث له؟! أنا… أنا لا أعلم شيئًا!".
اغرورقت عيناها بالدموع فورًا.
أما ميرال، فتقدمت منها بنظرات مشتعلة بالكراهية:
ميرال: "لا تعلمين؟! منذ فعلتكِ الأخيرة وهو هنا يصارع الموت!".
هزت ديلان رأسها بسرعة وهي تبكي:
ديلان: "أنا لا أفهم شيئًا!، لم أره منذ أيام!، منذ آخر مرة كنت فيها بالبيت!".
ثم صاحت فجأة بانهيار:
"بل أنتما… ماذا فعلتما بأبي؟!".
في لحظة واحدة…
اندفعت ميرال نحوها محاولة الإمساك بها.
لكن قبل أن تصل إليها…
تحرك باران كالعاصفة.
أمسك بذراع ميرال بعنف، ودفعها بعيدًا عن ديلان حتى كادت تسقط، وسحب ديلان خلفه.
ثم دوّى صوته في الممر كالرعد:
باران: "إياكِ أن تقتربي منها!".
ارتجفت ميرال من نبرته، بينما أكمل بغضب مرعب:
"أو تلمسيها حتى!".
ثم التفت إلى حسنية بعينين مشتعلة:
باران: "هي لا تعلم شيئًا… ولا ذنب لها فيما فعلته أنتِ."
انخفض رأس حسنية فورًا، بينما صاحت ميرال بعناد:
ميرال: "أمي لم تفعل شيئًا!، تلك قليلة التربية بأفعالها القذرة أوصلت أبي إلى هنا!".
في اللحظة التالية…
ارتفع صوت باران بصورة أرعبت حتى الممرضات القريبات:
باران: "اخرسي!".
ساد الصمت في الممر كله.
ثم اقترب خطوة من حسنية، وقال بصوت منخفض لكنه مخيف:
باران: "ألستِ أنتِ من اتصل بي؟".
ارتجفت المرأة بصمت.
أما ديلان، فالتفتت إليه ببطء وهي تشعر بأن قلبها توقف.
أكمل باران بعينين حادتين:
باران: "ألستِ أنتِ من أخبرتني أن عباس وافق على بيع ابنته مقابل أن أعفو عنه وأتنازل عن الشيك؟".
شهقت ديلان وكأن أحدهم طعنها.
بينما أكمل بصوت قاسٍ:
باران: "وأنتِ من أخبرتني أين أجدها… وأنا أرسلت رجالي لإحضارها من أمام الثانوية، كما اخبرتني."
ثم اقترب أكثر وهو يرمق حسنية وميرال بازدراء:
باران: "لذلك… إياكما أن تفتحا فميكما أمام ديلان مرة أخرى. وإن حدث ذلك… فلا تلوما إلا نفسيكما."
ساد الصمت.
صمت ثقيل خانق.
كانت ديلان تنظر إلى حسنية بذهول وانكسار.
تشعر وكأن عالمها كله ينهار دفعة واحدة، وهي ترى تلك المرأة الاي مانت تناديها بخالتي، والم الفتاة الاي ظنت انها أختا لها وقد عاشوا لسنين تحت سقف واحد، إذن هما السبب فيما تعيشه، وما حدث لابيها، أخيرا فهمت كل ما حدث لترمقهما بإزدراء.
وفي تلك اللحظة، اقترب بعض الأطباء والممرضين بعدما سمعوا الضجيج.
التفت باران إليهم مباشرة، ثم قال بصوت أكثر هدوءًا:
باران: "هذه ديلان… ابنة عباس. تريد رؤية والدها."
تقدم أحد الأطباء فورًا، وما إن رأى باران حتى بدت عليه علامات الاحترام الشديد:
الطبيب: "أهلًا بك سيد باران… هل الآنسة تخصك؟".
نظر باران إلى ديلان للحظة قصيرة، ثم أجاب بهدوء غريب:
باران: "نعم."
ارتجف قلب ديلان دون سبب مفهوم حين قالها.
أما هو فأكمل:
"لقد جاءت لترى والدها… دعوها تدخل."
أشار الطبيب إلى إحدى الممرضات، فتقدمت فورًا نحو ديلان بلطف:
الممرضة: "تعالي معي يا آنسة… سنجهزكِ للدخول."
لكن ديلان بقيت واقفة مكانها لثوانٍ.
شاحبة… ضائعة… ودموعها معلقة في عينيها.
نظرت لباران الذي اشار لها ان تذهب مع الممرضة، ثم التفتت ببطء نحو باب الغرفة المغلق…
وقلبها يرتجف خوفًا من رؤية والدها للمرة الأخيرة.

________////----/////-------

توقفت ديلان أمام باب غرفة العناية المركزة، بينما كانت قدماها ترتجفان بصورة لم تستطع السيطرة عليها.
رائحة المعقمات الحادة ملأت أنفاسها، وأصوات الأجهزة الطبية القادمة من الداخل كانت تضرب قلبها كالمطارق.
شعرت وكأن الممر يضيق حولها تدريجيًا.
كل شيء أصبح بعيدًا… مشوشًا… ثقيلًا.
وقفت الممرضة بجانبها وهي تساعدها على ارتداء الرداء الطبي، ثم قالت بلطف خافت:
الممرضة: "يمكنكِ الدخول… لكن حاولي ألا تجهدي المريض."
لم تسمع ديلان الكلمات كاملة.
كانت تحدق فقط نحو الباب الزجاجي أمامها، وكأن خلفه قدرها كله.
أما باران، فكان يقف غير بعيد عنها، يراقبها بصمت.
لأول مرة يراها بهذا الضعف.
وجهها الشاحب… ارتجاف يديها… والخوف الذي يملأ عينيها الصغيرة…
كل ذلك ضغط شيئًا قاسيًا داخل صدره.
شعر فجأة بأنه السبب في كل ما يحدث.
ولو لم يدخل حياتها…
لما وقفت الآن أمام غرفة تنتظر فيها رؤية والدها بين الحياة والموت.
لكن الوقت لم يمنحه فرصة للهروب من تأنيب ضميره.
فقد فتحت الممرضة الباب بهدوء، وهمست:
"ادخلي."
تحركت ديلان ببطء شديد.
وكأنها تخشى الحقيقة التي تنتظرها في الداخل.
خطوة…
ثم أخرى…
حتى دخلت الغرفة أخيرًا.
وفي اللحظة التي وقع فيها بصرها على السرير…
توقفت أنفاسها.
كان عباس ممددًا هناك بلا حراك.
وجهه شاحب بصورة مخيفة، وأنابيب الأجهزة تحيط به من كل جانب.
صوت جهاز مراقبة القلب كان يقطع صمت الغرفة برنين بطيء منتظم.
أما صدره…
فكان يرتفع وينخفض بصعوبة مؤلمة.
شعرت ديلان وكأن أحدهم سحب الهواء من رئتيها دفعة واحدة.
لا…
هذا ليس والدها.
ليس الرجل الذي كان يضحك بصوت مرتفع وهو يناديها "أميرتي الصغيرة".
ليس الرجل الذي كان يحمل عنها حقيبة المدرسة رغم تعبه.
ليس أباها الذي كانت ترى الأمان في عينيه دائمًا.
اقتربت ببطء حتى وصلت إلى جانبه، ثم سقطت على الكرسي قرب السرير كأن ساقيها لم تعودا تحملانها.
ارتجفت شفتاها وهي تمد يدها نحوه.
كانت يده باردة…
باردة بطريقة أرعبتها.
احتضنتها بكلتا يديها فجأة وكأنها تخشى أن تضيع منه.
ثم انكسر صوتها أخيرًا:
ديلان: "أبي…"
خرجت الكلمة ممزقة، محملة بكل الألم الذي حاولت حبسه منذ دخلت المستشفى.
اقتربت أكثر وهي تبكي:
"أنا هنا يا أبي… انظر إليّ…"
لكن عباس لم يتحرك.
فازداد بكاؤها اختناقًا.
ديلان: "أرجوك… لا تخفني هكذا…"
ثم أجهشت بالبكاء وهي تخفض رأسها فوق يده:
"أنا غاضبة منك… نعم… لكنني لا أريدك أن تتركني…"
ارتجف جسدها بالكامل.
أما خارج الغرفة…
فكان باران يقف خلف الزجاج يراقبها بصمت قاتل.
كل دمعة تسقط من عينيها…
كانت تسقط داخله هو أيضًا.
شعر بعجز لم يعرفه يومًا.
هو الذي أرعب الجميع… لم يستطع الآن أن يوقف دموع فتاة واحدة.
في الداخل، رفعت ديلان رأسها مجددًا، وبدأت تتحدث بسرعة وسط شهقاتها، وكأنها تخشى أن يرحل قبل أن يسمعها:
ديلان: "قم يا أبي… عد إلى البيت… سأفعل كل ما تريده… لن أغضبك بعد الآن… فقط افتح عينيك…"
ثم قربت جبينها من يده المرتجفة وهمست:
"أرجوك… لا تتركني وحدي…"
وفجأة…
تجمد جسدها.
شعرت بحركة خفيفة تحت أصابعها.
رفعت رأسها بسرعة، واتسعت عيناها بصدمة.
يد عباس…
تحركت.
تحركت فعلًا.
شهقت ديلان وهي تنهض فجأة:
ديلان: "أبي!".
رفت عينيها في وجهه فرأته يفتك عينيه وينظر إليها..
ثم صاحت بأعلى صوتها بانهيار:
"الطبيب! بسرعة! لقد تحرك! أبي إستعاد وعيه".
في لحظة واحدة، اندفع الأطباء والممرضون إلى الداخل بسرعة.
اقترب أحدهم من الأجهزة بينما أمسك آخر بديلان محاولًا إخراجها.
لكنها قاومتهم بجنون.
ديلان: "اتركوني! أبي استيقظ! لقد شعر بي!"
كانت تبكي وتصرخ وهي تحاول العودة إليه، لكن الممرضين أخرجوها بالقوة من الغرفة.
خرجت منهارة بالكامل، أنفاسها متقطعة، ودموعها تغرق وجهها.
وفي اللحظة التي خرجت فيها…
اقترب منها باران فورًا.
نظر إليها للحظة قصيرة، ثم جذبها إليه دون تفكير.
احتضنها بقوة.
كأنما كان يحاول حمايتها من الانهيار.
في البداية…
قاومت.
دفعت صدره بضعف وهي تبكي:
ديلان: "أبي… أبي…"
لكن قوتها خارت سريعًا.
فاستسلمت بين ذراعيه أخيرًا.
دفنت وجهها في صدره وهي تنتحب بحرقة، بينما كان يضمها أكثر دون أن يشعر.
حتى هو لم يفهم لماذا كان قلبه يؤلمه إلى هذا الحد وهو يسمع بكاءها.
رفع يده ببطء إلى خمارها، وأغمض عينيه للحظة.
لأول مرة…
أراد فقط أن يخفف عنها الألم.
لكن فجأة…
تغير كل شيء.
صدر صوت إنذار حاد من داخل غرفة العناية.
ثم تحرك الأطباء بسرعة مفاجئة.
ارتفعت الأصوات، وبدأت الأجهزة تصدر رنينًا متقطعًا مرعبًا.
انتبه الجميع فورًا.
ابتعدت ديلان عن باران بسرعة، واتجهت نحو الزجاج بعينين مرتعبتين.
كانت ترى الأطباء يتحركون حول السرير بسرعة، بينما أحدهم يحاول إنعاش عباس.
أما الجهاز…
فبدأ صوته يتحول تدريجيًا إلى صفير طويل متواصل.
شحب وجه ديلان بالكامل.
التصقت بالزجاج وهي تهمس برعب:
ديلان: "لا…"
ثم ضربت الزجاج بيديها وهي تصرخ: "أبي!!"
لكن أحدًا لم يجبها.
كل ما رأته…
كان الأطباء يحاولون إنقاذه بلا جدوى.
مرت الثواني كأنها سنوات.
ثم…
خرج الطبيب أخيرًا من الغرفة.
كانت ملامحه وحدها كافية لقتل آخر ذرة أمل داخلها.
خلع القناع الطبي ببطء، ثم قال بصوت منخفض مثقل بالعجز:
"البقاء لله… لقد توقف قلبه."
ساد الصمت.
صمت مخيف.
أما ديلان…
فشعرت وكأن العالم كله انهار فوق رأسها.
اتسعت عيناها بذهول.
تحركت شفتاها دون صوت.
ثم تراجعت خطوة…
وأخرى…
قبل أن ينهار جسدها فجأة.
كادت تسقط أرضًا، لكن باران اندفع نحوها بسرعة وأمسكها بين ذراعيه.
شحب وجهه فورًا وهو يهتف بعنف:
باران: "ديلان!".
لكنها لم تجبه.
كانت فاقدة الوعي تمامًا.
ارتجفت أنفاسه للحظة، ثم حملها بسرعة بين ذراعيه والتفت صارخًا بالأطباء بصورة أرعبت الجميع:
باران: "لماذا تقفون هكذا؟! افعلوا شيئًا!".
اندفع نحو إحدى الغرف القريبة وهو يحملها كأنها أغلى شيء يخشى فقدانه.
دخل الغرفة بسرعة، ثم وضعها برفق فوق السرير.
لكن يديه بقيتا ممسكتين بها.
وعيناه…
لم تفارقا وجهها الشاحب لحظة واحدة.
وكأن فكرة فقدانها هي الأخرى…
باتت شيئًا لا يستطيع احتماله أبدًا.
تعليقات



<>