رواية براءة ايقظت غافلا الفصل الحادي والعشرون21 بقلم عاشقة القلم

رواية براءة ايقظت غافلا

 الفصل الحادي والعشرون21 

بقلم عاشقة القلم 

مرّ يومٌ كامل…

يومٌ ثقيلٌ على قلب ميرال، بطيءٌ حدّ الاختناق، كأن عقارب الساعة تعمّدت أن تغرز نفسها في صدرها مع كل دقيقة تمرّ. لم تنم تلك الليلة إلا قليلًا، وحتى حين أغمضت عينيها، لم تجد راحة. كانت ترى وجه جلال في كل مرة… تلك النظرة الباردة التي لا تعرف رحمة، وذلك الصوت الذي يحمل دائمًا تهديدًا خفيًا، حتى عندما يكون هادئًا.

منذ أن أخبرها أن المهلة انتهت، وهي تشعر بأن الأرض تسحبها ببطء نحو هاوية لا قاع لها.

وفي صباح اليوم التالي…

كانت الشمس قد بدأت تتسلل بخفوت إلى الغرفة الصغيرة، بينما جلست ميرال على حافة سريرها، تضم يديها إلى صدرها بشرود. عيناها متعبتان، ووجهها شاحب من كثرة التفكير. كل الاحتمالات كانت تدور داخل رأسها كدوامة مرعبة…

ماذا لو اكتشف باران الحقيقة؟، ماذا لو انهار كل شيء؟، ماذا لو خسرَت والدتها؟، ماذا لو خسرَت نفسها؟،

وفجأة…

رنّ الهاتف.

انتفض جسدها بعنف، كأن الصوت صفعة أيقظتها من كابوسٍ لم ينتهِ أصلًا.

نظرت إلى الشاشة…

فتجمّد الدم في عروقها.

"جلال"

شعرت بأن أناملها بردت فورًا، وارتجف نفسها. ظلّت تحدّق بالاسم لثوانٍ طويلة، كأنها تأمل أن يختفي وحده… أن يتراجع… أن يمنحها يومًا إضافيًا من الهروب.

لكن الهاتف استمر بالرنين.

ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم أسرعت تنظر نحو باب غرفة والدتها. كان الصمت ما يزال يملأ المنزل.

أجابت أخيرًا بصوت خافت مرتجف:

ميرال: ألو…

جاءها صوته باردًا، مستقيمًا، خاليًا من أي مشاعر:

جلال: ميرال… أنا في آخر الشارع. أمامك عشر دقائق.

لم يسأل كيف حالها… لم يمنحها فرصة للكلام… حتى نبرته كانت تحمل شيئًا مرعبًا، كأن الوقت الذي منحها إياه ليس مهلة، بل عدٌّ تنازليٌّ قبل سقوطها.

أغمضت عينيها للحظة وهمست:

ميرال: نعم… أنا قادمة.

انتهت المكالمة.

لا وداع؛ لا كلمة إضافية؛ فقط ذلك الصمت الثقيل الذي تركه خلفه.

أنزلت الهاتف ببطء، ثم مرّرت يدها المرتجفة فوق وجهها. شعرت بأن قلبها يخفق بعنف حتى كاد يؤلمها.

نهضت سريعًا، واتجهت نحو المرآة الصغيرة. حاولت أن تبدو طبيعية؛ أن تخفي ارتباكها؛ أن تمحو ذلك الخوف الواضح في عينيها.

لكنها لم تستطع.

كانت ترى نفسها تغرق أمامها شيئًا فشيئًا.

التقطت حقيبتها، ثم رفعت صوتها قليلًا كي تسمعها والدتها:

ميرال: أمي… سأخرج قليلًا.

جاءها صوت حسنية من الداخل، متعبًا لكنه حنون:

حسنية: إلى أين يا ابنتي في هذا الوقت المبكر؟.

ترددت ميرال للحظة؛ شعرت بوخزة مؤلمة في صدرها وهي تكذب مجددًا.

ميرال: سأذهب للبحث عن عمل؛ قالوا إن بعض الأماكن تستقبل الطلبات صباحًا.

ساد الصمت لثوانٍ؛ ثم خرجت حسنية قليلًا من غرفتها، تنظر إليها بعينين متعبتين يملؤهما القلق.

حسنية: وأنتِ وحدك؟.

ميرال: نعم يا أمي… لا تقلقي.

اقتربت منها والدتها ببطء، وعدّلت حجابها بحنان أمٍّ لا تعلم أن ابنتها تسير نحو الخطر.

حسنية: لا ترهقي نفسك كثيرًا يا ميرال؛ يكفيني أنك تحاولين.

كادت الكلمات تخنقها.

شعرت للحظة برغبةٍ جارفة أن ترتمي في حضن والدتها وتخبرها بكل شيء! أن تقول إنها خائفة؛ ضائعة؛ وأنها لم تعد تعرف كيف تنجو.

لكنها لم تفعل.

اكتفت بابتسامة باهتة وهمست: 

ميرال: ادعي لي فقط.

ابتسمت حسنية بحنان:

حسنية: يفتحها الله 🤲 بوجهك يا ابنتي.

أومأت ميرال بسرعة قبل أن تهرب بعينيها نحو الباب.

خرجت من المنزل…

وما إن ابتعدت خطوات قليلة حتى اختفت تلك القوة الزائفة التي كانت تتظاهر بها. صار نفسها مضطربًا، وخطواتها مترددة. كانت تسير ببطء رغم خوفها من التأخير، كأن قدميها ترفضان الوصول.

الشارع كان هادئًا على غير عادته، لكن داخلها كان يعجّ بالفوضى.

كانت تشعر بأنها تسير نحو شيء مظلم، شيء سيغيّر حياتها بالكامل.

وعند آخر الشارع…

كان جلال هناك.

يقف مستندًا إلى سيارته السوداء الفاخرة، ينظر إلى ساعته بملل واضح. هيئته المرتبة، وبروده المستفز، جعلاه يبدو كرجلٍ لا يهتز مهما حدث.

لكن عينيه… عينيه كانتا تحملان قسوة تجعل القلب يرتجف.

ما إن لمحها حتى اعتدل في وقفته، وأعاد ساعته إلى معصمه ببطء.

اقتربت منه بخطوات مترددة، بينما كانت تشعر أن الهواء يختفي من حولها.

قال دون مقدّمات:

جلتل: تأخرتِ.

رفعت نظرها إليه بسرعة:

ميرال: لم أتأخر… خرجت فور اتصالك مباشرة.

نظر إليها لثوانٍ طويلة، نظرة جعلتها تشعر وكأنه يقرأ خوفها بالتفصيل.

ثم قال ببرود:

جلال: جيد… يبدو أنك بدأتِ تفهمين أن حان الوقت لتثقي بي، وان اللعب معي ليس فكرة ذكية.

شدّت أصابعها حول حقيبتها بقوة:

ميرال: أنا لا ألعب يا جلال… قلت لك إن الأمر يحتاج وقتًا.

اقترب خطوة منها، حتى شعرت بأنفاسه الباردة قربها:

جلال: ولكن الوقت انتهى، وامي قررت نفاتحة ابي في إبنة صديقتها، وابي لن يرفض نسبا كهذا، بل سيفتح امامه ابوابا لمساريع صخمة، ليرتفع إيمه امثر في مجال الاعمال، ويلمع بي كبار رحال النال والاعمال.

خفضت بصرها سريعًا.

أما هو فظل يراقبها بصمتٍ ثقيل، قبل أن يفتح باب السيارة قائلاً: 

جلال: اصعدي.

ترددت.

نظرت إلى السيارة وكأنها تنظر إلى قفصٍ يُغلَق عليها ببطء.

لاحظ ترددها، فابتسم ابتسامة خفيفة لم تصل إلى عينيه:

جلال: لا تقلقي… لن آكلك.

لكن نبرته لم تكن مطمئنة أبدًا.

ركبت أخيرًا بصمت، وأغلق الباب خلفها بقوة جعلتها تنتفض قليلًا.

استدار جلال، ثم جلس خلف المقود وأدار المحرك.

ساد الصمت لعدة لحظات… صمت خانق، لا يُسمع فيه سوى صوت السيارة وأنفاس ميرال المضطربة.

كانت تنظر من النافذة، تضم حقيبتها إلى صدرها وكأنها آخر ما تملكه في هذا العالم.

أما جلال، فكان يقود بثبات، وكأن ما يحدث أمر اعتيادي جدًا بالنسبة له.

وفجأة قال دون أن ينظر إليها: 

جلال: هل أحضرتِ الشيك؟.

تجمدت أناملها فورًا.

ميرال: نعم هو معي في حقيبتي.

احابتا بكل برود..

جلال: جيد ، واليوم هو اول يوم لنا في بناء حياتنا القادمة يا حياتي، اول خطوة نحو عشنا الدافئ يا حبيبتي.

لم تنظر إليه، ولم تشعر بطعم تلك الكلمات كما كانت تشعر بها من قبل، ولم يعد لها اثر سحري عليها، بل شعرت بالنفور وأحست أن اللحظة التي كانت تخشاها طوال الأيام الماضية، قد بدأت أخيرًا.

______//////------/////__

الطريق كله كان صامتًا…

صمتًا ثقيلًا، خانقًا، كأن الهواء داخل السيارة قد تحوّل إلى شيءٍ جامد يصعب ابتلاعه.

كانت ميرال تجلس إلى جانب جلال وظهرها مشدود بتوتر، تضم حقيبتها إلى صدرها بقوة حتى بدأت أصابعها تؤلمها. عيناها كانتا معلقتين بالنافذة، تراقبان الشوارع التي تمر أمامها بسرعة، لكنها في الحقيقة لم تكن ترى شيئًا.

كل ما كانت تراه؛ هو النهاية التي تقترب.

أما جلال، فكان يقود بثبات مريب. يدٌ واحدة على المقود، والأخرى تستقر فوق ذراع المقعد براحة أعصابٍ أثارت رعبها أكثر. لم يكن يبدو متوترًا؛ ولا حتى قلقًا.

بل بدا كرجلٍ اعتاد السيطرة على كل شيء.

بين حينٍ وآخر، كان يرمقها بنظرات جانبية سريعة، يراقب ارتجاف أناملها، شحوب وجهها، وطريقتها المضطربة في التنفس.

ثم قال فجأة، دون أن يلتفت إليها:

جلال: أنتِ متوترة أكثر من اللازم.

ارتبكت قليلًا، ثم أجابت بسرعة وهي تحاول التماسك:

ميرال: طبيعي؛ هذا المبلغ ليس قليلًا.

ابتسم بسخرية خافتة:

جلال: لا؛ ليس المال ما يخيفك.

تجمدت للحظة.

أما هو فأكمل بهدوء بارد:

جلال: هناك شيء آخر.

شعرت بأن قلبها انقبض بعنف، لكنها أجبرت نفسها على النظر نحوه بثبات مصطنع:

ميرال: وماذا قد يكون؟.

أدار المقود بهدوء، ثم قال:

جلال: لا أعرف بعد؛ لكنني سأعرف.

انخفض صوت أنفاسها.

كانت تعرف جيدًا أن جلال ليس غبيًا، وأن أخطر ما فيه، هو صبره البارد. ذلك النوع من الرجال الذين لا يصرخون كثيرًا، لأنهم يراقبون بصمت حتى يجدوا اللحظة المناسبة للانقضاض.

بعد دقائق…

توقفت السيارة أمام أحد البنوك الكبرى.

رفعت ميرال نظرها إلى المبنى الضخم، وشعرت بشيء ثقيل يهبط داخل صدرها. لسببٍ ما،ض كان قلبها يخبرها أن شيئًا سيئًا سيحدث هنا.

نزل جلال أولًا، ثم أغلق الباب خلفه بهدوء. استدارت هي ببطء، ونزلت بدورها، بينما شعرت بأن ساقيها أثقل من أن تحملاها.

دخل الاثنان إلى البنك…

الهواء البارد المنبعث من المكيفات ضرب وجهها، لكن التوتر داخلها كان أشد من أن يهدأ. أصوات الموظفين، نقرات لوحات المفاتيح، وصفير أجهزة العدّ، كل شيء بدا طبيعيًا جدًا.

وهذا ما أخافها أكثر.

تقدّم جلال بثقة نحو أحد الشبابيك، ثم أخرج الشيك من جيبه بعناية ووضعه أمام الموظف، بعد ان اخذه من ميرال في السيارة قبل ان ينزلان منها.

قال بصوت ثابت:

جلال: نريد صرف هذا.

أخذ الموظف الشيك بابتسامة مهنية معتادة، ثم بدأ بإدخال البيانات إلى الحاسوب.

في البداية؛ لم يكن هناك شيء غريب.

لكن بعد ثوانٍ قليلة…

تبدلت ملامحه.

اختفت ابتسامته تدريجيًا. توقفت أصابعه فوق لوحة المفاتيح. ثم انعكس ضوء الشاشة على وجهه الذي شحب قليلًا.

ظهرت أمامه رسالة واضحة باللون الأحمر:

"تحذير: الشيك مُبلّغ عنه --- يرجى اتخاذ الإجراءات اللازمة."

شعر الموظف بتوترٍ مفاجئ.

رفع عينيه ببطء نحو جلال؛ ثم نحو ميرال.

كانت ميرال تراقب وجهه بقلق، وما إن رأت تغير ملامحه حتى أحست أن الدم انسحب من جسدها بالكامل.

أما جلال؛ فضيّق عينيه فورًا.

لقد لاحظ.

لاحظ تلك الثانية المرتبكة؛ ذلك التوتر السريع الذي لا يراه عادة إلا من اعتاد قراءة الناس.

لكن الموظف كان محترفًا بما يكفي ليخفي ارتباكه سريعًا. ابتسم ابتسامة رسمية وقال بلطف:

الموظف: تفضلوا؛ هناك بعض الإجراءات البسيطة فقط، المدير يريد التأكد منها بنفسه. لو سمحتم، تفضلوا معي إلى مكتبه.

ساد صمت قصير.

نظرت ميرال إلى جلال بخوفٍ مكتوم، بينما كان هو يحدّق بالموظف بعينين ضيقتين، كأنه يحاول انتزاع الحقيقة من وجهه.

ثم قال ببطء:

جلال: إجراءات…؟.

الموظف: نعم سيدي، مجرد تأكيد روتيني لا أكثر، نحن هنا في الفرع عندما يكون المبلغ كبيرا، نتخذ هذه التدابير إحترازا فقط.

استمر جلال بالنظر إليه لثوانٍ طويلة، طويلة حدّ جعلت الموظف يشعر بالتوتر تحت نظرته.

ثم قال أخيرًا:

جلال: لا بأس.

التفت الموظف: من هنا لو سمحتم.

تحركوا خلفه.

خطوات ميرال كانت بطيئة، مرتبكة، تكاد تتعثر من شدة خوفها. شعرت بأن أصوات الأرضية الرخامية تحت قدميها أعلى من المعتاد، وكأن كل خطوة تعلن اقتراب الكارثة.

أما جلال، فكان يسير بهدوء مخيف.

هدوء رجل بدأت الشكوك تتحرك داخله ببطء.

دخلوا مكتب المدير.

كان مكتبًا واسعًا وفخمًا، تفوح منه رائحة القهوة والجلد الفاخر. خلف المكتب جلس رجل خمسيني بملامح رسمية صارمة، رفع نظره إليهم بابتسامة خفيفة لم تصل إلى عينيه.

المدير: تفضلوا بالجلوس.

جلس جلال أولًا، بينما جلست ميرال إلى جانبه بصعوبة، تشعر بأن قلبها يخفق داخل صدرها بعنف حتى كاد يفضحها.

أعطى الموظف الشيك للمدير بصمت، ثم خرج من المكتب وأغلق الباب خلفه.

وما إن انغلق الباب…

حتى تبدل كل شيء.

ساد صمت ثقيل.

صمت جعل ميرال تشعر وكأن الجدران تضيق حولها.

المدير أخذ الشيك بين يديه، ينظر إليه بهدوء مدروس. أما جلال، فكان يراقب الرجل بعينين حادتين، بينما بدأ إحساس غامض بالخطر يتسلل إلى داخله.

ثم…

مال المدير قليلًا إلى الخلف وقال بصوت هادئ:

المدير: أستاذ جلال؛ من أين حصلتم على هذا الشيك؟.

ارتجفت أنفاس ميرال فورًا.

أما جلال؛ فأدار رأسه ببطء شديد نحوها.

وكانت تلك النظرة وحدها… كافية لتجعل الرعب يشلّ أطرافها بالكامل.

-----------


أمسك المدير الهاتف فورًا.

تبدلت ملامحه تمامًا، واختفت تلك الابتسامة المهنية التي كان يتظاهر بها قبل لحظات. صار وجهه جامدًا، حذرًا، بينما ضغط رقمًا محفوظًا بسرعة، ثم أشاح بنظره نحو جلال وميرال الجالسين أمامه.

كانت ميرال تشعر بأن أنفاسها تختنق داخل صدرها.

كل شيء حولها أصبح ضبابيًا؛ صوت المكيف؛ رائحة القهوة؛ حتى عقارب الساعة المعلقة خلف المدير، كانت أصواتها تضرب أعصابها ببطء مرعب.

أما جلال، فكان جالسًا بثبات ظاهري، لكنه بدأ يشعر بأن شيئًا خطيرًا يُحاك حوله. حدسه لم يكن يخطئ غالبًا، والصمت داخل الغرفة صار يحمل رائحة الفخ.

جاء صوت المدير منخفضًا عبر الهاتف:

المدير: نعم؛ لدينا الشيك! الشخصان هنا الآن.

في تلك اللحظة…

تجمدت الدماء في عروق ميرال.

أما جلال، فانعقد حاجباه فورًا، واستدار بعينيه نحو المدير ببطء شديد.

جلال: ماذا تقصد بـ "لدينا الشيك"؟!.

لكن المدير لم يجبه مباشرة، بل اكتفى بقول:

المدير: حسنًا… سنبقيهما هنا.

ثم أغلق الخط.

ساد صمت ثقيل جدًا.

صمت جعل قلب ميرال يخفق بعنف حتى شعرت أنه سيفضحها أمام الجميع. أما جلال؛ فبدأت نظراته تتحول تدريجيًا.

لم تعد مجرد شكوك.

بل صار الغضب يتسلل ببطء إلى عينيه.

أدار رأسه نحو ميرال…

وكانت تلك النظرة كافية لتجعلها ترتجف.

جلال: ماذا فعلتِ…؟.

همست بسرعة وقد شحب وجهها:

ميرال: أقسم أنني لا أعرف شيئًا…

ضحك ضحكة قصيرة باردة، لكنها كانت مخيفة أكثر من الصراخ:

جلال: لا تعرفين؟!.

مال بجسده نحوها قليلًا، وصوته يهبط تدريجيًا:

جلال: منذ أن دخلنا هذا المكان وأنتِ ترتجفين كأنك تنتظرين الكارثة؛ والآن تريدين إقناعي أنك لا تعرفين؟!.

ارتبكت أنفاسها:

ميرال: أنا خائفة فقط…

قاطعها بعنف:

جلال: ممن؟!.

صمتت.

ولأول مرة؛ شعر جلال أن الصورة بدأت تكتمل أمامه.

عيناه ضاقتا أكثر.

ثم قال بصوت منخفض خطير: جلال: هل لعبتِ بي يا ميرال؟.

رفعت عينيها إليه بسرعة، والدموع بدأت تلمع داخلهما:

ميرال: لا… لم أفعل…

لكن صوتها كان ضعيفًا؛ مرتبكًا؛ ولا يحمل أي يقين.

أما في مكانٍ آخر…

كان عاكف يجلس في مكتبه يراجع بعض الملفات، حين رنّ هاتفه فجأة.

أجاب بفتور في البداية:

عاكف: نعم؟.

لكن ما إن سمع الكلمات…

حتى انتفض واقفًا بعنف.

عاكف: ماذا؟!.

جاءه الصوت من الطرف الآخر: الموظف: تم التأكد… الشيك ظهر. الشخصان موجودان الآن في مكتب المدير.

اتسعت عينا عاكف فورًا.

شعر بأن نبضه تسارع دفعة واحدة.

إذن؛ لقد سقطا أخيرًا.

أغلق الهاتف بسرعة، ثم اندفع خارج مكتبه بخطوات سريعة متوترة. حتى الموظفون في الممرات التفتوا نحوه بدهشة، فقد بدا وكأنه يركض نحو كارثة.

وصل إلى مكتب باران دون أن يطرق الباب.

فتح الباب بعنف حتى ارتطم بالجدار.

عاكف: باران!.

رفع باران رأسه فورًا بحدة.

كانت ملامحه متجهمة أصلًا، لكن نظرة عاكف وحدها جعلت شيئًا ثقيلًا يتحرك داخله.

نهض ببطء:

باران: ماذا هناك؟.

اقترب عاكف وهو يلهث قليلًا: عاكف: الشيك… ظهر.

تجمّد باران للحظة.

شعر وكأن الكلمات ضربت صدره مباشرة.

باران: ماذا قلت؟.

عاكف:اقول الشيك المسروق من عباس ظهر، والشخصان الذان فعل ذلك، هما الآن في البنك… تم الإمساك بهما.

سكت قليلا يلتقط أنفاسه ثم واصل..

عاكف: منذ ذلك اليوم شككت ان في الامر شيء، فعباس رحمه الله لم يكن من الاشخاص المتهورين او المهملين، بل مان رحلا عمليا، ويتقن عمله عل اكنل وجه، بسبب خبرته التي إكتسبها من سنين عمله الطويلة معنا في الشركة، ومن ايام والدك ،لم يحدث معه امرا مشابه لذلك، فشكمت في الأمر وبلغت حميع فروع البنوك الموجودة في المدينة، عن الشيك وانه مسروق، وإذا ظهر او إستخرج ذلك المال من اي فرع، فإننا نعتبر الفرع هو المسؤول وسنحيله لمسائلة قانونية في ذلك، واليوم جائني إتصالا، يخبرني بظهور الشيك لدى شخصين وهما الان في البنك.

لم يسأل "من؟".

لأنه عرف او كان لديه شكوك  حول ميرال، وتصرفاتها يوم وفاة والد ديلان، تلك النظرات الحاقدة التي كانت ترمقها بها، وحدسه  بسبب تعاملاته في هذا المجال، وخبرته التي إكتسبها من عمله، وحياته لاحتكاكه بنساء يشبهن ميرال، فهن على إستعداد فعل اي شيء مقابل حصولهن على المال.

ذلك الاسم وحده مرّ داخل رأسه كشرارة أشعلت شيئًا مظلمًا داخله.

اتسعت عيناه تدريجيًا، ثم قال بصوت منخفض خطير:

باران: أي بنك؟.

عاكف: الفرع الرئيسي للبنك الذي نتعامل معه دائما في صفقاتنا.

لم يتردد لحظة.

خطف مفاتيحه بعنف حتى كادت تقع بعض الأوراق عن المكتب. ثم اتجه نحو الباب بخطوات سريعة حادة.

باران: هيا.

خرج الاثنان بسرعة…

وفي دقائق قليلة، كانت السيارة تشق الطريق كالسهم.

المحرك يزأر بعنف، والمدينة تمر أمامهما بسرعة مشوشة.

عاكف كان ينظر للطريق بترقب، يحاول قراءة ملامح باران الجالس خلف المقود.

لكن باران…

كان صامتًا.

صامتًا بطريقة مخيفة.

قبضته مشدودة على المقود حتى برزت عروق يده بقسوة. فكّه معقود، وعيناه مثبتتان على الطريق بحدة جعلت عاكف يشعر أن أي كلمة قد تشعل انفجارًا.

لكن خلف ذلك الصمت…

كانت عاصفة كاملة تشتعل داخله.

الغضب؛ الخذلان؛ والشك الذي حاول تجاهله طوال الأيام الماضية.

كل شيء كان يعود الآن بصورة أوضح.

قبض على المقود بقوة أكبر.

وفي داخله؛ كان هناك شيء آخر يؤلمه أكثر من السرقة نفسها.

لم يكن يريد تصديق أنها فعلتها.

لم يكن يريد أن تكون هي.

قال عاكف بحذر بعد صمت طويل:

باران: باران… هذا هو تفسير المنط...

قاطعه فورًا بصوت بارد:

باران: لا تقل شيئاالآن؛ أظنني عرفت من فعلها.

ساد الصمت مجددًا.

ثم أضاف بعد لحظة، وصوته أشد انخفاضًا:

باران: إذا كانت فعلتها فعلًا…

لكنه توقف.

كأن الكلمات نفسها أثقل من أن تُقال.

نظر عاكف إليه بصمت.

أما باران… فكان يرى صورتها فقط.

صورة ديلان.

وجهها، عيناها، وارتجافها كلما اقترب منها.

وبين الغضب الذي بدأ يشتعل داخله؛ وبين قلبه الذي كان يرفض أن يصدق…

كان الطريق نحو البنك يتحول تدريجيًا إلى طريق نحو حقيقة ستغيّر كل شيء.

وحين انعطفت السيارة أخيرًا نحو الفرع الرئيسي…

كانت عينا باران تشتعلان بطريقة جعلت عاكف يدرك أن اللحظة القادمة… لن تمر بسلام أبدًا.

______////******////___


اندفعت خطوات باران وعاكف داخل البنك بسرعةٍ مشحونة بالتوتر، حتى بدا وكأن الهواء نفسه يفسح لهما الطريق.

وجوه الموظفين التفتت نحوهما بقلق، والهمسات بدأت تنتشر بخفوت بين المكاتب. فهيئة باران وحدها كانت كافية لتزرع الرهبة في المكان، ملامحه القاسية، عيناه المشتعلتان، وطريقته الحادة في السير، كرجلٍ يقترب من حقيقة يخشاها بقدر ما يتوق إليها.

أما عاكف، فكان يسير إلى جواره محاولًا مجاراة خطواته السريعة، بينما قلبه ينبض باضطراب. لقد رأى باران غاضبًا مرات كثيرة، لكنه نادرًا ما رآه بهذا الصمت.

وذلك الصمت تحديدًا، كان الأخطر.

وصلا أخيرًا إلى مكتب المدير.

توقف عاكف أمام الباب لثانية، ثم طرق طرقات خفيفة متوترة. جاءهما صوت المدير من الداخل: المدير: تفضلوا.

فتح عاكف الباب…

ودخل باران أولًا.

لكن ما إن وطئت قدمه داخل المكتب…

حتى تجمّد فجأة.

كأن الزمن توقف للحظة.

اتسعت عيناه بصدمة حقيقية، وتجمد الهواء داخل صدره وهو يحدق بالفتاة الجالسة أمامه.

هي.

الوجه نفسه؛ العينان نفسيهما؛

الفتاة التي لمحها في بيت عباس.

خرج صوته أخيرًا، منخفضًا في البداية، لكنه كان ممتلئًا بذهولٍ يكاد يتحول إلى انفجار:

باران: أنتِ…!.

التفتت ميرال ببطء.

وكأنها كانت تعلم منذ البداية أن هذه اللحظة ستأتي، أن الباب سيفتح يومًا، وأن ماضيها كله سيدخل منه دفعة واحدة.

لكن حين وقعت عيناها على باران…

شحب وجهها بالكامل.

اتسعت عيناها بصدمة مرعبة، وانحبس نفسها داخل صدرها. شعرت للحظة أن الأرض اختفت تحت قدميها.

هو.

ليس أي أحد…

بل باران نفسه.

الرجل الذي تسبب ظلمُه لعباس في انهيار كل شيء، والرجل الذي كانت تخشى مواجهته أكثر من الشرطة نفسها.

تقدم باران خطوة نحوها.

ملامحه كانت تتغير تدريجيًا، الذهول يتحول إلى استيعاب، والاستيعاب يتحول إلى غضب مخيف.

قال بصوت أكثر حدة:

باران: لقد رأيتكِ في بيت عباس؛ أنتِ ابنة زوجته!.

ثم أشار إليها بإصبع مرتجف من شدة الانفعال:

باران: أنتِ من سرق الشيك منه!.

ارتجفت ميرال بعنف.

أما هو فأكمل، وصوته بدأ يعلو أكثر:

باران: ونحن؛ نحن اتهمناه ظلمًا بسببك!

في تلك اللحظة…

عاد كل شيء إلى رأسه دفعة واحدة.

وجه عباس المنهار؛ إصراره على البراءة؛ نظرات ابنته الخائفة؛ وذلك الإحساس الغامض الذي راوده وقتها بأن هناك شيئًا ناقصًا.

شعر بغضب هائل يجتاح صدره.

ليس فقط لأنها سرقت…

بل لأنهم ظلموا رجلًا بريئًا بسببها؛ ورميت فتاة بريئة داخل بئر مظلم لا تعرف قراره.

أما ميرال؛ فلم تستطع الكلام.

كانت تنظر إليه بعينين ممتلئتين بالرعب والانكسار، بينما الكلمات تختنق داخل حلقها.

لكن باران لم يتوقف.

كان الغضب داخله يتضاعف مع كل ثانية.

اقترب أكثر، ثم قال بقسوة جعلت حتى المدير يتوتر:

باران: ولم تكتفي بهذا؛ بل رميتِ ابنته لتتخلصي منها! أليس كذلك؟!.

شهقت ميرال بقوة، وكأن الكلمات طعنتها.

ميرال: لا…!، أنا....

لكن صوتها اختفى.

أما باران فاستدار فجأة نحو جلال.

عيناه كانتا حادتين بصورة مخيفة.

باران: وهذا شريكك.

شعر جلال بالخطر يقترب منه أخيرًا.

ومنذ اللحظة التي رأى فيها باران يدخل، أدرك أن اللعبة بدأت تنهار. لكن غريزة النجاة داخله كانت أقوى من أي شيء.

فنهض بسرعة، رافعًا يديه بنفي واضح:

جلال: لا! أنا لا علاقة لي بكل هذا!.

التفتت الأنظار إليه.

حتى ميرال نظرت نحوه بذهول، كأنها لم تستوعب بعد ما يحاول فعله.

أخذ جلال نفسًا عميقًا، ثم قال بنبرة حاول أن يجعلها ثابتة:

جلال: أقسم أنني لا أعلم شيئًا؛ هذه الفتاة ابنة جارتي.

وأشار نحو ميرال وكأنها مجرد شخص لا يعنيه.

جلال: جاءت إليّ وطلبت مني أن أرافقها للبنك؛ قالت إن الشيك مكافأة نهاية خدمة لزوج أمها.

ثم أكمل بسرعة:

جلال: وإن أمها مريضة ولا تستطيع الحضور بنفسها؛ هذا كل ما أعرفه.

ساد الصمت.

صمت ثقيل جدًا.

كل العيون اتجهت نحو ميرال.

وفي تلك اللحظة…

انكسر شيء داخلها.

انفجرت فجأة.

ميرال: كاذب!!.

خرجت صرختها حادة، مرتجفة، مليئة بالقهر والانهيار.

حتى جلال تراجع خطوة للخلف من شدة حدتها.

كانت تنظر إليه بعينين حمراوين، والدموع تنهمر على خديها دون توقف.

ميرال: أنت من حرّضني!.

أشارت إليه بيد مرتجفة:

أنت من أخبرني أن زوج أمي مدير حسابات!، وأن لديه وثائق وأموالًا تحت يديه بحكم وظيفته!.

ارتبك جلال: اخرسي.....

لكنها صرخت بقوة أكبر:

ميرال: أنت من طلب مني أن أسرق أي شيء؛ أي شيء لنبدأ به مشروعًا!.

تقدمت خطوة نحوه، كأنها نسيت الجميع حولها.

ميرال: قلت إنك تحبني؛ وأنك ستتقدم لي!.

صوتها بدأ ينهار أكثر:

ميرال: قلت إننا سنتزوج؛ وإنك لن تتركني أبدًا!؛ لكنك محتاج للمال لتثبت نفسك امام والديك، حتى يقبلان بزواجك مني.

للحظة…

بدت كفتاة صغيرة تحطمها الخيانة أمام الجميع.

أما جلال، فقد بدأ يفقد ثباته الحقيقي. العرق ظهر فوق جبينه، لكنه حاول التماسك:

جلال: هذا افتراء! تحاولين توريطي معها!.

ميرال: كاذب! ؛ صاحت مجددًا وهي تبكي....

ميرال  أنت السبب في كل شيء!.

تعالت الأصوات داخل المكتب.

المدير يحاول التدخل، عاكف يراقب بصدمة، وجلال يصرخ دفاعًا عن نفسه، وميرال تنهار أكثر مع كل كلمة.

لكن وسط تلك الفوضى…

كان هناك شخص واحد لم يعد يسمع شيئًا.

باران.

وقف في مكانه، وعيناه تتحركان بينهما بصمت ثقيل.

كل كلمة كانت تضرب رأسه بعنف. السرقة؛ الخيانة؛ الظلم الذي وقع على عباس وديلان؛ وكل الأكاذيب التي انكشفت دفعة واحدة.

شعر وكأن الغرفة تضيق عليه.

الغضب داخله بلغ حدًا مرعبًا.

حتى أنفاسه أصبحت ثقيلة.

وفجأة…

رفع يده بعنف.

باران: كفى!.

انفجر صوته داخل المكتب كالرعد.

تجمد الجميع فورًا.

حتى ميرال سكتت، وهي تنظر إليه بخوف.

أما باران… فكان ينظر أمامه بعينين تشتعلان بطريقة مخيفة.

ثم التفت ببطء نحو المدير، وقال بصوت حاسم لا يقبل النقاش:

باران: اتصلوا بالشرطة…

ساد الصمت ثانية.

ثم أكمل، ونبرته كانت أشد قسوة:

باران: الان فورًا

               الفصل الثاني والعشرون من هنا

لقراءة باقي الفصول اضغط هنا 

تعليقات



<>