رواية براءة ايقظت غافلا الفصل الثاني والعشرون22 بقلم عاشقة القلم

رواية براءة ايقظت غافلا 

الفصل الثاني والعشرون22 

بقلم عاشقة القلم 

بعد مدة قصيرة...

دخل رجال الشرطة إلى المكتب بسرعةٍ حاسمة، فتبدّل جو الغرفة بالكامل.

قبل لحظات فقط، كانت الأصوات تتعالى بالفوضى والاتهامات، أما الآن، فقد حلّ نوع آخر من الصمت. صمت ثقيل، بارد، يحمل رائحة النهاية.

وقف أحد الضباط في منتصف المكتب، ينظر إلى الجميع بعينين صارمتين، ثم قال بنبرة رسمية: 

الضابط: الجميع يهدأ؛ وسيتم أخذ الأقوال في المركز.

اقترب شرطي آخر من جلال أولًا: الشرطي: سترافقنا من فضلك.

ارتبك جلال فورًا:

جلال: لكنني أخبرتكم أنني لا علاقة لي بالأمر!.

الضابط: ستشرح ذلك في التحقيق.

ثم التفت الضابط نحو ميرال.

كانت ما تزال واقفة قرب المكتب، شاحبة بصورة مخيفة. كأن روحها انسحبت منها بالكامل.

عيناها كانتا زائغتين؛ تتنقلان بين الوجوه حولها بلا تركيز.

جلال؛ الذي تخلى عنها.

باران؛ الذي ينظر إليها الآن بنظرة لا تستطيع تفسيرها.

المدير؛ رجال الشرطة؛ وكل تلك العيون التي تحاصرها وقد بدت لهم مجرمة حقيقية.

شعرت فجأة بأن الجدران تضيق عليها.

أن الهواء اختفى.

أن كل الطرق أُغلقت.

اقترب منها أحد الضباط بلطف حذر:

الشرطي: آنسة... مابك؟، هيا قفي ام انك اصبحت لا تستطيعين الوقوف؟.

وقفت ثم رفعت نظرها إليه ببطء.

وفي تلك اللحظة...

كان شيء ما ينكسر داخلها بالكامل.

كانت تسير إلى جانب الشرطي بإتجاه مخرج البنك، لكنها لم تعد تفكر بمنطق. لم تعد ترى مستقبلًا؛ ولا حتى مخرجًا.

كل ما شعرت به؛ هو الرعب.

رعب خام، خانق، جعل عقلها يصرخ بشيء واحد فقط:

اهربي.

اهربي قبل أن يُغلق كل شيء.

وضعت يدها فوق رأسها فجأة، وترنحت خطوة للخلف.

شهقت إحدى الموظفات:

" يبدو أنها ستسقط!".

ثم...

هوَت على كرسي قريب من باب البنك.

الشرطي: لقد أُغمي عليها!، قال أحد رجال الشرطة بسرعة.

كان الجميع قد تحرك بعيدا عنها، خارج البنك وبقي بجانبها الشرطي الذي كان يمسك بذراعها.

حتى باران كان قد وصل لسيارته دون وعي، كان يمشي بخطوات سريعة للأمام، بينما انحنى الشرطي ليتفقد نبضها.

الشرطي: آنسة؟ هل تسمعينني؟.

كانت ساكنة تمامًا.

هادئة بصورة غريبة.

لكن في اللحظة التالية، وعندما احست انها الفرصة السانحة.

فتحت عينيها فجأة.

ودفعت الشرطي بكل قوتها.

نهضت بسرعة جنونية، ثم اندفعت نحو الباب كالسهم.

الشرطي أوقفوها!، صرخ الشرطي بعنف.

تعثر الشرطي ليمسك بها، بسبب حركة الوافدين للبنك عند المدخل، الذي تسللت من بينهم ميرال وافلتت من قبضته.

لكنها كانت قد خرجت بالفعل وافلتت من رجال الشرطة في الخارج الذين لم ينتبهوا لها، ولم يسمعوا صرخات الشرطي في الداخل، بسبب صخب حركة المرور في الخارج.

ركضت.

ركضت كما لو أن الموت نفسه يطاردها.

 كانت قد ركضت في الممرات الطويلة للبنك، مرت أمامها مشوشة، أصوات الناس اختلطت بالصراخ، والهواء صار يلسع صدرها بقوة وهي تحاول التنفس.

خلفها، تعالى صوت الخطوات.

الشرطي: أمسكوها!، أسرعوا!

لكن ميرال لم تكن تسمع شيئًا.

أو ربما، لم تعد تريد أن تسمع.

كانت تبكي وهي تركض.

دموعها تحجب رؤيتها، وقلبها يخفق بجنون داخل صدرها.

كل شيء انهار.

جلال كذب عليها. باران اكتشف الحقيقة الكاملة، اللعبة القذرة التي لعبتها للتخلص من عباس وديلان، التي حاولت النيل من شرفها. الشرطة جاءت. وأمها...

أمها ستعرف.

تلك الفكرة وحدها مزقت روحها.

خرجت من باب البنك إلى الشارع مباشرة.

الهواء البارد ضرب وجهها بعنف، والسيارات تمر بسرعة أمامها، لكن عقلها كان غارقًا بالكامل في الهروب.

فقط اهربي...

اهربي من الخوف؛ من الذنب؛ من تلك النهاية السوداء التي تطبق على عنقها.

وفي الجهة الأخرى...

إلتفت باران إلى الباب بسرعة، ثم تقدم نحوه يتبعه عاكف وبعض رجال الشرطة.

لكن ما إن رفع عينيه نحو الشارع...

حتى شعر أن الزمن تباطأ فجأة.

رأى ميرال تركض وسط الطريق.

ورأى السيارة القادمة.

كانت تندفع بسرعة جنونية.

السائق ضغط على المنبه بعنف.

صوتٌ حاد اخترق المكان.

لكن ميرال لم تلتفت.

كانت تركض بلا وعي.

وفجأة؛

باران: ميرالللل!! ؛ خرج صوت باران صارخًا للمرة الأولى.

استدارت برأسها نحوه بشكل غريزي...

وفي اللحظة نفسها؛

صرير فراملٍ عنيف شقّ الشارع.

ثم...

ارتطام.

صوت قاسٍ؛ مرعب؛ كأنه حطم شيئًا داخل كل من سمعه.

تجمد الجميع.

حتى الهواء نفسه بدا وكأنه توقف.

ارتفع جسد ميرال قليلًا بفعل الصدمة، ثم سقط على الأرض بقوة.

بلا حراك.

ساد الصمت.

صمت ثقيل، مرعب، ابتلع كل الأصوات حوله.

السائق خرج من السيارة مذعورًا: 

" يا إلهي... لم أرها! أقسم أنني لم أرها!".

لكن لا أحد أجابه.

لأن العيون كلها كانت معلقة بذلك الجسد الصغير الملقى على الإسفلت.

أما باران...

فقد توقف في مكانه.

قدماه شعرتا فجأة بثقلٍ غريب.

لم يعد يسمع شيئًا.

لا صراخ الناس؛ ولا صوت السيارات؛ ولا حتى أنفاسه.

فقط ذلك المشهد أمامه.

ميرال.

ساكنة.

اقترب خطوة...

ثم أخرى.

وكأن عقله يرفض تصديق ما يراه.

في داخله، كان الغضب ما يزال مشتعلًا؛ لكن شيئًا آخر بدأ يزحف بقسوة أشد.

الصدمة.

ثم الندم.

وصل أخيرًا إليها.

نظر إلى الدم الممتد قرب رأسها، وإلى عينيها المغمضتين بضعف.

وشعر بشيء ينهار داخله بعنف.

همس بصوت بالكاد خرج:

باران: لا...

ركع قربها دون وعي.

وللمرة الأولى منذ وقت طويل...

بدت ملامح باران مهزوزة.

حقًا مهزوزة.

مد يده ببطء نحوها، لكنه توقف قبل أن يلمسها، كأنه خائف من الحقيقة التي سيشعر بها إن فعل.

أما عاكف؛ فوقف خلفه مصدومًا، عاجزًا عن الكلام.

كل شيء حدث بسرعة مرعبة.

قبل دقائق فقط، كانت تصرخ وتدافع عن نفسها...

والآن...

تقبع بين الحياة والموت.

أغمض باران عينيه للحظة.

لم يكن هذا ما أراده.

أراد الحقيقة؛ أراد استعادة حق عباس؛ كرامة ديلان التي ارادت سحقها؛ اراد ان تظهر الحقيقة للعيان، أراد معاقبة المذنب فقط.

لكن ليس هكذا.

أبدًا ليس هكذا.

فتح عينيه مجددًا، ونظر إليها بصمت طويل.

وفي تلك اللحظة...

أدرك أن النهاية التي بدأت بسرقةٍ وكذبة وخيانة؛ انتهت بشيء أكثر قسوة من الجميع.

شيء سيبقى يطارده طويلًا.

لأن بعض الأخطاء؛ حتى بعد انكشاف الحقيقة، تترك خلفها ندوبًا لا يمحوها الزمن أبدًا.


____////*/**/*/**/*////___


لم يصل الخبر إلى حسنية كخبرٍ عادي...

بل جاءها ككارثةٍ اقتلعت قلبها من مكانه دفعةً واحدة.

كانت تجلس في غرفتها الصغيرة، تحاول أن تُشغل نفسها بأي شيء كي لا تفكر في تأخر ميرال. فنجان الشاي أمامها برد منذ وقت طويل، وعيناها بين الحين والآخر تتجهان نحو الباب، تنتظر صوت خطوات ابنتها المعتاد.

كانت قلقة...

لكنها لم تتخيل أبدًا أن القلق قد يتحول إلى جحيم.

وفجأة...

دوّى طرقٌ عنيف على الباب.

انتفضت من مكانها بخوف، وسقطت الملعقة من يدها.

تكرر الطرق بسرعة أكبر، مصحوبًا بأصوات متداخلة وهمسات في الخارج.

اقتربت بخطوات مرتبكة، وقلبها بدأ ينبض بطريقة أخافتها.

فتحت الباب...

لتجد بعض الجيران يقفون أمامها بوجوه شاحبة، ونظراتٍ عاجزة عن مواجهتها.

شعرت فورًا أن شيئًا سيئًا حدث.

شيئًا سيئًا جدًا.

قالت بارتباك:

حسنية: ماذا هناك...؟ لماذا تنظرون إليّ هكذا؟.

ساد صمت قصير.

صمت ثقيل... كأن الجميع يخشى نطق الحقيقة.

ثم خرجت الكلمة أخيرًا من فم إحدى النساء بصوت مرتجف:

المرأة: حسنية... ميرال...

توقفت المرأة، واغرورقت عيناها بالدموع.

أما حسنية، فقد بدأت تهز رأسها بعنف قبل حتى أن تسمع.

حسنية: لا...

لكن الكلمة جاءت أخيرًا...

قاسية... قاتلة...

المرأة: ميرال ماتت.

وفي تلك اللحظة...

كأن العالم انشق تحت قدميها.

اتسعت عيناها بصدمة مرعبة، وتراجعت خطوة للخلف وهي تحدق بهم كأنهم يتحدثون بلغة لا تفهمها.

حسنية: لا...

خرجت الكلمة ضعيفة، مرتعشة.

ثم بدأت تهز رأسها بعنف أكبر:

حسنية: لا... هذا ليس صحيحًا... ابنتي خرجت منذ قليل... ستعود...

نظرت نحو الشارع كأنها تنتظر ظهورها في أي لحظة.

حسنية:ميرال لا تموت... فهمتم؟! ابنتي لا تموت!.

لكن الوجوه أمامها كانت تكفي.

ذلك الحزن... ذلك العجز... وذلك الصمت الذي لا يُقال بعده شيء.

شعرت بأن أنفاسها تختنق.

ثم فجأة اندفعت خارج المنزل.

دون أن ترتدي حجابها جيدًا... دون أن تغلق الباب خلفها... حتى نعليها لم تنتبه أنها ارتدتهما بشكلٍ خاطئ.

كأن روحها سبقتها إلى هناك.

كانت تركض في الشارع وهي تلهث، والناس يلتفتون إليها بصدمة. أما هي، فلم تكن ترى أحدًا.

فقط اسم واحد يصرخ داخلها:

"ميرال!!..."

وصلت إلى المستشفى أخيرًا.

وجهها شاحب، وشعرها مبعثر، وأنفاسها متقطعة بعنف.

دخلت تركض كالمجنونة.

حسنية: أين ابنتي؟!.

صرخت في وجه أول ممرضة صادفتها:

حسنية: أين ميرال؟! أخبروني أين ابنتي؟!.

حاولت الممرضة تهدئتها:

المنرضة: سيدتي، اهدئي قليلًا.

لكن حسنية دفعتها عنها وهي تصرخ:

حسنية: لا تقولوا لي اهدئي! أين ابنتي؟!.

بدأت تبكي بصورة هستيرية:

حسنية: أريد ابنتي... فقط دعوني أراها...

تبادل الأطباء والممرضات النظرات بحزن.

ثم اقترب أحدهم منها برفق:

الممرض: تعالي معنا...

تبعته بخطوات متعثرة.

كل خطوة كانت تشعرها بأنها تقترب من شيء مرعب لا تريد رؤيته.

الممرات بدت أطول من المعتاد... باردة... وصامتة بطريقة مخيفة.

حتى وصلوا أخيرًا إلى ذلك الباب المعدني البارد.

مركز حفظ الجثث.

توقفت حسنية فجأة.

كأن قدميها تجمدتا.

عيناها اتسعتا برعب وهي تنظر إلى الباب.

ثم همست بصوت مكسور:

حسنيى: لا!!...

تراجعت خطوة.

حسنية: ليست هي... ليست ابنتي...

بدأ جسدها يرتجف بعنف.

حسنية: أرجوكم... قولوا إنها ليست هي...

لكن لا أحد أجاب.

فتح أحد العاملين الباب ببطء.

الهواء البارد الخارج من الداخل ضرب وجهها بقسوة.

ثم اقترب العامل من أحد الأدراج المعدنية، وسحبه ببطء...

وكان هناك جسد مغطى بملاءة بيضاء.

شعرت حسنية أن قلبها توقف.

همست وهي تبكي:

حسنية: لا... لا تكشفوا الوجه...

لكن العامل رفع الغطاء ببطء.

وفي اللحظة التي ظهر فيها وجه ميرال...

انهارت الدنيا كلها.

خرجت صرخة ممزقة من أعماق روحها:

حسنية: ميرااااااااااال!!.

سقطت على ركبتيها بعنف.

حتى الأطباء ارتبكوا من شدة صوتها.

مدّت يديها المرتجفتين نحو وجه ابنتها، ولمّا لمست برودته...

شهقت كأن سكينًا غُرز في صدرها.

حسنية: لا... لا يا ابنتي... استيقظي...

أخذت تهزها بلطف هستيري:

حسنية: ميرال... افتحي عينيكِ... أنا هنا... أمكِ هنا...

لكن الجسد بقي ساكنًا.

باردًا.

صامتًا.

وهنا انفجر قلبها بالكامل.

انحنت فوقها تبكي بحرقة:

حسنية: لماذا فعلتِ هذا بي يا ابنتي؟! ؛ لماذا تركتِني وحدي؟!.

دموعها انهمرت بلا توقف وهي تقبل جبينها البارد:

حسنية: كنتِ قولي لي... كنتِ احكي لي... أنا أمكِ... كنتُ سأقف معكِ... كنتُ سأحميكِ...

ثم فجأة...

لاحظ الأطباء شيئًا.

تبادلوا النظرات بتردد.

وأخيرًا اقترب أحدهم بحذر.

الطبيب: سيدتي... هناك أمر يجب أن تعلميه...

رفعت حسنية رأسها ببطء.

عيناها كانتا غارقتين بالدموع، وملامحها ضائعة بالكامل.

حسنية: ماذا...؟.

تردد الطبيب للحظة.

حتى صوته خرج منخفضًا:

الطبيب: ابنتك... كانت في بداية حمل.

تجمد كل شيء.

حتى دموعها توقفت للحظة.

حدقت فيه دون استيعاب.

حسنية: ماذا... قلت؟.

خفض الطبيب نظره:

الطبيب: الحمل لم يتجاوز الشهرين، وقد حدث لها نزيف خاد بسبب الإصطدام، وإ تطامها بالارض، نزيف داخلي على مستوى الرأس، ونزيف بسبب الجنين من شدة الاتجاج، الذي حدث لها من قوه الاصطدام بالسيارة المسرعة بإتجاهها... 

شعرت وكأن الكلمات لم تدخل أذنيها..، بل سقطت مباشرة فوق قلبها كصخور ساحقة.

هزت رأسها ببطء.

حسنية: لا...

ثم كررتها بصورة أعنف:

حسنية: لا... ابنتي ليست كذلك... مستحيل...

بدأ نفسها يضطرب.

- أنتم مخطئون... نعم... مخطئون...

لكن الطبيب أكمل بحذر:

الطبيب: كانت على علاقة بشخص يُدعى جلال...الشرطة التي حظرت معها هي من اعلمتنا بذلك.

اتسعت عيناها ببطء مخيف.

ثم فجأة انفجرت.

حسنية: لاااااااااااا!!.

ضربت صدرها بيدها بقوة وهي تصرخ:

حسنية: ماذا فعلتِ بنفسك يا ميرال؟!، ماذا فعلتِ بي أنا؟!.

ثم بدأت تضحك.

ضحكة غريبة..؛ مكسورة؛ مرعبة.

ضحكة امرأة بدأ عقلها يتشقق من شدة الألم.

حسنية:  ابنتي لا تفعل هذا... لا... أنتم تكذبون...

ثم تحولت الضحكة فجأة إلى بكاء هستيري.

أمسكت شعرها بكلتا يديها وهي تصرخ:

حسنية: يا رب... لماذا؟!، لماذا أنا؟!.

بدأت كلماتها تتداخل بصورة غير مفهومة.

حسنية: كنتِ صغيرة، 

 كنتِ تخافين من الظلام، 

كنتِ تنامين في حضني،

ثم نظرت فجأة نحو ميرال، وكأنها تراها حية.

ابتسمت ابتسامة مرتجفة:

حسنية: ميرال... تعالي هنا يا ابنتي...

اقتربت قليلًا من الجسد:

حسنية: لم تذهبي... أليس كذلك...؟

 أنتِ فقط نائمة،

ثم فجأة فقدت توازنها.

وسقطت أرضًا.

هرع الأطباء نحوها بسرعة:

 أمسكوها!، أحضروا المهدئ بسرعة!.

لكن حسنية كانت قد بدأت تنهار بالكامل.

عيناها تنظران إلى الفراغ، وشفتيها تتحركان بكلمات متقطعة بين الضحك والبكاء:

حسنية: ميرال... لا تتركيني وحدي... 

أنا خائفة... يا ابنتي... خائفة...

ميرال لماذا فعلت هذا...

سكتت ثم قالت....

حسنية: إبنتي لم تفعل شيء، لم تقم علاقة بشاب، بل ديلان هي من ذهبت مع ذلك الرجل.

نظرت للأطباء وصاحت بهم..

حسنية: إبنتي لم تفرط في شرفها، بل ديلان هي من فعلت.

ثم سقطت على الارض تبكي بكاء يمزق القلوب ونحيبها قطع سكون المكان ثم خرج كلامها همسا...

حسنية: كنت دائما تكرهين ديلان وتغارين منها، وعندما وجدت الفرصة دفعتها في النار، سكتت وبدات تنظر حولها ثم اكملت...

حسنية: وانا وافقتك ولم اوقفك، جاريتك في فكرتك لنسحق بنت يتيمة، لم يكفنا يتمها وما فعلناه بها لسنوات، اردت كسرها والنيل من شرفها، وكسر الرجل الذي اوانا في بيته، الذي لم تتقبليه يوما، لكنك إنتقمت من نفسك ومني بعملتك تلك.

انا لم اكن اراك وانت تهوين في قاع البىر الذي رميت به ديلان، لكن ديلان نجت منه وانت وقعن واوقعتني معك.

ثم بدات تضحك ضحكا هستيريا ..

حسنية: ديلان نجت وتزوجت شابا ثريا كما حلمت به انت، هي لم تكن تحلم بذلك فنالته،اما انت وقعت في قاع البئر.

ثم صرخت بأعلى صوتها...

حسنية: ميراااالللل!!!!...

ثم عادت تهذي تارة تبكي 😭 واخرى تضحك...


__*******__*******__

بعد أيام...

لم يعد الزمن يُقاس عند حسنية بالساعات أو بالأيام.

كل شيء منذ تلك الليلة المشؤومة أصبح ضبابيًا؛ باهتًا؛ كأن الحياة نفسها انسحبت منها وتركت خلفها جسدًا يتحرك بلا روح.

كانت المصحّة هادئة على نحوٍ مؤلم.

جدران بيضاء طويلة، رائحة الأدوية والمطهّرات تملأ المكان، وصمت ثقيل لا يقطعه سوى أصوات خطوات الممرضات أو صدى ضحكاتٍ بعيدة لمرضى فقدوا صلتهم بالعالم.

وفي إحدى الغرف...

كانت حسنية تجلس في زاوية السرير الصغير.

ظهرها منحني، وعيناها شاردتان في الفراغ، كأنهما تبحثان عن شيء ضاع ولن يعود أبدًا.

شعرها الذي كان مرتبًا دائمًا أصبح مبعثرًا، ووجهها ذبل بصورة موجعة، حتى التجاعيد بدت أعمق، وكأن سنوات طويلة مرت فوقها خلال أيام قليلة فقط.

كانت تضم بين يديها طرف ثوبٍ قديم.

تضغط عليه بحنان... وكأنها تحتضن طفلة صغيرة.

تبتسم أحيانًا...

ثم فجأة، دون مقدمة، تمتلئ عيناها بالدموع.

وتبدأ شفتاها تتحركان بكلمات غير مترابطة.

حسنية: ميرال... لا تركضي...

ستقعين يا ابنتي...

ثم تضحك بخفوت، ضحكة مكسورة تشبه البكاء أكثر مما تشبه الفرح.

كنتِ دائمًا عنيدة...

لا تسمعين الكلام أبدًا...

لكن بعد لحظات فقط...

تتغير ملامحها فجأة.

تتسع عيناها برعب، وترتجف شفتاها.

حسنية: لا...لا تذهبي...

ثم تبدأ بالبكاء فجأة، بصوت منخفض يقطع القلب:

حسنية: لا تتركيني وحدي يا ميرال...

وقفت إحدى الممرضات خلف الباب الزجاجي تراقبها بحزن.

تنهدت بخفوت، ثم قالت للطبيبة الواقفة قربها:

الممرضة: لم تنم إلا ساعات قليلة منذ أن جاءت.

أطرقت الطبيبة برأسها بحزن:

الطبيبة: عقلها لم يتحمل الصدمة.

ثم نظرت إلى حسنية داخل الغرفة.

كانت الآن تمسد الهواء أمامها بحنان أمٍّ تهدهد طفلها.

الممرضة: أحيانًا تتصرف وكأن ابنتها ما تزال هنا...وأحيانًا تنسى تمامًا أين هي.

سكتت قليلًا قبل أن تضيف بأسى:

الطبيبة: الفقد حين يأتي دفعة واحدة... قد يكسر الإنسان من الداخل بطريقة لا يمكن إصلاحها بسهولة.

داخل الغرفة...

رفعت حسنية رأسها فجأة نحو الباب.

ابتسمت.

ابتسامة واسعة، بريئة، كأنها رأت شخصًا تحبه.

حسنية: ميرال...؟.

نهضت بسرعة من مكانها، حتى كادت تتعثر.

حسنية: تعالي يا ابنتي... لماذا تأخرتِ؟.

أسرعت الممرضة للدخول قبل أن تسقط.

الممرضة: سيدتي، انتبهي...

لكن حسنية أبعدت يدها بعصبية: 

حسنية: لا تلمسيني! ابنتي جاءت!.

ثم التفتت إلى الفراغ مجددًا، وابتسامتها ترتجف:

حسنية: كنتُ خائفة عليكِ... قلت لكِ ألا تخرجي وحدكِ...

وفجأة...

اختفت الابتسامة من وجهها ببطء.

كأن ذكرى ما عادت فجأة إلى رأسها.

اتسعت عيناها، ثم بدأت تتراجع للخلف بخوف.

حسنية: لا...

ارتجف صوتها: لا... أنتِ لستِ هنا...

وضعت يديها على رأسها بعنف:

حسنية: لا... لا... لقد رأيتكِ...

ثم انفجرت بالبكاء.

سقطت على الأرض وهي تنتحب: حسنية: أخذوها مني...أخذوا ابنتي مني...

اقتربت الطبيبة بسرعة:

الطبيبة: أعطوها المهدئ.

لكن حسنية كانت في عالم آخر.

عالم تتكرر فيه اللحظة نفسها بلا نهاية.

لحظة رؤية وجه ميرال البارد... صرختها في مركز حفظ الجثث... وكلمة "حامل" التي مزقت ما تبقى من قلبها.

بدأت تضرب صدرها بيد مرتجفة: 

حسنية: لماذا لم تخبريني...؟،

 لماذا حملتِ كل هذا وحدكِ يا ابنتي...؟.

ثم رفعت رأسها فجأة نحو الطبيبة.

نظرتها كانت تائهة... مكسورة...

حسنية: هل عادت ميرال...؟.

تجمدت الطبيبة للحظة.

كيف يمكن لإنسان أن يجيب أمًا فقدت عقلها من شدة الحزن؟.

اقتربت منها بهدوء وربتت على كتفها:

الطبيبة: ارتاحي قليلًا يا حسنية...

لكن حسنية بدأت تهز رأسها كطفلة ضائعة:

حسنية: لا أريد النوم... إن نمتُ... ستذهب مجددًا...

ثم همست بصوت اختنق بالبكاء: 

حسنية: وأنا لا أحتمل أن أفقدها مرة أخرى...

حقنتها الممرضة بالمهدئ بلطف.

وبدأت مقاومتها تضعف تدريجيًا.

ثقلت جفونها، وأصبحت كلماتها متقطعة.

حسنية: ميرال...لا تتركيني وحدي...

ثم أغمضت عينيها أخيرًا.

لكن حتى وهي تغفو...

كانت الدموع ما تزال تنساب بصمت من عينيها.

وقفت الطبيبة تنظر إليها طويلًا، ثم تنهدت بألم:

الطبيبة: بعض القلوب لا تمرض لأنها ضعيفة...

أطرقت الممرضة رأسها بصمت.

أما الطبيبة فأكملت بصوت منخفض:

الطبيبة: بل لأنها أحبت أكثر مما ينبغي...ثم خسرت كل شيء دفعة واحدة.


-----////*****///*****////-----


بعد أن انتهى كل شيء في قسم الشرطة...

خرج باران أخيرًا من ذلك المبنى الرمادي الثقيل، وكأن على كتفيه سنوات كاملة لا أيام قليلة.

كانت الشمس قد بدأت تختفي تحت السحاب، وبعض الضباب  يهبط ببطء على المدينة، والهواء البارد يلفح وجهه دون أن يشعر به حقًا. ملامحه كانت جامدة، لكن داخله لم يكن كذلك أبدًا.

منذ وقت حادثة ميرال... وذلك الشعور الثقيل لا يفارقه.

صحيح أنه لم يكن السبب المباشر فيما حدث... لكن صورة جسدها الملقى على الإسفلت كانت تعود إليه كل لحظة دون رحمة.

أما عاكف، فكان يقف قرب السيارة يراقبه بصمت. يعرفه جيدًا... ويعرف أن ذلك الصمت الطويل ليس هدوءًا، بل حربًا كاملة تدور داخله.

اقترب منه أخيرًا وقال بهدوء:

عاكف: ماذا ستفعل الآن يا باران؟،

رفع باران نظره إليه ببطء.

باران: بشأن ماذا؟.

تنهد عاكف: بشأن ديلان... هل ستخبرها بكل ما حدث؟.

ساد الصمت للحظات.

أشاح باران بنظره نحو الشارع الذي بدى له المظلم حينها، بسبب الغيوم التي تكونت في السماء، والرؤية الضبابية امامه، ثم مرر يده فوق جبينه بإرهاق واضح.

كانت صورة ديلان تظهر أمامه فور ذكر اسمها.

ظهر امامه وجهها المتعب وهي تسهر للدراسة ليلا، إصرارها رغم كل ما مرت به، وفرحتها الصغيرة كلما خطرت بعقلها، لحظة نجاحها في امتحان.

تنفس ببطء قبل أن يقول: 

باران: لا.

نظر إليه عاكف باستغراب:

عاكف:  لا؟.

أجاب بصوت منخفض لكنه حاسم:

باران: ديلان مشغولة الآن بالتحظير لامتحاناتها..، ولا أريد أن ينشغل عقلها بأي شيء آخر.

ثم أضاف بعد لحظة:

باران: يكفي ما عاشته.

راقبه عاكف بصمت.

أما باران فأكمل، وعيناه شاردتان: 

باران: سأخبرها لاحقًا... حين تنتهي من إمتحاناتها.


___///***///****///***///__


عاد باران من قسم الشرطة مع ساعات الظهيرة الثقيلة، لكن وقع خطواته داخل القصر كان أشبه برجل يحمل على كتفيه أعوامًا كاملة من الذنوب والندم، لا مجرد يوم طويل.

منذ أن دخل البوابة الحديدية، كان ذهنه عالقًا في الأعلى، في تلك الغرفة تحديدًا.

غرفة ديلان.

خلع سترته ببطء وهو يصعد الدرج الرخامي، لكن أنفاسه بقيت مثقلة، وكأن كل درجة يخطوها تقوده نحو محكمة لا يعرف إن كان سيخرج منها مذنبًا أم محطمًا.

كان يعلم أن موعد المدرّسين قد انتهى منذ قليل، ويعرفها جيدًا الآن.

ستكون جالسة قرب الطاولة الصغيرة في زاوية غرفتها، تراجع ما أخذته من الدروس بتركيزها المعتاد، محاولة أن تتشبث بأي شيء يُبقي عقلها بعيدًا عن الألم.

توقّف أمام الباب للحظات.

يده ارتفعت لتطرق، لكنها ترددت في الهواء ثانيةً.

لماذا يشعر بهذا الثقل كلما اقترب منها؟،

لماذا أصبحت نظرتها وحدها تربكه إلى هذا الحد؟،

طرق الباب أخيرًا.

جاءه صوتها الهادئ من الداخل:

ديلان: تفضل.

فتح الباب ببطء ودخل.

كانت تجلس بالفعل كما تخيل… منحنية فوق دفاترها، وخصلات شعرها الكستنائي تنساب من تحت حجابها حول وجهها الشاحب، عندما تنغمس بين الدفاتر والكتب، بينما القلم بين أصابعها يتحرك ببطء فوق الورق.

رفعت رأسها نحوه فور دخوله.

تجمّدت للحظة.

أما هو… فقد وقف صامتًا يتأملها طويلًا.

تأمل العباءة السوداء البسيطة التي ترتديها، تلك العباءة نفسها التي رآها عليها مرات عديدة منذ أن جاءت إلى هذا القصر.

عباءتان فقط…

عباءتان اشتراهما لها يوم عقد قرانه عليها، تحت ضغط الظروف، دون اهتمام حقيقي بما تحتاجه أو بما تشعر به.

أما بقية الأيام، فكانت ترتدي أحيانًا عباءات زينب، أو بعض الملابس القديمة التي تركتها الخادمات السابقات في القصر.

لأول مرة، يرى الأمر بوضوح مؤلم.

كيف حوّل ابنة رجل كان يعيش مرفّهًا… إلى فتاة ترتدي بقايا الآخرين؟،

كيف لم ينتبه؟،

أو ربما، كان ينتبه ويتجاهل عمدًا.

ابتلع غصته بصعوبة.

شعر بشيء حاد يخنق صدره، شيء يشبه الاحتقار لنفسه.

تقدم نحوها بخطوات بطيئة، ثم مد يده ووضع علبة أنيقة فوق الطاولة أمامها.

قال بصوت منخفض، لكنه بدا أكثر لينًا من المعتاد:

باران: خذي… هذا هاتف لكِ.

رمشت ديلان بعدم استيعاب.

نظرت للعلبة… ثم إليه.

ديلان: ماذا؟…

أبعد نظره عنها قليلًا وهو يكمل:

باران: اشتريته اليوم… وضعت فيه شريحة جديدة، وسجلت رقمي عليه حتى أتمكن من الاتصال بكِ، وايضا يمكنك الاتصال بي متى احتجت… وأيضًا ستحتاجينه في الأيام القادمة.

ظلّت تحدق به وكأنها لا تصدق ما تسمعه.

يدها ارتفعت ببطء نحو العلبة، وفتحتها بحذر، وما إن وقع بصرها على الهاتف حتى شهقت شهقة صغيرة خرجت من أعماقها دون إرادة.

اتسعت عيناها بدهشة حقيقية.

همست بصوت مرتجف:

ديلان: هذا… هذا نفس الطراز الذي طلبته من أبي…

توقفت لحظة، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة موجوعة لم تصل لعينيها:

ديلان: وعدني أنه سيكون هدية نجاحي… وانتقالي للجامعة.

وفي اللحظة التي ذكرت فيها والدها…

شعر باران وكأن أحدهم غرس سكينًا بطيئة داخل صدره.

تصلّبت ملامحه.

عيناه انخفضتا للحظة نحو الأرض، بينما ارتفعت في رأسه صورة الرجل وهو يسقط أمامه؛ وصوت ديلان وهي تبكي ذلك اليوم.

لعنة…

حتى هدية كهذه؛ أعادته إلى ذنب لا يستطيع الهرب منه.

ساد الصمت لثوانٍ ثقيلة.

ثم قال فجأة، وكأنه يحاول الهروب من ذلك الشعور:

باران: اليوم لن تدرسي.

رفعت رأسها إليه باستغراب.

تابع وهو يشبك يديه خلف ظهره: 

باران: لقد تعبتِ كثيرًا خلال الأسبوعين الماضيين… لا بأس بأن ترتاحي نصف يوم.

ثم نظر إليها مباشرة لأول مرة منذ دخوله:

باران: تحتاجين لتغيير الجو قليلًا، لتتنفسي بعيدًا عن هذه الجدران.

بقيت تنظر إليه بصمت، غير قادرة على فهم هذا التحول المفاجئ.

أما هو فأكمل:

باران: جهّزي نفسكِ… سيأخذك السائق بعد قليل، وتذهبين إلى المول لتشتري ما تحتاجينه.

توقفت عيناه مرة أخرى عند عباءتها.

ثم أضاف بصوت خافت:

باران: كما أنه لا يمكنكِ الذهاب إلى مركز الامتحان بهذه الثياب كل مرة.

شعرت ديلان بشيء غريب يهتز داخلها.

هل كان… يهتم؟،

أم يشعر بالشفقة؟،

أم يحاول التكفير عن شيء لا تعرفه؟،

مد يده إلى داخل سترته وأخرج بطاقة بنكية سوداء.

وضعها أمامها قائلاً:

باران: هذه بطاقتي.

تراجعت ديلان فورًا:

ديلان: لا… لا أستطيع أخذها.

رفع عينيه إليها 

باران: قلت خذيها، وانت زوجتي ومسؤولة مني.

ابتلعت ريقها بتوتر.

أما هو فتابع بنبرة أكثر هدوءًا:

باران: اشتري ما تحتاجينه… ملابس، اخذية، إمسسورات، عطور، كتب، أي شيء ينقصك او تريدينه. السائق سيأخذكِ ويعيدكِ. وإذا أردتِ… خذي زينب معكِ ترافقك.

كانت تحدق به وكأنه شخص آخر لا تعرفه.

هذا الرجل نفسه الذي حطم حياتها؟، هذا نفسه الذي يرعب الجميع بنظرة؟.

لماذا يبدو الآن وكأنه يحاول الاقتراب منها، بينما يقف في الحقيقة أبعد ما يكون؟.

أدار ظهره فجأة قبل أن يرى المزيد في عينيها.

لأنه إن بقي ثانية إضافية، ربما سيضعف.

وربما سيقول أشياء لا يجب أن تُقال.

خرج من الغرفة بخطوات سريعة، وأغلق الباب خلفه.

أما ديلان؛ فبقيت جالسة مكانها، تحدق بالباب كأن عقلها عاجز عن استيعاب ما حدث للتو.

نظرت إلى الهاتف بين يديها.

مررت أصابعها على شاشته ببطء، بينما امتزجت داخلها مشاعر متضاربة بشكل مؤلم.

الخوف؛ الحنق؛ الامتنان؛ والحيرة.

فتحته تنظر إلى ساشته فرأت صورتها مخلفية، صورتها وهي تضحك لزينب في الممر، إتسعت عينيها....

ديلان: متى إلتقط لي هذه الصورة، سكتت تنظر إلي الصورة ثم قالت....

ديلان: هل يراقبني ام يتتبعني، ثم تذكرت كاميرات المراقبة في القصر، فهتفت 

ديلان: لابد انه أخذها منها.

ثم تنهدت ببطء ونهضت لتجهز نفسها.

فتحت الخزانة الصغيرة تبحث عن عباءة مناسبة، وبينما كانت ترتب أغراضها، سقطت بطاقة صغيرة من بين دفاترها.

تجمدت.

انحنت بسرعة والتقطتها.

بطاقة عاكف.

ذلك الرجل الذي أخبرها يومًا أن خلف قسوة باران، حكاية لا يعرفها أحد.

شعرت أنفاسها تتسارع.

اليوم…

اليوم سنحت لها الفرصة أخيرًا.

نظرت نحو باب الغرفة المغلق، وكأنها ترى باران واقفًا خلفه رغم غيابه.

ثم التقطت الهاتف الجديد بتردد.

كانت هذه أول مرة تمسك فيها هاتفًا منذ ان تركت بيت والدها، منذ ان احظرت لهذا القصر.

أول مرة تشعر أنها استعادت جزءًا صغيرًا من حياتها القديمة.

فتحت جهات الاتصال.

رقم واحد فقط.

باران.

ارتجفت أصابعها قليلًا، ثم أدخلت رقم عاكف من البطاقة واتصلت.

رنّ الهاتف مرات قليلة قبل أن يأتيها صوته المتفاجئ:

عاكف:  ألو؟.

ترددت للحظة، ثم قالت بهدوء:

ديلان: سيد عاكف… أنا ديلان.

ساد صمت قصير في الطرف الآخر، قبل أن يجيب بدهشة واضحة:

عاكف: سيدة ديلان؟، هل حدث شيء؟.

ديلان: لا… لا، فقط… أرادت أن أقول لك إن باران سمح لي بالخروج اليوم.

توقف قليلًا وكأنه فهم مقصدها فورًا.

اقتربت ديلان من النافذة وهي تضغط الهاتف بيد مرتجفة:

ديلان: وأردت أن أذكّرك بما قلته لي ذلك اليوم.

انخفض صوت عاكف:

عاكف: هل أنتِ متأكدة من هذا القرار؟.

أغمضت عينيها للحظة.

ثم همست:

ديلان: أريد أن أفهمه… أريد أن أعرف ما الذي صنع منه هذا الرجل.

تنهد عاكف بعمق، ثم قال:

عاكف: حسنًا… أين يمكننا أن نلتقي؟.

ردت ديلان بصوت مرتجف..

ديلان: سأذهب إلى المول… مع السائق. 

احابها بصوت واثق بث فيها بعض الهدوء.

عاكف: عندما تصلين أرسلي الموقع.

ديلان: عندما اصل للمكان سأرسل لك الموقع.

قالتعا بنبرة خافتة ومانعا تهمس بسر خطير...

عاكف:  وانا سأكون هناك خلال دقائق من رسالتك، اجابها بثبات.

همست:

ديلان:  حسنًا.

أغلقت المكالمة ببطء.

ثم بقيت واقفة في مكانها للحظات طويلة.

نظرت نحو الباب الذي خرج منه باران قبل قليل…

وعيناها تمتلئان بأسئلة لا تنتهي.

همست بصوت بالكاد سمعته هي نفسها: ـ اليوم… سأعرف من جعلك هكذا يا باران.

وضغطت الهاتف بين يديها بقوة، بينما كان قلبها يخفق بعنف،

لأنها تشعر، دون أن تدري لماذا،

أن ما ستكتشفه اليوم، قد يغيّر كل شيء بينها وبينه.

               الفصل الثالث والعشرون من هنا

لقراءة باقي الفصول اضغط هنا 

تعليقات



<>