رواية براءة ايقظت غافلا
الفصل الثالث والعشرون23
بقلم عاشقة القلم
كانت ديلان تقف أمام المرآة للحظات طويلة قبل أن تغادر غرفتها، تحدق في انعكاسها بصمت غريب، وكأنها تحاول أن ترى الفتاة التي كانتها قبل أن تنقلب حياتها رأسًا على عقب.
لفّت حجابها الأسود بعناية، ثم سحبت أطراف عباءتها حول جسدها النحيل، بينما كانت الأفكار تتزاحم داخل رأسها بشكل مرهق.
اليوم ليس يوم تسوق فقط…
اليوم ربما يكون بداية معرفة الحقيقة.
تنهدت ببطء، ثم التقطت حقيبتها والهاتف الجديد الذي أعطاها إياه باران، قبل أن تتجه نحو الباب.
وفي كل خطوة كانت تخطوها نحو الأسفل… كان قلبها يخفق أسرع.
نزلت درجات القصر الرخامية بهدوء، بينما انعكست أضواء الثريات الفاخرة على الدرابزين الذهبي المحيط بالدرج، مانحة المكان هيبة باردة لطالما أشعرتها بالغربة.
وفي أسفل الدرج…
كان باران يقف في الردهة الواسعة يتحدث مع حارسه الشخصي شتاي.
وقف شامخًا ببدلته السوداء الداكنة، وصوته المنخفض الحاد يملأ المكان بهيبة جعلت الخدم يمرون من بعيد دون أن يجرؤ أحد على رفع عينيه نحوه.
لكن ما إن لمحها تنزل…
حتى انقطع صوته فجأة.
ارتفعت عيناه إليها تلقائيًا.
وتوقفت الكلمات على شفتيه.
كانت تهبط الدرج ببطء، ممسكة طرف عباءتها بيدها، وعيناها متجهتان نحوه بتردد خافت.
شعر للحظة أن المشهد أعاده إلى زمن بعيد… إلى شيء دافئ حاول دفنه داخله منذ سنوات.
تصلبت ملامحه سريعًا قبل أن يلتفت إلى شتاي قائلاً ببرود:
باان: يمكنك الانصراف الآن.
أومأ شتاي فورًا وغادر، لكنه لم يخفِ نظرة سريعة رمق بها ديلان قبل خروجه، فقد بات الجميع يلاحظ التغيّر الغريب الذي يحدث لسيدهم كلما تعلّق الأمر بها.
أما ديلان فتقدمت نحوه حتى توقفت أمامه مباشرة.
ورغم محاولتها الثبات، إلا أنها شعرت بالتوتر تحت نظراته المركزة.
خفضت عينيها قليلًا وقالت بهدوء:
ديلان: أنا جاهزة.
تأملها باران للحظة طويلة دون رد.
كانت بسيطة جدًا… بشكل موجع.
عباءة سوداء عادية، وحقيبة صغيرة بالكاد تُذكر، وملامح شاحبة تخفي خلفها تعبًا لم يعد يخفى عليه.
شعر بانقباض خفي في صدره.
كيف أصبحت هذه الفتاة، التي كان من المفترض أن تعيش مدللة بين أحضان والدها، تبدو وكأنها تخشى حتى شراء شيء لنفسها؟،
أبعد أفكاره سريعًا وقال:
باران: ستذهبين وحدك… زينب متعبة اليوم.
وما إن أنهى جملته حتى خرجت زينب من المطبخ بخطوات بطيئة متثاقلة، واضعة يدها على رأسها وكأن الدوار يثقلها.
قالت بصوت مرهق:
زيتب آسفة يا ابنتي، يبدو أن ضغطي مرتفع قليلًا اليوم.
اقتربت ديلان منها فورًا بقلق:
ديلان: هل أنتِ بخير يا خالتي؟.
ابتسمت زينب رغم تعبها وربتت على يدها بحنان:
زينب: لا تقلقي… سأكون بخير بعد قليل. ثم نظرت إليها باعتذار:
زينب: إن أردتِ… يمكنني مرافقتك رغم ذلك.
هزت ديلان رأسها سريعًا، وقد ظهر القلق الحقيقي في عينيها:
ديلان: لا، لا… ارتاحي أنتِ. ثم أضافت بابتسامة صغيرة تحاول بها طمأنتها:
ديلان: أنا فقط سأتسوق قليلًا، ولن أتأخر في التجول بين المحلات. ولدي شيء أهم ينتظرني هنا…
توقفت لحظة، ثم قالت بنبرة خافتة:
"دراستي."
راقبها باران بصمت.
كانت تتحدث بعفوية؛ لكن كلماتها أصابته في مكان ما داخله.
رغم كل ما حدث؛ ما زالت تحاول التمسك بمستقبلها.
ما زالت تقاوم.
أما زينب فابتسمت بحنان أمومي وقالت:
زينب: الله يوفقك يا ابنتي… ويفتح لك أبواب الخير كلها.
خفضت ديلان رأسها بخجل خفيف، بينما عادت زينب إلى الداخل ببطء.
ساد الصمت للحظة بين باران وديلان.
صمت ثقيل؛ لكنه لم يكن مريحًا.
أشار لها باران برأسه نحو الباب:
باران: هيا.
تحركت ديلان معه نحو الخارج، بينما كان الهواء البارد يلفهما فور خروجهما من القصر.
كانت السيارة السوداء الطويلة تنتظرهما أمام الدرج، والسائق يقف بجانبها باحترام.
ما إن رآهما حتى فتح الباب الخلفي بسرعة.
لكن قبل أن تركب…
التفت باران نحو السائق وقال بنبرة صارمة:
باران: خذ السيدة إلى المول، وانتظرها حتى تنتهي، ثم أعدها مباشرة إلى البيت.
السائق: حاضر سيدي.
ثم التفت إلى ديلان.
نظر إليها مطولًا، وكأنه يريد قول شيء لكنه متردد.
وأخيرًا قال:
باران: هل تريدين أن أرسل معك حراسة؟.
ارتبكت ديلان للحظة.
هي تعلم جيدًا أن رجال باران يرافقونه في كل مكان، لكن فكرة وجود حراسة معها اليوم تحديدًا كانت ستفسد كل ما تخطط له.
لذلك أجابت بسرعة أكبر مما ينبغي:
ديلان: لا داعي لذلك.
ضاقت عيناه قليلًا وكأنه لاحظ استعجالها.
لكنها تابعت بسرعة تحاول أن تبدو طبيعية:
ديللن: سأشتري ما أحتاجه فقط، ثم أعود فورًا.
ظل يحدق بها لثوانٍ.
شيء داخله كان يخبره أن هناك أمرًا تخفيه…
لكنه لم يستطع تحديده.
أخيرًا فتح لها باب السيارة بنفسه.
ترددت ديلان للحظة قبل أن تركب، وشعرت بارتباك غريب حين أغلق الباب خلفها بهدوء لم تعتده منه.
أما هو فبقي واقفًا للحظات ينظر عبر الزجاج الداكن نحوها.
كانت تجلس بصمت، لكن عينيها لم تكونا هادئتين أبدًا.
وفي مكان ما داخله؛
شعر فجأة برغبة غريبة بأن يمنعها من الذهاب.
أن يقول لها: "ابقَي هنا."
لكنه لم يفعل.
استدار ببطء واتجه نحو سيارته الأخرى.
فتح الباب بعنف أخفاه خلف بروده المعتاد، ثم ركب وأغلقه خلفه.
بعد لحظات…
تحركت السيارتان في اتجاهين مختلفين.
باران نحو شركته؛ يحاول إقناع نفسه أنه استعاد سيطرته المعتادة.
وديلان نحو المول؛
وقلبها يخفق بعنف وهي تفكر بلقائها المرتقب مع عاكف.
كانت تنظر من نافذة السيارة إلى الطريق الممتد أمامها، بينما قبضت على هاتفها بقوة داخل حقيبتها.
وعقلها لا يتوقف عن تكرار سؤال واحد فقط…
من أنت حقًا يا باران؟…
وما الذي حوّلك إلى هذا الرجل الذي يخيف الجميع، ويؤلمني أنا وحدي بهذه الطريقة؟.
___///////-------////////____
توقفت السيارة أمام المدخل الزجاجي الضخم للمول، بينما كانت الأضواء المنعكسة على الواجهات اللامعة تمنح المكان حياة صاخبة تختلف تمامًا عن السكون الثقيل الذي تعيشه ديلان داخل القصر.
فتح السائق الباب لها بسرعة وهو يقول باحترام:
السائق: تفضلي سيدتي.
نزلت ديلان ببطء، ثم رفعت عينيها نحو المبنى الهائل أمامها.
منذ وفاة والدها؛ ومنذ دخولها قصر باران؛
لم تطأ مكانًا مزدحمًا كهذا.
كان كل شيء حولها حيًا بصورة مؤلمة.
ضحكات؛ أصوات أطفال؛ عائلات تتجول؛ وفتيات يحملن أكياس التسوق بمرح.
أما هي؛ فكانت تشعر وكأنها شخص خرج مؤقتًا من عالم مظلم لا يشبه هذا العالم أبدًا.
قبضت على حقيبتها قليلًا، ثم أخرجت هاتفها الجديد.
ترددت للحظة وهي تنظر إلى الشاشة.
ما زالت غير معتادة على فكرة أن تملك هاتفًا مجددًا؛ أو أن تتواصل مع أحد بعيدًا عن أعين باران.
فتحت المحادثة مع عاكف، وأرسلت له موقع المول.
لم تمر سوى دقائق حتى اهتز الهاتف بين يديها بوصول رسالة جديدة.
📨:"أنا في الطريق إليك."
شعرت بشيء من التوتر ينساب داخلها.
اليوم… قد تسمع الحقيقة التي ظلت تطارد عقلها منذ أسابيع.
أغلقت الهاتف وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تدخل إلى الداخل.
استقبلتها برودة المكيفات وروائح العطور المختلطة بأصوات الموسيقى الهادئة المنبعثة من المحلات.
كانت تمشي ببطء في الممرات الواسعة، وعيناها تنتقلان بين الواجهات المضيئة بشرود.
في البداية شعرت بالغربة؛ وكأنها لا تنتمي لهذا المكان.
لكن شيئًا فشيئًا بدأت تتذكر نفسها القديمة.
ديلان التي كانت تخرج مع والدها لتشتري الكتب والملابس، ديلان التي كانت تضحك بلا خوف.
دخلت أول متجر بتردد.
اقتربت منها الموظفة بابتسامة واسعة:
الموظفة: أهلاً سيدتي، هل يمكنني مساعدتك؟.
أومأت ديلان بخجل خفيف:
ديلان: أريد بعض الملابس المناسبة لي للدراسة والخروج.
وبدأت تتنقل بين القطع بصمت، تختار أشياء بسيطة وهادئة تشبهها.
لكن في كل مرة كانت تصل إلى صندوق الدفع وتخرج بطاقة باران السوداء…
كانت ملامح الموظفين تتغير فورًا.
اتساع مفاجئ في الأعين، نظرات احترام مبالغ بها، وابتسامات متوترة.
حتى أن أحد المدراء أسرع بنفسه ليستقبلها قائلاً:
"سيدتي، يشرفنا وجودك لدينا."
ارتبكت ديلان من المعاملة التي لا تفهم سببها.
أما العاملات فأخذن يضفن لها الهدايا المجانية والعطور وأوشحة فاخرة دون أن تطلب شيئًا.
قالت مرتبكة:
ديلان: لكن… هذا كثير، لا داعي لكل هذا.
ابتسمت الموظفة بسرعة:
الموظفة: هذه هدية بسيطة فقط يا سيدتي.
كانت تشعر بعدم الارتياح.
هي لا تريد هذه المعاملة؛ ولا تريد أن ينظر إليها الناس وكأنها تنتمي لعالم باران.
لكن كل شيء حولها كان يصرخ باسمه، الذي مان يسبقه في مل مكان، والكل كان يعلم منه باران، لذلك اسرعوا بالإحترام لها حتى لايصلهم غضبه.
ومع مرور الوقت؛ تكاثرت الأكياس بين يديها بشكل جعلها غير قادرة على حملها.
اضطرت أخيرًا للاستعانة ببعض العمال ليأخذوا المشتريات إلى السائق بالخارج.
وأثناء سيرها بينهم؛ كانت تشعر بنظرات الناس تلاحقها.
ليس لأنها ديلان…
بل لأنها المرأة التي تحمل بطاقة باران.
ذلك الاسم وحده؛ كان كافيًا ليغيّر تصرف الجميع.
اهتز هاتفها فجأة.
فتحت الرسالة بسرعة.
📨:"أنا في الطابق الأخير… أمام الكافيتريا."
شعرت دقات قلبها تتسارع فورًا.
رفعت رأسها نحو المصعد الزجاجي البعيد.
ها قد حانت اللحظة.
ابتلعت ريقها بتوتر، ثم اتجهت نحوه بخطوات بطيئة.
وخلال صعود المصعد؛ كانت ترى الطوابق تمر أمامها بينما عقلها غارق في الأسئلة.
ماذا لو اكتشفت شيئًا يجعلها تكرهه أكثر؟،
أو الأسوأ…
ماذا لو فهمته؟،
وصل المصعد أخيرًا.
فتحت الأبواب بهدوء، لتجد الطابق الأخير أكثر هدوءًا من باقي المول، تغمره إضاءة دافئة ورائحة القهوة الطازجة.
وبالقرب من الكافيتريا…
كان عاكف يقف منتظرًا.
ما إن لمحها حتى اعتدل في وقفته ولوّح لها بيده ليجذب انتباهها.
تقدمت نحوه ديلان بتردد واضح، بينما كان هو يراقبها بصمت.
بدت مختلفة اليوم.
أهدأ؛ لكن داخل عينيها عاصفة كاملة.
وحين وصلت أمامه، مد يده تلقائيًا ليصافحها قائلاً بلطف:
عاكف: الحمد لله على سلامتك يا سيدة ديلان.
لكنها توقفت للحظة، ثم قالت بخجل هادئ:
ديللن: أنا لا أصافح الرجال.
ارتبك عاكف فورًا وسحب يده بسرعة:
عاكف: أعتذر… لم أقصد إحراجك.
هزت رأسها بخفة:
ديلان: لا بأس.
تأملها للحظة، ثم أشار نحو الداخل:
عاكف: لندخل؛ الحديث واقفين لن يكون مريحًا.
أومأت بصمت.
دخلا معًا إلى الكافيتريا الهادئة.
كانت الطاولات متباعدة، والمكان يطل على واجهات زجاجية تكشف المدينة الممتدة بالخارج.
اختارت ديلان طاولة بعيدة نسبيًا عن الناس وجلست، بينما جلس عاكف في الجهة المقابلة لها.
ساد بينهما صمت ثقيل للحظات.
ديلان كانت تشبك أصابعها فوق الطاولة بتوتر واضح.
أما عاكف؛ فكان ينظر إليها بحذر.
هو يعلم جيدًا أن هذه الجلسة قد تغيّر أشياء كثيرة.
وأولها؛ نظرة ديلان إلى باران.
رفعت عينيها إليه أخيرًا.
وفي داخلها خليط غريب من الخوف واللهفة.
ثم قالت بصوت خافت لكنه مباشر:
ديلان: أريد الحقيقة يا سيد عاكف.
تصلب وجهه قليلًا.
أما هي فتابعت وعيناها ترتجفان بالألم:
ديلان: أريد أن أفهم؛ لماذا يبدو وكأنه يحمل العالم كله فوق كتفيه؟، لماذا أشعر أحيانًا أنه يريد إيذائي، وفي اللحظة التالية يتصرف وكأنه يخشى أن ألمس الألم؟.
صمت عاكف طويلًا.
ثم زفر ببطء وهو يمرر يده على وجهه بتعب واضح.
وقال أخيرًا:
عاكف: لأنكِ لا تعرفين من كان باران قبل سنوات يا ديلان…
وتوقفت أنفاسها لحظة سماع تلك الجملة.
لأنها شعرت…
أن الباب الذي ظل مغلقًا طويلًا؛ بدأ يُفتح أخيرًا.
----/////****/**/****/////---
جلس عاكف أمامها ببطء، ثم أشار للنادل أن يقترب قليلًا.
كان المقهى هادئًا على غير العادة، والمطر الخفيف خلف الزجاج يمنح المكان شعورًا كئيبًا يليق تمامًا بالحديث الذي على وشك أن يبدأ.
أما ديلان…
فكانت تجلس متوترة، أصابعها متشابكة فوق الطاولة، وعيناها لا تكفان عن مراقبة ملامح عاكف، كأنها تحاول أن تقرأ الحقيقة قبل أن تُقال.
تنهد عاكف طويلًا، ثم سأل بصوت هادئ:
عاكف: ماذا تشربين؟.
هزّت رأسها سريعًا، وكأنها لا تملك صبرًا حتى لاحتساء الماء.
ديلان: لا أريد شيئًا؛ بل أفضل أن ندخل في الموضوع مباشرة.
أريد أن أعرف؛ ما الذي حدث لباران؟،
ما الذي حوّله إلى هذا الرجل؟.
رفع عاكف نظره إليها مطولًا.
كانت ترى في عينيه ترددًا غريبًا، كأن الكلمات ثقيلة عليه، وكأن كل حرف سيعيده إلى سنوات حاول نسيانها.
ثم قال ببطء:
عاكف: وهل أنتِ مستعدة لسماع كل شيء؟…
ليس من السهل أن تسمعي ماضي باران، ولا أن تتحملي ما عاشه.
ابتلعت ديلان ريقها بصعوبة، ثم قالت بثبات حاولت جاهدًة أن تتمسك به:
ديلان: نعم؛ أريد أن أعرف.
أريد أن أفهمه؛ حتى لو كان الأمر مؤلمًا.
ساد الصمت للحظة.
لكنها عادت تقول فجأة، بصوت خافت يحمل شيئًا من الضياع:
ديلان: لكن… إذا قررت يومًا أن أطلب الطلاق منه؛ هل ستساعدني؟.
اتسعت عينا عاكف قليلًا، ثم أطلق زفرة طويلة وأسند ظهره إلى المقعد.
عاكف: أنا صديق باران؛ بل أعتبره أخًا أكثر من كونه صديقًا.
ولذلك… نعم، سأقف معه دائمًا.
لكنني أيضًا لن أجبرك على شيء يؤذيك.
توقّف قليلًا، ثم ابتسم بأسى:
عاكف: ومع ذلك…
أعتقد أن باران لو بحث في العالم كله؛ فلن يجد امرأة أفضل منك له لتكون زوجته.
أنتِ الوحيدة التي رأيته يتغير معها؛ الوحيدة التي جعلته يحاول أن يكون إنسانًا طبيعيًا، لذلك قررت إخبارك بماضيه كي تساعديه، لانني اعلم انك قادرة على فعل ذلك.
ارتجفت عيناها للحظة.
كانت تسمع كلامه؛ لكن عقلها كان مشوشًا.
باران الذي يخيفها أحيانًا، هو نفسه الرجل الذي يراقب إن كانت قد تناولت طعامها.
الرجل القاسي؛ هو ذاته الذي يغضب إن مرضت.
وكان هذا التناقض يمزقها.
خفضت رأسها هامسة:
ديلان: هذا الحديث سابق لأوانه…
أخبرني فقط… ماذا حدث له؟.
ساد الصمت مجددًا.
وفي تلك اللحظة تغيّرت ملامح عاكف تمامًا.
اختفت ابتسامته الخفيفة، وحلّ مكانها حزن قديم بدا كأنه يسكنه منذ سنوات.
ثم قال بصوت منخفض:
عاكف: والد باران؛ هو السبب في كل شيء.
هو من حطمه.
شعرت ديلان بقشعريرة تسري في جسدها.
ديلان: ومن أين تعرف كل هذا؟.
أطرق عاكف برأسه قليلًا، وكأن الذكريات بدأت تثقل صدره.
عاكف: لأن باران صديق طفولتي.
كبرنا معًا؛ درسنا معًا! وتشاجرنا معًا أيضًا.
كنت أعرفه قبل أن يصبح هذا الرجل الذي ترينه اليوم.
رفع عينيه إليها، ثم أكمل:
عاكف: جدي كان صديقًا مقربًا لجد باران؛ ومنه عرفت الكثير.
خصوصًا؛ بعد الحادثة.
تجمدت ملامح ديلان.
ديلان: أي حادثة؟.
صمت عاكف للحظة…
لحظة طويلة جعلت قلبها يخفق بعنف.
ثم قال:
عاكف: عندما توقف باران عن الكلام.
اتسعت عيناها بذهول.
ديلان: ماذا؟…
باران؟… توقف عن الكلام؟.
أومأ عاكف ببطء.
عاكف: نعم.
كان في العاشرة من عمره فقط.
شعرت ديلان وكأن أحدهم سحب الهواء من صدرها دفعة واحدة.
باران… الطفل الصغير الصامت؟،
ذلك الرجل الذي يرعب الجميع بصوته الحاد وأوامره القاسية… كان عاجزًا يومًا حتى عن النطق؟.
همست بعدم تصديق:
ديلان: كيف…؟.
مرّر عاكف يده فوق وجهه بإرهاق، ثم قال:
عاكف: لم يكن مرضًا عضويًا…
لسانه لم يُصب بشيء.
الأطباء قالوا إن الصدمة النفسية كانت أقوى من قدرة طفل في عمره على التحمل… حتى إن عقله أغلق عليه بالكامل.
أحست ديلان بوخز مؤلم في قلبها.
وتابع عاكف بصوت أثقل:
عاكف: أتذكر أول يوم عاد فيه إلى المدرسة بعد الحادثة…
كان مختلفًا تمامًا.
ساد الصمت، وكأن المشهد عاد حيًا أمام عينيه.
عاكف: كان يجلس في آخر الصف، ينظر إلى الجميع دون أن ينطق بحرف.
المعلم يسأله، فلا يجيب.
الأطفال يضحكون عليه أحيانًا، وهو فقط ينظر إليهم بصمت مرعب.
حتى أنا… كنت أخاف الاقتراب منه أحيانًا.
تنهد، ثم ابتسم بحزن:
عاكف: لكن أكثر ما كان يؤلمني،
أنني كنت أرى الدموع في عينيه كلما حاول الكلام وفشل.
ارتجفت أنامل ديلان فوق الطاولة.
كانت تتخيل طفلًا صغيرًا؛ محاصرًا بالعجز، عاجزًا حتى عن التعبير عن ألمه.
همست بصوت مكسور:
ديلان: وماذا فعل والده له؛ حتى يصل إلى هذه الحالة؟.
رفع عاكف نظره إليها ببطء،
وكانت عيناه مظلمتين بشكل أخافها قبل أن ينطق حتى.
ثم قال:
عاكف: هل رأيتِ يومًا أبًا يكره ابنه لأنه يشبه والدته؟.
انعقد حاجبا ديلان بألم.
أما عاكف فأكمل، وكأن الكلمات تخرج منه بصعوبة:
عاكف: والد باران لم يكن يراه ابنًا…
بل كان يراه صورة المرأة التي تعلق بها إبنه وكان يبكي لانه فقدها.
وكان يعاقبه على ذلك كل يوم.
شحب وجه ديلان تدريجيًا.
بينما تابع عاكف بصوت منخفض مثقل بالقهر:
عاكف: الضرب، الإهانة، الصراخ، الحرمان…
باران عاش طفولة لا يجب أن يعيشها أي طفل.
وكان يتحمل كل شيء بصمت، حتى جاءت الليلة التي انهار فيها تمامًا.
حبست ديلان أنفاسها دون وعي.
أما عاكف…
فنظر عبر زجاج المقهى إلى المطر، وقال بصوت بالكاد سُمع:
عاكف: في تلك الليلة…
مات الطفل الذي كان يُدعى باران…
وولد الرجل الذي تعرفينه اليوم.
___****___****___****__
أطرق عاكف رأسه للحظات طويلة، وكأن الكلمات التي سيقولها أثقل من أن يحملها صوته بسهولة.
أما ديلان فكانت تراقبه بعينين متوترتين، تشعر أن قلبها ينقبض أكثر مع كل ثانية صمت تمر بينهما.
في الخارج كان المطر يزداد قوة، وقطراته تضرب زجاج المقهى بعنف يشبه العاصفة التي بدأت تتشكل داخل روحها.
رفع عاكف رأسه أخيرًا وقال بصوت خافت:
عاكف: والد باران… السيد إبراهيم… كان شابًا مستهترًا.
لم يكن يهتم بشيء سوى النساء والسهر وإنفاق أموال والده بلا حساب.
ثم ابتسم بسخرية مريرة وأردف:
عاكف: أما السيد حكمت، جد باران، فكان رجلاً صارمًا، عاش عمره يبني ثروته، وكان يخشى أن يضيع كل شيء بعد موته بسبب طيش ابنه الوحيد.
تنهد قليلًا ثم تابع:
عاكف: لذلك هدده ذات يوم…
قال له بوضوح:
"إما أن تتزوج وتنجب وريثًا يحمل اسم العائلة، أو سأكتب كل ثروتي للجمعيات الخيرية."
اتسعت عينا ديلان قليلًا وهي تستمع.
أما عاكف فقد أكمل وعيناه شاردتان في الماضي:
عاكف: يومها خرج إبراهيم من القصر كالمجنون…
كان غاضبًا بطريقة مخيفة.
قاد سيارته بسرعة جنونية وسط المطر، وكأنه يريد أن يصدم العالم كله.
ساد الصمت لحظة، ثم قال بصوت منخفض:
عاكف: وكاد فعلًا أن يقتل إنسانة بريئة.
شهقت ديلان بخفوت.
عاكف: ظهرت فتاة فجأة أمام سيارته…
اصطدمت بها وسقطت أرضًا.
وفي خيال ديلان تشكل المشهد كاملًا…
شارع مظلم…
المطر يهطل بغزارة…
فتاة نحيلة ترتجف خوفًا…
ورجل غاضب يقود كوحش هارب من نفسه.
تابع عاكف:
عاكف: أخذها إلى المستشفى خوفًا من الفضيحة في البداية… لكن هناك عرف قصتها.
رفع نظره نحو ديلان وقال:
عاكف: كانت صغيرة جدًا… بالكاد بلغت الثامنة عشرة.
خرجت للتو من الميتم بعد أن بلغت السن القانونية، ولا تملك أحدًا في هذا العالم.
شعرت ديلان بألم غريب يعتصر قلبها.
همست:
ديلان: يا إلهي…
أومأ عاكف ببطء.
عاكف: كانت وحيدة؛ بلا عائلة؛ بلا مال؛ بلا مكان تذهب إليه.
وكان إبراهيم ذكيًا بما يكفي ليستغل ذلك.
ثم أردف بصوت بارد:
عاكف: هناك… في تلك الغرفة البيضاء داخل المستشفى… خطرت له فكرته القذرة.
وكأن المشهد ينبض أمامهما الآن…
اقترب إبراهيم من الفتاة بابتسامته المزيفة، وقال لها بصوت هادئ يخفي حقيقته:
إبراهيم: أنتِ وحدكِ في هذا العالم… أليس كذلك؟.
خفضت الفتاة عينيها بخجل وأومأت.
إبراهيم: وأنا أستطيع حمايتكِ…
تزوجيني، وستعيشين بأمان ولن تحتاجي لأحد بعد اليوم.
ارتجف قلب ديلان وهي تتخيل تلك الفتاة الساذجة وهي تنظر إليه كمنقذ أرسله الله لها.
همست بأسى:
ديلان: كانت تظنه رجلًا صالحًا…
عاكف: نعم…
ولم تكن تعلم أنها كانت تسير بقدميها نحو الجحيم.
ساد الصمت للحظات.
ثم تابع عاكف بصوت أثقل:
عاكف: تزوجها بسرعة…
وفي اللحظة التي أغلق فيها باب القصر عليهما؛ نزع قناع الرحمة تمامًا.
شعرت ديلان بقشعريرة تسري في جسدها.
عاكف: منذ الليلة الأولى بدأ يعاملها بقسوة، لقد إغتصبها ليلة زفافهم.
ثم عاشت إهانة، تهديد، إذلال،
كان يريدها مجرد أداة لينجب وريثًا، لا زوجة ولا إنسانة.
ثم قال بصوت خافت:
عاكف: كان يهددها دائمًا…
"إذا أخبرتِ أحدًا بما يحدث، سأرميكِ في الشارع للكلاب الضالة."
أغمضت ديلان عينيها بألم.
تخيلت فتاة خرجت من الميتم تبحث عن الأمان…
لتجد نفسها سجينة داخل قصر فاخر يشبه القبر.
تابع عاكف:
عاكف: وكانت المسكينة تصمت،
لأنها لا تملك أحدًا تلجأ إليه.
ثم سكت قليلًا قبل أن يقول:
عاكف: وعندما حملت، ظنت أن الأمور ربما ستتحسن.
ابتسم بسخرية موجعة.
عاكف: لكنها لم تكن تعرف قلب إبراهيم.
واقترب أكثر فوق الطاولة وهو يقول:
عاكف: يوم أخبرته بحملها، نظر إليها وقال ببرود: "إذا أنجبتِ ولدًا، سأطلقكِ وتذهبين في حال سبيلك، لكن الطفل سيبقى معي.
أما إذا أنجبتِ بنتًا، فستبقين هنا حتى تنجبي ولدًا."
شهقت ديلان بقوة، ووضعت يدها فوق فمها من هول ما سمعت.
كانت عيناها تمتلئان بالدموع تدريجيًا.
همست بعدم تصديق:
ديلان: كيف يستطيع إنسان أن يكون بهذا السوء؟…
لكن عاكف لم يجبها مباشرة، بل أكمل بصوت منخفض كأنه يروي مأساة يعرف نهايتها جيدًا:
عاكف: وعندما أنجبت باران…
انتظر حتى فقدت وعيها من شدة التعب والألم، ثم أخذ الطفل منها.
تسارعت أنفاس ديلان.
أما عاكف فقد تابع:
عاكف: طلقها؛ وتركها في المستشفى وحدها.
وحين استيقظت؛ كانت أول كلمة قالتها: "أين ابني؟".
أغمض عاكف عينيه للحظة وكأن المشهد يؤلمه شخصيًا.
عاكف: لكن الممرضة أعطتها ورقة الطلاق بدلًا من طفلها.
انسابت دمعة من عين ديلان دون أن تشعر.
أما عاكف فتابع:
عاكف: خرجت من المستشفى مكسورة، لكنها لم تستسلم.
ذهبت إلى القصر بنفسها… ووقفت أمام إبراهيم تتوسل.
وفي خيال ديلان تشكلت صورة امرأة ضعيفة تبكي عند أبواب قصر ضخم بارد.
فاطمة بصوت مرتجف: أرجوك… لا أريد شيئًا منك…
دعني أبقى خادمة فقط…
أي شيء… المهم أن أبقى قريبة من ابني.
تنهد عاكف بألم.
عاكف: وبطريقة ما… وافق.
ليس رحمة بها… بل لأنه كان يستمتع بإذلالها.
ساد الصمت الثقيل بينهما.
ثم قال:
عاكف: لكن الأسوأ… أن باران كبر وسط كل ذلك.
ارتجفت ملامح ديلان.
عاكف: كان يرى والده يدخل النساء إلى القصر أمام عينيه…
يرى أمه تُهان وتبكي…
وكان عاجزًا عن فعل أي شيء.
أطرق رأسه ثم أكمل:
عاكف: وعندما بلغ السابعة… قررت والدته الهرب به.
شهقت ديلان بخوف وكأنها تعرف أن النهاية لن تكون جيدة.
عاكف: كانت تخطط بصمت، تجمع بعض المال، وتنتظر فرصة للهروب.
ثم أردف بصوت قاتم:
عاكف: لكن إبراهيم اكتشف الأمر.
تشنجت يد ديلان فوق الطاولة.
عاكف: انتزع باران من بين ذراعيها بعنف…
وضربها أمام الطفل حتى سال الدم من فمها، ثم طردها خارج القصر.
أغمضت ديلان عينيها بقوة.
أما عاكف فقد قال بصوت مبحوح:
عاكف: وباران…
ذلك الطفل الصغير…
ظل بعدها يجلس كل يوم أمام باب القصر في الحديقة، ينتظر عودة أمه.
ساد الصمت.
صمت موجع؛ ثقيل؛ خانق.
ثم همس عاكف:
عاكف: كان ينتظر بالساعات؛
يحمل لعبته الصغيرة؛ وينظر إلى البوابة كلما سمع صوت سيارة.
ابتلع ريقه بصعوبة.
عاكف: لكنّها… لم تعد أبدًا.
شعرت ديلان وكأن قلبها يُسحق ببطء.
أما عاكف فقد رفع عينيه إليها أخيرًا، وكانت نظرته مظلمة بشكل أخافها.
ثم قال:
عاكف: وعندما رأى إبراهيم ابنه بتلك الحالة…
لم يكتفِ بحرمانه من أمه…
توقف قليلًا، ثم أكمل بصوت بارد أشبه بالسكين:
عاكف: بل فعل ما هو أسوأ بكثير…
---------
أصبح صوت المطر في الخارج أشبه بعويلٍ بعيد، بينما خيّم الصمت فوق الطاولة بين ديلان وعاكف كغيمة سوداء ثقيلة.
كانت ديلان تجلس مشدوهة، كأن الكلمات التي سمعتها حتى الآن نزعت شيئًا من روحها.
لم تعد ترى باران كما عرفته…
ذلك الرجل القاسي، البارد، المتحكم… بدأ يتحول تدريجيًا في عينيها إلى طفل صغير ضائع، يصرخ بصمت داخل ظلامٍ لا نهاية له.
أما عاكف…
فبدا وكأنه عاد سنوات طويلة إلى الوراء، إلى أيام كان يتمنى لو يستطيع انتشال صديقه منها.
تنهد بعمق، ثم قال بصوت منخفض:
عاكف: بعد أن طُردت والدته من القصر… تغيّر باران تمامًا.
خفض نظره إلى فنجان القهوة أمامه، ثم أكمل:
عاكف: كان طفلًا هادئًا قبل ذلك…
رغم كل ما يراه، كان لا يزال يحتفظ بشيء من البراءة.
كان يظن أن أمه ستعود يومًا ما؛ لذلك كان ينتظرها كل مساء عند بوابة القصر.
ابتلعت ديلان ريقها بصعوبة.
وفي خيالها ارتسم طفل صغير يجلس وحده وسط حديقة ضخمة باردة…
ركبتاه الصغيرتان مضمومتان إلى صدره…
وعيناه معلقتان ببوابة حديدية لا تُفتح أبدًا.
همست بصوت مرتجف:
ديلان: يا الله…
أغمض عاكف عينيه للحظة، ثم قال:
عاكف: لكن إبراهيم؛ لم يكن يحتمل رؤية ابنه يشتاق لأمه.
كان يرى في ذلك إهانة لرجولته؛ أو ربما كان يخشى أن يحب باران شخصًا غيره.
ثم ارتسمت على وجهه ملامح اشمئزاز واضحة وهو يكمل:
عاكف: لذلك… بدأ يحطم ما تبقى داخل ذلك الطفل بيده.
تسارعت أنفاس ديلان دون وعي.
أما عاكف فأكمل بصوت يقطر قهرًا:
عاكف: كان يجلب النساء إلى القصر كل ليلة تقريبًا…
نساء مختلفات… ضحكات عالية… روائح العطور والخمر تملأ المكان…
ثم رفع عينيه إليها وقال ببطء:
عاكف: والأسوأ… أنه كان يرغم باران على رؤية كل ذلك.
شهقت ديلان بصوت خافت.
عاكف: كان يناديه عمدًا.
وفي خيالها تشكل المشهد بوضوح مؤلم…
قصر مظلم…
طفل صغير يقف عند أعلى الدرج مترددًا…
ورجل ثمل يجلس على الأريكة تحيط به النساء.
إبراهيم بصوت خشن: تعال يا باران.
يتقدم الطفل بخطوات خائفة، يحتضن لعبته الصغيرة بصمت.
فيبتسم إبراهيم بسخرية، ثم يشير إلى النساء حوله:
إبراهيم: انظر جيدًا…
النساء خُلقن لشيء واحد فقط.
نستمتع بهن؛ ثم نرميهن كما تُرمى القمامة.
شعرت ديلان بالغثيان وهي تتخيل المشهد.
أما عاكف فتابع وعيناه قاتمتان:
عاكف: كان يقول ذلك أمام طفل في السابعة…
طفل لم يتجاوز عمره السنوات التي يحتاج فيها حضن أمه.
صمت للحظة، ثم أكمل:
عاكف: وباران…
كان يسمع؛ ويرى؛ لكنه لا يفهم لماذا يشعر بكل هذا الخوف.
وفي مكان ما داخل ذاكرته،
كان لا يزال يتذكر أمه وهي تبكي.
كان يتذكر كيف ضُربت أمامه.
كيف سُحبت من بين ذراعيه.
وكان كل مشهد جديد يعيد جرحه القديم حيًا.
تنهد عاكف بألم:
عاكف: في البداية كان يبكي فقط…
ثم أصبح يصرخ كلما رأى امرأة تدخل القصر.
أخفض صوته أكثر:
عاكف: لكن إبراهيم؛ بدل أن يرحمه؛ كان يضربه بعنف ويجبره على البقاء.
ارتجفت يد ديلان فوق الطاولة.
أما عاكف فتابع:
عاكف: إلى أن جاءت تلك الليلة؛
توقفت أنفاس ديلان تقريبًا.
رفع عاكف رأسه ببطء، وكانت عيناه ممتلئتين بحزن قديم:
عاكف: سمعوا صراخه في القصر كله؛ بعد ان اجبره اباه لرؤيته معاشرة إمرأة قذرة.
ساد الصمت ثقيل من هول الكلام.
عاكف: كان يصرخ بشكل هستيري…
يبكي؛ ويرتجف؛ ثم فجأة؛
ابتلع ريقه بصعوبة.
عاكف: صمت.
همست ديلان بخوف:
ديلان: ماذا حدث؟…
أجابها بصوت مبحوح:
عاكف: فقد النطق.
اتسعت عيناها بصدمة.
أما عاكف فتابع:
عاكف: لم يعد قادرًا على الكلام إطلاقًا.
الأطباء قالوا إن الصدمة النفسية كانت أقوى من احتمال طفل صغير…
وكأن عقله أغلق صوته بالكامل ليحميه من الجنون.
أغمضت ديلان عينيها بقوة.
شعرت بألم حاد يمزق صدرها وهي تتخيل باران طفلًا عاجزًا حتى عن البكاء بصوت.
قال عاكف بهدوء حزين:
عاكف: ستة أشهر كاملة…
باران لم ينطق خلالها حرفًا واحدًا.
ساد الصمت بينهما.
ثم أكمل:
عاكف: وكان جده… السيد حكمت… هو الوحيد الذي بقي إلى جانبه.
وفي مخيلة ديلان ظهر رجل مسن يجلس قرب طفل صغير صامت، يحاول أن يعيده للحياة.
عاكف: أخذه إلى الأطباء… إلى المصحات…
كان يجلس معه بالساعات يحاول أن يجعله يتكلم.
ثم ابتسم بأسى:
عاكف: كان يحتضنه أحيانًا ويبكي سرًا، لأنه يشعر بالذنب.
كان يردد دائمًا: "أنا من صنعت هذا الوحش، أنا من دلّل إبراهيم حتى أصبح شيطانًا."
شعرت ديلان بغصة في حلقها.
أما عاكف فقد تابع:
عاكف: وحكمت لم يتوقف عن البحث عن فاطمة أيضًا.
بحث عنها في كل مكان…
أراد أن يعيدها لابنها…
لكنها اختفت تمامًا.
أطرق رأسه بحزن.
عاكف: لا أحد يعلم إن كانت ماتت، أو هربت، أو ماذا حدث لها.
ثم رفع نظره ببطء نحو ديلان وقال:
عاكف: وبعد أشهر طويلة…
نطق باران أخيرًا.
حبست ديلان أنفاسها.
عاكف: لكنه… لم يعد الطفل نفسه.
ساد الصمت.
صمت ثقيل، مؤلم، خانق.
ثم أكمل عاكف بصوت خافت:
عاكف: كان ينظر إلى الناس ببرود غريب…
لا يضحك، لا يبكي،
حتى عيناه فقدتا تلك البراءة.
وأردف بأسى:
عاكف: كأن شيئًا داخله مات إلى الأبد.
شعرت ديلان أن قلبها ينكمش بقوة.
كانت تتذكر نظرات باران القاسية، صوته البارد، خوفه المرضي من الخيانة، احتقاره للنساء أحيانًا…
والآن فقط، بدأت تفهم من أين جاء كل ذلك.
ثم قال عاكف أخيرًا:
عاكف: وبعد فترة قصيرة… توفي جده.
همست ديلان:
ديلان: مات؟…
أومأ عاكف ببطء.
عاكف: لم يحتمل ما فعله ابنه…
ولا ما وصل إليه حفيده.
كان يشعر أنه خسر كل شيء.
تنهد طويلًا، ثم قال:
عاكف: ومنذ ذلك اليوم…
أغلق باران قلبه تمامًا.
رفع عينيه نحوها مباشرة وأردف:
عاكف: الرجل الذي تعرفينه اليوم…
ليس باران الحقيقي يا ديلان.
بل بقايا طفل دُمّر قبل أن يعرف معنى الحياة.
______//////------//////__
وما إن انتهت آخر كلمات عاكف، حتى اهتزّ الهاتف فوق الطاولة فجأة، كأنه صفعة أعادتهم من أعماق الماضي إلى لحظة الحاضر.
ارتجفت ديلان، وانحنى نظرها بسرعة نحو الشاشة.
تجمدت ملامحها في لحظة واحدة، ثم شهقت بخفوت كأن الهواء انقطع عنها:
ديلان: إنه باران…
ساد صمت خاطف، ثقيل، قبل أن يرفع عاكف عينيه إليها بسرعة، وقد تغيّر وجهه تمامًا.
عاكف: ردي عليه فورًا… لا تتأخري، حتى لا يشك بشيء.
أومأت ديلان برأسها بارتباك، وأصابعها ترتجف وهي تلتقط الهاتف، وكأنها تمسك بشيء أكثر من مجرد جهاز، تمسك بحبل رفيع بين الحقيقة والخطر.
ضغطت على زر الرد، وأجبرت صوتها أن يخرج طبيعيًا قدر الإمكان:
ديلان: ألو… نعم؟.
وصلها صوته من الطرف الآخر، هادئًا، ثابتًا، لكن فيه تلك النبرة التي اعتادت أن ترتجف أمامها دون أن تفهم لماذا.
باران: هل انتهيتِ من التسوق؟. أنا قريب من المول. اخرجي لأصطحبك إلى البيت.
تجمدت أنفاسها للحظة.
نظرت ديلان نحو عاكف بسرعة، كأنها تبحث عن معنى خفي خلف الكلمات، ثم أجابت بصوت حاولت أن تجعله طبيعيًا:
ديلان: حسنا… ثواني فقط وأخرج.
هل أنت أمام المول أم قريب؟.
جاءه صوته بلا تردد:
باران: أنا أركن السيارة الآن أمامه.
ازدادت دقات قلبها، لكنها أجبرت نفسها على الثبات:
ديلان: حسنا… أنا قادمة.
أغلقت الخط ببطء، ثم بقيت لثوانٍ تحدق في الشاشة كأنها لا تصدق أن الحديث انتهى.
رفعت عينيها نحو عاكف، وقد امتزج التوتر في صوتها بارتجاف خفيف:
ديلان: باران قد أتى؛ إنه في الخارج ينتظرني.
تغير وجه عاكف فورًا، وظهر عليه قلق واضح، لكنه حاول أن يبقى متماسكًا.
عاكف: اسمعي جيدًا؛ أتمنى ألا يصل إليه أي خبر أنكِ كنتِ معي، حتى لا يسيء فهم الأمر.
أنتِ تعرفين باران؛ يكفيه ظلّ شك واحد ليشتعل.
خفض صوته قليلًا ثم أضاف بحزم:
عاكف: أنا سأنزل إلى مرآب السيارات، سيارتي هناك.
وإذا حدث أي شيء؛ اتصلي بي فورًا، أنا من سأتكفل بالأمر وأفهمه كل شيء.
توقف لحظة، ثم نظر إليها نظرة جادة ممزوجة بالقلق:
عاكف: الآن اذهبي بسرعة… لا تجعليه ينتظر، لا تحمليه قلقًا إضافيًا.
وقفت ديلان ببطء، وكأن قدميها مثقلتان بما سمعته قبل قليل، وبما تنتظره الآن في الخارج.
سحبت حقيبتها، ثم توقفت لحظة عند الباب.
كان قلبها لا يزال عالقًا بين عالمين…
عالم ما سمعته عن باران،
وعالم الرجل الذي ينتظرها الآن أمام المول.
ثم همست لنفسها بصوت لا يسمعه أحد:
ديلان: كيف يمكن لإنسان واحد؛ أن يحتمل كل هذا الألم؟.
ثم خرجت.
بينما بقي عاكف للحظة في مكانه، يراقب الباب الذي أغلق خلفها، وكأن شيئًا داخله يخشى أن تبدأ القصة من جديد، لكن هذه المرة خارج حدود الحكاية
