رواية براءة ايقظت غافلا الفصل الرابع والعشرون24 بقلم عاشقة القلم

رواية براءة ايقظت غافلا 

الفصل الرابع والعشرون24

 بقلم عاشقة القلم 

خرجت ديلان من بوابة المول بخطوات مترددة، تضم الأكياس إلى صدرها وكأنها تحتمي بها من شيءٍ لا تعرفه... أو ربما تعرفه جيدًا.

كانت السماء تميل إلى العتمة، والهواء البارد يحرّك خصلات شعرها المختبئة تحت حجابها، لكنها لم تشعر بشيء سوى ذلك الانقباض المؤلم داخل صدرها منذ أن ودّعت عاكف قبل دقائق.

وما إن رفعت رأسها، حتى تجمدت في مكانها.

كان باران يقف بجوار سيارته السوداء.

صامتًا.

ثابتًا.

كأن الظلام قد اتخذ هيئة رجل.

يداه في جيبي معطفه، وملامحه جامدة بصورة مخيفة، لكن عينيه، عيناه كانتا أشد ما أرعبها. لم يكن فيهما غضب ظاهر، بل ذلك الهدوء الثقيل الذي يسبق العاصفة، الهدوء الذي يجعل القلب يرتجف أكثر من الصراخ نفسه.

شعرت ديلان بأن أنفاسها اختنقت.

هل رآها؟...

هل كان يراقبها؟...

هل عرف أنها كانت مع عاكف؟...

تقدمت نحوه ببطء، وكل خطوة كانت تثقل روحها أكثر.

أما هو... فلم يتحرك.

لم يسأل.

لم يقترب.

فقط فتح باب السيارة الأمامي ببرود قاتل وقال دون أن ينظر إليها:

ديلان: اركبي.

ارتعشت أصابعها حول الأكياس.

ذلك الصوت المنخفض، كان أخطر من أي صراخ.

دخلت السيارة بصمت، وجلست تضم يديها فوق حجرها محاولة إخفاء ارتجافهما، بينما أغلق باران الباب بعنف مكتوم، ثم دار إلى الجهة الأخرى واستقل مقعد القيادة.

ساد الصمت.

صمت خانق حتى إنها استطاعت سماع دقات قلبها بوضوح.

انطلقت السيارة فجأة بسرعة جعلتها ترتد إلى الخلف قليلًا.

ابتلعت ريقها بصعوبة، وعيناها تراقبان ملامحه الجانبية بحذر.

كان يقود بعينين مثبتتين على الطريق، وفكه مشدود بقسوة حتى برزت عروقه، بينما أصابعه تقبض المقود بقوة مرعبة.

شعرت أن الهواء داخل السيارة أصبح أثقل من أن يُتنفس.

ثم... تكلم أخيرًا.

بصوت منخفض جدًا...

لكنّه جعل الدم يتجمّد في عروقها:

باران: لماذا كنتِ مع عاكف؟...

اتسعت عيناها بفزع.

إذن... لقد رأى كل شيء.

ارتبكت نفسها، وتشابكت الكلمات داخل حلقها.

ديلان: كُ... كنت... فقط...

لكنها عجزت عن الإكمال تحت وطأة نظرته التي التفتت إليها فجأة.

كانت نظرة حادة، نافذة، كأنها تنتزع الحقيقة من أعماقها بالقوة.

باران: فقط ماذا؟...

همست بصوت مرتجف:

ديلان: نتعارف...

ساد الصمت ثانية.

لكن هذه المرة كان أكثر رعبًا.

ضغط باران على المقود بقوة حتى ابيضّت مفاصله، ثم ضغط دواسة الوقود فجأة.

اندفعت السيارة بسرعة جنونية.

شهقت ديلان، والتصقت بالمقعد وهي تمسك الباب بذعر.

أضواء الشارع بدأت تمرّ كخطوط مشوشة، والسيارات تتجاوزهم بصوت مخيف، بينما عقارب السرعة ترتفع أكثر وأكثر.

صرخت وهي تنظر إليه بخوف حقيقي:

ديلان: باران! أرجوك... خفف السرعة!.

لكنه لم يجب.

كان صامتًا بصورة مرعبة.

عيناه مثبتتان على الطريق، لكن داخله كان يغلي كبركان على وشك الانفجار.

لم يكن الغضب وحده ما يحرقه...

بل شيء آخر أسوأ.

الغيرة.

ذلك الشعور الذي رفض الاعتراف به طويلًا، وها هو الآن يخنقه بلا رحمة.

صورة ديلان وهي تجلس مع عاكف كانت تنهش عقله.

ضحكتها معه.

نظراتها إليه.

وجود رجل آخر قربها.

كل ذلك أشعل داخله نارًا لم يعرف كيف يطفئها.

هو نفسه لم يفهم لماذا يشعر بهذا الجنون.

لماذا تؤلمه فكرة أن يقترب منها أحد؟،

لماذا شعر برغبة ساحقة في جرّها بعيدًا عن الجميع وإخفائها عن العالم كله؟،

شدّ على المقود أكثر حتى كادت عروقه تتمزق.

باران: نتعارف؟...

خرجت الكلمة من فمه ساخرة ومخيفة في آن واحد.

ثم التفت إليها بعينين مشتعلتين:

باران: ومن سمح لكِ أن تتعارفي معه؟!.

ارتجفت ديلان بقوة.

ديلان: أنا... لم أفعل شيئًا خاطئًا...

ضحك ضحكة قصيرة باردة خالية من أي دفء.

باران: حقًا؟...

ثم اقترب بجسده قليلًا وهو يقود بسرعة مخيفة:

باران: تجلسين معه وحدكما... تضحكين... وتتحدثين... ثم تقولين لم أرتكب خطأ؟!.

بدأت دموعها تتجمع في عينيها.

ديلان: لم يكن الأمر كما تظن...

باران: إذًا كيف كان؟!.

صرخ بها فجأة حتى ارتجفت بالكامل.

ازدادت سرعة السيارة أكثر.

شهقت وهي تمسك المقعد بقوة:

باران: أرجوك! سنموت!.

ضغط باران فكه بعنف، وكأن كلماتها أيقظته للحظة.

لكن غضبه كان أقوى من أن يهدأ بسهولة.

التفت إليها مجددًا، وكانت دموعها تنهمر بصمت الآن، ووجهها شاحب من الرعب.

شيء ما انقبض داخله حين رآها هكذا.

كره خوفها منه...

لكنه في الوقت نفسه كان عاجزًا عن السيطرة على تلك الوحشية التي تستيقظ داخله كلما شعر أنه قد يخسرها.

خفض السرعة قليلًا أخيرًا، لكن التوتر بقي يملأ السيارة حتى كاد يخنق أنفاسهما.

أغمضت ديلان عينيها وهي تحاول التقاط أنفاسها المرتجفة، بينما كانت دموعها تنساب بصمت على خديها.

أما باران...

فبقي صامتًا.

ينظر إلى الطريق بعينين مضطربتين لأول مرة.

لأنه أدرك شيئًا أخافه أكثر من أي شيء آخر...

لقد بدأ يفقد سيطرته عليها...

والأسوأ من ذلك...

أنه بدأ يفقد سيطرته على نفسه أيضًا.

_____/////-----//////____


توقفت السيارة أمام القصر بعنفٍ جعل جسد ديلان يرتطم بالمقعد بقوة، فشهقت بخوف وهي ترفع عينيها نحوه.

لكن باران لم ينظر إليها حتى.

أطفأ المحرك بحركة حادة، ثم فتح الباب ونزل بسرعة توحي أن شيئًا داخله يوشك على الانفجار.

شعرت ديلان بقلبها يهبط إلى قدميها.

كانت تعرف هذا الصمت...

ذلك الصمت الذي يسبق جنونه.

ما إن فتحت باب السيارة بتردد حتى شعرت بيده تطبق على ذراعها بقوة موجعة.

ديلان: باران... أنت تؤلمني...

لكنه لم يجب.

سحبها خلفه بعنف عبر الممر الطويل المؤدي إلى القصر، وخطواته السريعة المرتجفة بالغضب تكاد تجعلها تتعثر في كل خطوة.

كانت تحاول مجاراته، بينما الأكياس تسقط من يديها واحدة تلو الأخرى دون أن يلتفت إليها.

الخدم الذين مروا بالممرات تجمدوا في أماكنهم فور رؤيتهم له.

لم يجرؤ أحد على الكلام.

كان الغضب يتصاعد من باران كعاصفة سوداء، حتى إن المكان كله بدا وكأنه يختنق به.

أما ديلان...

فكانت تشعر أن ذراعها تحترق تحت قبضته.

وصل إلى الغرفة أخيرًا.

فتح الباب بعنف حتى ارتطم بالجدار بقوة مخيفة.

ثم دفعها إلى الداخل.

اختل توازنها، وسقطت فوق السرير وهي تلهث، بينما تراجع حجابها قليلًا عن شدة الدفع.

رفعت عينيها إليه بخوف وغضب في آن واحد.

أما هو...

فأغلق الباب ببطء هذه المرة.

بهدوء مرعب.

ثم استدار نحوها.

وقف أمامها طويلًا دون كلمة.

عيناه ثابتتان عليها بطريقة جعلت قلبها يرتجف.

لم يكن يصرخ.

لم يكن يهدد.

وذلك تحديدًا ما أخافها أكثر.

اقترب خطوة واحدة فقط...

ثم قال بصوت منخفض، أجش، يكاد يكون همسًا:

باران: قولي لي...

توقفت أنفاسها.

اقترب أكثر.

باران: كيف تعرّفتِ عليه؟...

ابتلعت ريقها بصعوبة، وحاولت أن تثبت صوتها المرتجف:

ديلان: كنت... في المول... و....

لكن صوته قطعها كالسوط:

باران: وكيف عرفكِ وأنتِ منقبة؟!.

تجمدت للحظة.

ارتبكت أفكارها.

لو قالت الحقيقة... سيعرف أنها أخبرته باسمها.

ولو كذبت... ربما يكتشف الأمر.

لكن خوفها دفعها للكذب.

همست بسرعة:

ديلان: من... من عينيّ...

ظل يحدق بها بصمت.

فأكملت بتوتر:

ديلان: أول ما رآني قال... أنتِ ديلان... وهكذا... تعرّفنا.

وفي تلك اللحظة...

انكسر آخر خيط من صبره.

اندفع نحوها فجأة حتى شهقت بفزع، ثم أمسك شعرها بعنف وأجبرها على رفع وجهها إليه.

تأوهت بألم وهي تمسك معصمه.

لكن عينيه...

كانتا تشتعلان بطريقة أرعبتها.

باران: من عينيكِ؟...

ضحك ضحكة قصيرة مخيفة خالية من أي دفء.

باران: رائع...

اقترب أكثر حتى اختلط غضبه بأنفاسها المرتجفة.

باران: أليس من المفترض أن "الآنسة المحترمة" لا تجلس مع أي رجل؟!.

كانت أنفاسه حادة، وكلماته تضربها بقسوة أكبر من قبضته.

باران: أم أنكِ تمثلين الاحترام عليّ فقط؟!.

اهتزت شفتاها بصدمة وألم.

لكنه لم يتوقف.

بل تابع بسخرية جارحة:

باران: أم أنكِ تديرينها من خلفي؟...

اتسعت عيناها بذهول.

في تلك اللحظة تحديدًا...

لم يعد الخوف هو المسيطر.

بل الإهانة.

إهانته لها مزقت شيئًا عميقًا داخلها.

دفعت يده عنها بقوة مفاجئة حتى تراجع خطوة، ثم وقفت أمامه بعينين دامعتين تشتعلان غضبًا.

ديلان: احترم نفسك!.

خرج صوتها مرتجفًا... لكنه كان حادًا لأول مرة.

ديلان: أنا محترمة... رغمًا عنك!.

تجمد للحظة.

ربما لأنها لأول مرة تواجهه بهذا الشكل.

لكنها أكملت بانفعال، والدموع تنساب على خديها:

ديلان: وطالما أنك تشك بي بهذا الشكل... طلّقني وأرحني!.

كانت الكلمات تخرج من قلب محطم، لا من مجرد غضب.

كل ما تحمله داخله منذ شهر انفجر دفعة واحدة.

ديلان: تعبت منك! من تحكمك! من شكوكك! من خوفك الذي تخنقني به كل يوم!.

ارتجف فك باران بعنف.

أما هي...

فصرخت أخيرًا بكل الألم الذي سحق روحها:

ديلان: أنا أكرهك!!.

ساد الصمت.

صمت ثقيل حتى إن صوت أنفاسهما بدا مرتفعًا داخله.

تجمد باران مكانه.

شيء ما داخل صدره انقبض بقسوة عند سماعها.

"أكرهك."

الكلمة اخترقت صدره بطريقة لم يتوقعها.

نظر إليها طويلًا...

إلى دموعها...

إلى ارتجافها...

إلى الألم الحقيقي في عينيها.

ولأول مرة منذ وقت طويل...

شعر بالخوف.

خوف غريب، مرير، من أن يكون قد دفعها بعيدًا أكثر مما يحتمل قلبه.

لكن باران لم يكن رجلًا يعرف كيف يعتذر.

ولا كيف يُظهر ضعفه.

لذلك...

ابتسم.

ابتسامة هادئة؛ مستفزة؛ تخفي تحتها كل ذلك الخراب المشتعل داخله.

ثم قال بصوت منخفض بارد:

باران: وأنا...

توقف لحظة وعيناه مثبتتان عليها.

باران: أنا أعشقكِ يا روحي.

شهقت ديلان بصدمة وهي تنظر إليه بعدم تصديق.

كيف يستطيع قول ذلك بعد كل ما فعله؟!.

كيف يجتمع هذا القدر من القسوة؛ مع ذلك الحب المجنون في الوقت نفسه؟!.

لكن باران لم يمنحها فرصة للكلام.

استدار ببطء، ثم اتجه نحو الباب.

كانت خطواته هادئة...

لكن الغضب الذي يخرج منه كان كافيًا لإحراق المكان كله.

فتح الباب بعنف وغادر الغرفة.

ثم غادر القصر بأكمله.

أما ديلان...

فبقيت واقفة مكانها للحظات، عاجزة حتى عن البكاء.

ثم انهارت فوق السرير، ودفنت وجهها بين يديها وهي تنتحب بحرقة.

بينما في الخارج...

كان باران يقود سيارته في ظلام الليل كمن يهرب من نفسه.

لأن الحقيقة التي كان يرفض الاعتراف بها...

أن غيرته عليها لم تعد مجرد رغبة في السيطرة.

بل أصبحت شيئًا أخطر بكثير...

حبًا مريضًا يلتهمه ببطء...

ولا يعرف كيف ينجو منه.

-----///***//****//***///----


انطلقت سيارة باران تشقّ ظلام المدينة بسرعة مخيفة، كأنها تهرب من شيء يطارده... أو ربما كانت تطارد غضبه نفسه.

كانت يداه تقبضان المقود بعنف حتى برزت عروقهما، بينما عيناه تقدحان بشرًا حارقًا لم يعرف له مثيل منذ سنوات.

كل ما حدث قبل قليل كان يعيد نفسه داخل رأسه بصورة جنونية.

ديلان...

دموعها...

صرختها وهي تقول:

 "أنا أكرهك!".

ثم صورة عاكف بجانبها داخل المول.

يضحك معها.

يجلس قريبًا منها.

ساعتان كاملتان...

وهو آخر من يعلم.

ضغط على المكابح بعنف أمام مبنى الشركة حتى صدر صوت احتكاك حاد جذب أنظار الحراس في الخارج.

نزل من السيارة بخطوات غاضبة سريعة، وصفق الباب خلفه بقوة جعلت الجميع ينتفضون.

وما إن دخل الشركة حتى عمّ الصمت المكان.

الموظفون الذين اعتادوا هيبته... شعروا اليوم بشيء أخطر.

كان الغضب يخرج منه كإعصار أسود.

لم يلقِ التحية.

لم ينظر إلى أحد.

فقط اتجه مباشرة نحو المصعد، وخطواته تضرب الأرض بقوة توحي أن شيئًا كارثيًا سيحدث.

أما في الطابق العلوي...

فكان عاكف يجلس في مكتبه يقلب بعض الملفات، لكن عقله لم يكن حاضرًا.

كان يفكر بديلان...

بخوفها...

وبرعبها الواضح من باران.

وكان يشعر بثقل غريب داخل صدره منذ أن افترق عنها.

شيء ما لم يكن مطمئنًا.

وفجأة-

دُفع باب المكتب بعنف هائل حتى ارتطم بالحائط.

رفع عاكف رأسه بصدمة.

لكن قبل أن ينطق بحرف...

اندفع باران نحوه ولكمه بقوة مباشرة في وجهه.

ارتطم عاكف بالمكتب متأوهًا من شدة الضربة، بينما تناثرت الأوراق على الأرض.

عاكف: باران! هل جُننت؟!.

لكن باران لم يكن يسمع.

أمسكه من ياقة قميصه بعنف وسحبه نحوه، وعيناه مشتعلة بصورة مرعبة.

باران: نعم! أنا مجنون!.

كان صوته مرتفعًا، متقطعًا بأنفاس الغضب.

باران: تخدعني... وتجلس مع زوجتي؟!.

اتسعت عينا عاكف بصدمة حقيقية.

للحظة...

لم يستوعب حتى ما يسمعه.

ثم دفعه بعيدًا بقوة وهو يهتف بغضب:

عاكف: ماذا تقول أنت؟!.

لكن باران عاد يقترب منه كوحش جريح.

باران: أليس هذا ما حدث؟!.

عاكف: لا ترفع صوتك عليّ بهذه الطريقة!.

باران: إذًا ماذا أسمي ما رأيته؟!.

كانت أنفاس باران حادة، مضطربة، وكأن غيرته تحولت إلى نار تلتهم منطقه بالكامل.

اقترب أكثر وهو يشير نحوه بعنف:

باران: تجلس معها أكثر من ساعتين! بمفردكما! وتريدني أن أصفق لك؟!.

تصلّب وجه عاكف تدريجيًا.

وفي تلك اللحظة...

لم يعد يشعر بالغضب فقط.

بل بالألم.

ألم عميق لم يكن يتوقع يومًا أن يشعر به بسبب باران.

نظر إليه طويلًا، غير مصدق أن الرجل الذي اعتبره أخًا لعشر سنوات يقف أمامه الآن بهذه النظرة.

نظرة شك.

نظرة خيانة.

خرج صوته أخيرًا؛ منخفضًا؛ لكنه مكسور بطريقة موجعة:

عاكف: أأنا أخونك؟...

ساد الصمت للحظة.

حتى باران تجمد قليلًا أمام تلك النبرة.

لكن عاكف أكمل وعيناه تمتلئان بمرارة لم يستطع إخفاءها:

عاكف:أنا؟... أنظر إلى أهل بيتك بعين سوء؟...

أطرق رأسه للحظة، ثم ضحك ضحكة قصيرة حزينة.

عاكف: يا الله... لهذه الدرجة سقطتُ في نظرك؟...

ظل باران صامتًا، لكنه لم يتراجع.

وكان ذلك كافيًا ليمزق شيئًا داخل عاكف.

اقترب عاكف منه خطوة هذه المرة، وقال بصوت مرتجف بالغضب والقهر:

ـ قبل أن تفكر هكذا... تذكّر من أنا.

وأشار إلى صدره بقوة.

عاكف: أنا عاكف... الذي وقف معك حين تخلى الجميع عنك!، الذي حمل شركتك معك خطوة بخطوة!، الذي يعرفك أكثر من نفسك أحيانًا!.

ارتجف فكّه وهو يكمل:

عاكف: عشرة عمر يا باران... عشر سنوات... ليست أيامًا حتى ترميني بهذه التهمة القذرة بسهولة!.

شيء ما داخل باران اهتز عند سماع كلماته.

الذكريات مرت سريعًا داخل عقله.

سنوات الصداقة.

النجاحات.

السقوط.

الوقوف بجانب بعضهما في أصعب الأوقات.

لكن غيرته كانت أعمى من أن تسمح له بالاعتراف بخطئه.

فقال ببرود قاسٍ يحاول به إخفاء اضطرابه:

باران: إذًا لماذا كنت معها؟...

نظر إليه عاكف طويلًا.

وكانت تلك النظرة مليئة بخيبة لم يرها باران في عينيه من قبل.

عاكف: لأنها كانت خائفة. مرتبكة. وتحتاج لمن يسمعها.

ثم أضاف بمرارة:

عاكف: لكن يبدو أن هذا أيضًا أصبح جريمة في عالمك.

سكت لحظة...

كأنه يحاول ابتلاع الغصة التي تخنقه.

ثم قال بحزم مؤلم:

عاكف: لا تقلق... سأريحك مني.

عقد باران حاجبيه.

لكن عاكف تابع بصوت ثابت رغم الألم الواضح فيه:

عاكف: سأبتعد عنك... عن شركتك... وعن حياتك كلها.

اتسعت عينا باران قليلًا.

باران: عاكف...

لكن الآخر رفع يده مقاطعًا إياه.

ولأول مرة...

لم يكن في عينيه ذلك الدفء المعتاد نحوه.

بل برودة موجوعة.

اتجه نحو الباب بخطوات بطيئة، ثم توقف قبل أن يخرج.

بقي صامتًا لثوانٍ...

كأن الكلمات الأخيرة تثقل قلبه.

ثم قال دون أن يلتفت إليه:

عاكف  لكن لا تشك بي يا صديقي...

توقفت أنفاس باران.

أما عاكف...

فابتسم ابتسامة صغيرة موجوعة وأضاف:

عاكف: أقصد... حين كنت صديقي.

ثم خرج.

وأُغلق الباب خلفه بهدوء.

لكن ذلك الهدوء...

كان أشد قسوة من أي صراخ.

بقي باران واقفًا في منتصف المكتب، وأنفاسه ثقيلة، بينما الصمت يطبق على المكان.

نظر إلى الأوراق المبعثرة على الأرض...

ثم إلى الباب الذي خرج منه عاكف.

ولأول مرة منذ بداية غضبه...

بدأ يشعر أن شيئًا داخله قد انكسر فعلًا.

شيء ربما لن يستطيع إصلاحه هذه المرة.

______//////------///////---


في الداخل...

بقي باران واقفًا وحده في منتصف المكتب، كأن الأرض قد تجمدت تحت قدميه.

الباب الذي خرج منه عاكف قبل لحظات ظلّ مفتوحًا قليلًا، يتأرجح ببطء، بينما الصمت الثقيل يبتلع المكان كله.

لكن داخل باران...

لم يكن هناك صمت.

بل عاصفة.

أنفاسه كانت متقطعة، وصدره يعلو ويهبط بعنف، بينما الكلمات الأخيرة التي قالها عاكف كانت تعيد نفسها داخل رأسه بلا رحمة:

"حين كنت صديقي..."

أغمض عينيه بقوة.

لأول مرة منذ سنوات...

شعر أنه خسر شيئًا حقيقيًا.

ليس موظفًا.

ليس شريكًا.

بل الشخص الوحيد الذي بقي إلى جانبه حين انهار الجميع من حوله.

تحرك أخيرًا بخطوات ثقيلة نحو مكتبه، ثم جلس ببطء على الكرسي، وكأن جسده فقد قوته دفعة واحدة.

مدّ يده المرتجفة نحو الزجاجة الموضوعة في الدرج.

تردد للحظة...

كأنه يقاوم نفسه.

لكنه في النهاية فتحها بعنف، ثم رفعها إلى شفتيه وأخذ جرعة طويلة.

أحرقت الخمرة حلقه...

لكنه لم يشعر.

بل احتاج ذلك الاحتراق.

احتاج شيئًا يطغى على النار المشتعلة داخله.

أسند رأسه إلى الخلف وأغمض عينيه.

لكن بدل أن يهدأ...

بدأ كل شيء ينهار داخله أكثر.

ديلان وهي تبكي.

عاكف وهو ينظر إليه بخيبة.

صوت نفسه وهو يصرخ بجنون.

والسؤال الذي بدأ ينهشه أخيرًا:

"ماذا فعلت؟..."

ضغط على الزجاجة بقوة حتى كادت تنكسر بين يديه.

هو لم يكن يريد خسارة عاكف.

ولم يكن يريد إخافة ديلان.

لكنه في كل مرة يشعر فيها أن أحدًا قد يتركه...

يتحول إلى شخص آخر.

شخص يشبه ذلك الطفل الذي تُرك وحيدًا ذات يوم.

نهض فجأة كمن يهرب من أفكاره، أخذ سترته وغادر الشركة بخطوات مضطربة.

وفي الخارج...

كان الليل قد ازداد برودة.

قاد سيارته بلا وجهة واضحة في البداية.

المدينة تمر حوله كضباب مشوش، والأضواء تنعكس على زجاج السيارة كذكريات مبعثرة لا يستطيع الإمساك بها.

ثم...

وجد نفسه يتوقف أمام مكان يعرفه جيدًا.

خمارة قديمة اعتاد اللجوء إليها كلما ضاقت به الدنيا.

حدق في اللافتة المضيئة طويلًا.

كان قد ابتعد عن هذا المكان منذ مدة.

منذ دخول ديلان إلى حياته تحديدًا.

لكن الليلة...

عاد.

دخل بخطوات بطيئة، فاستقبله دخان السجائر ورائحة الكحول والموسيقى الخافتة.

الناس يضحكون.

يتحدثون.

يهربون من آلامهم بطريقتهم الخاصة.

أما هو...

فكان يحمل داخله جرحًا أعمق من أن تداويه الخمرة.

جلس في زاوية بعيدة معتمة، ثم طلب زجاجة أخرى.

كان صامتًا.

هادئًا ظاهريًا.

لكن عينيه كانتا غارقتين في مكان بعيد جدًا عن تلك الخمارة.

رفع الكأس إلى شفتيه...

وفي اللحظة التي لامس فيها الخمر فمه...

عاد الماضي.

بعنف.

كأن الزمن انشق أمامه فجأة.

كان طفلًا صغيرًا يقف في بهو القصر الضخم، يرتجف خوفًا.

الصراخ يملأ المكان.

وأمه...

تبكي.

لم يفهم كل شيء حينها، لكنه فهم شيئًا واحدًا فقط:

أنها سترحل.

كانت والدته تقف أمام السيد إبراهيم بعينين دامعتين وصوت مكسور:

فاطمة: إبراهيم... أرجوك... لا تفعل هذا... على الأقل دعني آخذ ابني معي...

لكن الرجل وقف ببرود قاسٍ، وكأن دموعها لا تعنيه بشيء.

إبراهيم: قلت لكِ اخرجي من هذا القصر.

شهقت وهي تقترب منه بيأس:

فاطمة: باران صغير... يحتاجني...

صرخ بغضب هائل:

إبراهيم: قلت اخرجي!!.

ارتجف الطفل الصغير في زاوية المكان.

كان ينظر بينهما بعينين خائفتين لا تفهمان لماذا يتحول البيت فجأة إلى هذا الجحيم.

ثم اندفع نحو أمه بسرعة، متشبثًا بثوبها بكل قوته.

باران: أمي!...

كان صوته مرتجفًا بالبكاء.

باران: لا تذهبي... أرجوكِ لا تتركيني...

انهارت الأم وهي تضمه بقوة، تبكي بحرقة وكأن قلبها يُنتزع من صدرها.

فاطمة: سامحني يا روحي... سامحني...

رفع الطفل رأسه نحو والده بعينين دامعتين:

باران: أبي... دعها تبقى... أرجوك...

لكن السيد إبراهيم أشاح وجهه ببرود.

ثم أشار إلى رجاله:

إبراهيم: أخرجوها.

صرخت الأم وهي تُسحب بعيدًا:

فاطمة: باران!!.

أما هو...

فكان يركض خلفها بجنون.

قدماه الصغيرتان تتعثران، ودموعه تخنق أنفاسه.

باران: أمي! لا تتركيني! خذيني معكِ! أمي!!.

لكن الأبواب أُغلقت في وجهه بقسوة.

وبقي واقفًا خلفها يضرب الباب الصلب بيديه الصغيرتين حتى احمرّتا من الألم.

باران: أمييي!!.

لكن لا أحد عاد.

لا أحد فتح الباب.

لا أحد أخذه إليها.

فتح باران عينيه فجأة داخل الخمارة، وأنفاسه ثقيلة.

كانت أصابعه تقبض الكأس بعنف حتى ارتجف الزجاج بين يديه.

ذلك الشعور القديم...

شعور الهجر...

عاد ينهش قلبه كوحش لم يمت أبدًا.

ابتلع جرعة أخرى بسرعة، ثم مرر يده على وجهه بإرهاق.

الآن فقط فهم سبب جنونه كلما اقترب أحد من ديلان.

كلما شعر أنها قد تبتعد.

كلما خاف أن يخسر شخصًا يحبه.

لأنه في داخله...

ما زال ذلك الطفل الصغير جالسًا خلف باب مغلق...

ينتظر أمه أن تعود.

ولا أحد يعود.

-------////*****////----


مرّ أسبوع كامل...

سبعة أيام ثقيلة كأنها سبعة أعوام في قلب طفل صغير.

كان باران يجلس كل صباح في الحديقة الواسعة للقصر، فوق ذلك المقعد الحجري البارد، محدقًا في البوابة الحديدية العملاقة بعينين متعلقتين بالأمل.

كلما سمع صوت سيارة...

ينهض بسرعة.

كلما فُتح الباب...

يركض بقلب مرتجف.

وكل مرة...

كان الأمل يُذبح داخله من جديد.

لم تعد والدته.

لم يسأل عنه أحد.

حتى والده...

اختفى تمامًا، وكأن الطفل الذي تُرك وحيدًا داخل هذا القصر لا يعنيه بشيء.

كان الخدم يراقبونه بصمت وحزن، لكن لا أحد يجرؤ على الاقتراب منه.

لأن السيد إبراهيم لم يكن يسمح لأحد بالتدخل.

وفي الليل...

كان باران ينام متكورًا على نفسه فوق السرير الضخم، يحتضن وسادة والدته التي ما زالت تحتفظ برائحتها الخافتة.

يبكي بصمت...

حتى يغلبه النوم.

وفي داخله...

بدأ شيء مظلم ينمو ببطء.

شيء يشبه القسوة.

يشبه الكره.

يشبه ذلك الفراغ البارد الذي يتركه الخذلان داخل الأرواح الصغيرة.

وفي مساء اليوم السابع...

سمع أخيرًا صوت السيارات عند البوابة.

انتفض قلبه بعنف.

ركض خارجًا بكل ما يملك من شوق، وقد لمع الأمل مجددًا داخل عينيه الصغيرتين.

"أمي عادت..."

كان هذا أول ما خطر في ذهنه.

وقف عند مدخل القصر يلهث، وعيناه مثبتتان على السيارة السوداء التي توقفت أمام الدرج.

ثم فُتح الباب.

نزل السيد ابراهيم أولًا.

توقف باران للحظة.

ثم بحث بعينيه خلفه بسرعة...

عن أمه.

لكن بدلًا منها...

نزلت امرأة غريبة.

كانت تضحك بدلال وهي تتشبث بذراع والده، بينما كان إبراهيم ينظر إليها بابتسامة باردة لم يمنح ابنه مثلها يومًا.

تجمد الطفل في مكانه.

وشيئًا فشيئًا...

بدأ ذلك الضوء الصغير داخل عينيه ينطفئ.

نظر إلى والده طويلًا.

ينتظر أن يراه.

أن يسأله على الأقل كيف كان طوال هذا الأسبوع.

لكن حسن مرّ بجانبه وكأنه غير موجود أصلًا.

لا كلمة.

لا نظرة.

لا حتى لمسة على رأس طفل تُرك وحيدًا سبعة أيام كاملة.

أما المرأة...

فألقت نظرة سريعة على باران قبل أن تضحك بخفة وتسير خلف والده إلى الداخل.

وبقي هو واقفًا عند الباب.

صغيرًا...

منسيًا...

وقلبه يعتصر بصمت موجع.

كانت عيناه تلمعان بالدموع، لكنه لم يبكِ.

كأن شيئًا داخله بدأ يتجمد.

ببطء...

استدار وعاد إلى الحديقة.

جلس فوق العشب البارد، رافعًا عينيه إلى نافذة غرفة والدته الفارغة.

وكان يشعر لأول مرة...

أنه غير مرغوب فيه.

أن هذا القصر الكبير ليس بيتًا.

بل سجن.

مرت ساعات وهو جالس هناك، حتى بدأ الليل يبتلع المكان.

لكن الطفل الصغير لم يتحرك.

كان فقط يحدق في العدم، بينما تنهشه أسئلة لا يفهمها:

"لماذا تركتني أمي؟... لماذا لم يحبني أبي؟..."

ثم...

سمع ضحكات تأتي من الطابق العلوي.

رفع رأسه ببطء.

كانت ضحكات المرأة الغريبة.

تردد للحظة...

ثم نهض.

صعد الدرج بخطوات صغيرة مترددة، وقلبه ينبض بقوة.

توقف أمام غرفة والده.

الباب لم يكن مغلقًا بالكامل.

دفعه قليلًا ببراءة طفل لا يدرك ما الذي ينتظره خلفه.

وفي تلك اللحظة...

انكسرت آخر قطعة نقية داخل روحه.

تجمد مكانه.

عينيه الصغيرتان اتسعتا بصدمة وارتباك، وهو يرى والده مع تلك المرأة في مشهد لم يفهمه بالكامل... لكنه شعر بقذارته.

المرأة تضحك.

والده يلتفت نحوه دون أي ارتباك... دون أي خجل.

بل بابتسامة باردة مرعبة.

ثم قال وهو يشعل سيجارته بلا اكتراث:

ـ تعال يا باران.

لم يتحرك الطفل.

كان خائفًا.

مرتبكًا.

لا يفهم لماذا يشعر بالاشمئزاز والرعب في الوقت نفسه.

لكن إبراهيم أكمل بصوت قاسٍ، كأنه يلقنه درسًا:

إبراهيم: انظر جيدًا...

أشار إلى المرأة باستخفاف مهين:

إبراهيم: هؤلاء النساء خُلقن فقط لمتعتنا.

ارتجفت عينا الطفل.

أما ابراهيم...

فواصل ببرود قاتل:

ابراهيم : نشتريهن بأموالنا... ليُمتعننا. وإذا مللت من إحداهن... أُبعدها وأحضر غيرها.

ثم نفث دخان سيجارته وهو يضيف بابتسامة مظلمة:

ابراهيم: ليس لهن قيمة يا باران. هن مجرد وسيلة لإشباع رغباتنا.

كانت الكلمات تسقط على روح الطفل كسمّ بطيء.

لم يفهم كل شيء...

لكن قلبه الصغير شعر بأن شيئًا بشعًا يحدث أمامه.

شيء خاطئ.

شيء مظلم.

ورغم ذلك...

كان والده يتحدث وكأنه يزرع حقيقة مقدسة داخل عقله.

وقف باران هناك، عاجزًا عن الحركة.

وعيناه الصغيرتان تمتلئان بشيء جديد لم يعرفه من قبل.

الغضب.

الحقد.

والاشمئزاز.

في تلك الليلة...

لم يعد ذلك الطفل كما كان.

شيء ما انكسر داخله للأبد.

شيء بريء...

لن يعود أبدًا.

ومن بين رماد تلك البراءة...

وُلد ذلك الرجل الذي سيعرفه الجميع لاحقًا.

الرجل البارد.

القاسي.

الذي يخاف الحب لأنه لم يعرفه يومًا.

والذي يرى النساء بعين مشوهة، لأن أول من علّمه عنهن... كان وحشًا يرتدي وجه أب.

               الفصل الخامس والعشرون من هنا

لقراءة باقي الفصول اضغط هنا 

تعليقات



<>