رواية براءة ايقظت غافلا الفصل السادس والعشرون26 بقلم عاشقة القلم

رواية براءة ايقظت غافلا

 الفصل السادس والعشرون26

 بقلم عاشقة القلم 

عاد باران من لقائه مع عاكف في ساعة متأخرة من الليل، لكن الكلمات التي دارت بينهما بقيت عالقة في رأسه كصدى ثقيل لا يهدأ.

"إذا كنت تحبها إعترف لها ".

"الحب ليس بالاجبار والمعاملة السيئة".

"الحب إحتواء"

ديلان اصبحت وحيدة في هذا العالم وإذاكنت تحبها تغير من اجلها، اظهر حبك لها، لاتقسوا عليها وتجعلها تخاف منك، حينها لن تحبك، إجعلها تشعر بإهتمامك ورعايتك لها، عاملها بلطف لتقترب منك، إبحث عن الاشياء التي تحبها وافعلها، وانظر إلى الاشياء التي تنفرها منك وإبتعد عنها".

كانت هذه العبارات مازالت ترن في اذنيه، وهو يتذكر ديلان وملامحها مع كل تصرف يفعله، خوفها منه، بكاؤها، نظرات الرغب التي كان يراها في عينيها.

دخل غرفته بخطوات بطيئة، نزع سترته ورماها بإهمال فوق المقعد القريب، ثم جلس على حافة السرير مطولًا دون أن يتمدد.

كان يشعر بشيء غريب يضغط صدره... شيء لم يختبره منذ سنوات طويلة.

تذكّر نظرة ديلان ليلة أمس...

ذلك الخوف الذي ارتجف داخل عينيها عندما رفع صوته عليها.

وتذكّر أيضًا كيف وقفت تدافع عن نفسها بصوت مرتعش رغم خوفها منه.

تنهد بضيق ومسح وجهه بكفيه.

لقد أخطأ...

ولأول مرة منذ زمن، كان الاعتراف بهذا الخطأ يؤلمه.

رفع رأسه نحو النافذة المظلمة، ثم تمتم بصوت خافت وكأنه يحدث نفسه:

باران: "لماذا تؤثر بي هكذا...؟"

لكن أحدًا لم يجبه سوى الصمت.

همس لنفسه وكأنه يقسم على شيء مقدس..

باران: سأجاهد نفسي من اجلك، لكن اولا سأجعلها تسامحني.

بدأت تتزاحم افكار في رأسه، لكن كيف يعتذر منها، ماهي الطريقة حتى تسامحه على فعلته معها.

وفي النهاية تمدد فوق سريره محاولًا النوم، إلا أن صورتها وهي تبكي ظلت تطارده حتى غلبه النعاس أخيرًا مع اقتراب الفجر.

في الجهة الأخرى من المنزل...

استيقظت ديلان قبل أذان الفجر كعادتها.

فتحت عينيها بهدوء، ثم جلست فوق سريرها لحظات تستعيد يقظتها قبل أن تنهض وتتوضأ.

كان السكون يغلف المكان كله، والبيت الواسع يبدو غارقًا في نوم عميق، بينما وحدها تتحرك بخفة داخل غرفتها.

وقفت تصلي بخشوع...

وكان صوت تلاوتها الهادئ يملأ المكان بسكينة عجيبة.

بعد أن انتهت من فرضها، جلست قرب النافذة الزجاجية الكبيرة، وضعت المصحف الصغير فوق حجرها، وبدأت تتلو وردها اليومي بصوت خافت دافئ.

ومع مرور الوقت...

بدأت خيوط الشمس الأولى تتسلل ببطء عبر الزجاج، لترسم فوق الأرض خطوطًا ذهبية ناعمة.

وانعكس الضوء فوق وجهها الهادئ، فبدت وكأنها قطعة نور وسط ذلك الصباح الساكن.

كانت مندمجة تمامًا في التلاوة...

حتى سمعت طرقًا خفيفًا جدًا على باب غرفتها.

رفعت رأسها باستغراب.

في هذا الوقت المبكر...؟

أغلقت المصحف برفق ونهضت متجهة نحو الباب، ثم فتحته بهدوء...

لتتفاجأ بباران يقف أمامها.

كان يبدو مختلفًا هذا الصباح.

هادئًا... على غير عادته.

بل إن ملامحه حملت شيئًا نادرًا جدًا عليه... التردد.

وما إن وقعت عيناه عليها حتى بادرها بالكلام سريعًا وكأنه يخشى أن يتراجع:

باران: "صباح الخير..."

ثم تنحنح بخفة قبل أن يكمل بصوت أكثر انخفاضًا:

باران: "أنا... آسف يا ديلان. أعتذر عمّا بدر مني ليلة أمس."

اتسعت عيناها قليلًا بدهشة.

"باران... يعتذر؟"؛

"ومنها"؛

وقبل أن تنطق بكلمة، أخرج كيسًا كان يخفيه خلف ظهره وفتحه أمامها.

أخرج منه مصحفًا كبيرًا ذا غلاف فاخر، ثم إسدال صلاة أبيض ناعم مطرز بخيوط رقيقة، وبين طياته وشاحا معه نقاب( الاثنين معا).

مدّهما نحوها قائلًا:

باران: "رأيت أن المصحف الذي تتقرئين منه صغيرا... فقلت ربما هذا يكون أوضح وأسهل لك أثناء التلاوة."

ثم أشار إلى الإسدال وأكمل بنبرة خافتة:

 "وأيضًا... لاحظت أنك تصلين بعباءة الخروج، لذلك أحضرت لك هذا."

صمت لحظة قصيرة، ثم قال بصوت أكثر دفئًا:

باران: "أتمنى أن تقبليهما... كاعتذار مني عن تفاهتي أمس."

حدقت ديلان فيه مطولًا.

كانت مذهولة...

ليس بسبب الهدية فقط، بل بسبب طريقته.

هذا الرجل الذي كان بالأمس ثائرًا غاضبًا، يقف الآن أمامها كمن يحاول إصلاح شيء انكسر داخله هو أيضًا.

مدت يدها ببطء وأخذت المصحف والإسدال، ثم رفعت عينيها إليه وقالت بهدوء:

ديلان: "صباح الخير... وقد قبلت اعتذارك."

ثم سكتت لحظة وكأنها تجمع شجاعتها قبل أن تضيف:

ديلان: "وأنا أيضًا أخطأت... لم يكن يحق لي أن أقابل شخصًا غريبًا عنك دون علمك."

ترددت قليلًا قبل أن تكمل بخجل:

ديلان: "مهما كان... أنا أحمل اسم زوجتك."

ما إن سمع كلماتها حتى رفع رأسه إليها بسرعة، وكأن شيئًا داخل صدره ارتاح فجأة.

وقال فورًا:

باران: "وأعدك أن ما حدث أمس لن يتكرر."

اقترب خطوة بسيطة دون أن يشعر:

باران: "كنت متوترًا... وغاضبًا... ولم أستطع التحكم بأعصابي."

ثم تنهد بخفة وأردف:

باران: "لكن عاكف ليس مجرد صديق... إنه أخي. لذلك لن أشك به أبدًا."

ابتسمت ديلان بخفة وقالت:

ديلان: "حتى عاكف يعتبرك أخًا فعلًا... لقد كان يحدثني عنك طوال الوقت."

ثم أضافت وهي تنظر إليه بعينين صادقتين:

ديلان: "وقد طلب مني ألا أتركك وحدك... وأن أبقى إلى جانبك."

ساد الصمت للحظات.

لكن باران لم يكن يسمع بقية الكلمات...

كان فقط يحدق بها.

بعينيها الواسعتين اللامعتين تحت ضوء الصباح.

وبوجهها الخالي من أي تصنع.

وبذلك الخجل الذي يجعل صوتها يرتبك كلما تحدثت إليه.

شعر فجأة أن أنفاسه تثقل دون سبب.

انتبهت ديلان إلى نظراته الطويلة فتململت بخجل وقالت:

ديلان: "لماذا تنظر إليّ هكذا...؟".

أجابها دون أن يبعد عينيه عنها:

باران: "لأن عينيكِ... جميلتان جدًا."

تجمدت مكانها فورًا.

ثم احمر وجهها بسرعة حتى وصل الخجل إلى أطراف أذنيها.

وانخفض صوتها المرتبك:

ديلان  "ش... شكرًا."

ابتسم باران تلقائيًا.

ولأول مرة منذ زمن طويل؛ شعر برغبة حقيقية في الاقتراب من شخص لا لإخافته، بل فقط ليشعر بقربه.

فتح ذراعيه قليلًا، ووضع كفيه على كتفيها، وانحنى نحوها ليطبع قبلة على خدها...

لكن ديلان شهقت بخجل ودفعت صدره بسرعة مبتعدة عنه.

ثم قالت بعصبية ممزوجة بالارتباك:

ديلان: "إياك أن تفعل ذلك مرة أخرى! هذا... هذا عيب!".

توقف باران مكانه، ثم أنزل رأسه وهو يضحك بخفوت.

كانت ردة فعلها بريئة لدرجة جعلت ضحكته تخرج دون إرادة.

تنحنح محاولًا التماسك ثم قال:

باران: "حسنًا... فهمت."

ثم أشار نحو الممر وقال:

باران: "جهزي نفسك لنفطر قبل أن يصل أساتذتك، فموعدهم اقترب."

أومأت برأسها، لكن قبل أن تغلق الباب أوقفها صوته:

باران: "ديلان."

التفتت إليه.

اقترب قليلًا وأشار إلى النقاب الجديد، الذي جلبه له لتغطي به وجهها، ثم قال بلهجة آمرة هادئة:

باران: " لا أريدك أن تنزعي هذا أثناء الدرس."

ثم أمسك القماشة برفق وأنزلها عن وجهها مضيفًا:

باران: " لا أريدهم أن يروا وجهك جيدًا أثناء الشرح، ولا حتى ان ينظروا إلى عينيك."

اتسعت عيناها بخجل شديد، وتمتمت:

باران: "لكنني لن أستطيع الرؤية جيدًا إن بقي هكذا..."

رفع حاجبه وقال بصرامة خفيفة:

باران: "ما قلته يُنفذ."

ثم أضاف وهو ينظر مباشرة لعينيها:

باران "وهذا القماش لن يرفع عن وجهك أثناء الدرس، مفهوم؟"

زفرت بضيق طفولي وقالت:

ديلان: "فهمت... أووف."

ضحك بخفة، ثم مد يده وقرص خدها برفق:

باران: "شطورة يا طفلتي."

ابتعدت فورًا وهي تعقد حاجبيها بعصبية لطيفة:

ديلان: "أنا لست طفلة! أنا كبيرة على فكرة."

ضحك باران بصوت أوضح هذه المرة، وكانت ضحكته نادرة لدرجة جعلت ملامحه تبدو أصغر سنًا للحظات.

ثم قال وهو يتراجع للخلف:

باران: "حسنًا يا ست الكبيرة..."

وأردف بابتسامة خفيفة لم تستطع عيناه إخفاءها:

باران: "سأنتظرك كي نفطر معًا."

ثم استدار وغادر الممر ببطء...

بينما بقيت ديلان واقفة عند الباب، تضم المصحف إلى صدرها بقوة.

وكان قلبها... يخفق بطريقة لم تفهمها بعد.

____/////-------///////__


بعد أن أغلقت ديلان باب غرفتها، بقيت لثوانٍ واقفة مكانها، تضم المصحف الجديد إلى صدرها، بينما كلمات باران الأخيرة ما تزال تتردد داخل أذنيها.

"سأنتظرك كي نفطر معًا."

لا تعرف لماذا شعرت بأن تلك الجملة البسيطة حملت دفئًا غريبًا جعل قلبها يضطرب.

تنهدت بخفة، ثم اتجهت نحو خزانتها وأخرجت أحد الفساتين التي اشترتها بالأمس.

ترددت قليلًا قبل أن ترتديه، فهي لم تعتد بعد على الملابس الجديدة، ولم تعتد أكثر على فكرة أن أحدًا يشتري لها ما ترتديه، فقد مانت تختار ملابسها بعناية.

ارتدت الفستان ببطء...

كان طويلًا فضفاضًا، بلون هادئ ناعم، بأكمام طويلة وقصة محتشمة للغاية، ومع ذلك...

كان هناك شيء فيه جعلها تبدو مختلفة.

أكثر أنوثة...

وأكثر رقة.

وقفت أمام المرآة تتأمل نفسها للحظات بصمت، ثم أسرعت تضع وشاحها على وجهها بخجل، وكأنها تهرب من انعكاس عينيها المرتبكتين.

بعد دقائق...

نزلت إلى الطابق السفلي بخطوات هادئة.

وكان باران قد سبقها بالفعل وجلس إلى طاولة الإفطار.

لكن ما إن رفع رأسه ورآها تنزل الدرج...

حتى سكن تمامًا.

توقفت يده عن الحركة فوق فنجان الشاي، وبقيت عيناه معلقتين بها دون أن يرمش تقريبًا.

لقد اعتاد أن يراها بعباءاتها البسيطة الواسعة...

لكن هذا الفستان جعلها تبدو مختلفة بطريقة أربكته.

كانت تسير بخجل واضح، تحاول إنزال رأسها كي لا تلتقي نظراتها بعينيه، بينما ضوء الصباح المتسلل من النوافذ الكبيرة انعكس فوق بشرتها الناعمة، فزادها جمالًا دون أي زينة.

وللمرة التي لا يعرف عددها...

شعر باران أن قلبه يضطرب بطريقة لا تليق به أبدًا.

بل إنه فجأة لم يعد قادرًا على إبعاد عينيه عنها.

اقتربت ديلان من الطاولة وجلست بهدوء، بينما شعرت بثقل نظراته عليها.

رفعت عينيها نحوه بتردد، لتجده ما يزال يحدق بها بالصمت نفسه.

ارتبكت أكثر.

وعلى الفور، أشاحت بنظرها نحو الطبق أمامها محاولة تجاهل ذلك الاضطراب الذي بدأ يعبث بأنفاسها.

أما هو...

فكان يشعر بأن هذا الفستان وحده كفيل بإفساد كل محاولاته للتظاهر بالهدوء.

ابتلع ريقه بصعوبة، ثم قال أخيرًا بصوت منخفض لكنه حازم:

باران: "كما قلت لك... لا ترفعي ذلك الوشاح عن وجهك، مفهوم؟".

رفعت ديلان يدها تلقائيًا تلمس القماش فوق رأسها، ثم أومأت برأسها بهدوء:

ديلان: "مفهوم."

لكن سؤالًا ظل يزعجها منذ ليلة أمس...

وكانت تشعر أن الفرصة مناسبة الآن لتطرحه.

ترددت قليلًا، ثم رفعت عينيها نحوه وقالت بحذر:

ديلان: "باران..."

همهم دون أن يبعد نظره عنها:

باران: "نعم؟".

عضت شفتها بخفة قبل أن تسأله:

ديلان: "كيف علمت بلقائي مع عاكف...؟".

ثم أضافت مباشرة وهي تضيق عينيها بشك خفيف:

ديلان: "هل كنت تراقبني؟".

ساد الصمت لثوانٍ.

ثم ارتسمت على شفتي باران ابتسامة خافتة لم تصل تمامًا إلى عينيه.

أسند ظهره إلى المقعد، وبقي يراقب ارتباكها للحظات قبل أن يقول بهدوء:

باران: "لم يكن في نيتي مراقبتك."

ثم تنهد وأكمل:

باران: "أنا فقط طلبت من شتاي أن يبقى قريبًا منك."

عقدت حاجبيها باستغراب:

ديلان: "قريبًا مني... لماذا؟".

أجابها وكأنه يتحدث عن أمر بديهي جدًا:

باران: "لأنك كنت وحدك."

ثم أردف بنبرة أكثر جدية:

باران: "المول كبير ومزدحم... والناس ليست كلها محترمة. لا أحد يعلم من أين قد يظهر عديم أدب أو شخص يضايقك."

كانت تستمع إليه بصمت، بينما داخلها بدأ يهدأ شيئًا فشيئًا.

تابع باران حديثه وهو يمرر أصابعه فوق فنجانه:

باران: "أردت فقط أن أطمئن عليك من وقت لآخر."

ثم رفع عينيه إليها مباشرة وقال:

باران: "وعندما اتصلت بشتاي... أخبرني أنك بخير."

توقف لحظة قصيرة...

لكن ملامحه تبدلت فجأة حين أكمل بصوت أخفض:

باران: "وأخبرني أيضًا أنك تجلسين مع عاكف في الكافيتريا."

شعرت ديلان بأنفاسه تتغير بمجرد تذكر الأمر.

أما هو، فقد عادت تلك الغيرة الغاضبة تلسعه من الداخل رغم محاولته التظاهر بالهدوء.

أخفض نظره للحظة ثم قال بصراحة لم يعتدها:

باران: "في تلك اللحظة... لم أتمالك نفسي."

رفع رأسه مجددًا وحدق بها مباشرة:

باران: "غضبت أكثر مما يجب."

ثم أضاف بصوت أثقل:

باران: "وربما لأنني... لم أحتمل فكرة أن هناك رجلًا آخر يجلس معك بينما لا أعلم."

ارتجف شيء خفيف داخل قلب ديلان عند سماع اعترافه.

كانت هذه أول مرة يتحدث معها بهذا الوضوح عن مشاعره.

أما باران، فتابع بصوت أكثر هدوءًا:

باران: "لكنني أخطأت حين انفعلت عليك."

ثم مال قليلًا للأمام وأردف بصدق واضح:

باران: "وأتمنى أنك سامحتني فعلًا."

سكت لحظة، قبل أن يكمل بنبرة منخفضة حملت وعدًا حقيقيًا:

باران: " أنا لم أسك بك ولا بعاكف ....إنه صديقي الوحيد وهو بمثابة أخي....لكن لا أعلم ما الذي أجتاحني في تلك اللحظة وفقدت السيطرة على نفسي...... وأعدك... ألا يتكرر ذلك مرة أخرى."

حدقت ديلان فيه طويلًا.

كانت ترى في عينيه شيئًا جديدًا...

شيئًا لم تره في باران من قبل.

الندم.

والخوف من خسارة رضاها.

خفضت بصرها بخجل، ثم قالت بصوت ناعم:

ديلان: "لقد سامحتك منذ أن اعتذرت."

ثم رفعت عينيها نحوه بخفة وأضافت:

ديلان: "لكن لا تغضب بتلك الطريقة مرة أخرى... لقد خفت منك فعلًا."

شعر باران بوخزة حادة في صدره فور سماعه اعترافها.

أخفض رأسه قليلًا، وكأن كلماتها أصابته مباشرة.

ثم قال بهدوء نادر:

باران: "لن أجعلك تخافين مني مرة أخرى."

ساد الصمت بعدها...

صمت دافئ هذه المرة.

وكان كل منهما يشعر أن شيئًا بينهما يتغير ببطء.

شيئًا لم يعد مجرد زواج فُرض عليهما...

بل بداية شعور يتسلل إلى قلبيهما دون استئذان.

-----/////**//*//**/////----


مرّ أسبوعان على وفاة عباس...

أسبوعان فقط...

لكن الزمن داخلهما لم يكن يُقاس بالأيام، بل بثقل الوجع الذي تركه الرحيل خلفه.

كان القصر كله قد تغيّر.

الهدوء الذي يملأ المكان لم يعد هدوء راحة، بل هدوء حزن ثقيل يلتصق بالجدران، حتى خطوات الخدم أصبحت أخف، وأصواتهم أكثر انخفاضًا، وكأن الجميع يخشى أن يوقظ ألمًا نائمًا داخل تلك الفتاة الصغيرة التي فقدت والدها فجأة.

أما ديلان...

فكانت تعيش تلك الأيام بطريقة مؤلمة لا يلاحظها إلا من يراقبها جيدًا.

كانت تحاول أن تبدو بخير...

تحاول أن تتمسك بما تبقى لها من قوة، لكن الحزن كان يسكن عينيها مهما ابتسمت.

في كثير من الليالي، كانت تجلس وحدها فوق سجادة الصلاة داخل غرفتها، تضم ركبتيها إلى صدرها وتبكي بصمت قاتل، حتى لا يسمعها أحد.

تبكي والدها...

تبكي آخر مرة رأته فيها...

تبكي لأنها لم تستطع حتى أن تخبره كم كانت تحبه قبل أن يرحل.

ثم تمسح دموعها بسرعة وكأنها ارتكبت خطأ، وتفتح كتبها من جديد بعناد موجع.

لقد بقي أسبوع واحد فقط على امتحانها النهائي.

وكان ذلك الامتحان بالنسبة لها أكثر من مجرد دراسة.

كان آخر شيء يربطها بحلم والدها.

آخر شيء كانت تشعر أنها تستطيع فعله لأجله.

ولهذا...

تمسكت به بكل ما تبقى داخلها من قوة.

كانت تسهر حتى ساعات الفجر، تحفظ وتراجع وتكتب ملاحظاتها الصغيرة بخط مرتب، بينما عيناها المتعبتان تفضحان أنها لم تنم جيدًا منذ أيام.

وأحيانًا...

كانت تتوقف فجأة أثناء الدراسة، تحدق في الصفحة دون أن تراها، فقط لأن ذكرى عابرة عن والدها مرت داخل رأسها.

عندها كانت شفتاها ترتجفان قليلًا...

لكنها سرعان ما تأخذ نفسًا عميقًا وتعود للقراءة وكأنها تحارب انهيارًا داخليًا لا تريد لأحد أن يراه.

وبين كل ذلك...

كان هناك شخص يراقبها بصمت.

باران.

منذ أن اكتشف الحقيقة كاملة، لم يعد كما كان.

شيء ما داخله انكسر.

عباس...

الرجل الذي أمضى أياما يظنه خائنًا، كان بريئًا.

بل وأكثر شرفًا من كثيرين عرفهم في حياته.

والمصيبة الأكبر...

أن ديلان دفعت ثمن ذلك الظلم كله دون ذنب.

كلما نظر إليها، شعر أن شيئًا ثقيلًا يخنقه.

حين يراها تبتسم للخدم رغم حزنها...

حين يسمعها تدعو لوالدها بعد كل صلاة...

حين يلمح التعب في عينيها وهي تحاول الدراسة رغم ألمها...

كان يشعر أن كل ذلك سببه هو.

ولهذا...

اتخذ قراره.

لن يخبرها بشيء الآن.

لا عن ميرال...

ولا عن حسنية...

ولا عن الحقيقة التي اكتشفها أخيرًا.

سيؤجل كل شيء حتى تنتهي امتحاناتها.

لأنه للمرة الأولى منذ مدة طويلة، شعر أنه لا يملك الحق في تحطيمها أكثر.

وفي المقابل...

بدأ يحاول التعويض.

بطريقته الخاصة.

بطريقته الصامتة.

حتى الخدم لاحظوا التغير الواضح فيه.

لم يعد ذلك الرجل البارد الذي لا يهتم بما يحدث داخل القصر.

صار يعود مبكرًا كل يوم.

وأول سؤال يطرحه عند دخوله:

باران: "هل أكلت ديلان؟".

أو:

باران  "هل انتهت من دراستها؟".

بل إنه أصبح يمر بنفسه على المطبخ ليتأكد من إعداد الطعام الذي تحبه.

وفي إحدى الليالي...

كانت زينب تراقبه بدهشة وهو يقف أمام الطاهي يقول بصرامة:

باران: "لا تضعوا الكثير من البهارات في طعامها... معدتها تتعب بسرعة."

تبادلت زينب والطاهي النظرات بدهشة.

هذا الرجل الذي لم يكن ينتبه حتى لما يأكله هو نفسه...

يحفظ الآن ما تحبه ديلان وما يزعجها.

بل إنه أصبح يمنع أي شخص من إزعاجها أثناء الدراسة.

وفي إحدى المرات، عندما علت أصوات بعض الخدم في الممر، خرج من مكتبه غاضبًا وقال بحدة:

باران: "اخفضوا أصواتكم! ديلان تدرس."

ساد الصمت فورًا.

أما ديلان...

فلم تكن تفهم سبب كل هذا التغير المفاجئ.

كانت تشعر به فقط.

تشعر أن باران أصبح أكثر هدوءًا معها.

أكثر صبرًا.

وأكثر قربًا بطريقة غريبة.

لكنه في المقابل...

كان يبتعد عن النوم أكثر فأكثر.

فالليل بالنسبة له أصبح عذابًا حقيقيًا.

كلما أغمض عينيه...

عاد ذلك المشهد يطارده.

صوت اصطدام السيارة...

صرخة ميرال...

والدماء.

ووجه ديلان وهي مرعوبة وتبكي خائفة منه.

كان يستيقظ أحيانًا فزعًا، يتنفس بعنف وكأن الحادثة تتكرر أمامه من جديد.

وفي كل مرة...

كان ينهض متجهًا نحو النافذة، يشعل سيجارة أخرى، ويحاول إقناع نفسه أنه ما يزال قادرًا على السيطرة.

لكن الحقيقة كانت مختلفة.

هو لم يعد بخير.

وفي إحدى الليالي...

خرج من غرفته بعد منتصف الليل، وقد عجز عن النوم مجددًا.

كان القصر غارقًا في الظلام والسكون.

لكن الضوء المتسلل من أسفل باب غرفة ديلان شد انتباهه فورًا.

تجمد مكانه للحظات.

ثم اقترب ببطء.

طرق الباب طرقًا خفيفًا، قبل أن يسمع صوتها المتعب يأتي من الداخل:

ديلان: "تفضل..."

فتح الباب بهدوء.

فوجدها جالسة فوق الأرض وسط كتبها، بينما عيناها الحمراوان تخبران بوضوح أنها كانت تبكي قبل قليل.

ما إن رأته حتى مسحت عينيها بسرعة وأجبرت نفسها على الابتسام:

ديلان: "لماذا لم تنم بعد؟".

لكن باران لم يجب مباشرة.

ظل ينظر إليها طويلًا...

إلى الإرهاق الذي تحاول إخفاءه.

إلى الحزن الذي يسكنها رغم محاولاتها المستميتة لتبدو قوية.

وشعر بوخزة قاسية داخل صدره.

اقترب منها ببطء، ثم جلس أمامها على الأرض لأول مرة منذ عرفته.

تفاجأت ديلان من تصرفه، وحدقت به بصمت.

أما هو...

فمرر عينيه فوق الكتب المبعثرة قبل أن يقول بصوت منخفض:

باران  "أنتِ متعبة."

ابتسمت بخفوت وقالت:

ديلان "لم يبقى سوى أيام فقط... وبعدها سأرتاح."

لكن باران ظل يحدق بها وكأنه يريد قول شيء أكبر بكثير.

شيء ظل يخنقه منذ أيام.

وأخيرًا قال بصوت مبحوح قليلًا:

باران: "ديلان..."

رفعت عينيها إليه.

أما هو...

فشعر لأول مرة في حياته أن الكلمات الثقيلة قد تعجز رجلًا مثله.

ثم قال بهدوء موجع:

باران: "أحيانًا... يؤذي الإنسان من لا يستحق الأذى."

عقدت حاجبيها بعدم فهم.

لكنه تابع وهو يشيح بنظره عنها:

باران: "ويكتشف الحقيقة... بعد فوات الأوان."

ساد الصمت للحظات.

وديلان كانت تنظر إليه باستغراب، تشعر أن خلف كلماته شيئًا أكبر لا يقوله.

أما باران...

فكان يشعر أن صدره يختنق أكثر كل يوم.

لأنه للمرة الأولى...

لم يعد يخاف من خسارة شيء.

بل أصبح يخاف من خسارة ديلان تحديدًا.


-----/////******///////---


جاء صباح يوم الامتحان أخيرًا...

الصباح الذي انتظرته ديلان طويلًا، وخافته في الوقت ذاته.

استيقظت قبل شروق الشمس بقليل، حين كان الظلام ما يزال يلف أطراف السماء، والسكون يغمر القصر بأكمله.

فتحت عينيها ببطء...

وبقيت مستلقية للحظات تحدق في السقف دون حركة، بينما قلبها يخفق بتوتر خافت.

اليوم...

هو اليوم الذي حلم به والدها طويلًا.

اليوم الذي كان يجلس معها كل ليلة لأجله، يراجع دروسها بنفسه رغم تعبه، ويبتسم بفخر كلما أجابت إجابة صحيحة.

شعرت بوخزة مؤلمة داخل صدرها فور تذكره.

لكنها أخذت نفسًا عميقًا، ثم جلست على سريرها تحاول تهدئة ارتجاف قلبها.

ديلان: "سأنجح يا أبي..."

همست بها داخلها وكأنها تعده.

نهضت بعدها بهدوء، توضأت، ثم وقفت تصلي.

لكن صلاتها تلك المرة كانت مختلفة...

أطول...

وأكثر خشوعًا.

وكأنها كانت تفرغ كل خوفها، وكل ضعفها، وكل ذلك الألم المتراكم داخل قلبها بين يدي الله.

وحين سجدت...

اختنق صدرها فجأة.

شعرت أن روحها كلها تبكي.

بقيت ساجدة طويلًا، حتى ابتلت سجادة الصلاة بدموعها الصامتة.

وبعد أن انتهت...

جلست فوق السجادة، رفعت يديها المرتجفتين بالدعاء، ثم أغمضت عينيها وهمست بصوت مكسور:

ديلان: "يا رب... وفقني."

سكتت لحظة تحاول منع دموعها من الانهيار، ثم تابعت:

ديلان: "لا تخيب تعبي..."

ارتجفت شفتاها وهي تكمل:

ديلان: "واجعل أبي فخورًا بي..."

لكن صوتها انكسر تمامًا عند الجملة الأخيرة:

ديلان: "وارحمه يا رب..."

سال الدمع فوق وجنتيها بصمت.

ديلان: "اجعل قبره نورًا وسلامًا... واجمعني به في جنتك."

وضعت يدها فوق فمها تكتم شهقتها، ثم مسحت دموعها سريعًا وكأنها تخشى أن تنهار قبل أن يبدأ يومها.

بعدها تناولت مصحفها الذي إهداه إياها باران، وجلست قرب النافذة.

وبدأت تتلو وردها اليومي من القرآن.

كان صوتها هادئًا...

عذبًا...

وممتلئًا بسكينة جعلت الغرفة كلها تبدو أكثر دفئًا.

حتى ضوء الفجر المتسلل من خلف الستائر بدا وكأنه ينصت معها بخشوع.

أما في الجهة الأخرى من القصر...

فكان باران جالسًا داخل مكتبه منذ الفجر.

أو بالأحرى...

لم ينم أصلًا.

كان يجلس بصمت خلف مكتبه، بينما فنجان القهوة أمامه برد منذ وقت طويل، وربطة عنقه ما تزال مفكوكة بإهمال، كأن التعب أثقل من أن يسمح له بالاهتمام بأي شيء.

أغمض عينيه للحظة...

لكن الصور عادت إليه فورًا.

وجه عباس...

صرخات حسنية...

وميرال ملقاة وسط الطريق والدماء تحيط بها.

وجه ديلان تبكي خائفة،

قبض على فكه بقوة حتى برزت عروقه.

ثم تنفس ببطء محاولًا طرد كل شيء من رأسه.

لكن صورة أخرى تسللت رغمًا عنه...

ديلان.

ابتسامتها الصغيرة وهي تذاكر.

طريقة جلوسها فوق الأرض وسط كتبها.

إصرارها على التظاهر بالقوة رغم أنها كانت تتألم بصمت كل يوم.

تنهد ببطء وأراح رأسه للخلف.

ولأول مرة منذ سنوات طويلة...

شعر أن حماية شخص ما أصبحت مسألة شخصية جدًا بالنسبة له.

ليست مسؤولية...

ولا واجبًا...

بل شيئًا أعمق بكثير.

شيئًا يخيفه هو نفسه.

قبل يومين...

كان قد عاد إلى القصر حاملًا صندوقًا صغيرًا أنيقًا.

وحين دخل، وجد ديلان جالسة في الصالة تقرأ أحد كتبها، بينما خصلات شعرها القصيرة كانت تتسلل بخفة من تحت حجابها.

رفع عينيه إليها للحظة...

ثم ناداها بصوت هادئ:

باران: "ديلان."

رفعت رأسها فورًا:

ديلان: "نعم؟".

اقترب منها ومدّ الصندوق نحوها:

باران: "هذا لكِ."

نظرت إلى العلبة باستغراب واضح:

ديلان: "ما هذا؟"

أجابها وهو يجلس قبالتها:

باران: "افتحيه."

ترددت قليلًا، ثم جلست على الأريكة وفتحت الصندوق بحذر شديد.

وما إن رأت ما بداخله...

حتى اتسعت عيناها بصدمة حقيقية.

كان قلمًا فاخرًا جدًا...

قلمًا ذهبي التفاصيل داخل علبة مخملية سوداء، ومعه دفتر جلدي أنيق يحمل اسمها محفورًا بحروف رقيقة.

رفعت رأسها إليه بدهشة طفولية خالصة:

ديلان: "هذا... لي أنا؟".

رفع حاجبه بخفة:

باران: "لا يبدو أنكِ سعيدة به."

هزت رأسها بسرعة، حتى كادت تضحكه:

ديلان:"بل سعيدة جدًا!".

ثم تناولت القلم بحذر وكأنه قطعة ثمينة تخشى أن تنكسر بين يديها.

مررت أصابعها فوق اسمها المنقوش على الدفتر، وعيناها تلمعان بشكل مؤلم.

ديلان: "إنه جميل جدًا..."

ثم ضحكت بخجل طفولي وأضافت:

ديلان: "لطالما أحببت الأقلام... خصوصًا هذه الأنواع."

لكن فجأة...

خفَتت ابتسامتها.

وانطفأ شيء داخل عينيها.

لاحظ باران التغير فورًا.

أما هي...

فأخفضت نظرها نحو القلم وهمست بصوت مرتجف:

ديلان: "أبي..."

توقفت قليلًا وكأن الكلمة وحدها أصبحت تؤلمها.

ثم أكملت بصعوبة:

ديلان: "كان قد وعدني أنه سيشتري لي قلمًا مميزًا يوم امتحاني النهائي..."

ارتجف صوتها أكثر:

ديلان: "وكان يقول إن أول خطوة نحو الجامعة تبدأ بقلم جديد..."

شعر باران بشيء يعصر صدره بقوة.

أما ديلان...

فابتسمت رغم دموعها التي بدأت تتجمع داخل عينيها:

ديلان: "وكان يقول إنني سأوقع به أوراق نجاحي يومًا ما..."

ساد الصمت للحظات.

صمت ثقيل...

حتى باران لم يجد ما يقوله.

فقط بقي ينظر إليها وهي تحاول جاهدة ألا تبكي أمامه.

لكن الشيء الذي لم تتوقعه...

أنه اقترب منها بهدوء، ثم جلس أمامها على ركبته لأول مرة.

رفعت عينيها إليه بدهشة.

أما هو...

فنظر مباشرة إلى عينيها وقال بصوت منخفض وعميق:

باران: "إذن... اعتبري أنني فقط أكملت وعده."

ارتجف قلبها بعنف عند سماع الجملة.

بينما تابع هو بهدوء:

باران: "وسيكون فخورًا بكِ يا ديلان."

اختنقت أنفاسها فجأة.

لأنها للمرة الأولى منذ وفاة والدها...

شعرت أن أحدًا يفهم حجم ذلك الفراغ الذي تركه داخلها.

أما باران...

فكان ينظر إليها بصمت، مدركًا أن تلك الفتاة الصغيرة بدأت تتسلل إلى الأماكن الأكثر ظلمة داخل قلبه... دون أن يشعر. وتشجيعاتكم ورأيكم في هذا الفصل وتوقعاتكم ماذا سيحدث في الفصل القادم 🤔 🤔 ؟؟

               الفصل السابع والعشرون من هنا

لقراءة باقي الفصول اضغط هنا 

تعليقات



<>