رواية براءة ايقظت غافلا
الفصل السابع والعشرون27
بقلم عاشقة القلم
ساد الصمت للحظات بعد كلماتها الأخيرة…
صمت ثقيل، لكنه لم يكن مريحًا هذه المرة.
كان باران يحدق في ملامحها الصغيرة المنكسرة، بينما شيء مؤلم يضغط قلبه بقوة كلما رأت عيناه الحزن الذي يمر فوق وجهها عند ذكر والدها.
لم يكن معتادًا على هذا الشعور…
ذلك العجز الغريب الذي يصيب الإنسان حين يرغب أن يمحو ألم شخصٍ آخر ولا يستطيع.
لكنه أخفى كل ما بداخله سريعًا، وعاد يرتدي هدوءه المعتاد قبل أن يقول بصوت منخفض:
باران: "إذًا… اعتبريه هدية النجاح مسبقًا."
رفعت ديلان عينيها إليه.
ثم ابتسمت بخجل حقيقي، ابتسامة صغيرة لكنها وصلت مباشرة إلى شيء عميق داخل صدره.
شكرا: "شكرًا…"
قالتها بصوت ممتلئ بالامتنان، ثم عادت تنظر إلى الهدية بين يديها بحماس طفولي واضح.
كانت تمرر أصابعها فوق تفاصيل القلم الفاخر، تفتحه وتغلقه بحذر، ثم تقلب صفحات الدفتر الجلدي وكأنها تخشى أن تخدشه.
أما باران…
فلم يكن ينظر إلى الهدية أصلًا.
كان ينظر إليها هي.
إلى تلك السعادة البسيطة التي ظهرت في عينيها فجأة.
إلى الطريقة التي أضاء بها وجهها للحظات، رغم كل الحزن الذي يسكنها.
وفجأة…
توقفت ديلان عن الحركة.
عقدت حاجبيها بدهشة وهي تحدق في أول صفحة من الدفتر.
ديلان: "لحظة…"
رفعت رأسها نحوه بسرعة:
ديلان: "كيف وضعت صورتي هنا؟!".
نظر باران نحو الدفتر.
كانت هناك صورة صغيرة مثبتة بعناية داخل الغلاف الداخلي…
صورة لها وهي جالسة في الحديقة الخلفية للقصر، تضحك بعفوية بينما تحمل قطًا صغيرًا بين يديها.
كانت تضحك دون أن تشعر بأحد يراقبها.
ضحكة صادقة…
خفيفة…
ونادرة جدًا.
اتسعت عينا ديلان بصدمة حقيقية:
ديلان: "متى التقطت هذه؟!".
أشاح باران نظره فورًا، وكأنه انزعج من انكشاف أمره.
ثم قال ببرود مصطنع:
باران: "صدفة."
ضيقت عينيها بعدم اقتناع وهي تضم الدفتر إلى صدرها:
ديلان:"باران…!"
لكنه تجاهل احتجاجها تمامًا، وأخذ يرتشف قهوته وكأن الأمر لا يعنيه.
أما هي…
فلم تستطع منع ابتسامتها.
ابتسامة خفيفة، دافئة، جعلت ملامحها تبدو أكثر حياة.
وبدون أن تشعر…
ظلت تتأمل الصورة مرة أخرى.
أما باران…
فاكتفى بمراقبة تلك الابتسامة بصمت.
وكأن رؤيتها سعيدة تمنحه شيئًا من السلام الذي فقده منذ سنوات طويلة.
شيئًا يشبه الطمأنينة…
أو ربما النجاة.
وفي صباح يوم الامتحان…
خرجت ديلان أخيرًا من غرفتها بعد أن أنهت استعدادها بالكامل.
كانت ترتدي ملابس بسيطة وأنيقة، بلون هادئ يناسب رقتها، بينما ضمت حقيبتها إلى صدرها بقوة من شدة التوتر.
كانت تحاول أن تبدو متماسكة…
لكن أصابعها المرتجفة فضحتها بسهولة.
نزلت الدرج بخطوات سريعة، وهي تراجع بعض القوانين والمعادلات داخل رأسها، حتى وصلت إلى باب القصر الكبير.
لكنها توقفت فجأة.
تفاجأت حين رأت باران واقفًا بنفسه قرب السيارة.
كان يرتدي بدلته السوداء المعتادة، يقف بهدوء واضعًا يده داخل جيبه، بينما عيناه كانتا تراقبان الباب وكأنه ينتظر خروجها منذ وقت طويل.
وما إن رآها…
حتى استقرت عيناه عليها لثوانٍ طويلة.
شعر فجأة أن التوتر الذي يعيشه منذ أيام هدأ قليلًا.
اقتربت منه باستغراب خفيف:
ديلان: "ألن أذهب مع السائق اليوم؟".
فتح لها باب السيارة بنفسه دون أن يجيب مباشرة، ثم قال بهدوء:
باران: "سأوصلك بنفسي."
رمشت بدهشة واضحة.
فلم تتوقع ان يوصلها اليوم بنفسه.
لكنها لم تعلق.
ركبت السيارة بهدوء، بينما أغلق الباب خلفها، ثم التف إلى الجهة الأخرى وجلس خلف المقود.
انطلقت السيارة وسط صمت الصباح الباكر.
أما ديلان…
فكانت تحاول مراجعة المعلومات داخل رأسها بعصبية واضحة.
تحرك شفتيها بصمت أحيانًا، وتشبك أصابعها أحيانًا أخرى، بينما عيناها تسرحان خلف زجاج النافذة.
أما باران…
فكان يراقبها بين الحين والآخر دون أن تشعر.
يراقب توترها…
وتلك الطريقة التي تضغط بها على حقيبتها كلما تذكرت شيئًا.
ثم قال فجأة بصوت هادئ:
باران: "توقفي عن التفكير للحظة."
التفتت إليه بسرعة:
ديلان:"أحاول… لكنني خائفة."
خفضت نظرها نحو يديها وأضافت بصوت صادق:
ديلان: "أشعر أنني سأنسى كل شيء بمجرد أن أرى الأسئلة."
نظر إليها باران للحظة طويلة.
ثم قال بهدوء مختلف هذه المرة:
باران: "أنتِ درستِ جيدًا."
ابتسمت بخفوت متوتر:
ديلان: "لكن هذا لا يمنع الخوف."
أبطأ السيارة قليلًا، ثم قال بصوت منخفض وعميق:
باران: "حتى لو نسيتِ… وحتى لو أخطأتِ… ستتجاوزين الأمر."
التفتت إليه بصمت.
كانت هذه أول مرة تسمعه يتحدث معها بهذا القدر من اللين.
وأول مرة تشعر أن كلماته تطمئنها فعلًا.
تابع وهو ينظر إلى الطريق أمامه:
باران: "الامتحان لا يحدد قيمة الإنسان."
ثم أضاف بعد لحظة:
باران: "لكنني أعرف أنكِ ستنجحين على أي حال."
ارتجف شيء دافئ داخل قلبها عند سماع الجملة.
أما هو…
فلم يدرك أنه قالها بذلك الصدق إلا بعدما نطقها.
وصلت السيارة أخيرًا إلى مركز الامتحان.
كان المكان مزدحمًا بالطلاب وأولياء الأمور، وأصوات التوتر تعم الأجواء.
أوقف باران السيارة أمام البوابة مباشرة.
ثم التفت إليها أخيرًا وقال:
باران: "ديلان."
نظرت إليه:
ديلان: "نعم؟".
بقي يحدق بها للحظة قصيرة…
ثم قال بصوت ثابت:
باران: "أثق بكِ."
شعرت وكأن شيئًا دافئًا ارتطم بقلبها فجأة.
تلك الكلمات البسيطة…
كانت كافية لتمنحها قوة لم تشعر بها منذ وفاة والدها.
ابتسمت دون أن تشعر، ثم قالت بخجل خفيف:
ديلان: "سأحاول ألا أخيب ظنك إذًا."
نظر إليها مطولا بعد تلك الكلمات التي قالتها،تحرك شيء داخله، احساس شعر به لاول مرة.
_____//////-------///////__
توقفت سيارة باران السوداء أمام مركز الامتحان ببطء، بينما كانت الساحة الواسعة تعجّ بالطلبة وأصواتهم المتداخلة.
ضجيج متوتر…
وجوه شاحبة…
أيدٍ ترتجف وهي تقلّب الأوراق للمرة الأخيرة.
بعضهم كان يراجع ملاحظاته بعجلة وكأنه يحاول حشر عامٍ كامل داخل ذاكرته في الدقائق الأخيرة، وآخرون كانوا يضحكون بصوت مرتفع محاولةً يائسة للهروب من خوفهم، بينما وقف البعض بصمت قاتل، يحدقون في أبواب المركز وكأنهم مقبلون على معركة لا امتحان.
أما داخل السيارة…
فكانت ديلان جالسة بصمت، تضم حقيبتها إلى صدرها بقوة، حتى كادت أصابعها تؤلمها من شدة التوتر.
قلبها كان يخفق بسرعة مزعجة.
وشعور غريب يضغط صدرها كلما اقتربت اللحظة أكثر.
اليوم…
ليس مجرد امتحان.
بل آخر وعد بينها وبين والدها.
رفعت عينيها نحو المبنى الكبير أمامها، فشعرت بأنفاسها تضيق للحظة.
لكن صوت باران قطع شرودها بهدوء:
باران: "لا تفكري كثيرًا… أنتِ مستعدة."
التفتت إليه ببطء.
كان يجلس خلف المقود بهدوئه المعتاد، لكن عينيه كانتا تراقبانها بانتباه واضح منذ دقائق.
أخذت نفسًا عميقًا محاولة تهدئة ارتجاف قلبها، ثم ابتسمت بخفة وقالت:
ديلان: "أحاول أن أصدق ذلك."
بدت ابتسامتها متعبة…
لكنها صادقة.
ومع ذلك، بقي التوتر واضحًا داخل عينيها.
مدّت يدها أخيرًا نحو الباب لتفتحه…
لكن صوته أوقفها مجددًا:
باران: "ديلان."
التفتت إليه فورًا.
ولثوانٍ…
بقي ينظر إليها بصمت.
كانت عيناه ثابتتين عليها بطريقة غريبة، نظرة هادئة لكنها عميقة بما يكفي لتجعل اضطرابها يهدأ قليلًا دون أن تفهم السبب.
ثم قال بنبرة منخفضة، لكنها حملت حزمًا واضحًا:
باران: "حين تنتهين… اتصلي بي فورًا."
رفعت حاجبها باستغراب خفيف، محاولة كسر التوتر:
ديلان: "وكأن لديك شكًا أنني سأهرب مثلًا؟".
ظهرت ابتسامة خافتة جدًا على زاوية شفتيه.
ابتسامة بالكاد وُلدت ثم اختفت.
باران: "فقط اتصلي."
أمالت رأسها بخفة وهي تتمتم باستياء طفولي:
ديلان: "متسلط…"
لكن هذه المرة…
لم يعترض.
بل بقي ينظر إليها فقط.
وكأن كلمة "متسلط" أصبحت تحمل طعمًا مختلفًا حين تخرج من شفتيها تحديدًا.
نظرت إليه للحظة أخرى…
ثم نزلت أخيرًا من السيارة وأغلقت الباب خلفها بهدوء.
وقفت على الرصيف لثوانٍ.
عدلت حجابها…
ثم أخذت نفسًا عميقًا محاولة السيطرة على ذلك الاضطراب الذي يعبث بها منذ الصباح.
لكن دون وعي…
وللمرة الأولى منذ أيام طويلة…
ظهرت ابتسامة حقيقية فوق وجه باران.
ابتسامة صغيرة، لكنها جعلت ملامحه القاسية تبدو أكثر دفئًا بشكل لم تعتده ديلان منه.
نزلت من السيارة أخيرًا.
وأخذت تسير نحو البوابة بخطوات مترددة، قبل أن تلتفت إليه للحظة قصيرة.
فوجدته ما يزال يراقبها.
وحين إقتربت من مدخل المبنى…
بقي باران ينظر نحو الباب طويلًا، دون أن يتحرك.
ثم أراح رأسه إلى المقعد الخلفي وهمس بصوت بالكاد سمعه هو نفسه:
باران: "لا أريد للحزن أن يسرق منكِ هذا اليوم أيضًا… يا ديلان."
التفتت نحو السيارة مرة أخرى.
فوجدته ما يزال يراقبها.
وحين التقت عيناهما…
أومأ لها بهدوء.
إيماءة بسيطة جدًا.
لكنها جعلت دفئًا صغيرًا يتسلل إلى قلبها المرتجف.
فاستدارت أخيرًا…
وتوجهت نحو مركز الامتحان.
في الجهة المقابلة…
كانت سلمى تقف قرب بوابة المركز منذ وقت طويل.
عيناها تتحركان بين الوجوه بقلق وترقب مستمر.
منذ وفاة والد ديلان…
وهي تعيش خوفًا حقيقيًا عليها.
اتصلت بها عشرات المرات.
أرسلت رسائل لا تُحصى.
لكن هاتفها كان مغلقًا دائمًا.
وكل شيء حدث بسرعة مرعبة…
وفاة والدها.
اختفاؤها المفاجئ.
وذلك الرجل الغامض الذي أخذها من أمام الثانوية واختفى بها تمامًا.
حتى يوم العزاء…
لم تستطع رؤيتها.
ولم تعرف إن كانت بخير أصلًا.
كلما تذكرت ديلان وهي تبكي و اولائك الرجال يسحبونها داخل السيارة، شعرت بقلبها ينقبض بعنف.
كانت تخشى أن تكون صديقتها قد انهارت تمامًا…
أو أن الحياة سحقتها أكثر مما تحتمل.
لكن رغم ذلك…
تمسكت بالأمل بعناد.
كانت تكرر داخلها كل يوم:
"ديلان لن تستسلم…"
"ستأتي…"
"ستجتاز الامتحان لأجل والدها."
ولهذا حضرت باكرًا اليوم.
تنتظر.
وتراقب كل سيارة تتوقف أمام المركز بقلب متوتر.
حتى فجأة…
تجمدت في مكانها.
اتسعت عيناها بذهول حقيقي.
ثم امتلأتا بفرح لا يوصف.
ديلان.
كانت تنزل من سيارة سوداء فاخرة على الطرف المقابل من الطريق.
للحظة…
شعرت سلمى وكأن حملًا ثقيلًا انزاح عن صدرها دفعة واحدة.
سلمى: "ديلان…!".
همست باسمها بصوت مرتجف، بينما الدموع بدأت تملأ عينيها دون أن تشعر.
أما ديلان…
فما إن رفعت رأسها ورأتها…
حتى اهتز شيء عميق داخل قلبها.
سلمى.
وجه مألوف…
صوت يشبه الأمان…
وجزء من حياتها القديمة التي ظنت أنها ابتعدت عنها للأبد.
وفجأة…
ابتسمت.
ابتسامة حقيقية خرجت من قلبها لأول مرة منذ أسابيع طويلة.
قطعت الطريق بسرعة دون تفكير.
وما إن وصلت إليها…
حتى اندفعت سلمى نحوها تعانقها بقوة شديدة.
سلمى: "ديلان حبيبتي…!".
شدتها إليها وكأنها تخشى أن تختفي مجددًا.
سلمى: "اشتقت لكِ كثيرًا…"
ثم ابتعدت قليلًا فقط لتتفحص وجهها بقلق، قبل أن تعود تعانقها مجددًا وهي تقول بسرعة:
سلمى: "أين كنتِ؟! اتصلت بكِ مئات المرات… أقسم أنني كدت أجن منذ ذلك اليوم!".
شعرت ديلان بحرارة دموع سلمى فوق كتفها.
وللحظة…
أدركت كم كانت تحتاج هذا العناق.
كم كانت تحتاج شخصًا يعرفها قبل كل هذا الألم.
رفعت يديها ببطء…
ثم عانقتها بقوة مماثلة وأغمضت عينيها.
ديلان: "وأنا أيضًا اشتقت لكِ…"
همست بها بصوت اختنق قليلًا من التأثر.
ابتعدت سلمى أخيرًا ونظرت إلى وجه صديقتها جيدًا.
ثم شعرت بشيء مؤلم يعصر قلبها.
ديلان تغيّرت.
كانت أهدأ…
لكن خلف هذا الهدوء حزن عميق جدًا.
حزن يسكن عينيها حتى وهي تبتسم.
قالت سلمى بقلق واضح:
سلمى: "أنتِ بخير؟".
ثم أضافت بسرعة وهي تمسك ذراعيها:
سلمى: "أقسم أنني كنت أموت خوفًا عليكِ!".
ابتسمت ديلان ابتسامة باهتة وقالت بهدوء متعب:
ديلان:"ما حدث معي… قصة طويلة جدًا."
ترددت سلمى قليلًا، قبل أن تسأل بصوت منخفض:
سلمى: "هل… آذاكِ ذلك الرجل؟".
ارتبكت ديلان للحظة.
وصورة باران وهو ينتظرها داخل السيارة مرت داخل رأسها سريعًا.
ثم قالت بسرعة:
ديلان: "ليس الآن يا سلمى."
وحاولت الابتسام وهي تضيف:
ديلان: "بعد الامتحان سأخبركِ بكل شيء."
ثم أمسكت يدها برفق وقالت:
ديلان: "هيا… سندخل وإلا سنتأخر."
تنفست سلمى أخيرًا براحة خفيفة وهي تشد على يدها:
سلمى: "المهم أنكِ هنا… هذا يكفيني الآن."
ودخلتا معًا إلى مركز الامتحان.
__________________
مرّ الامتحان طويلًا…
ثقيلاً…
وكأن عقارب الساعة تتحرك ببطء متعمد لتعذيب الجميع.
في البداية، شعرت ديلان أن عقلها فرغ تمامًا لحظة استلمت الورقة.
ارتجفت أصابعها قليلًا.
وتسارعت أنفاسها.
لكنها أغمضت عينيها للحظة قصيرة…
وتذكرت صوت والدها.
"أنتِ أذكى مما تظنين يا ديلان."
ثم تذكرت أيضًا صوتًا آخر أكثر هدوءًا:
"أثق بكِ."
باران.
فتحت عينيها ببطء…
وأخذت نفسًا عميقًا.
ثم بدأت تكتب.
ومع مرور الوقت…
بدأ التوتر يخف تدريجيًا.
وكان وجود سلمى قربها يمنحها شعورًا غريبًا بالقوة والطمأنينة.
كلما رفعت رأسها وتلاقت أعينهما، كانت سلمى تبتسم لها بخفة وكأنها تقول:
"أنتِ بخير… أنا هنا."
وحين انتهى الامتحان أخيرًا…
شعرت ديلان وكأن جبلًا كاملًا انزاح عن صدرها.
______
خرجت ديلان وسلمى معًا من مركز الامتحان وسط ضجيج الطلبة المتدفقين نحو الخارج.
كانت الأصوات تختلط ببعضها بشكل فوضوي…
تنهدات ارتياح، شكاوى من صعوبة الأسئلة، ضحكات متوترة، وأحاديث متقطعة عن الإجابات.
أما الشمس…
فكانت تميل ببطء نحو الغروب، تلقي فوق المكان ضوءًا ذهبيًا هادئًا، بينما أصبح الهواء ألطف قليلًا بعد ساعات النهار الطويلة.
شعرت ديلان بإرهاق غريب يجتاح جسدها كله.
ليس إرهاق الامتحان فقط…
بل إرهاق الأسابيع الماضية بأكملها.
لاحظت سلمى ذلك فورًا، فقالت بلطف وهي تشير إلى الجهة الخلفية من المركز:
سلمى: "تعالي… هناك حديقة صغيرة خلف المبنى."
التفتت ديلان إليها بتعب خفيف:
ديلان: "الآن؟".
ابتسمت سلمى محاولة تلطيف الجو:
سلمى: "لن يأخذ الأمر وقتًا… فقط اجلسي قليلًا قبل أن تعودي."
ترددت ديلان للحظة.
لكن شيئًا داخلها كان يحتاج فعلًا إلى الجلوس…
إلى التنفس…
إلى الحديث مع شخص يعرفها قبل أن تنقلب حياتها بهذا الشكل.
لذلك أومأت بهدوء:
ديلان: "حسنًا."
سارتا معًا نحو الحديقة الصغيرة خلف المركز.
كانت بعيدة نسبيًا عن الضوضاء، تحيط بها الأشجار من الجانبين، بينما تناثرت المقاعد الحجرية تحت ظلالها الهادئة.
جلستا فوق أحد المقاعد بصمت في البداية.
وكان النسيم الخفيف يحرك أطراف حجاب ديلان بينما بقيت تحدق أمامها بشرود.
أما سلمى…
فكانت تراقبها بصمت ممتلئ بالقلق.
هناك شيء تغيّر في صديقتها.
شيء أكبر من الحزن.
كانت تبدو أكثر هدوءًا…
لكن ذلك الهدوء لم يكن طبيعيًا.
بل يشبه هدوء الأشخاص الذين تعبوا من البكاء.
مرّت لحظات طويلة قبل أن تتنهد ديلان أخيرًا.
ثم بدأت تتكلم.
في البداية بصوت متردد…
كأن الكلمات عالقة داخل حلقها منذ أيام طويلة.
لكن شيئًا فشيئًا…
بدأ كل شيء يخرج منها دفعة واحدة.
حكت عن وفاة والدها…
عن تلك الليلة المرعبة داخل المستشفى…
عن خوفها حين شعرت أنها أصبحت وحيدة تمامًا فجأة.
وحكت عن ذلك الرجل الغامض الذي أخذها من هناك دون أن تفهم شيئًا.
كانت كلماتها تخرج ببطء أحيانًا…
وتتسارع أحيانًا أخرى حين تعود الذكريات لتضغط قلبها.
أما سلمى…
فكانت تستمع بصدمة متزايدة.
كلما اكتشفت جزءًا جديدًا من القصة، شعرت أن قلبها ينقبض أكثر.
وضعت يدها فوق فمها غير مصدقة حين سمعت عن الزواج المفاجئ.
ثم شهقت بصوت خافت عندما تحدثت ديلان عن القصر الكبير الذي وجدت نفسها تعيش داخله فجأة.
سلمى: "يا إلهي يا ديلان…"
همست بها وعيناها ممتلئتان بالدموع.
ثم اقتربت منها أكثر وقالت بصوت مختنق:
سلمى: "كيف تحملتِ كل هذا وحدكِ؟".
ابتسمت ديلان ابتسامة باهتة، مليئة بالإرهاق أكثر من الفرح.
ديلان: "لم يكن لدي خيار."
قالتها بهدوء مؤلم.
ثم أضافت بعد لحظة صمت:
ديلان: "في البداية… كنت أظنه شخصًا مخيفًا جدًا."
توقفت دون أن تشعر.
وكأن اسم باران وحده جعل أفكارها تتباطأ.
ثم أكملت وهي تنظر إلى الفراغ أمامها:
ديلان: "كنت أخاف منه فعلًا."
مرّت صور كثيرة داخل رأسها في تلك اللحظة…
صوته الغاضب أول مرة.
نظراته الحادة.
هيبته التي كانت تربكها دائمًا.
لكن في المقابل…
تذكرت أيضًا أشياء أخرى.
المصحف الذي أحضره لها.
سهره معها أثناء الدراسة.
طريقته في الاهتمام بكل تفاصيلها الصغيرة دون أن يطلب شكرًا.
تنهدت بخفوت ثم قالت بصوت أكثر هدوءًا:
ديلان: "لكنه… اعتنى بي طوال هذه الفترة."
رفعت سلمى عينيها نحوها بانتباه أكبر.
أما ديلان فتابعت بشرود خفيف:
ديلان: "لم يسمح لي أن أحتاج شيئًا."
ثم ابتسمت دون أن تشعر وهي تضيف:
ديلان: "وكان حريصًا على أن أنجح مهما حدث."
راقبتها سلمى طويلًا.
شيء ما في طريقة حديثها تغيّر تمامًا عند ذكره.
نبرة صوتها أصبحت أهدأ…
وعيناها لمعتا بطريقة غريبة.
وكأنها تتحدث عن شخص لم يعد مجرد رجل فرضته الظروف عليها.
لذلك سألتها بحذر:
سلمى: "ما اسم هذا الرجل أصلًا؟".
رفعت ديلان رأسها نحوها…
وفي اللحظة نفسها تمامًا، رن هاتفها.
ارتجفت عيناها بخفة حين نظرت إلى الشاشة.
باران.
ولم تشعر بنفسها…
إلا وابتسامة صغيرة ترتسم فوق شفتيها تلقائيًا.
ابتسامة خفيفة جدًا.
لكن سلمى انتبهت لها فورًا.
أما ديلان…
فكأنها أدركت الأمر متأخرة، فأغلقت الهاتف بسرعة ونهضت من مكانها:
ديلان: "يجب أن أذهب."
لكن سلمى أمسكت يدها بسرعة قبل أن تبتعد:
سلمى: "لحظة!".
نظرت إليها ديلان باستغراب.
أما سلمى فضيقت عينيها وهي تقول بفضول واضح:
سلمى: "لم تخبريني باسمه."
ترددت ديلان لثوانٍ.
ثم ابتسمت بخفة، وكأنها تهرب من السؤال عمدًا.
ديلان: " إنه ينتظرني..وسيغضب إن تأخرت عليه......كما أن اسمه ليس مهمًا الآن…"
قالتها بهدوء، لكنها لم تستطع إخفاء ذلك الدفء الغريب الذي مرّ داخل صوتها.
ثم أضافت بصوت منخفض:
ديلان: "المهم… أنه لم يتركني وحدي."
شعرت سلمى أن قلبها التقط شيئًا لم تقله الكلمات.
شيئًا أكبر من الامتنان.
شيئًا تحاول ديلان نفسها ألا تعترف به بعد.
لكنها لم تضغط عليها.
فقط نهضت واقتربت منها وعانقتها مرة أخرى بقوة.
سلمى؛ "فقط كوني بخير… وسأتصل بك لاحقا......"
أغمضت ديلان عينيها للحظة داخل العناق.
ثم ابتسمت أخيرًا…
ابتسامة هادئة وصادقة هذه المرة.
ديلان: " حسنا لا تقلقي....سأكون بخير."
ابتعدت عنها أخيرًا، ثم لوحت لها بيدها واتجهت نحو بوابة المركز.
ومع كل خطوة كانت تخطوها…
كان قلبها يخفق بطريقة غريبة لا تفهمها.
وحين خرجت إلى الشارع…
رأت سيارة باران السوداء تقف بصمت قرب الرصيف.
وكأنه…
كان ينتظرها منذ اللحظة التي دخلت فيها الامتحان.
-----///////*******///////----
مرت الايام وجاء أخيرًا…
آخر يوم من امتحانات ديلان.
اليوم الذي تشبثت به طوال الأسابيع الماضية وكأنه الشيء الوحيد الذي يمنعها من الانهيار الكامل.
وحين خرجت من مركز الامتحان أخيرًا…
شعرت وكأنها تتنفس للمرة الأولى منذ زمن طويل.
كان الطلبة يتدفقون خارج المبنى بأصوات مرتفعة وضحكات متعبة، بينما وقفت هي للحظات قرب الدرج الحجري، تضم حقيبتها إلى صدرها وتغلق عينيها بارتياح خافت.
انتهى الأمر…
انتهت الليالي الطويلة.
والخوف.
والضغط الذي عاش داخل صدرها منذ وفاة والدها.
فتحت عينيها أخيرًا، وابتسامة صغيرة متعبة ترتسم فوق شفتيها…
لكنها توقفت فجأة.
اتسعت عيناها بدهشة واضحة.
باران.
كان يقف بنفسه بجانب السيارة السوداء.
ليس السائق.
هو.
وقف بهدوئه المعتاد، مرتديًا بدلته الداكنة، وإحدى يديه داخل جيبه، بينما الأخرى تستند فوق باب السيارة.
لكن شيئًا ما في ملامحه بدا مختلفًا اليوم.
أكثر صمتًا…
وأكثر ثقلًا.
شعرت ديلان بشيء دافئ يتحرك داخل قلبها رغم استغرابها.
فكرة أنه جاء بنفسه اليوم لأجلها…
وأنه انتظرها حتى نهاية آخر امتحان…
أثرت بها أكثر مما توقعت.
ثم اقتربت منه ببطء وقالت بدهشة خفيفة:
ديلان: "أنت هنا؟".
لكنه لم يجب مباشرة.
اكتفى بأن فتح لها باب السيارة بهدوء وقال:
باران: "اركبي."
راقبته لثوانٍ باستغراب.
كان هناك شيء غريب في صوته.
شيء جعل قلبها ينقبض دون أن تفهم السبب.
لكنها ركبت بصمت.
أغلق الباب بنفسه، ثم استدار وجلس خلف المقود.
وانطلقت السيارة.
في البداية…
ساد الصمت بينهما.
وكانت ديلان مستندة إلى المقعد بتعب، تراقب الطريق بشرود، بينما باران يقود بهدوء غريب.
لكن بعد دقائق…
بدأ حاجباها ينعقدان تدريجيًا.
هذا ليس الطريق المؤدي إلى القصر.
اعتدلت في جلستها ونظرت من النافذة مرة أخرى.
ثم التفتت إليه:
ديلان: "إلى أين نحن ذاهبان؟".
أبقى نظره ثابتًا على الطريق وقال بهدوء:
باران: "ستعرفين حين نصل."
تأففت بخفوت وهي تعود للنظر أمامها:
ديلان: "كعادتك… لن تتغير أبدًا."
ولأول مرة منذ أيام…
ظهرت ابتسامة خفيفة جدًا على شفتي باران.
ابتسامة صغيرة بالكاد ظهرت…
ثم اختفت سريعًا.
أما ديلان…
فكانت ما تزال تحدق في الشوارع بشرود، حتى شعرت فجأة بشيء غريب.
هذه المنطقة…
تعرفها.
بدأ قلبها يخفق أسرع.
ومع كل شارع يمرّان به، كانت الذكريات تنهض داخلها واحدة تلو الأخرى.
حتى ظهر الحي بالكامل أمامها.
حيّها القديم.
شحب وجهها فورًا.
وشعرت وكأن الدم انسحب من جسدها دفعة واحدة.
التفتت إليه بسرعة وعيناها ممتلئتان بالصدمة:
ديلان: "لماذا جئت بي إلى هنا؟".
لم يجب.
لكن صمته هذه المرة أخافها أكثر من أي إجابة.
بدأ صوتها يرتجف:
ديلان: "باران… لماذا نحن هنا؟".
واصل القيادة بصمت حتى اقترب أكثر من المنزل.
وحين رأت البيت بوضوح…
شهقت فجأة.
ديلان: "لا…"
استدارت إليه بعينين ممتلئتين بالخوف الحقيقي:
ديلان: "لا تقل إنك ستعيدني إليهم!".
ضغط باران على المقود بقوة حتى برزت عروق يده.
أما هي…
فبدأ كل ذلك الرعب القديم يعود دفعة واحدة.
ديلان: "هل قررت التخلص مني؟!".
خرج صوتها مرتفعًا ومختنقًا:
ديلان: "هل سئمت مني إلى هذه الدرجة؟!".
أوقف السيارة أخيرًا أمام المنزل.
لكن ديلان لم تهدأ.
كانت تنظر إلى البيت وكأنه وحش قديم عاد ليبتلعها من جديد.
ديلان: "أموت… ولا أعود إلى هنا!".
ارتفع صوتها أكثر، والاختناق واضح فيه:
ديلان: "لن أعيش مجددًا تحت أقدام زوجة أبي وابنتها!".
ثم هزت رأسها بعنف وهي تكمل بانفعال متزايد:
ديلان: "أنت لا تعرف ماذا كانتا تفعلان بي!".
تجمد باران للحظة.
والغضب بدأ يتحرك داخله ببطء… لكنه لم يكن موجّهًا نحوها هذه المرة.
بل نحو كل شيء عانته وحدها.
أما ديلان…
فكأن السنوات التي دفنتها داخل قلبها بدأت تنفجر دفعة واحدة.
ديلان: "كنت أخدمهما كأنني خادمة!".
اختنق صوتها قليلًا، لكنها تابعت:
ديلان: "الإهانات… الضرب… الحرمان…"
خفضت نظرها، وابتسامة مريرة موجعة ارتسمت فوق شفتيها:
ديلان: "وكنت أصبر…"
سكتت لحظة، ثم همست:
ديلان: "فقط لأن أبي كان يظن أنهما تحبانني."
شعر باران بشيء قاسٍ يتحرك داخل صدره.
غضب أسود…
حارق.
تذكر حسنية.
تذكر ميرال.
وتذكر الحقيقة التي اكتشفها متأخرًا جدًا.
قبض على فكه بقوة حتى تألم.
ثم خرج صوته منخفضًا وخطيرًا من بين أسنانه:
باران: "لقد وجدتا ما تستحقانه إذن."
التفتت إليه ديلان بسرعة.
ديلان: "ماذا تقصد؟".
لكنه لم يجب.
فتح باب السيارة ونزل بصمت.
راقبته بخوف وحيرة.
ثم نزلت خلفه بسرعة، وقلبها ما يزال يخفق بعنف.
صعدا الدرج المؤدي إلى لباب المنزل.
كان المكان هادئًا بشكل مخيف.
حتى الهواء بدا ثقيلًا.
أخرج باران المفتاح ببطء…
ثم فتح الباب.
دخلت ديلان أولًا.
وتوقفت فورًا.
البيت…
فارغ.
هادئ بصورة غير طبيعية.
لا أصوات.
لا حركة.
لا رائحة طعام كما اعتادت.
ولا حتى صوت حسنية الحاد الذي كان يملأ المكان دائمًا.
شعرت بقشعريرة تسري داخل جسدها.
التفتت إليه بدهشة:
ديلان: "أين هما؟".
لكن باران لم يجب مباشرة.
تقدم بخطوات بطيئة نحو الأريكة وجلس عليها، وكأن تعب العالم كله هبط فوق كتفيه دفعة واحدة.
أما ديلان…
فجلست قبالته ببطء، وعيناها لا تفارقان وجهه.
كان مختلفًا اليوم.
أكثر شحوبًا.
وأكثر إرهاقًا.
وكأن شيئًا ثقيلًا يسحقه من الداخل.
مرّت لحظات طويلة من الصمت.
صمت جعل قلبها ينقبض أكثر مع كل ثانية.
حتى رفع باران رأسه أخيرًا نحوها.
وكانت عيناه هذه المرة ممتلئتين بشيء لم تره فيه من قبل.
الندم.
وقال بصوت منخفض:
ديلان: "ديلان…"
شعرت بالقلق يتسلل إليها فورًا.
ديلان: "ماذا حدث؟".
تنفس ببطء شديد.
وكأن الكلمات نفسها تؤلمه.
ثم قال أخيرًا:
باران: "هناك أمور يجب أن تعرفيها."
بدأ قلبها يخفق بعنف.
أما هو…
فأغمض عينيه للحظة قصيرة قبل أن يبدأ بسرد كل شيء.
الشيك…
جلال…
خيانة ميرال…
والحقيقة التي انكشفت أخيرًا.
وكان مع كل كلمة تخرج من فمه…
يرى الصدمة تكبر داخل عيني ديلان شيئًا فشيئًا.
حتى بدأت تنظر إليه وكأن الأرض كلها انسحبت من تحت قدميها دفعة واحدة
