رواية براءة ايقظت غافلا الفصل الخامس والعشرون25 بقلم عاشقة القلم

رواية براءة ايقظت غافلا 

الفصل الخامس والعشرون25 

بقلم عاشقة القلم

جلس باران في زاويته المعتمة داخل الخمّارة، بينما تتراقص الأضواء الخافتة فوق الزجاجات المصفوفة كأشباحٍ ملوّنة، وتختلط ضحكات الغرباء بصوت الموسيقى الثقيلة.

لكنّه لم يكن يرى شيئًا من ذلك.

كان غارقًا داخل نفسه...

داخل ذلك الطفل الذي ما زال يصرخ خلف أبواب الماضي.

أصابعه كانت تطوق الكأس بإحكام، وعيناه مثبتتان في الفراغ أمامه، بينما صور الطفولة تنهش عقله بلا رحمة.

وجه أمّه وهي تُسحب بعيدًا عنه.

ضحكة والده الباردة.

تلك الكلمات المسمومة عن النساء...

وذلك الفراغ الذي كبر داخله حتى تحوّل إلى هاوية سوداء.

أخذ جرعة أخرى من الخمر.

ثم أخرى.

لكنه لم يشعر بأي شيء.

لا السُكر كان قادرًا على إسكات رأسه...

ولا الضجيج كان قادرًا على إخفاء ذلك الصوت العالق داخله منذ سنوات:

"الجميع يرحل..."

أغمض عينيه للحظة بإرهاق، لكنه انتفض عندما اخترق سكونه صوت أنثوي ناعم:

ـ سيد باران...

رفع رأسه ببطء.

كانت فتاة تقف أمامه، ترتدي فستانًا ضيقًا يبرز مفاتنها، وعلى شفتيها ابتسامة مدروسة اعتادت استخدامها مع الرجال في هذا المكان.

لكن ما إن التقت عيناها بعينيه...

حتى اختفت ابتسامتها قليلًا.

لأن نظراته لم تكن طبيعية.

لم تكن نظرات رجل يبحث عن المتعة.

بل نظرات شخص غارق في ظلام لا قاع له.

ترددت للحظة، ثم قالت بصوت أكثر خفوتًا:

الفتاة: أنا هنا في خدمتك... وتحت أمرك.

ظل يحدق بها بصمت طويل.

صمت جعل قلبها ينقبض دون أن تفهم السبب.

ثم نهض ببطء.

كان طويلًا بصورة مهيبة، وملامحه الحادة تبدو أكثر قسوة تحت الإضاءة الخافتة.

اقترب منها خطوة.

ثم أخرى.

حتى أصبحت تشعر بأنفاسه الثقيلة المشبعة برائحة الكحول.

رفع يده ببطء نحو وجهها.

تصلبت الفتاة قليلًا، لكنها أجبرت نفسها على الابتسام.

أما هو...

فكان يتأمل ملامحها كأنه يبحث عن شيء مفقود.

شيء لا يعرفه حتى.

مرّر نظره على عينيها...

شفتيها...

ملامحها الناعمة.

لكن داخله بقي فارغًا.

لا شيء.

لا دفء.

لا راحة.

فقط ذلك السواد الملتصق بروحه منذ الطفولة.

وفجأة...

أمسك شعرها بقوة وجذبها نحوه بعنف أربكها.

شهقت بخفة، لكن قبل أن تستوعب ما يحدث كان قد قبّلها بقسوة جارحة، قبلة خالية من أي شعور إنساني، كأنها محاولة يائسة لقتل شيء ينهشه من الداخل.

أما هو...

فكان مغمض العينين.

لا يقبّلها هي.

بل يحاول الهروب.

يحاول أن يشعر بأي شيء...

أي شيء يطفئ ذلك الخراب داخله.

لكن حتى بعد أن ابتعد عنها...

بقي الفراغ كما هو.

بل أشد.

تنفست الفتاة بصعوبة وهي تحدق فيه بارتباك.

كانت معتادة على الرجال.

لكن هذا الرجل مختلف.

كان يبدو وكأنه يحارب شياطينه الخاصة.

رفع عينيه إليها أخيرًا، ثم قال بصوت جاف خالٍ من الحياة:

باران: تعالي معي.

سكت لحظة قبل أن يضيف ببرود:

باران: هيا... اتبعيني.

أومأت بصمت، رغم شعور غامض بالخوف بدأ يتسلل إليها.

أما باران...

فاستدار دون انتظار ردها.

خرج من الخمارة بخطوات ثقيلة، والهواء الليلي البارد يضرب وجهه بقسوة، لكنه لم يخفف شيئًا من احتراقه الداخلي.

ركب سيارته وأشعل المحرك بعنف.

جلست الفتاة بجانبه بصمت، تراقب ملامحه الجانبية بحذر.

كان يقود بسرعة...

لكن ليس بسرعة رجل مستمتع.

بل بسرعة شخص يهرب من نفسه.

المدينة تمر حوله كأضواء مشوشة، بينما قبضته على المقود تزداد قسوة مع كل فكرة تعصف برأسه.

ديلان.

دموعها.

صوتها وهي تقول: "أنا أكرهك."

عاكف وهو يغادر.

ووالده...

ذلك الوحش الذي علّمه منذ الصغر أن القسوة هي السبيل الوحيد لئلا تُكسَر.

ضغط فكه بعنف.

كان يشعر أن داخله ينقسم إلى نصفين.

جزء يريد أن يعود.

أن يعتذر.

أن يركض إلى ديلان ويخبرها أنه لا يفهم نفسه، وأنه يخاف أكثر مما يغضب.

وجزء آخر...

أشد ظلامًا.

يريد أن يدفن كل تلك المشاعر تحت أي خطيئة ممكنة.

لأنه كلما اقترب من الإنسانية...

شعر بالاختناق.

وكلما حاول أن يحب...

عاد صوت والده يهمس داخله:

"النساء لا قيمة لهن..."

أغمض عينيه لثانية وهو يقود، كأنه يحاول إسكات ذلك الصوت.

لكنه فشل.

دائمًا يفشل.

وصلت السيارة أخيرًا إلى القصر.

توقفت أمام البوابة الضخمة، بينما ظل باران جالسًا للحظات دون أن يتحرك.

كانت أنفاسه ثقيلة.

وعيناه غارقتان في ظلام مرعب.

أما الفتاة...

فشعرت بقشعريرة غريبة وهي تنظر إلى ذلك القصر الهائل.

ثم إليه.

شيء ما أخبرها أن الرجل الجالس بجانبها ليس مجرد رجل غاضب...

بل روح ممزقة تحاول أن تؤذي كل شيء قبل أن يؤذيها.

فتح باران الباب أخيرًا ونزل ببطء.

وقف للحظة يحدق في القصر المظلم.

ذلك المكان الذي صنع منه وحشًا.

ثم قال دون أن ينظر إليها:

باران: انزلي.

لكن صوته هذه المرة...

لم يكن يحمل رغبة.

ولا حتى غضبًا.

بل كان صوت رجل بدأ يشعر أن ظلامه يبتلعه بالكامل...

ولم يعد يعرف كيف ينجو منه.


-----////**///***///**////-----


كانت الغرفة غارقة في صمت ثقيل، لا يقطعه سوى صوت أنفاس ديلان المتكسرة وبكائها الخافت الذي بدا وكأنه يخرج من أعماق روحها لا من عينيها فقط.

جلست على طرف السرير، تضم ركبتيها إلى صدرها، بينما انحدرت خصلات شعرها من تحت حجابها قليلًا حول وجهها الشاحب.

كانت تشعر بأنها غريبة...

غريبة عن هذا القصر.

عن هذه الحياة.

حتى عن نفسها.

كل شيء تبدل بسرعة مرعبة.

بالأمس كانت فتاة بسيطة، أقصى همومها دراستها ووالدها ...

واليوم؟،

أصبحت سجينة داخل عالم مظلم لا تفهمه.

رجل غامض يصرخ في وجهها مرة، ثم يقول إنه يعشقها في اللحظة التالية.

حب يخيفها أكثر مما يطمئنها.

وقلبها...

بات مرهقًا من كثرة ما يتحمل.

رفعت يدها المرتجفة تمسح دموعها، لكن المزيد منها انساب رغمًا عنها.

ثم همست بصوت منكسر بالكاد يُسمع:

ديلان: ما هذا القدر الذي وقعتُ فيه يا رب...؟،

اختنقت الكلمات داخل حلقها، فانحنت قليلًا وهي تبكي بحرقة أكبر.

كانت تشعر أنها تائهة تمامًا.

لا أم تحتضنها.

لا أب تعود إليه.

ولا مكان تشعر فيه بالأمان.

وفي تلك اللحظة...

فُتح الباب بهدوء.

دخلت زينب وهي تحمل بعض الملابس المطوية، التي سقطت من الأكياس التي كانت تحملها معها من المول، لكنها ما إن رفعت عينيها نحو ديلان حتى توقفت مكانها.

انقبض قلبها فورًا.

فقد رأت الكثير من النساء يبكين في حياتها...

لكن هذا النوع من البكاء كان مختلفًا.

بكاء روح تتآكل ببطء.

وضعت ما بيدها بسرعة واتجهت نحوها بقلق، ثم جلست بجانبها على السرير.

زينب: يا ابنتي...

رفعت يدها وربتت على كتفها بحنان أم افتقدته ديلان منذ زمن.

زينب: ما بكِ؟ لماذا تبكين هكذا؟.

وما إن سمعت ديلان ذلك الصوت الحنون...

حتى انهارت.

ارتمت على صدر زينب وهي تبكي بقهر دفين، كأنها كانت تنتظر فقط من يسألها لتنفجر.

ديلان: لقد تعبت...

خرج صوتها مبحوحًا ومؤلمًا.

ديلان: تعبت جدًا يا أختي زينب...

كانت شهقاتها تقطع كلماتها، بينما يداها ترتجفان كطفلة ضائعة.

ديلان: أريد أن أرحل من هنا... أريد الهرب... لم أعد أستطيع الاحتمال...

أغمضت زينب عينيها بحزن.

كانت تعرف.

تعرف أن هذا القصر، رغم فخامته، يحمل داخله الكثير من الظلام.

وتعرف أكثر من أي أحد أن باران ليس رجلًا سهلًا.

لكنها أيضًا...

كانت تعرف ذلك الجرح العميق الذي يسكنه.

تنهدت ببطء، ثم أمسكت وجه ديلان بين يديها بحنان.

زينب: وترحلين إلى أين يا ابنتي؟...

سكتت لحظة قبل أن تكمل بصوت مكسور:

زينب: هل نسيتِ أنكِ وحدك الآن؟.

اهتزت عينا ديلان بالألم فور سماعها ذلك.

أما زينب فأكملت بحزن:

زينب: والدكِ رحل... وزوجة أبيكِ لاتريدك وهي من رمتك إليه... وليس لكِ أحد غير الله.

انخفض رأس ديلان، وشعرت وكأن الكلمات تعصر قلبها أكثر.

نعم...

لقد أصبحت وحدها فعلًا.

حتى الحياة التي كانت تعرفها اختفت دفعة واحدة.

ثم شعرت بيد زينب تربت على يدها برفق.

زينب: اسمعيني يا ابنتي...

رفعت ديلان عينيها إليها بصمت.

زينب: حين تضيق الدنيا بنا... لا نهرب من الله... بل نهرب إليه.

ثم ابتسمت لها ابتسامة حزينة دافئة:

زينب: انهضي... توضئي... وصلّي ركعتين لله. ابكي أمامه كما تشائين... واطلبي منه أن يربط على قلبك.

ارتجفت شفتا ديلان، وشعرت بحرارة غريبة تسري داخل صدرها.

شيء من الطمأنينة...

شيء افتقدته منذ زمن.

أغمضت عينيها للحظة وهمست بصوت خافت:

ديلان: ونِعم بالله...

ثم مسحت دموعها ببطء.

لكن فجأة...

تغيرت نظرتها قليلًا.

رفعت رأسها نحو زينب وقالت بصوت أكثر هدوءًا:

ديلان: لقد عرفت كل شيء... عن باران.

اتسعت عينا زينب بذهول حقيقي.

زينب: ماذا؟! كيف؟!.

تنهدت ديلان ببطء، وكأنها تسترجع كلمات عاكف في عقلها.

ديلان: عاكف أخبرني...

ترددت لحظة قبل أن تضيف:

ديلان: أخبرني عن طفولته... عن والده... عن كل شيء.

ساد الصمت.

أما زينب...

فكانت تنظر إليها بعدم تصديق.

لأن باران أمضى عمره كله يدفن ماضيه كأنه عار لا يجب أن يراه أحد.

ولأول مرة...

هناك من عرف حقيقته كاملة.

خفضت ديلان نظرها وهمست:

ديلان: كنت أظنه فقط رجلًا قاسيًا... لكنني الآن أفهم لماذا أصبح هكذا.

تجمعت الدموع في عينيها مجددًا، لكنها هذه المرة لم تكن دموع خوف فقط...

بل شفقة أيضًا.

ديلان: داخله طفل محطم يا أختي زينب... طفل لم يجد أحدًا ينقذه.

ارتجفت ملامح زينب تأثرًا.

أما ديلان...

فرفعت رأسها فجأة، وفي عينيها بريق مختلف هذه المرة.

بريق عزيمة هادئة.

ديلان: وأنا قررت...

توقفت لحظة وكأنها تجمع شجاعتها.

ثم قالت بثبات:

ديلان: سأعيده إلى طريق الله.

تجمدت زينب وهي تحدق بها.

كأن كلماتها أعادت نبضًا قديمًا إلى قلبها المتعب.

همست بعد لحظات، وعيناها تلمعان بالأمل:

زينب: ليت ذلك يحدث يا ابنتي... ليته يحدث فعلًا...

ثم نظرت نحو الباب المغلق بشرود.

نحو الرجل الذي يسكن هذا القصر كروح معذبة.

الرجل الذي ظن الجميع أنه غرق في الظلام إلى الأبد...

بينما ربما...

كانت هذه الفتاة الصغيرة هي النور الوحيد القادر على إنقاذه.


_____/////_____//////---


كان الليل قد ابتلع القصر بالكامل، والهدوء يخيّم على أروقته الواسعة كستار ثقيل من الصمت.

في الداخل...

كانت ديلان تجلس بجوار زينب، وقد هدأت دموعها قليلًا بعد حديثهما الطويل، لكن قلبها ما زال مثقلًا بالحزن والتعب.

أما زينب...

فكانت تراقبها بعينين مليئتين بالشفقة والدعاء الصامت.

وفجأة؛

دوّى صوت الباب الرئيسي وهو يُفتح بعنف هائل، حتى ارتجّت جدران الفيلا.

انتفضت ديلان من مكانها.

أما زينب فشهقت بخوف وهي تهمس:

زينب: باران...

ثم تبعه صوت خطوات ثقيلة متعثرة تقترب من الصالة.

وبعد لحظات...

ظهر.

دخل باران مترنحًا بخطوات غير متزنة، ورائحة الكحول تسبقه قبل أن يصل.

عيناه حمراوان، وملامحه متعبة بصورة مخيفة، بينما كان يمسك بذراع فتاة شابة تتشبث به بتوتر واضح.

خرجت ديلان بسرعة من الغرفة، تتبعها زينب من الخلف، وصلت للدرج ونزلت للأسفل.

تجمدت ديلان فور رؤيته.

لكن ما إن وقعت عيناها على الفتاة حتى اشتعل شيء داخلها بعنف.

شعرت وكأن قلبها تلقى طعنة مباشرة.

بعد كل ما حدث...

بعد كل ألمه وغضبه وكلماته...

عاد إلى هنا ومعه امرأة أخرى؟،

نزلتت فجأة من الاعلى، وتوجهت ناحيته، والغضب يشتعل داخل عينيها لأول مرة بهذه القوة.

ديلان:  إلى أين تذهب بهذه؟!.

توقف باران ونظر إليها ببطء.

ثم ابتسم بسخرية باردة مستفزة، رغم الترنح الواضح في حركاته.

باران:  ما الأمر يا "شيختنا"؟...

كانت نبرته مليئة بالتهكم، وكأنه يتعمد استفزازها.

ثم أكمل وهو يقترب قليلًا:

باران: أنا ذاهب إلى غرفتي... أم يجب أن أستأذن منكِ أولًا؟.

ارتجف صدر ديلان من شدة الغضب على كلمة "شيخة".

ذلك اللقب...

كانت تكرهه.

وكأنه يحوّل التزامها وأخلاقها إلى مادة للسخرية.

رفعت رأسها بشجاعة رغم الألم الذي يعصف بها:

ديلان: قلت لك ألف مرة... أنا لست "شيخة"!.

اقتربت خطوة وعيناها تشتعلان:

ديلان: أنا ديلان... فقط.

ساد الصمت للحظة.

حتى باران حدق بها قليلًا وكأن شيئًا في نبرتها أربكه.

لكن ديلان لم تتراجع.

بل أشارت إلى الفتاة باشمئزاز واضح:

ديلان: وأخرج هذه من هنا!.

نظرت نحو باران مباشرة وهي تكمل بانفعال:

ديلان: هذا بيت محترم... ولن أسمح بالقذارة التي اعتدت عليها أن تدخل إليه مرة أخرى!.

تجمدت الفتاة بصدمة وإحراج.

أما باران...

فضاقت عيناه قليلًا.

شيء ما في داخله اشتعل عند سماع تلك الكلمات.

الغضب؟،

الغيرة؟،

أم لأن ديلان كانت تتحدث وكأن لها حقًا عليه؟،

لكن قبل أن يتكلم...

كانت ديلان قد تقدمت بالفعل نحو الفتاة وأمسكت بيدها محاولة سحبها نحو الباب.

ديلان: اخرجي من هنا هيا بسرعة!!.

ارتبكت الفتاة وحاولت الإفلات منها.

الفتاة: اتركيني!.

لكن ديلان تشبثت بها أكثر وهي تقول بحزم:

ديلان  قلت اخرجي من هنا!.

وفجأة؛

دفعتها الفتاة بقوة بعصبية.

اختل توازن ديلان فورًا، وشهقت وهي تشعر بجسدها يسقط للخلف.

لكن قبل أن ترتطم بالأرض؛

امتدت يد قوية وأحاطت خصرها في اللحظة الأخيرة.

تجمد الزمن للحظة.

كان باران.

أمسكها بقوة، وجذبها نحوه بسرعة حتى اصطدمت بصدره.

شهقت ديلان وهي ترفع عينيها إليه.

أما هو...

فكان يحدق بها بطريقة غريبة.

كأن سكره اختفى للحظة.

وكأن فكرة سقوطها أرعبته أكثر مما توقع.

ساد الصمت.

صمت ثقيل متوتر، حتى إن صوت أنفاسهما بدا مسموعًا.

ثم فجأة؛

صرخ باران بغضب عارم:

باران: كيف تجرؤين على دفع زوجة باران؟!.

ارتجفت الفتاة فورًا، واتسعت عيناها بخوف حقيقي.

الفتاة.  زوجتك؟!.

نظرت إلى ديلان بصدمة، ثم إلى باران الذي بقي ممسكًا بها من خصرها.

أما باران فأكمل بغضب:

باران: لقد فتحتِ على نفسكِ أبواب الجحيم ايتها القذرة!.

تغير لون وجه الفتاة تمامًا، وبدأ الخوف الحقيقي يتسلل إليها.

خصوصًا عندما رأت نظرة باران.

تلك النظرة الباردة القاتلة التي جعلت الدم يتجمد في عروقها.

ابتلعت ريقها بصعوبة وهمست:

الفتاة:  أنا... آسفة يا سيدي... أقسم أنني لم أكن أعلم أنها زوجتك...

بقي باران صامتًا للحظة.

ثم أبعد ديلان عنه ببطء، دون أن يرفع عينيه عن الفتاة.

وعندما تكلم...

كان صوته منخفضًا بصورة مرعبة:

باران: أنا... لا يوجد في قاموسي كلمة "آسف".

شحب وجه الفتاة فورًا.

أما ديلان...

فشعرت بقلبها ينقبض.

لأنها عرفت تلك النبرة جيدًا.

نبرة الرجل الذي يتحول إلى نسخته المظلمة بالكامل.

ثم نادى بصوت بارد:

باران: الحراس.

وخلال ثوانٍ...

دخل رجلان بسرعة.

وقفا أمامه باحترام:

الحارسان: نعم سيدي.

أشار إلى الفتاة دون أي تعبير:

باران: خذوها... إلى الغرفة التي في الحديقة.

وفي اللحظة التي قال فيها ذلك...

شحب وجه ديلان فجأة.

تلك الغرفة...

تذكرتها فورًا.

الغرفة المعزولة التي رأتها ذلك اليوم في الحديقة.

المكان الذي بدى لها واضح، لا يخرج منه أحد دون أن يتحطم.

شهقت بخوف حقيقي:

ديلان: لا...!.

اندفع الحراس نحو الفتاة التي بدأت ترتجف وتبكي:

الفتاة: أرجوكم! أرجوكم لا!.

لكن باران بقي جامدًا.

باردًا.

وكأن صراخها لا يعنيه.

اقتربت ديلان منه بسرعة، وأمسكت ذراعه بكلتا يديها.

ديلان: أرجوك يا باران اتركها تذهب في حال سبيلها...

كان صوتها يرتجف.

ديلان: لا تفعل... سامحتها! دعها تذهب!.

نظر إليها ببطء.

وعيناه ما تزالان مظلمتين.

باران: أما أنا... فلم أسامح.

ارتجفت ديلان أكثر.

أما زينب فتقدمت بخوف:

زينب: من فضلك يا باران... من أجلي...

نظرت إليه بعينين متوسلتين:

زينب: دعها تذهب.

ساد الصمت للحظات طويلة.

وكان الجميع ينتظر قراره بأنفاس محبوسة.

أما باران...

فكان يحدق في ديلان.

في خوفها.

في رجائها.

في يديها الصغيرة التي ما تزال تقبض ذراعه وكأنها تحاول سحب إنسانيته من الظلام.

ثم أخيرًا...

تنهد ببطء وقال للحراس:

باران: اتركوها.

توقفت الفتاة عن البكاء فجأة، غير مصدقة.

أما الحراس فتراجعوا فورًا.

لكن باران اقترب منها خطوة، وصوته هذه المرة كان أشد ظلمة من قبل:

باران: هذه المرة نجوتِ.

ارتجفت الفتاة بالكامل.

ثم أكمل وهو يحدق فيها ببرود قاتل:

باران: لكن لا أريد أن أرى وجهك مرة أخرى... حتى لو كان صدفة.

اقترب أكثر قليلًا وهمس بتهديد جعل أنفاسها تتجمد:

باران: وإلا... لا تلومي إلا نفسك.

أومأت بسرعة وهي تبكي، ثم ركضت نحو الباب كأنها تهرب من الموت نفسه.

لكن قبل أن تخرج...

توقفت فجأة.

التفتت نحو ديلان بعينين ممتلئتين بالامتنان والصدمة.

الفتاة: شكرًا لكِ...

كان صوتها يرتجف بصدق هذه المرة.

الفتاة: لو لم تكوني هنا... لا أعلم ماذا كان سيحدث لي.

نظرت إليها ديلان بهدوء رغم اضطرابها الداخلي.

ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة متعبة وقالت:

ديلان: الشكر لله.

أومأت الفتاة بسرعة وغادرت.

أما الصالة...

فعاد إليها الصمت من جديد.

لكن هذه المرة...

كان الصمت مشحونًا بشيء أخطر بكثير.

لأن باران كان ما يزال واقفًا هناك...

ينظر إلى ديلان.

ولأول مرة منذ زمن طويل...

يشعر أن هذه الفتاة الصغيرة بدأت تهزّ الظلام الذي عاش داخله عمرًا كاملًا.

------/////-----////-----


بقي باران واقفًا في منتصف الصالة، بينما أصداء خطوات الفتاة الهاربة ما تزال تتلاشى في الخارج.

لكنّه لم يكن يسمع شيئًا.

كل انتباهه...

كان مصوبًا نحو ديلان.

وقف ينظر إليها بصمت طويل، نظرة غريبة أربكتها أكثر من غضبه نفسه.

لم تكن نظرة رجل ثمل فقط.

ولا نظرة رجل غاضب.

بل شيء أعقد...

شيء يشبه الصراع.

كانت عيناه حادتين بصورة مرهقة، كأنهما تحاولان التوغل داخل روحها، البحث عن سرّ لا يستطيع فهمه.

أما ديلان...

فبدأ قلبها يخفق بتوتر تحت تلك النظرة.

شعرت وكأن الصالة كلها اختفت، ولم يبقَ سوى عينيه المثبتتين عليها.

ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت بارتباك:

ديلان: ما بك؟... لماذا تنظر إليّ هكذا؟.

لكن باران لم يجب.

حتى أنه لم يرمش تقريبًا.

فقط ظل يحدق بها...

وكأن شيئًا داخله يتداعى بصمت كلما نظر إليها.

تذكّر كيف وقفت تدافع عن حرمة البيت.

كيف خافت على تلك الفتاة رغم أنها دفعتها.

كيف ترجّته أن يسامح.

وكيف أمسكت ذراعه بذلك الرجاء الذي هزّ شيئًا قاسيًا داخله.

شيء لم يعد يفهمه.

أما ديلان...

فبدأ الارتباك يتحول إلى خوف خفيف.

لأن صمته كان أخطر من أي انفجار.

ارتجفت أنفاسها، ثم هزّت رأسها محاولة التهرب من تلك النظرة التي أربكت قلبها، واستدارت بسرعة.

ديلان: تصبحون على خير...

خرج صوتها خافتًا مرتبكًا قبل أن تصعد الدرج بخطوات متسارعة.

كانت تشعر بنظراته تلاحقها حتى اختفت خلف الممر العلوي.

أما باران...

فبقي مكانه لثوانٍ طويلة بعد رحيلها.

وجهه جامد.

لكن داخله...

كان فوضى كاملة.

قبض يده ببطء.

ثم فجأة استدار بعنف واتجه نحو الباب.

زينب: باران... إلى أين؟!.

سألته زينب بقلق، لكنه لم يرد.

خرج من الفيلا كإعصار جديد، وصفق الباب خلفه بقوة اهتز لها المكان.

وفي الخارج...

كان الليل باردًا بصورة خانقة.

قاد سيارته بسرعة جنونية، بينما أفكاره تضرب رأسه بعنف.

ديلان.

عاكف.

الخذلان.

الوحدة.

كل شيء اختلط داخل صدره حتى شعر أنه يختنق.

كان يحاول إقناع نفسه أن عاكف هو السبب.

أن غضبه مبرر.

أن الجميع يخذله في النهاية.

لكن صوتًا آخر داخله كان يهمس بالحقيقة التي يرفض سماعها:

"أنت من تدمر كل شيء بيديك..."

ضغط على المقود بعنف أكبر.

لا.

لن يفكر.

لن يشعر.

فالشعور كان دائمًا بداية ضعفه.

وبعد وقت...

توقفت السيارة أمام بناية هادئة في أحد الأحياء الراقية.

ترجل منها بسرعة، ثم صعد الدرج بخطوات ثقيلة متوترة.

حتى وقف أمام باب شقة يعرفها جيدًا.

شقة عاكف.

ساد صمت قصير.

ثم ضغط الجرس بعنف.

في الداخل...

كان عاكف جالسًا وحده في الظلام تقريبًا، يستند إلى الأريكة وعيناه شاردتان.

منذ خروجه من الشركة وهو يشعر بشيء مكسور داخله.

لم يكن يتخيل يومًا أن باران قد يشك فيه بهذه الطريقة.

عشرة سنوات...

وفي النهاية؟،

انهارت بكلمة واحدة.

تنهد بألم عندما دوى الجرس مجددًا بعصبية.

نهض ببطء واتجه نحو الباب، ظانًا أن الطارق ربما أحد موظفي الشركة.

لكن ما إن فتح الباب-

حتى اندفعت قبضة قوية نحو وجهه بعنف هائل.

ارتطم رأسه بالحائط من شدة الضربة، وشعر بطعم الدم يملأ فمه فورًا.

شهق متألمًا وهو يرفع عينيه بصدمة.

عاكف: باران؟!.

لكن الآخر كان يقف أمامه كعاصفة سوداء.

عيناه حمراوان.

أنفاسه مضطربة.

وغضبه يخرج منه بشكل مرعب.


بينما شيء مظلم داخله كان ينهار ببطء دون أن يعرف كيف يوقفه.

______

ما إن فتح عاكف الباب...

حتى اندفعت قبضة باران نحوه بعنفٍ هائل، استقرت مباشرة في وجهه.

ارتطم رأس عاكف بالحائط خلفه، وشعر بألم حاد يشق فكه، بينما تراجع خطوة وهو يضع يده على فمه بصدمة.

صرخ عاكف بغضب وهو يمسح الدم عن شفتيه:

عاكف: هل جُننت تمامًا؟!.

لكن باران اندفع نحوه مجددًا، أمسكه من قميصه بعنف ودفعه إلى الداخل.

باران: لماذا؟!.

كان صوته أشبه بزئير رجل ينهار.

باران:  لماذا جعلتني أشك بك؟!.

تجمد عاكف للحظة، غير مصدق ما يسمعه.

ثم دفعه بعيدًا بغضب:

عاكف: أنا؟! أنا من جعلك تشك؟!.

اقترب منه بعينين ممتلئتين بالقهر:

عاكف: هل تسمع نفسك يا باران؟!.

لكن باران لم يكن في حالة تسمح له بالعقل.

كان الألم والغضب والخمر والغيرة كلها تمتزج داخله حتى أفقدته السيطرة.

باران: كنت معها! كنت قريبًا منها أكثر مما يجب!.

صرخ عاكف بانفعال:

عاكف: لأنها كانت تحتاج لمن يسمعها! ولأنك كنت تخنقها بجنونك!.

ساد الصمت للحظة.

تصلب فك باران بعنف.

أما عاكف...

فنظر إليه طويلًا قبل أن يقول بصوت مكسور:

عاكف: أنت لا تؤذيها وحدها يا باران؛ أنت تؤذي كل من يحبك.

كانت الكلمات كصفعة أقسى من اللكمة.

لكن باران لم يُظهر شيئًا.

فقط بقي واقفًا...

يتنفس بعنف...

كان يقف أمامه كبركان مشتعل.

عيناه حمراوان من الغضب والسهر والخمر، وصدره يعلو ويهبط بعنف، وكأن شيئًا داخله ينهار بالكامل.

صرخ بصوت أجش غاضب:

باران: هذه أول لكمة... لأنك تركتني ورحلت!.

ثم اندفع نحوه مجددًا رافعًا قبضته ليضربه مرة أخرى.

لكن هذه المرة...

أمسك عاكف بذراعه بسرعة، ودفعه بعنف بعيدًا عنه، ثم لكمه هو الآخر بقوة.

ارتدّ باران للخلف قليلًا، واتسعت عيناه بدهشة.

أما عاكف فصرخ بانفعال وقهر:

عاكف: وأنا رحلت لماذا؟! أليس لأنك شككت بي؟!.

ساد الصمت للحظة.

حتى الهواء بينهما بدا مشحونًا بالغضب والألم والخذلان.

وقفا يحدقان ببعضهما بأنفاس متقطعة، وكأن كل واحد منهما يرى الآخر لأول مرة.

عاكف كان غاضبًا...

لكن خلف غضبه كان هناك وجع حقيقي.

وجع صديق شعر أن سنوات عمره كلها أُهينت بلحظة شك واحدة.

أما باران...

فكان يشعر بثقل رهيب فوق صدره.

لأول مرة في حياته، لم يكن يعرف كيف يبرر نفسه.

ولا كيف يهرب من خطئه.

فتح فمه وكأنه سيصرخ مجددًا...

لكن الكلمات اختنقت داخله.

ثم قال فجأة بصوت منخفض متعب:

باران: أنا آسف يا صاحبي...

تجمد عاكف مكانه.

حتى الغضب اختفى من وجهه للحظة.

حدق فيه بذهول حقيقي، وكأنه لم يستوعب ما سمعه.

"باران... يعتذر؟!"

ذلك الرجل الذي لم يعتذر لأحد يومًا؟،

اقترب منه ببطء وهو يحدق فيه بعدم تصديق:

عاكف: ماذا قلت؟...

ابتسم باران ابتسامة صغيرة مرهقة، رغم التعب الواضح في عينيه.

باران: لا... أنت سمعت جيدًا.

ثم تنهد وأضاف بصوت أكثر هدوءًا:

باران: أم تريدني ان... أقولها لك مرة ثانية.

ظل عاكف يحدق فيه لثوانٍ طويلة، ثم أطلق ضحكة قصيرة غير مصدقة.

عاكف: بصراحة... سمعتها، واردت ات تعيدها لأتأكد.

هز رأسه بذهول وهو يكمل:

عاكف: لكنني غير مصدق أنني سمعتها فعلًا!، شيطان آخر الزمن يعتذر لي؟!.

ضيّق باران عينيه ونظر إليه بغيظ خفيف لأول مرة منذ ساعات.

باران: تريد أن أريك الآن ماذا يفعل بك هذا الشيطان؟!.

تراجع عاكف بسرعة رافعًا يديه باستسلام مصطنع:

عاكف: لا لا... هكذا أفضل كثيرًا!.

ثم فجأة...

اقترب منه واحتضنه بقوة.

تصلب جسد باران للحظة، كأنه لم يعتد هذه الأشياء.

لكنه بعد ثوانٍ...

أغمض عينيه ببطء.

وشعر بشيء داخله يهدأ قليلًا لأول مرة هذه الليلة.

ربت عاكف على ظهره وقال بهدوء صادق:

عاكف: أنا مستحيل أنظر إلى زوجتك بتلك الطريقة يا باران.

ابتعد قليلًا لينظر إليه مباشرة:

عاكف: ديلان بالنسبة لي زوجة أخي... بل أختي أيضًا. ولا يمكن أن تكون شيئًا أكثر من ذلك.

تنهد باران بصمت، ثم وضع يده على كتف عاكف وربت عليه بخفة.

باران: وأنا أثق بك...

سكت لحظة وهو يخفض عينيه.

باران: لكنني كنت مختنقًا... ولم أعرف كيف أسيطر على نفسي.

نظر إليه عاكف طويلًا.

كان يرى التعب الحقيقي في ملامحه لأول مرة.

ليس تعب الجسد...

بل تعب الروح.

ثم سأله عاكف بهدوء:

عاكف: هل تحبها؟...

تجمد باران.

اختفت كل التعابير من وجهه فجأة.

وكأن السؤال أصابه في نقطة ضعفه الوحيدة.

أشاح بنظره بعيدًا ولم يتكلم.

لكن صمته...

كان أوضح من أي إجابة.

ابتسم عاكف بخفة وقال:

عاكف: إذًا أنت تحبها فعلًا.

تنهد وهو يجلس على الأريكة، ثم أشار له أن يجلس.

جلس باران بصمت، بينما أكمل عاكف بنبرة هادئة عميقة:

عاكف: اسمعني جيدًا يا باران... غير من نفسك لأجلها.

رفع باران عينيه نحوه بصمت.

أما عاكف فأكمل:

عاكف: اعترف لها بحبك... وتعلم كيف تحتويها بدل أن تخيفها.

ثم هز رأسه بأسى:

عاكف: صدقني... إذا استمريت في معاملتها بهذه القسوة... فلن تحبك أبدًا.

كانت الكلمات تدخل قلب باران ببطء مؤلم.

أما عاكف...

فأضاف بصوت صادق:

عاكف: الحب لا يأتي بالقوة. ولا بالخوف. ولا بالتحكم.

ابتسم بحزن خفيف:

عاكف: الحب لا يكون بالإجبار... ولا بالمعاملة السيئة.

أطرق باران رأسه أخيرًا، وأسند مرفقيه إلى ركبتيه، ثم مرر يده في شعره بإرهاق شديد.

ولأول مرة...

بدا ضعيفًا حقًا.

باران: أنا متعب يا عاكف...

خرج صوته مبحوحًا ومكسورًا بطريقة لم يعتدها منه أحد.

باران: متعب جدًا...

رفع عينيه نحوه، وكانت فيهما فوضى مرعبة.

باران: أنا أضعف أمامها... هل تفهم؟!.

قبض على يده بعنف وهو يكمل:

ياران: أنا... الذي لا يستطيع أحد أن يكسر كلامه... ولا يجعلني أتراجع عن قرار أخذته...

ضحك بسخرية موجوعة من نفسه.

باران: هي فقط؛ بكل سهولة؛ تجعلني أسامح. أتراجع. أفكر ألف مرة قبل أن أؤذي أحدًا.

ثم همس وكأنه يعترف بشيء يخيفه:

باران: تجعلني أشعر أنني إنسان…

نظر إليه عاكف طويلًا، ثم قال بهدوء عميق:

عاكف: وربما؛ هذا هو السبب الذي جعل الله يرسلها إلى حياتك.

رفع باران رأسه نحوه.

أما عاكف فأكمل:

عاكف: ربما جاءت لتعيدك إلى الطريق الصحيح؛ لتخرجك من كل القذارة التي عشت فيها.

ابتسم باران بسخرية مريرة من نفسه، وأشاح بوجهه بعيدًا.

باران: وتظن أن الله سيغفر لي بعد كل ما فعلته؟…

ساد الصمت للحظة.

ثم اعتدل عاكف في جلسته وقال بهدوء مفعم بالإيمان:

عاكف: بسم الله الرحمن الرحيم…

ثم تلا بصوت خاشع:

﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾

ثم نظر إلى باران وأكمل:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾

اهتز شيء داخل باران عند سماع الآيات.

أما عاكف فاقترب منه قليلًا وقال بصوت هادئ:

عاكف: طالما أنك تندم… وتريد التوبة بصدق… فالله لن يردك.

ثم أضاف بحزم لطيف:

عاكف: لكن لا تتمادى في الخطأ وأنت تعلم أنه حرام، ثم تقول: "الله غفور رحيم."

هز رأسه ببطء:

عاكف: نعم… الله غفور رحيم.

ثم نظر إليه بعمق:

عاكف: لكنه أيضًا شديد العقاب يا باران.

ساد الصمت بعدها.

لكن هذه المرة…

لم يكن صمت غضب.

بل صمت رجل بدأ يسمع الحقيقة لأول مرة…

ويخاف منها… ويحتاجها في الوقت نفس

               الفصل السادس والعشرون من هنا

لقراءة باقي الفصول اضغط هنا 

تعليقات



<>