الفصل الثالث عشر13
بقلم عاشقة القلم
مرّ النهار بطيئًا على ديلان، كأنه يتعمّد استنزاف أعصابها دقيقةً بعد أخرى.
منذ أن غادر باران صباحًا، وهي تحاول إشغال نفسها بأي شيء؛ مرة تساعد زينب في المطبخ، ومرة ترتب بعض الأغراض، ومرة تجلس صامتة تحدق في الفراغ دون أن تشعر بما حولها.
لكن مهما حاولت الهروب…
كانت فكرة الليل تلاحقها بلا رحمة.
كلما نظرت إلى الساعة، شعرت بقلبها ينقبض أكثر.
الوقت يقترب…
وهي حتى الآن لا تملك خطة واضحة لما ستفعله.
لم تكن تريد إيذاءه مجددًا.
وفكرة أن تعيد ما فعلته ليلة أمس جعلت شعورًا بالذنب يضغط فوق صدرها.
لكن في المقابل…
لم تكن مستعدة أيضًا لمواجهة تلك الليلة كما يريدها هو.
كانت عالقة بين خوفين، وكلاهما ينهش روحها ببطء.
ومع حلول المساء، بدأ القصر يزداد هدوءًا.
الأضواء الدافئة انعكست فوق الجدران الواسعة، بينما جلست ديلان في الصالون الكبير تقلب القنوات بعشوائية.
كانت عيناها مثبتتين على شاشة التلفاز…
لكن عقلها كان في مكانٍ آخر تمامًا.
لم تكن تسمع ما يُعرض أصلًا.
كل ما كانت تسمعه هو صوت أفكارها المتشابكة داخل رأسها.
ماذا ستفعل حين يطلبها الليلة؟،
هل ستتهرب منه مجددًا؟،
وماذا لو اكتشف أمر الحبوب؟،
عضّت شفتيها بخفوت وهي تحاول منع نفسها من الانهيار.
وفي تلك اللحظة…
سمعت صوت باب القصر يُفتح.
انتفض قلبها تلقائيًا.
رفعت رأسها بسرعة نحو المدخل، وما هي إلا لحظات حتى ظهر باران.
دخل بخطواته المعتادة؛ هادئًا… صامتًا… يحمل هيبته التي تملأ المكان بمجرد حضوره.
لكن شيئًا فيه بدا مختلفًا قليلًا هذا المساء.
كان متعبًا.
ملامحه الجامدة أخفت إرهاق يومٍ طويل، وربطة عنقه المرتخية قليلًا كانت دليلًا نادرًا على ذلك.
توقفت عيناه عليها فورًا.
كانت تجلس فوق الأريكة تضم يديها إلى بعضها دون وعي، بينما ينعكس ضوء التلفاز فوق عينيها القلقتين.
ظل ينظر إليها للحظات بصمت.
أما هي، فشعرت بتوترها يزداد تحت نظراته.
لم تستطع تفسير السبب…
لكن مجرد وجوده أمامها أصبح يربكها بطريقة غريبة.
قال أخيرًا بصوتٍ هادئ منخفض:
باران: أنا ذاهب إلى غرفتي…
سآخذ حمامًا وأرتاح قليلًا.
ثم أضاف وهو يخلع ساعته ببطء:
باران: وعندما يجهز العشاء… أخبريني.
رفعت ديلان رأسها نحوه بسرعة، ثم أومأت بإيجاب دون أن تنطق بكلمة.
كانت تخشى أن يخونها صوتها إن تحدثت.
لاحظ باران ذلك فورًا.
عقد حاجبيه بخفة وهو يراقب صمتها غير المعتاد.
عادةً كانت ترد…
حتى ولو ببرود أو عناد.
أما الآن…
فقد بدت شاردة، متوترة، وكأنها تحمل حربًا كاملة داخل صدرها.
ظل يحدق بها لثوانٍ أطول، قبل أن يميل رأسه قليلًا وهو يراقب ملامحها خلف النقاب.
هل تخاف؟،
أم أنها تفكر في تلك الليلة التي ينتظرها هو منذ أيام؟،
شعر بشيءٍ دافئ يتحرك داخله وهو يتخيل ارتباكها بسببه.
ولأول مرة…
لم يكن ذلك الشعور مرتبطًا بالرغبة وحدها.
بل كان هناك شيء آخر.
شيء أقرب إلى الترقب…
إلى شوقٍ غريب لقربها.
أما ديلان، فقد كانت تحاول جاهدًة ألا ترفع عينيها نحوه كثيرًا.
لأنها كانت تخشى أن يقرأ الخوف المختبئ داخلهما.
خوفها منه…
وخوفها من نفسها أيضًا.
فهي لم تعد تفهم ما يحدث داخلها كلما اقترب منها.
هل ما زالت تكرهه؟،
أم أن تلك اللحظات الهادئة التي بدأت تراها منه أربكت مشاعرها؟،
شدّت أصابعها فوق بعضها بقوة، محاولة طرد تلك الأفكار فورًا.
لكن صوته أعادها لواقعها مجددًا.
باران: هل أنتِ بخير؟،
رفعت عينيها إليه أخيرًا.
وكان سؤالًا بسيطًا جدًا…
إلا أنه هزّ شيئًا داخلها بعنف.
لأنها لم تعتد منه أن يسأل عن حالها أصلًا.
ترددت للحظة، ثم قالت بصوتٍ خافت:
ديلان: نعم… فقط أشعر ببعض الإرهاق.
ظل ينظر إليها قليلًا، وكأنه لا يصدقها بالكامل.
لكنه لم يضغط عليها.
بل اكتفى بإيماءة خفيفة، ثم استدار متجهًا نحو الدرج.
وصوت خطواته وهو يصعد جعل قلبها يزداد اضطرابًا.
راقبته حتى اختفى في الأعلى.
وحين ابتلعته الممرات الطويلة…
أطلقت أنفاسها أخيرًا ببطء، وكأنها كانت تحبسها طوال وجوده أمامها.
وضعت يدها فوق صدرها تحاول تهدئة نبضاته المتسارعة.
ثم أغمضت عينيها وهمست داخلها بيأس:
ديلان: يا رب… ماذا أفعل…؟،
كان الليل يقترب ببطء…
ومعه كانت تشعر أن شيئًا كبيرًا ينتظرها خلف تلك الساعات القادمة.
___////----//////-----
جلسا أخيرًا إلى طاولة العشاء…
لكن ذلك العشاء لم يكن مجرد وجبة عادية.
بل كان أشبه بهدوءٍ يسبق العاصفة.
الطاولة الطويلة المضاءة بثرياتٍ ذهبية فاخرة بدت ساكنة بصورةٍ غريبة، بينما كان صوت أدوات الطعام الخافت هو الشيء الوحيد الذي يكسر ذلك الصمت الثقيل بينهما.
ديلان كانت تجلس مقابله بهدوءٍ ظاهري، لكن داخلها كان يغلي بالخوف والارتباك.
كل حركة منه كانت تجعل أعصابها تتوتر أكثر.
كلما رفعت عينيها نحوه وجدته يراقبها بطريقةٍ أربكتها.
أما باران…
فكان على النقيض تمامًا.
هادئًا.
واثقًا.
بل منتشيًا بشعور الانتصار.
لقد ظن أن ديلان أخيرًا استسلمت للأمر الواقع، وأن الليلة ستكون النهاية لكل محاولاتها في الهروب منه.
وكان هذا الشعور يملأه برضا خفي لم يشعر به منذ أيام.
لكنه رغم ذلك، كان يراقبها بدقة.
لاحظ قلة كلامها…
هدوءها غير المعتاد…
وارتباك أصابعها كلما اقترب الحديث من نهايته.
لكنه فسر كل ذلك بطريقةٍ واحدة فقط…
الخوف.
ابتسم داخله بخفة.
هي تخشاه… نعم.
لكنها في النهاية لن تستطيع الهروب منه إلى الأبد.
أما ديلان، فكانت بالكاد تتذوق الطعام أمامها.
كل لقمة كانت تمر بصعوبة من حلقها، بينما عقلها يعمل بجنون بحثًا عن مخرج.
هل ستنجح خطتها مرة أخرى؟،
وماذا لو انتبه هذه المرة؟،
وماذا لو حدث له مكروه بسبب ما تفعله؟،
تسارعت أنفاسها قليلًا عند الفكرة، لكنها تماسكت سريعًا.
هي لا تريد أذيته…
لكنها أيضًا لا تستطيع الاستسلام له.
انتهى العشاء أخيرًا.
وما إن وضع باران أدوات الطعام جانبًا حتى نهض من مكانه بهدوء.
ثم التفت إليها.
كانت عيناه مثبتتين عليها بثقة أربكت قلبها.
وقال بصوتٍ منخفض يحمل نبرة أمر واضحة:
باران: أنا في الغرفة…
ولن أكرر كلامي.
شعرت ديلان ببرودة تسري داخل أطرافها.
لكنها لم تتكلم.
اكتفت بالنظر إليه للحظة قصيرة، ثم أومأت برأسها بإيجاب.
راقبها باران باستغراب خفي.
هذا الهدوء منها لم يكن طبيعيًا.
لا عناد…
لا اعتراض…
ولا حتى محاولة تهرب.
لكنه أوعز الأمر إلى خوفها منه.
وربما… إلى أنها بدأت تتقبل الأمر أخيرًا.
اقترب منها بخطواتٍ بطيئة مدروسة.
حتى توقف أمامها تمامًا.
شعرت ديلان بأنفاسها تختنق وهي تراه قريبًا إلى هذا الحد.
أما هو، فخفض صوته قليلًا وقال بنبرةٍ أكثر هدوءًا:
باران: لست مستعجلًا…
خذي وقتك.
ثم مال قليلًا نحوها وهو يضيف بخبثٍ واضح:
باران: ويُفضل أن تحضري لنا عصيرًا طبيعيًا مثل الذي أعددته بالأمس.
غمز لها بعدها بإبتسامة ماكرة، قبل أن يستدير متجهًا نحو الدرج بخطوات واثقة.
وكان يشعر في داخله أنه حاصرها تمامًا هذه المرة.
لا مفر.
ولا مهرب.
أما ديلان…
فظلت جالسة مكانها للحظات بعد اختفائه، وكأنها فقدت القدرة على الحركة.
شعرت بثقلٍ هائل يجثم فوق صدرها.
ذلك الرجل…
لا يعلم أنها تخوض حربًا كاملة كل ليلة فقط لتنجو بنفسها منه.
بدأت تجمع الأطباق الموضوعة فوق الطاولة بصمت، بينما كانت زينب تساعدها.
لكن ما إن تأكدت زينب من اختفاء باران تمامًا حتى التفتت نحو ديلان بسرعة، وظهر القلق واضحًا فوق ملامحها.
زينب بصوتٍ خافت متوتر: ماذا ستفعلين معه الليلة يا ابنتي؟،
توقفت ديلان عن الحركة للحظة.
أما زينب فأكملت وهي تزفر بخوف:
زينب: لقد أفلتِّ البارحة…
لكنني لا أظن أن باران سينام الليلة كما فعل أمس.
أخفضت ديلان عينيها نحو الأطباق بين يديها.
كانت تشعر بالتعب…
تعب روحٍ كاملة، لا مجرد جسد.
ثم تنهدت ببطء وقالت بصوتٍ هادئ يحمل استسلامًا لله وحده:
ديلان: استودعت أمري لله… 🤲
هو يعلم وأنا لا أعلم…
وقد فوضته في أمري كله…
ليقدر لي الخير حيث كان.
رفعت عينيها قليلًا، وارتجفت نبرتها بخفوت:
ديلان: فهو علام الغيوب…
ولا تخفى عليه خافية.
شعرت زينب بغصةٍ مؤلمة وهي تنظر إليها.
كانت ديلان صغيرة جدًا على كل هذا الخوف…
صغيرة على أن تخوض هذه المعارك وحدها.
تنهدت زينب بحرارة، ثم قالت بإيمانٍ صادق:
زينب: والنعم بالله يا ابنتي…
ساد الصمت للحظات.
ثم أكملت ديلان ترتيب الطاولة بهدوء، وكأنها تحاول إشغال نفسها عن اضطراب قلبها.
وبعد أن انتهت، تركت الأطباق لزينب واتجهت نحو المطبخ.
كانت خطواتها أبطأ هذه المرة.
وكأنها تسير نحو مصير تخشاه.
وقفت أمام منضدة المطبخ، ثم بدأت تعد العصير كما طلب منها باران.
عصير طبيعي بارد…
تمامًا مثل الليلة الماضية.
لكن يديها هذه المرة كانتا ترتجفان قليلًا.
فكرت قليلا ماذا ستفعل؟، ثم ٱستسلمت للفكرة، فليس لها ملاذا آخر الآن غيرها.
نظرت لزينب وما إن لمحتها ترتب الاواني داخل الغسالة حتي،
فتحت العلبة الصغيرة التي تخفي فيها الحبوب المنومة، وظلت تحدق بها للحظات طويلة.
شعرت بوخزٍ مؤلم داخل قلبها.
هل تفعل الصواب…؟،
أم أنها تتمادى أكثر مما ينبغي؟،
أغمضت عينيها لثوانٍ، ثم همست بخفوت:
ديلان: يا رب… لا تتركني وحدي…
وضعت المنوم داخل الكأس أخيرًا، ثم حركته ببطء حتى ذاب تمامًا.
بعدها رتبت الكأسين فوق الصينية بعناية.
وحين حملتها بين يديها…
شعرت وكأنها تحمل فوقها خوفها كله.
أخذت نفسًا عميقًا، ثم خرجت من المطبخ متجهة نحو الدرج.
كان القصر هادئًا بصورةٍ مخيفة.
وصوت خطواتها وحده يرافقها وهي تصعد نحو غرفة باران…
بينما قلبها يخفق بعنف، وكأن كل درجة تقربها أكثر من ليلةٍ لا تعلم كيف ستنتهي.
-----////****//////****////-----
وصلت ديلان أخيرًا إلى باب غرفة باران.
كانت خطواتها أبطأ من المعتاد، وقلبها يخفق بعنفٍ يكاد يُسمع وسط صمت الممر الطويل.
توقفت أمام الباب للحظات، بينما كانت أصابعها ترتجف بخفة حول الصينية التي تحملها.
أغمضت عينيها وأخذت نفسًا عميقًا محاولة تهدئة اضطرابها.
لكن ذلك القلق الذي ينهش صدرها منذ بداية المساء لم يهدأ.
طرقت الباب أخيرًا.
وبعد لحظات، جاءها صوته من الداخل، هادئًا منخفضًا:
باران: ادخلي.
دفعت الباب ببطء، ثم دخلت.
كان باران جالسًا فوق الأريكة القريبة من الشرفة، بعدما بدّل ثيابه الرسمية بملابس بيتية مريحة؛ بنطال قطني داكن وقميص خفيف أبرز عرض كتفيه وهيئته القوية.
رفع عينيه نحوها فور دخولها.
وللحظة…
شعر أن منظرها وهي تدخل إليه بتلك الهيئة الهادئة أشبه بمشهدٍ منزلي دافئ لم يعرفه يومًا.
اقتربت ديلان بخطواتٍ حذرة، ثم وضعت الصينية فوق الطاولة الصغيرة أمامه.
قال بهدوء غير معتاد:
باران: شكرًا.
رفعت عينيها نحوه بسرعة وكأن الكلمة أربكتها.
أما هو، فحوّل نظره نحو الشرفة المفتوحة قليلًا، حيث كانت الستائر تتحرك مع نسيم الليل البارد.
باران: من فضلك… أغلقي باب الشرفة.
يبدو أنني نسيته مفتوحًا، وقد بدأت بعض النسمات الباردة تتسلل منها.
أومأت برأسها بهدوء، ثم اتجهت نحو الشرفة.
وما إن أدارت ظهرها له وبدأت ترتب الستائر وتغلق الباب الزجاجي…
حتى تبدلت ملامح باران بالكامل.
لمعت عيناه بمكرٍ واضح.
وفي حركةٍ سريعة خاطفة،
بدّل الكأسين مكان بعضهما.
ثم ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة خبيثة هادئة.
لقد اكتشف لعبتها أخيرًا.
قبل قليل…
حين تظاهر بالصعود إلى غرفته، لم يكن قد غادر فعلًا.
بل اختبأ في زاويةٍ بعيدة عن نظرها، يراقبها بصمت.
رآها تدخل المطبخ مع زينب.
ورآها تخرج العصير وتسكبه داخل الكأسين بعناية.
ثم…
في لحظة انشغلت فيها زينب بترتيب الأواني داخل الغسالة، أخرجت ديلان علبة صغيرة بسرعة.
راقبها بعينين ضيقتين.
وحين وضعَت الحبتين داخل أحد الكأسين وحرّكتهما برفق…
اتسعت ابتسامته ببطء.
همس ساخرًا داخل نفسه:
باران: آه يا لئيمة…
مال برأسه قليلًا وهو يراقبها.
باران: إذًا كنتِ تخدرينني طوال الوقت…
ثم أطلق ضحكة خافتة مكتومة، قبل أن يعود بهدوء إلى الأعلى وكأن شيئًا لم يحدث.
وفي داخله…
بدأت فكرة صغيرة ماكرة تتشكل.
"سنرى الليلة… من الذي سينام."
عودة....
عادت ديلان وجلست مقابله فوق الأريكة كما فعلت الليلة الماضية.
حاولت أن تبدو هادئة.
طبيعية.
لكنها كانت تشعر بتوترٍ ينهشها من الداخل.
أما باران…
فكان يراقبها بصمت، بينما يخفي انتصاره خلف ملامح هادئة.
رفع الكأس وارتشف منه دون أن تنتبه.
ثم أعاده مكانه وهو يراقبها بعيني صقر.
أما ديلان، ففعلت مثل الليلة الماضية.
ارتشفت من كأسها بهدوء وهي تتحدث معه بكلماتٍ متقطعة، محاولة الحفاظ على رباطة جأشها.
لكن شيئًا بدأ يربكها تدريجيًا.
باران هذه المرة لم يكن ينساق خلف النعاس كما حدث سابقًا.
بل كان متيقظًا بصورةٍ غريبة.
والأغرب…
أنه في كل مرة تتوقف عن الشرب، كان يبتسم ويقول بهدوء:
باران: لماذا توقفتِ؟،
اشربي… العصير لذيذ جدا، قد أعجبني الليلة.
كانت تبتسم بتوتر ثم ترتشف مجددًا دون أن تدرك ما يحدث.
حتى…
بدأت تشعر بثقلٍ غريب فوق جفونها.
تجمدت للحظة.
حاولت التركيز.
لكن الرؤية أمامها بدأت تتشوش ببطء.
رفعت عينيها نحوه بارتباك.
بينما كان هو يراقبها بنظرة امتلأت بانتصارٍ هادئ.
شعرت بأن جسدها يزداد ارتخاءً شيئًا فشيئًا.
ديلان بصوتٍ متعب متقطع: ديلان: أنا…
لم تستطع إكمال الجملة.
وبعد لحظات…
استسلم جسدها أخيرًا، وسقطت برفق فوق الأريكة.
ساد الصمت.
أما باران…
فظل يحدق بها طويلًا.
طويلًا جدًا.
ظل باران يحدّق بها وهي نائمة بجانبه كطفلةٍ أنهكها التوتر والقلق ،فاستسلمت للنوم دون مقاومة.
وفي داخله كان صراعٌ صامت لا يهدأ.
عقله يهمس له ببرود: الفرصة أمامك الآن… لا أحد سيمنعك.
لكن قلبه… كان يرفض ذلك الهمس رفضًا قاطعًا، كأنه لأول مرة يتمرّد عليه.
لم يعد يريد جسدًا يُؤخذ بالقوة أو يُنتزع في لحظة ضعف.
بل صار يريد شيئًا أعمق… أخطر.
يريدها أن تأتيه بكامل وعيها، بكامل إرادتها، بلا خوفٍ ولا اضطرار.
أن تختاره هي… لا أن يُجبرها هو.
نظر إليها مجددًا وهي غارقة في سكونها البريء، وشعر بشيء داخله يلين رغمًا عنه.
كانت نائمة بسلامٍ طفولي، ووجهها الصغير يبعث على هدوءٍ لم يعرفه من قبل.
وفي تلك اللحظة أدرك، ولو متأخرًا، أن امتلاك روحها أهم بكثير من الاقتراب من جسدها… وأن هذا بالذات هو ما بدأ يربكه حقًا.
وكان شعور غريب يتصارع داخله.
لقد انتصر عليها أخيرًا.
وانقلب السحر على الساحر.
كان يستطيع الآن أن يفعل ما أراده منذ البداية…
لكن…
شيئًا داخله منعه.
اقترب منها ببطء، ثم جلس قربها يتأمل ملامحها النائمة.
بدت بريئة بصورةٍ موجعة.
هادئة…
وضعيفة…
كطفلةٍ أرهقها الخوف فاستسلمت أخيرًا للنوم.
مد يده وأزاح خصلة صغيرة أفلتت قرب وجهها.
ثم همس بصوتٍ خافت لم تسمعه:
باران: لماذا تخافين مني إلى هذا الحد…؟،
ظل يتأملها للحظات طويلة.
ثم تنهد بعمق وأغمض عينيه قليلًا، وكأنه يحارب شيئًا داخله.
وأخيرًا قال بحسمٍ هادئ:
باران: لا…
فتح عينيه عليها مجددًا.
باران: لا أريدكِ بهذه الطريقة.
كانت كلماته تخرج ببطء، وكأنه يعترف لنفسه بحقيقةٍ لم يتقبلها بعد.
باران: أريدكِ أن تأتيني بإرادتك،
أن تقتربي مني دون خوف،
ابتسم بمرارة خفيفة.
باران: لا أن أسرق لحظة بلا روح…
صمت قليلًا، ثم نهض أخيرًا.
انحنى وحملها بين ذراعيه برفقٍ شديد، وكأنها شيء هش يخشى أن ينكسر بين يديه.
كانت خفيفة…
دافئة…
وساكنة تمامًا بين ذراعيه.
حملها إلى غرفتها ببطء، ثم وضعها فوق السرير بعناية.
-----****----****----****----
حملها باران بين ذراعيه بهدوء…
وكان جسدها الصغير مستسلمًا بالكامل لسلطان النوم، رأسها يستقر قرب صدره، وأنفاسها الدافئة تلامس عنقه بخفة أربكت شيئًا داخله.
توقف للحظة عند باب غرفتها.
نظر إليها طويلًا…
ثم دفع الباب بقدمه ودخل ببطء، وكأنه يحمل شيئًا هشًّا يخشى أن ينكسر بين يديه.
كانت الغرفة غارقة في ظلمةٍ ناعمة لا يقطعها سوى ضوء خافت تسلل من المصباح الجانبي قرب السرير.
اقترب بخطوات هادئة…
ثم أنزلها فوق الفراش برفقٍ شديد، حتى إنها لم تستيقظ.
بقي واقفًا يتأملها للحظات.
وكان قلبه ينبض بطريقة غريبة لم يعهدها من قبل.
جلس بجانبها للحظات.
ثم بدأ يزيل عنها خمارها ونقابها برفق حتى لا يزعج نومها.
مد يده نحو خمارها بتردد.
لأول مرة يتردد في لمس امرأة.
لكنه فعل…
أبعدالنقاب اولا ثم الخمار الأسود ببطء شديد، كأنما يكشف سرًا مقدسًا لا يحق له الاقتراب منه.
وفي اللحظة التي انسحب فيها القماش عن رأسها…
حتى شعر أن أنفاسه تعلقت داخل صدره.
وجه طبيعي خالٍ من أي تصنع.
بشرة ناعمة.
وملامح بريئة بصورةٍ أربكته أكثر مما ينبغي.
وما إن ظهرت ملامحها كاملة أمامه…
و قد انسابت خصلات شعرها الكستنائي فوق الوسادة كجدائل حريرٍ هاربة من قيدها.
تجمد مكانه.
وشعر بأن أنفاسه اختفت للحظة.
كان شعرها طويلًا، متموجًا بخفة، تتداخل فيه خيوط بنية داكنة مع لمعات ذهبية خافتة انعكست تحت الضوء، فبدا وكأنه قطعة ليلٍ دافئة سقطت فوق الوسادة البيضاء.
مد يده دون شعور…
ثم التقط خصلة منه بين أصابعه.
ناعمة بشكلٍ لا يُصدق.
أخذ يمررها بين أنامله ببطء، مأخوذًا بذلك الملمس الحريري الذي لم يشبه أي شيء عرفه من قبل.
ثم قربها من أنفه…
وأغمض عينيه.
رائحتها…
يا الله…
لم تكن رائحة عطر فاخر.
ولا تلك الروائح الثقيلة التي التصقت دومًا بالنساء اللواتي عرفهن.
بل كانت رائحة مختلفة تمامًا،
رائحة نظافةٍ دافئة…
ورائحة أنثى لم تتلوث بالتصنع.
شيء يشبه المطر فوق الأرض العطشى.
شعر بشيء يهتز داخل صدره بعنف.
شيء لم يعرف له اسمًا.
فتح عينيه ببطء…
لتستقر فوق وجهها النائم.
وهنا…
فقد آخر ذرة مقاومة داخله.
كانت ملامحها هادئة بصورة موجعة.
وجهها الصغير بدا ناعمًا كأن النوم مرّ فوقه وربت عليه بحنان.
بشرتها البيضاء الصافية كانت تخلو من أي زيف، حتى إن الضوء الخافت انعكس فوقها برقة جعلتها تبدو كلوحة مرسومة بعناية.
أما عيناها المغلقتان…
فكانت تحيط بهما أهداب طويلة كثيفة ألقت ظلالًا ناعمة فوق وجنتيها الوردتين.
ظل يتأمل تلك الأهداب طويلًا، شاعرًا برغبة غريبة في لمسها فقط ليتأكد أنها حقيقية.
ثم نزع عباءتها الخارجية بهدوء، لتظهر أسفلها بيجامة قطنية بسيطة بأكمام طويلة، تتوسطها رسمة قطة صغيرة.
توقف للحظة…
ثم ضحك بخفوت لأول مرة منذ وقت طويل.
باران هامسًا: قطة… ترتدي قطة تشبهها.
ظل يتأملها بصمت.
كانت بعيدة كل البعد عن النساء اللواتي عرفهن سابقًا.
لا تصنع…
لا ابتذال…
ولا محاولات إغواء.
فقط أنوثة هادئة ناعمة تختبئ خلف حيائها وثيابها الفضفاضة.
شعر بشيء دافئ يجتاح صدره وهو يراها بهذه الصورة البسيطة.
ثم، دون وعي، استلقى بجانبها فوق السرير.
ظل يراقب وجهها للحظات طويلة، وكأنه يخشى أن يختفي إن أبعد عينيه عنها.
وببطء…
انتقلت عيناه ببطء إلى وجنتيها…
ممتلئتان بخفة، بلون وردي طبيعي زادها براءةً بصورة أربكته.
ثم…
شفتيها.
توقفت أنفاسه مجددًا.
كانتا ناعمتين، ممتلئتين قليلًا، كحبتين من الكرز قد نضحتا وتنتظر من يقطفهما، وقد انفصلتا بخفة مع أنفاسها المنتظمة.
شعر بجفافٍ مفاجئ في حلقه.
لكنه لم يكن ذلك الجوع المعتاد الذي عرفه دائمًا.
بل شيء آخر…
شيء أكثر هدوءًا وأشد خطورة.
شيء جعله يشعر وكأنه لا يريد الاقتراب حتى لا يفسد هذا النقاء أمامه.
تنهد ببطء، ثم همس بصوت خافت:
باران: كيف يمكن لفتاةٍ مثلكِ أن تربكني هكذا…؟.
مد يده أخيرًا نحو وجهها.
ولمس بأطراف أصابعه خدها برفقٍ شديد.
ناعم…
دافئ…
حتى تلك اللمسة البسيطة أرسلت رجفة غريبة داخله.
ظل يحدق فيها طويلًا، وكأنه يحاول حفظ كل تفصيلة بداخلها.
حاجباها الناعمان.
أنفها الصغير المستقيم.
تقوس شفتيها الهادئ.
حتى تلك الخصلات المبعثرة فوق الوسادة بدت له ساحرة بصورة جنونية.
ثم ضحك بخفوت ساخر من نفسه.
هو…
باران…
الرجل الذي اعتاد النساء والجمال والإغراء…
يجلس الآن مأخوذًا بفتاة نائمة ترتدي بيجامة قطنية طفولية برسمة قطة صغيرة.
لكنها رغم كل بساطتها…
بدت أجمل من أي امرأة رآها في حياته.
بل وأكثر صدقًا.
أكثر دفئًا.
وأكثر خطرًا على قلبه.
شعر فجأة بحاجة ان تبقى قريبة منه…
حاجة لم يفهمها.
ليس رغبةً فقط…
بل راحة.
طمأنينة.
شيئًا كان يفتقده طوال عمره دون أن يدرك.
ولأول مرة منذ سنوات…
شعر أن صدره المتعب قد هدأ.
اقترب منها أكثر دون وعي.
ثم استلقى بجانبها ببطء، وعيناه ما تزالان معلقتين بوجهها.
ظل يتأملها وكأنه يخشى أن تختفي إن أغمض عينيه.
اقترب منها أكثر، ثم دون تفكير جذبها برفق إلى صدره.
استقرت بين ذراعيه بهدوء طفولي، استقرت دون مقاومة، غارقة في نومٍ عميق لا تشعر معه بشيء. وكأنها وجدت مكانها الطبيعي هناك.
أما هو…
فأغمض عينيه أخيرًا.
وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة…
شعر بسكينة حقيقية تغمره.
سكينة لم تمنحها له ليالي اللهو…
ولا النساء…
ولا المال…
ولا السلطة.
فقط هذه الفتاة الصغيرة…
التي نامت بين ذراعيه كطفلةٍ احتمت أخيرًا بمكانٍ آمن.
وفي تلك اللحظة…
شعر باران بشيء يتحطم داخله.
شيء قاسٍ…
مظلم…
ظل يبنيه حول قلبه لسنوات.
دفن وجهه قرب شعرها، وأغمض عينيه وهو يستنشق رائحتها مجددًا.
ثم همس بصوت خافت ضائع:
باران: ماذا فعلتِ بقلبٍ ظنّ أنه مات منذ زمن…؟.
شد عليها بذرعيه اكثر، كأنه كنز عظيم يخاف ان يفقده،
وغرق هو الآخر في نومٍ عميق…
هادئ…
كأنه للمرة الأولى منذ زمن طويل…
وجد شيئًا كان يبحث عنه دون أن يدركه.
