رواية براءة ايقظت غافلا الفصل الرابع عشر14 بقلم عاشقة القلم

رواية براءة ايقظت غافلا 
الفصل الرابع عشر14
 بقلم عاشقة القلم 
تسللت خيوط الفجر الأولى إلى الغرفة بهدوء، وانعكست فوق الستائر البيضاء بلونٍ ذهبي باهت، بينما كان الصمت يلف المكان بسكينة عميقة.
على السرير…
تحركت ديلان بخفة داخل نومها، ثم أطلقت أنفاسًا متعبة وهي تتقلب ببطء، كأن جسدها يحاول الإفاقة من ثقلٍ غريب يجذبه إلى الأسفل.
وفي الجهة الأخرى…
كان باران مستيقظًا.
مستندًا برأسه إلى الوسادة، وعيناه معلقتان بها منذ وقتٍ طويل.
لم ينم جيدًا رغم تلك السكينة التي شعر بها قربها.
بل ظل أغلب الليل يراقبها بصمت، وكأن عقله يرفض تصديق أنه استلقى بجوارها دون أن يؤذيها… ودون أن يحاول فرض نفسه عليها كما كان ينوي في البداية.
كان يتأمل ملامحها النائمة بهدوء.
تلك الرموش الطويلة…
وأنفاسها المنتظمة…
ووجهها البريء الذي بدا طفوليًا أكثر وهي نائمة.
حتى إنه شعر بشيءٍ داخله يلين بطريقةٍ لم يعهدها من قبل.
لكن ما إن شعر بها تتحرك قليلًا وتوشك على الاستيقاظ…
حتى انتفض داخله شيء آخر.
التوتر.
لو فتحت عينيها الآن ووجدته بجانبها…
ستخاف.
بل ربما تظن أنه…
أغلق عينيه لثانية وهو يزفر ببطء.
ثم نهض بهدوء شديد، متحركًا بحذر حتى لا يوقظها.
ابتعد عنها ببطء، وعدّل الغطاء فوقها دون وعي، قبل أن يتجه نحو الباب.
توقف للحظة أخيرة.
التفت إليها…
وظل يحدق بها بصمتٍ طويل، ثم خرج من الغرفة وأغلق الباب خلفه بهدوء.
بعد دقائق…
بدأت ديلان تستعيد وعيها تدريجيًا.
عقدت حاجبيها بخفة وهي تشعر بثقلٍ غريب في رأسها.
ثم فتحت عينيها ببطء.
ظلت تحدق في السقف للحظات بعدم استيعاب، قبل أن تنتفض فجأة وتعتدل جالسة فوق السرير.
نظرت حولها بسرعة.
غرفتها.
هي في غرفتها.
لكن…
كيف؟،
اتسعت عيناها بارتباك وهي تحاول تذكر ما حدث الليلة الماضية.
آخر ما تتذكره…
العصير.
جلوسها مع باران.
ثم…
فراغ.
كامل.
وضعت يدها فوق رأسها وهي تحاول استرجاع أي شيء، لكن عقلها بدا وكأنه غارق في الضباب.
همست بخوف:
ديلان: ماذا حدث…؟،
نظرت إلى نفسها بسرعة.
كانت ترتدي بيجامتها القطنية نفسها، لكن خمارها ونقابها لم يكونا موجودين.
شعرت بقلبها يهبط داخل صدرها.
نهضت بسرعة من فوق السرير، وأخذت تبحث بعينيها المرتبكتين في أرجاء الغرفة حتى وجدتهما مطويين بعناية فوق الكرسي القريب.
تجمدت للحظة.
مطويان… بعناية؟،
ازدادت حيرتها أكثر.
بدأت الأفكار تضرب رأسها بلا رحمة.
هل حملها إلى هنا؟،
هل اكتشف أمر المنوم؟،
هل غضب منها؟،
وهل… حدث شيء بينهما؟،
شعرت بحرارة الخجل والخوف تجتاحها معًا.
وضعت يدها فوق صدرها تحاول تهدئة نبضاته المتسارعة.
لكن أكثر ما أرعبها…
أنها لا تتذكر شيئًا.
جلست على طرف السرير ببطء، وعيناها شاردتان في الفراغ.
ثم همست لنفسها بصوتٍ مضطرب:
ديلان: يا رب… ماذا حدث الليلة…؟،
نظرت لنفسها مليا ثم للفراش خلفها، في محاولة لتذكر شيء ما، لكن دون جدوى، إستغفرت الله داخلها و هزت راسها، في محاولة لنفض تلك الافكار التي بدأت تجتاحها.
قامت وتوجهت للحمام توضأت، وفرشت سجادتها لتصلي وتناجي ربها، ففي مناجاته تجد السكينة وتعود الطمأنينة لقلبها.
أما باران…
فقد كان في قد توجه غرفة الرياضة بعد جافاه النوم، لعله يشغل عقله بالتمارين بدلا من التفكير في ذلك المشهد، الذي ظل عالقا في ذهنه، فقد تقلب كثيرا على فراشه في مخاولة يائسة للعودة ثانية للنوم.
كان قد  استيقظ بروحٍ مختلفة تمامًا هذا الصباح.
كان يتمرن بطاقة غير معتادة، والحيوية تملأ جسده بصورة غريبة.
حتى هو نفسه لاحظ ذلك.
منذ سنوات طويلة لم يشعر بخفةٍ كهذه.
كان يركض فوق جهاز المشي، بينما صورة ديلان النائمة بين ذراعيه ليلة أمس لا تفارق عقله.
ابتسم رغماً عنه وهو يتذكر كيف كانت ساكنة قربه كطفلة صغيرة.
وكيف شعر لأول مرة أن قرب امرأة قد يمنحه راحة… لا مجرد رغبة عابرة.
أنهى تمارينه أخيرًا، ثم أخذ حمامًا باردًا طويلًا.
وحين خرج، بدا أكثر هدوءًا ونشاطًا من أي يومٍ مضى.
ارتدى ملابسه الرسمية بعناية، ثم اتجه نحو غرفة الملابس يبحث عن ساعته.
فتح أحد الأدراج، وبينما كان يفتش داخله…
وقع نظره على هاتف صغير موضوع في الزاوية.
رفع حاجبه باستغراب، ثم أخذه بين يديه.
هاتف ديلان.
ضغط على زر التشغيل، لكنه لم يعمل.
نفدت بطاريته تمامًا.
تأمله للحظات.
كان قديم الطراز بصورة واضحة.
بسيطًا جدًا… يكاد يبدو غريبًا وسط عالمه المترف.
مرر إصبعه فوق حافته بشرود، ثم ابتسم بخفة.
باران: حتى هاتفها يشبهها…
بسيط… وهادئ.
ثم خطرت له فكرة فجأة.
سيأخذه معه إلى الشركة ليشحنه.
وفي داخله…
كان قد اتخذ قرارًا آخر بالفعل.
سيشتري لها هاتفًا جديدًا.
أحدث طراز.
شيئًا يليق بها.
ورغم بساطة الفكرة، إلا أنه توقف للحظة وهو يدرك غرابة ما يفكر به.
منذ متى يهتم بمثل هذه التفاصيل؟،
منذ متى ينتبه لأشياء صغيرة تخص شخصًا آخر؟،
لكن الغريب…
أنه لم ينزعج من ذلك.
بل شعر بشيءٍ دافئ داخله كلما تخيل ردة فعلها.
أغلق الدرج أخيرًا ووضع الهاتف في جيب سترته، ثم خرج متجهًا إلى الأسفل.
وعلى طاولة الإفطار…
كانت ديلان تجلس بصمتٍ غير معتاد.
بعدما ادت فرضها ودعت الله في سجودها، ثم جلست لتتلو وردها اليومي من القرآن، ثم غيرت ملابسها ونزلت للأسفل لتساعد زيتب في إعداد الافطار، لتشغل نفسها حتى يتوقف عقلها عن التفكير بما حدث ليلة امس، وما الوجه الذي سيظهر به باران اليوم إذا ما علم بأمر  بتلك الحبوب.
كانت تجلس على الطاولة، فنجان الشاي أمامها يبرد ببطء، بينما كانت شاردة تمامًا.
حتى زينب لاحظت توترها منذ اللحظة الأولى.
كانت أصابع ديلان تعبث بطرف الملعقة دون وعي، وعيناها تبدوان غارقتين في بحرٍ من الأسئلة.
كلما تذكرت أنها لا تعرف كيف انتهت الليلة الماضية…
ازداد اضطرابها أكثر.
رفعت رأسها فجأة عندما سمعت خطوات باران تقترب.
دخل بهدوئه المعتاد، لكن شيئًا فيه بدا مختلفًا هذا الصباح.
كان أكثر راحة…
وأخفّ روحًا.
بل إن ملامحه بدت هادئة بصورة أربكتها.
جلس أمامها وهو يلقي تحية صباحية بسيطة، بينما كانت هي تراقبه بحذر شديد.
تحاول قراءة أي شيء فوق وجهه.
أي علامة غضب.
أي تلميح بأنه اكتشف أمرها.
لكن…
لا شيء.
كان طبيعيًا بصورةٍ زادت توترها أكثر.
أما باران، فقد لمح القلق الواضح في عينيها فورًا.
وعرف تمامًا سبب ذلك.
لكنه تعمد أن يبدو هادئًا، وكأن شيئًا لم يحدث.
بل كان يستمتع سرًا بحيرتها الصغيرة.
تناول رشفة من قهوته، ثم قال بنبرة عادية:
باران: يبدو أنكِ لم تنامي جيدًا.
ارتبكت ديلان للحظة، ثم قالت بسرعة:
ديلان: نننعم… ربما بسبب الإرهاق فقط.
راقبها بصمتٍ قصير، قبل أن ترتسم فوق شفتيه ابتسامة خفيفة بالكاد ظهرت.
أما هي…
فشعرت أن تلك الابتسامة تخفي خلفها شيئًا لا تعرفه.
وشيئًا داخل قلبها أخبرها…
أن باران هذه المرة…
لم يعد كما كان من قبل.

______//////-----////-----

ساد الصمت فوق طاولة الإفطار بعد جملته الأخيرة…
صمت ثقيل جعل ديلان تشعر وكأن أنفاسها أصبحت مسموعة داخل المكان.
كانت تجلس مقابله متوترة، تحاول التظاهر بالهدوء بينما عقلها يغرق في دوامة الأسئلة التي تنهشها منذ استيقاظها.
أما باران…
فكان يتناول إفطاره بهدوءٍ أربكها أكثر.
لا غضب.
لا تهديد.
ولا حتى تلميح لما حدث الليلة الماضية.
وهذا تحديدًا ما جعل خوفها يتضاعف.
رفعت عينيها نحوه بخفة، تحاول قراءة شيء في ملامحه، لكنها فشلت.
كان هادئًا بصورة مريبة.
أما زينب، فكانت تقف غير بعيدة عنهما ترتب بعض الأطباق بصمت، لكن انتباهها كله كان معلقًا بهما.
كانت تشعر أن شيئًا ما حدث بالفعل…
شيء كبير.
وتعرف باران جيدًا.
تعرف طباعه، غضبه، اندفاعه، وقسوته حين يريد شيئًا.
ولهذا بدا لها هدوؤه هذا الصباح غريبًا بصورة لا تُصدق.
قطع باران الصمت أخيرًا وهو يضع فنجان الشاي جانبًا، ثم قال بنبرة هادئة:
باران: بالمناسبة…
شعرت ديلان بتوترٍ مفاجئ وهي ترفع بصرها إليه.
أما هو، فكان يراقب ارتباكها بعينين ثابتتين.
ثم قال ببطء:
باران: لا داعي لأن تتعبي نفسك مجددًا مع العصير.
تجمدت أصابعها فوق الملعقة.
وفي لحظة…
شعرت وكأن الدم انسحب من وجهها بالكامل.
أما باران، فقد مال قليلًا للأمام وهو يكمل بصوت منخفض:
باران: لقد اكتشفت لعبتك منذ البارحة.
اتسعت عيناها بصدمة.
وبقيت تحدق فيه غير قادرة حتى على الكلام.
بينما تابع هو بهدوءٍ مخيف:
باران: رأيتكِ بنفسي وأنتِ تضعين المنوم داخل الكأس.
شعرت ديلان بأن قلبها هبط داخل صدرها بعنف.
اختنقت أنفاسها للحظة، وبدأت أصابعها ترتجف فوق الطاولة دون سيطرة.
أما زينب، فتوقفت عن الحركة تمامًا وهي تنظر بينهما بذهول.
ديلان فتحت شفتيها محاولة التبرير، لكن الكلمات خانتها.
باران كان يراقب خوفها بصمت، ثم تنهد ببطء وهو يسند ظهره إلى الكرسي.
باران: كنتِ ذكية…
ظهرت ابتسامة خفيفة ساخرة فوق شفتيه.
باران: لكن ليس بالدرجة التي تجعلكِ تخدعينني مرتين.
خفضت ديلان بصرها سريعًا، بينما كانت تشعر بالإهانة والخوف والارتباك يختلطون داخلها بصورة مؤلمة.
همست بصوت مرتجف:
ديلان: أنا… لم أقصد…
قاطعها بهدوء، لكن نبرته هذه المرة حملت شيئًا أخطر من الصراخ:
باران: بل قصدتِ.
رفع عينيه إليها مباشرة.
باران: كنتِ تهربين مني.
ساد الصمت لثوانٍ طويلة.
حتى الهواء داخل المكان بدا ثقيلًا.
ثم أكمل باران بصوتٍ أبطأ:
باران: ومع ذلك… لم ألمسك.
رفعت عينيها إليه بسرعة هذه المرة.
وكانت الصدمة واضحة داخل نظراتها.
أما زينب…
فقد شعرت هي الأخرى بالذهول.
لأنها تعرف جيدًا من يكون باران.
تعرف أنه الرجل الذي لم يكن يومًا يصبر على شيء يريده.
الرجل الذي اعتاد أن يأخذ ما يريد دون تردد.
فكيف…
كيف امتنع هذه المرة رغم أن الفرصة كانت كاملة أمامه؟،
أما باران، فكان يراقب عيني ديلان المرتبكتين بصمت.
ثم قال أخيرًا بصوت خافت لكنه حاد:
باران: كنتِ نائمة بين يدي…
وصدقيني، لو أردتُ إجبارك… لما استطعتِ منعي.
شعرت ديلان بقلبها يرتجف بعنف.
لكن الغريب…
أن صوته لم يحمل التفاخر.
بل شيئًا آخر.
شيئًا يشبه العتاب.
أخفض بصره للحظة، ثم تابع:
باران: لكنني لم أرد ذلك بهذه الطريقة.
مرر يده فوق فكه بتوترٍ خفي، وكأنه يعترف بشيء يثقل صدره.
باران: أريدكِ أن تقتربي مني بإرادتك…
لا خوفًا… ولا تحت تأثير دواء.
ثم رفع عينيه إليها مجددًا، وهذه المرة كانت نظراته أكثر صراحة وخطورة:
باران: لكن لا تظني أنني سأتنازل عن حقي.
شعرت ديلان بأنفاسها تتعثر.
أما هو، فتابع ببطء شديد:
باران: لقد صبرت عليكِ كثيرًا يا ديلان.
كان صوته هادئًا…
لكن خلف هدوئه نار واضحة.
باران: أكثر مما صبرت على أي شخص في حياتي.
ثم مال قليلًا نحوها، وعيناه تستقران بثبات فوق عينيها المرتبكتين:
باران: لذلك… لا تختبري صبري أكثر.
ابتلعت ريقها بصعوبة.
أما هو، فأكمل بصوت منخفض خطير:
باران: لا تتذاكي عليّ مجددًا…
ولا تحاولي تكرار لعبة المنوم.
تسارعت أنفاسها أكثر.
وشعرت لأول مرة أن هدوءه أخطر بكثير من غضبه.
ثم قال أخيرًا، وكل كلمة خرجت منه جعلت قلبها يرتجف أكثر:
باران: لأنني هذه المرة… لن أتراجع.
ساد الصمت مجددًا.
صمت ثقيل… خانق.
ثم أضاف وهو يثبت عينيه عليها:
باران: لا أريد أن أُجبرك…
لكن إن استمريتِ بدفعي إلى الحائط…
توقفت كلماته للحظة، قبل أن يكمل بنبرة جعلت زينب نفسها تشعر بالقشعريرة:
باران: فسأفعل ما نويت عليه… ولن أرحم ضعفك وقتها.
شعرت ديلان وكأن الأرض اهتزت تحتها.
الخوف كان واضحًا داخل عينيها، لكنه لم يكن وحده هذه المرة.
كان هناك ارتباك آخر…
شيء لم تفهمه.
لأن هذا الرجل الذي يهددها الآن…
هو نفسه الذي كان قادرًا على أخذها ليلة أمس ولم يفعل.
وذلك التناقض بدأ يربك قلبها أكثر مما يخيفه.
أما زينب…
فكانت تقف بصمت بعيدا عنهما، وعيناها معلقتان بباران وكأنها تراه لأول مرة.
منذ متى أصبح باران يصبر؟،
منذ متى يراعي خوف أحد؟،
ومنذ متى يتراجع لأنه خاف أن يكسر قلب فتاة؟،
لقد كان يستطيع استغلال ضعفها ونومها بسهولة…
لكنه لم يفعل.
بل حملها إلى غرفتها كأنها شيء ثمين يخشى خدشه.
شعرت زينب بشيء غريبة داخل صدرها افرحها.
ثم رفعت بصرها نحوه وهي تراه ينهض أخيرًا من مكانه.
عاد قناع الصرامة إلى وجهه مجددًا، لكنه هذه المرة لم يخفِ كل شيء.
لأن خلف تلك القسوة…
كان هناك رجل بدأ يقع في حبٍ لم يفهمه بعد.

----///////-----///////----

ظلّ صدى كلمات باران يتردد داخل أرجاء غرفة الطعام حتى بعد خروجه من القصر.
وكأن حضوره لم يغادر المكان رغم اختفاء خطواته خلف الممر الطويل.
أما ديلان…
فبقيت جالسة مكانها كأنها فقدت القدرة على الحركة.
كانت تحدق في الفراغ أمامها بعينين مضطربتين، بينما تتشابك داخل صدرها مشاعر متناقضة بصورة أرهقتها.
الخوف،
الارتباك،
والصدمة.
لم تكن تتوقع أن يكتشف أمر المنوم.
ولم تكن تتوقع أبدًا أنه… سيتراجع.
ذلك الرجل الذي كان يبدو مستعدًا لتحطيم العالم ليأخذ ما يريد…
تراجع وهو قادر على كل شيء.
وهذا ما بعثر أفكارها أكثر من تهديده نفسه.
شعرت بثقلٍ هائل فوق صدرها، وكأنها لم تعد تعرف كيف تنظر إليه بعد الآن.
هل تخافه؟،
أم تشعر بالامتنان لأنه لم يؤذها؟،
أم أن الأمر أخطر من ذلك…؟،
أغمضت عينيها بقوة محاولة إيقاف تلك الفوضى داخل رأسها.
لكن صوت الكرسي المجاور أعادها إلى الواقع.
اقتربت زينب منها ببطء، ثم جلست بجانبها وهي تنظر إليها بعينين يملؤهما القلق والشفقة.
ظلت صامتة للحظات، كأنها تحاول اختيار كلماتها بحذر.
ثم قالت أخيرًا بصوت منخفض:
زينب: ماذا فعلتِ يا ابنتي…؟،
هل حقًا وضعتِ له منومًا؟.
ارتجفت أنفاس ديلان بخفة.
ولم تستطع رفع عينيها إليها.
اكتفت بخفض رأسها بصمت، بينما اشتعل وجهها بالخجل.
وكان ذلك الصمت وحده كافيًا ليجيب.
تنهدت زينب بحرارة وهي تهز رأسها ببطء.
لكن الغريب…
أن نظرتها لم تحمل غضبًا.
بل دهشة حقيقية.
دهشة من شيء آخر تمامًا.
قالت بعد لحظات وهي تحدق بشرود نحو الباب الذي خرج منه باران:
زينب: لكن… لأول مرة أرى بارانًا آخر أمامي.
رفعت ديلان عينيها إليها بخفوت.
أما زينب، فتابعت بصوتٍ بدا ممتلئًا بالحيرة:
زينب: لأول مرة أراه يتراجع عن قرار أخذه بنفسه…
باران الذي أعرفه لم يكن يهتم بما يشعر به أحد.
تنهدت ببطء، ثم أضافت:
زينب: لو كان شخصًا آخر مكانكِ… لما فكر مرتين.
شعرت ديلان بقلبها ينقبض وهي تستمع إليها.
أما زينب، فكانت غارقة في صدمتها الخاصة.
ما زالت لا تصدق أن باران، الذي تحول لسنوات إلى رجل قاسٍ لا يعرف الرحمة، حمل ديلان إلى غرفتها بهدوء… ثم غادر.
دون أن يستغل ضعفها.
دون أن يكسرها.
قالت أخيرًا وهي تنظر إليها بتمعن:
زينب: لقد خاف عليكِ يا ابنتي…
همست بها وكأنها لا تصدق ما تنطق به.
ثم اقتربت قليلًا وأضافت:
زينب: رغم أنني كنت ضد ما فعله بكِ منذ البداية…
لكنني أرى باران يتغير على يديكِ.
توقفت لحظة قصيرة قبل أن تقول بهدوء:
زينب: لذلك أظن… أنه آن الأوان لتتقبليه زوجًا لكِ، او على الاقل تغيرين نظرتك إليه، على انه زوجك الان امام الله.
وكأن كلماتها سقطت فوق جرح مفتوح.
رفعت ديلان رأسها بسرعة، وظهر الرفض واضحًا داخل عينيها قبل صوتها.
ديلان: مستحيل!!!.
خرجت الكلمة حادة ومختنقة معًا.
ثم هزت رأسها وهي تكمل بانفعال:
ديلان: ربما يفعل كل هذا فقط حتى أرضخ له،
حتى أستسلم،
اختنق صوتها قليلًا قبل أن تهمس بمرارة:
ديلان: ثم يعود كما كان…
ويرميني كأي شيء انتهت صلاحيته، من يظمن لي انه تغير حقا.
شعرت زينب بغصة مؤلمة وهي تسمعها.
لأن خوف ديلان لم يكن بلا سبب.
لقد رأت بنفسها الوجه المظلم الذي عاش به باران لسنوات.
لكنها أيضًا…
كانت ترى الآن شيئًا آخر يولد داخله ببطء.
تنهدت بعمق، ثم قالت بصوت يحمل حزنًا دفينًا:
زينب: لا أظن ذلك…
رفعت عينيها نحو الفراغ بشرود بعيد، وكأنها ترى ماضيًا لا يزال يطاردها.
زينب: باران لم يكن هكذا لم بكن ليغير رايه بعد ان يتخذ قراره…
توقفت فجأة.
واختنق شيء داخل صوتها.
ثم أردفت بمرارة:
زينب: لكن ماذا نقول عمّن كان السبب فيما اصبح عليه قبل ان يلتقي بك…؟،
هو من حوّل ذلك الطفل البريء إلى وحش…
إلى رجل يظن أن قلبه مات منذ زمن.
اتسعت عينا ديلان باهتمام.
لأول مرة تسمع شيئًا كهذا عن باران.
اقتربت منها قليلًا، وقد تغلب فضولها على خوفها للحظة.
ديلان: ماذا تقصدين…؟،
ومن الذي كان السبب في كل هذا؟.
ساد الصمت.
وصمت زينب هذه المرة كان أثقل من الكلمات.
بدت وكأنها أدركت أنها قالت أكثر مما ينبغي.
فارتبكت قليلًا، ثم أبعدت نظرها سريعًا وهي تتمتم:
زينب: لا شيء…
الماضي انتهى.
لكن ديلان لم تقتنع.
شعرت أن خلف تلك الشخصية القاسية جرحًا كبيرًا لا تعرفه.
جرحًا صنع ذلك الرجل الذي تخشاه الآن.
إلا أن زينب سارعت لتغيير الحديث قبل أن تسترسل أكثر.
التفتت إليها مجددًا وقالت بقلق واضح:
زينب: المهم الآن… ماذا ستفعلين؟.
خفضت ديلان بصرها بصمت.
أما زينب فأكملت:
زينب: هذه المرة لن تستطيعي التهرب منه بحجة أخرى…
باران لن يتراجع.
تنهدت ديلان بضيق، وشعرت وكأن العالم كله يضغط فوق صدرها دفعة واحدة.
ثم همست بصوت متعب منكسر:
ديلان: لا أعلم…
ارتجفت شفتاها قليلًا وهي تكمل:
ديلان: ولم أعد أريد التفكير أصلًا…
رفعت عينيها للسماء وكأنها تبحث عن شيء تتشبث به.
ديلان: لقد فوضت أمري لله…
إن كان هذا خيرًا لي فلن أستطيع الهرب منه…
ثم أغمضت عينيها بألم وهمست:
ديلان: وإن كان غير ذلك… فسيرشدني الله للطريق الانسب.
اختنق صوتها فجأة.
وانهارت دموعها أخيرًا فوق وجنتيها بحرارة موجعة.
ديلان: لقد تعبت…
خرجت الكلمة ضعيفة… مكسورة…
وكأنها تحمل فوق كتفيها عمرًا كاملًا من الخوف.
شعرت زينب بقلبها يعتصر وهي تراها تبكي بهذه الصورة.
فاقتربت منها فورًا، ثم احتضنتها بحنان أمٍّ خافت على ابنتها من قسوة الدنيا.
وضمت رأسها إلى صدرها وهي تربت فوق شعرها برفق.
زينب: اهدئي يا ابنتي…
اهدئي…
بقيت ديلان تبكي بصمت داخل حضنها، بينما كانت زينب تشعر بعجزٍ مؤلم.
هي نفسها لا تعرف إن كان عليها أن تخاف على ديلان من باران…
أم أن تخاف على باران من تلك الفتاة التي بدأت تعيد الحياة لقلبٍ ظن الجميع أنه مات.
وبعد دقائق طويلة، هدأت شهقات ديلان قليلًا.
فابتعدت زينب عنها برفق، ثم أمسكت بكفيها وقالت بحنان:
زينب: اذهبي إلى الحديقة قليلًا…
نظرت إليها ديلان بعينين حمراوين من البكاء.
فابتسمت زينب بخفة محاولة تهدئتها:
زينب: الهواء سيريحكِ…
ويصفّي عقلكِ بعيدًا عن هذا التوتر.
ثم مررت يدها فوق خدها بحنان وأضافت:
زينب: أحيانًا… الإنسان لا يجد الإجابة وهو محاصر بالخوف.

_____/////-----//////____

وصل باران إلى الشركة كعادته…
كالعاصفة.
ترجل من سيارته السوداء بخطواتٍ سريعة ثابتة، وهيبته المعتادة تسبقه قبل حضوره.
وما إن دخل بهو الشركة حتى عمّ الصمت المكان تلقائيًا.
الموظفون الذين كانوا يتحركون قبل لحظات توقفوا فور رؤيته، وكل من صادفه انحنى له باحترامٍ ممزوجٍ بالخوف، كما اعتادوا دائمًا.
كان باران بالنسبة لهم رجلًا لا يُقرأ.
مزاجه وحده قادر على تحويل يوم كامل إلى جحيم.
لكن الغريب هذا الصباح…
أن ملامحه لم تكن بتلك القسوة المعتادة.
كان هادئًا بصورة غير مألوفة.
هادئًا… لكن شاردًا.
دخل المصعد دون أن يلتفت لأحد، وما إن وصل إلى طابقه الخاص حتى خرج بخطواتٍ واسعة متجهًا مباشرة إلى مكتبه.
فتحت له السكرتيرة الباب بسرعة كعادتها، ثم تبعته إلى الداخل.
كانت ترتدي ثوبًا ضيقًا قصيرًا يلتف حول جسدها بإغراءٍ متعمد، مع طبقاتٍ كثيفة من العطر ومساحيق التجميل التي اعتادت أن تلفت انتباهه بها كل يوم.
لكن…
اليوم كان مختلفًا.
جلس باران خلف مكتبه دون حتى أن يرفع عينيه نحوها.
بينما بدأت هي تستعرض جدول أعماله بصوتها الناعم المعتاد:
السكرتيرة: لديك اجتماع مع مجلس الإدارة بعد ساعة…
ثم توقيع العقود الجديدة عند الثانية ظهرًا…
كما أن السيد…
كانت تتحدث باسترسال، لكنها بدأت تلاحظ شيئًا غريبًا.
باران لا يسمعها أصلًا.
عيناه كانتا معلقتين بشرودٍ بعيد، وكأنه في عالم آخر تمامًا.
بل إن ملامحه القاسية نفسها بدت أكثر هدوءًا من المعتاد.
وكأن شيئًا داخله انطفأ…
أو ربما هدأ لأول مرة.
أما هو…
فلم يكن يسمع كلمة مما تقوله.
كل ما كان يراه أمامه هو صورة ديلان.
ملامحها وهي نائمة قربه.
هدوء أنفاسها.
تلك البراءة الغريبة التي كانت تحيطها حتى وهي غارقة في النوم.
وتلك السكينة…
ذلك الشعور العجيب الذي اجتاحه قربها.
لأول مرة في حياته يشعر براحة حقيقية بجانب امرأة دون أن تحاول إغرائه.
دون تصنع.
دون ألعاب.
فقط وجودها وحده كان كافيًا ليجعله يشعر بشيء لم يعرفه من قبل.
شعور… يشبه الطمأنينة.
انتبه أخيرًا عندما توقفت السكرتيرة عن الكلام.
رفعت حاجبها باستغراب وهي تنظر إليه.
ثم قالت بحذر:
السكرتيرة: هل هناك شيء آخر، سيد باران؟.
رفع عينيه إليها أخيرًا.
نظر إليها لثوانٍ وكأنه تذكر فجأة وجودها داخل المكتب.
ثم قال ببرود:
باران: لا… يمكنكِ الانصراف.
ازدادت حيرتها أكثر.
حتى نظراته نحوها لم تعد كما كانت.
لا اهتمام…
ولا حتى ذلك التقييم المعتاد الذي كانت تراه في عينيه دائمًا.
خرجت من المكتب وهي تشعر أن الرجل الذي أمامها اليوم ليس باران الذي تعرفه.
أما هو…
فما إن أغلقت الباب خلفها حتى أخرج هاتف ديلان من جيبه.
نظر إليه للحظات، ثم وصله بالشاحن ووضعه فوق المكتب.
بعدها نهض ببطء واتجه نحو الواجهة الزجاجية الكبيرة المطلة على المدينة.
وضع يديه داخل جيبي سرواله، وغرق مجددًا في أفكاره.
كانت صور الليلة الماضية تعود إليه بلا توقف.
كيف نامت بين ذراعيه بهدوء…
وكيف شعر لأول مرة منذ سنوات أن صدره الخانق قد هدأ.
أغمض عينيه للحظة.
ثم همس بصوتٍ خافت:
باران: ماذا فعلتِ بي يا ديلان…؟.
مر الوقت دون أن يشعر.
حتى صدر صوت اهتزاز خافت من الهاتف الموضوع خلفه.
التفت إليه بسرعة.
اقترب من المكتب، ثم حمل الهاتف بعدما اشتعلت شاشته أخيرًا.
وفي اللحظة التالية…
ظهرت رسالة صوتية جديدة.
تجمدت عيناه عند الاسم الظاهر أعلى الشاشة:
“My Love”
عقد حاجبيه باستغراب.
ثم فتح الرسالة بسرعة.
وفجأة…
انطلق صوت فتاة من الهاتف.
صوت مألوف…
تذكره فورًا.
إنها تلك الفتاة التي سمعها سابقًا، كانت قد ارسلت رسالة لديلان.
لكن ما إن بدأت الكلمات تصل إلى أذنيه…
حتى تبدلت ملامحه بالكامل.
اختفت السكينة التي كانت تملأه قبل لحظات.
وحل مكانها ذهول صادم.
" ديلان… أرجوكِ إن وصلتكِ الرسالة اتصلي بي…
والدكِ حالته خطيرة جدًا…
الأطباء يقولون إنه بين الحياة والموت…
إن كان من معكِ يملك ذرة رحمة…
فليدعكِ ترين والدكِ…
ربما تكون هذه… آخر فرصة… وآخر وداع…"

تجمد باران مكانه.
وشعر وكأن الكلمات ضربته بقوة داخل صدره.
بين الحياة والموت…؟،
عباس…؟،
ارتفعت أنفاسه فجأة، بينما بدأ عقله يستوعب ما يسمعه.
وتدفقت أمامه صور الرجل دفعة واحدة.
هدوؤه.
إخلاصه في العمل.
سنوات خدمته الطويلة لعائلتهم.
ثم…
صورة ديلان وهي تبكي.
شعر بانقباضٍ حاد داخل صدره لأول مرة.
أمسك هاتفه بسرعة واتصل بعاكف فورًا.
رنّ الهاتف عدة مرات قبل أن يأتيه صوت عاكف من الجهة الأخرى، ساخرًا كعادته:
عاكف: وأخيرًا سمعنا صوتك…
أم أنك اشتقت لي؟،
لكن باران لم يكن يملك أي مزاج للمزاح.
جاء صوته حادًا متوترًا بصورة غير معتادة:
باران: عاكف… ليس لدي وقت لسخافاتك الآن.
توقف عاكف عن المزاح فورًا عندما التقط نبرة صوته.
عاكف: ماذا هناك؟.
ضغط باران على الهاتف بقوة وهو يقول:
باران: أريدك أن تتحقق من أمر حالًا.
عاكف: ما هو؟.
تردد باران لثانية قصيرة قبل أن ينطق أخيرًا:
باران: عباس… والد ديلان.
وفي الجهة الأخرى…
تجمد عاكف تمامًا.
حتى إنه ضغط المكابح بعنف وأوقف سيارته جانب الطريق فور سماعه الاسم.
أما باران فأكمل بصوتٍ مشدود:
باران: سمعت أنه في المستشفى…
ويقال إن حالته خطيرة.
ساد الصمت لثوانٍ.
قبل أن ينفجر صوت عاكف بغضبٍ مكتوم:
عاكف: وهل تستغرب بعد ما فعلته؟!.
أطبق باران فكه بقوة.
أما عاكف، فقد تابع بانفعال:
عاكف: الرجل لم يحتمل ما حدث لابنته!،
أو ما تفعله بها الآن!،
ارتفعت أنفاسه بغضب وهو يكمل:
عاكف: ربما يفارق الحياة دون أن يراها…
ودون أن تراه هي!.
أغمض باران عينيه بقوة.
لكن كلمات عاكف لم تتوقف.
عاكف: وستحمل ذنبه طوال عمرك يا باران!.
قبض باران يده بعنف حتى برزت عروقها.
أما عاكف فتابع بحدة أكبر:
عاكف: حتى أنك لم تمنحه فرصة ليدافع عن نفسه!،
الرجل خدم والدك بإخلاص سنوات طويلة، ومنذ دخلت الشركة لم أرَ منه إلا الوفاء!.
ثم أطلق زفرة غاضبة:
عاكف: لكن ماذا نقول عن قلبك المتحجر؟!،
أو عن تهورك الأعمى؟!،
أصدرت حكمك عليه فورًا دون أن تتحرى الحقيقة!.
وفجأة…
انفجر صوت باران مقاطعًا إياه بعنف:
باران: لا فائدة الآن من هذا الكلام!.
ساد الصمت للحظة.
ثم قال بحدة آمرة:
باران: نفذ ما طلبته منك فقط، واهبرتي بكل التفاصيل 
وبدون انتظار رد…
أغلق الخط بعصبية.
ظل واقفًا مكانه للحظات، وأنفاسه مضطربة بعنف.
ثم التفت ببطء نحو الواجهة الزجاجية.
لكن هذه المرة…
لم يرَ المدينة أمامه.
بل رأى فقط…
وجه ديلان.
تعليقات



<>