رواية براءة ايقظت غافلا الفصل الخامس5 بقلم عاشقة القلم

رواية براءة ايقظت غافلا 
الفصل الخامس5
 بقلم عاشقة القلم 
توقفت السيارة أمام بوابة المستشفى، ويد سلمى ما تزال تقبض على المقود بقوة، وكأنها لم تتحرر بعد من تلك اللحظات التي كادت تُسلب فيها حريتها.
التفتت نحو عاكف، وعيناها لا تزالان تحملان بقايا الخوف، لكنها تماسكت وقالت بسرعة: 
سلمى: "هيا… بسرعة… إلى قسم الطوارئ."
أومأ برأسه دون أن يجيب، وفتح الباب، فنزلت قبله بخطواتٍ متسارعة. كانت تتحرك بدافع القلق عليه، لا على نفسها… وكأن خوفها تبدّل وجهته فجأة.
دخلا المستشفى.
رائحة المعقمات، أصوات الأجهزة، حركة الممرضين… كل شيء كان حيًّا، صاخبًا، لكنه بدا لسلمى أكثر أمانًا من ذلك الشارع الصامت.
اقتربت من مكتب الاستقبال، وصوتها يحمل استعجالًا واضحًا: 
سلمى: "من فضلكم… هناك جرح عميق… يحتاج إلى تدخل سريع."
لم تمضِ لحظات حتى أُخذ عاكف إلى الداخل، وجلست سلمى قربه، تتابع كل حركة، كل أداة، كل قطرة دمٍ تُمسح من ذراعه.
كانت عيناها معلقتين به، وكأنها مسؤولة عن ألمه.
أثناء خياطة الجرح، شدّ عاكف على أسنانه، لكن ملامحه لم تُظهر الكثير. اعتاد الألم… أو هكذا بدا.
أما هي، فكانت ترتجف قليلًا كلما غرزت الإبرة في جلده.
همست دون وعي: 
سلمى:"آسفة…"
رفع عينيه إليها باستغراب: 
عاكف: "على ماذا؟".
ابتلعت ريقها، وقالت بخفوت: سلمى:"بسببي… أصبت."
نظر إليها لحظة… ثم قال بهدوء: 
عاكف: "لو عاد بي الوقت… لفعلت الشيء نفسه."
ارتبكت، ولم تجد ما ترد به، فاكتفت بخفض نظرها.
انتهى الطبيب من تضميد الجرح، وانسحب بهدوء، تاركًا خلفه صمتًا قصيرًا بينهما.
تقدمت سلمى خطوة، ثم قالت بابتسامة خجولة، امتزج فيها الامتنان بالارتباك: 
سلمى: "الحمد لله على سلامتك يا سيد…"
قاطعها بلطف: 
عاكف:"اسمي عاكف… وأنتِ؟".
رفعت نظرها نحوه، ثم قالت: "سلمى."
تأمل الاسم للحظة، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة: 
عاكف: "اسم جميل… مثلك."
توردت وجنتاها فورًا، وارتبكت، وأبعدت نظرها سريعًا: 
سلمى: "شكرًا…"
ساد صمت قصير، كأن اللحظة تحمل شيئًا غير متوقع.
ثم تذكرت فجأة، وقالت: 
سلمى: "سيد عاكف… هل يمكن أن تعيرني هاتفك؟ أريد أن أجري اتصالًا… هاتفي تحطم."
أخرج هاتفه دون تردد، وناوله لها.
أمسكته، وتنفست بعمق، ثم ضغطت على رقمٍ محفوظ في ذاكرتها.
وضعت الهاتف على أذنها، وصوتها تغيّر… أصبح أكثر دفئًا: 
سلمى:"ألو… حبيبي؟؛ أنا بخير… لا تقلق… أنا في المستشفى الآن."
سكتت لحظة، تستمع، ثم تابعت: سلمى:"نعم… في مستشفى… (ذكرت الاسم)…"
ابتسمت رغم تعبها: 
سلمى:"لا… لا تقلق… أنا بخير… هناك شاب أحضرني إلى هنا… هو معي الآن."
صمتت، ثم قالت بنبرةٍ مليئة بالمودة: سلمى:"حسنًا… نحن في انتظارك… لا تتأخر عليّ يا حبيبي."
أغلقت الهاتف، وأعادته إلى عاكف.
لكنها لم تنتبه لذلك التغير الذي حدث فيه.
كان ينظر إليها… نظرة مختلفة.
شيءٌ ما انطفأ في عينيه.
سألها بصوتٍ منخفض: 
عاكف:"هل… هو حبيبك؟".
نظرت إليه دون تردد، وقالت ببساطةٍ صادقة: 
سلمى: "نعم… هو حبيبي… وكل حياتي… وسندي في هذه الدنيا."
لم تكن تعرف… أن كلماتها وقعت عليه كضربةٍ صامتة.
ابتسم ابتسامة خفيفة، لكنها لم تصل إلى عينيه: 
عاكف:"الله يحفظه لك."
ثم بدأ يتحرك، يحاول النهوض، يمد يده إلى سترته وكأنه يستعد للرحيل.
قال بهدوءٍ متماسك: 
عاكف: "مع السلامة."
توجه نحو الباب.
لكن صوتها أوقفه: 
سلمى: "سيد عاكف!".
التفت.
تقدمت نحوه بخطوة، وقالت: 
سلمى:"هل ستغادر؟ أحمد في الطريق… يريد أن يراك ويشكرك… ويمكنه أن يوصلك أيضًا… أنت لن تستطيع القيادة."
توقف لثوانٍ.
كأن جزءًا منه أراد أن يبقى… لكن جزءًا آخر كان أقوى.
هز رأسه بهدوء: 
عاكف: "لا… شكرًا."
ثم أضاف بصوتٍ أخف: 
"اعتني بنفسك."
واستدار.
خرج من الغرفة… ثم من المستشفى… دون أن ينظر خلفه.
أما سلمى، فبقيت واقفة في مكانها، تحدق في الباب الذي خرج منه، وملامح الدهشة ترتسم على وجهها.
همست لنفسها: "ما به…؟"
لم تفهم.
لم تدرك أن شيئًا صغيرًا… بدأ يتكوّن في قلبه… وانكسر في اللحظة نفسها.
في الخارج؛
كان الليل قد بدأ ينسدل.
وصل عاكف إلى سيارته، فتح الباب، وجلس خلف المقود، يحدق في الفراغ للحظات.
رنّ هاتفه.
نظر إليه… ثم رد: "نعم؟"
استمع قليلًا، ثم قال بصوتٍ عاد إلى صلابته المعتادة: "أنا في الطريق."
أغلق الهاتف، وأدار المحرك.
انطلقت السيارة في الشارع، تشقّ الظلام…
لكن داخله؛
لم يكن هادئًا كما يبدو.

--****////----///***

مرّت الساعتان كدهرٍ ثقيل على زينب، وهي جالسة إلى جوار السرير، تحدّق في وجه ديلان الذي بدا ساكنًا أكثر مما ينبغي. كانت تراقب أنفاسها، تهمس بالدعاء بين الحين والآخر، وكأنها تحاول أن تردّ عنها شرًّا لا تراه… لكنها تشعر به.
وفجأة؛
ارتعشت أهداب ديلان.
حركة خفيفة، ثم أخرى.
فتحت عينيها ببطء، كمن يخرج من ظلامٍ عميق، لكن ما إن بدأت الرؤية تتضح؛
حتى اتسعت عيناها بفزعٍ مرعب.
قفزت من مكانها كمن لسعته نار، تتراجع إلى الخلف، تتخبط في خطواتها، وصوتها يخرج ممزقًا: 
ديلان: "من أنتِ؟! ابتعدي عني!… ابتعدوا عني كلكم! ماذا تريدون مني؟!، أليس بينكم أحدٌ في قلبه ذرة رحمة… يعتقني لوجه الله؟!".
ارتجف جسدها، ودموعها انهمرت دون توقف، وهي تبحث بعينيها في كل زاوية، كأن الجدران نفسها عدوٌّ يتربص بها.
اقتربت زينب منها بحذر، ترفع يديها وكأنها تطمئن طائرًا مذعورًا: 
زينب: "اهدئي يا ابنتي… لا تخافي… والله لا أريد إيذاءك…"
ثم تمتمت بحزن: 
زينب: "لا حول ولا قوة إلا بالله… تبدين فتاة محترمة… ما الذي رماكِ في طريق السيد باران…؟"
توقفت ديلان للحظة، وكأن كلمات زينب اخترقت جدار خوفها.
نظرت إليها بعينين غارقتين بالدموع، ثم انفجر صوتها بالبكاء:
ديلان: "لا أعلم… كنت واقفة مع صديقتي أمام الثانوية… فجأة توقفت سيارة… نزل منها رجال… حاولوا الإمساك بي… ثم… ثم فقدت وعيي…"
اختنق صوتها، واهتز جسدها: 
ديلان: "وعندما أفقت… وجدت نفسي هنا… وهو… يقترب مني… و… و…"
لم تستطع إكمال الجملة.
انفجرت بالبكاء، بكاءٍ مرير، كأن كل خوفها المكبوت خرج دفعةً واحدة. دموعها انهمرت كالسيل، وكتفاها يهتزان بلا توقف.
لم تتمالك زينب نفسها.
اقتربت منها بسرعة، وفتحت ذراعيها: زينب: "تعالي يا بنتي… تعالي…"
ارتمت ديلان في حضنها كطفلةٍ وجدت أخيرًا مأمنًا، وبدأت تبكي بحرقةٍ أكبر، وكأنها تفرغ كل ما في قلبها.
مسحت زينب على شعرها وهي تبكي معها: 
زينب: "ربنا يحميكِ يا إبنتي… وينجيكِ من هذا 🐺 الشرس… أنتِ بريئة… نقية… وهو… غارق في الحرام حتى النخاع…"
رفعت ديلان رأسها، عيناها محمرتان، وصوتها مكسور: 
ديلان: "أرجوكِ… ساعديني… أريد أن أهرب… أنا لست فتاة ليل… أنا لا أبيع آخرتي بدنيا فانية…"
ثم تذكرت نقابها عندما لم تجده على وجهها:
ديلان: " أين نقابي…؟"
توقفت فجأة، ونظرت إلى ثيابها الممزقة…
وكأنها رأت نفسها لأول مرة.
شهقت، وارتجفت، ثم عادت للبكاء: 
ديلان: "يا رب… يا رب…"
حدّقت زينب فيها بذهول: 
زينب: "أأنتِ… منقبة؟!".
وضعت يدها على فمها: 
زينب: "لا حول ولا قوة إلا بالله… من الذي رماكِ في هذا الطريق يا ابنتي…"
وقبل أن تُكمل؛
انفتح الباب بعنف.
دخل باران.
خطواته ثابتة، وصوته بارد كالسيف: باران: "إلى أين يا حلوة؟… ألم تفهمي بعد؟، قلت لكِ… أباكِ باعكِ… وأنتِ الآن ملكي."
تجمّدت ديلان في مكانها.
أما زينب، فتقدمت خطوة، وكأنها تحاول أن تكون حاجزًا بينها وبينه: زينب: "أرجوك يا سيدي… اتركها… هذه ليست من تلك الفتيات التي منت تخضرهن… إنها فتاة صغيرة بريئة… أرجوك ارحمها…"
اشتعلت عيناه غضبًا، والتفت إليها بعنف: 
باران: "ومن أنتِ لتعلميني ما أفعل؟!، أنتِ خادمة هنا… لا أكثر!".
ثم صرخ بها: "اخرجي!!!".
ارتجفت زينب، ونظرت إلى ديلان نظرةً مليئة بالحسرة، ثم خرجت، وقلبها يتمزق، تتمتم: 
زينب: "ربنا يهديك يا إبني… ويرحم ضعفها…"
أُغلق الباب.
وساد صمتٌ ثقيل.
تقدم باران نحو ديلان.
لكنها؛ لم تتراجع.
صرخت فجأة، بصوتٍ مليء بالقوة: ديلان: "أنتم اختطفتموني!… وأبي لم يبعني!".
تصلّب.
تلك الجملة، أصابته.
لكنه قال بحدة: 
باران: "لا ترفعي صوتك."
لكنها لم تصمت.
بل تقدمت خطوة نحوه، رغم ارتجافها: ديلان: "أنت ظالم!".
اشتدت نظراته.
لكنها أكملت، بصوتٍ يهتز… لكنه صادق: 
ديلان: "تخطف فتاة من الشارع؟!، أي رجولة هذه؟!، أي قانون… أي شريعة تسمح لك بانتهاك حرمات الله؟!".
صمت.
لكن الكلمات، وصلت.
في لحظة؛
أمسك بذراعها بقوة.
باران: "احذري… أنتِ بين يدي."
نظرت إليه بثباتٍ مفاجئ: 
ديلان: "وماذا تريد؟… اتركني أذهب."
ابتسم ابتسامة باردة: 
باران: "حسنًا، تريدين الذهاب؟، ادفعي دين أبيكِ."
رفعت رأسها:
ديلان: "موافقة… كم؟".
اقترب قليلًا… وهمس قرب أذنها: 
باران: "أن تسلمي نفسكِ لي بإرادتك."
في لحظة؛
ارتفعت يدها.
صفعة.
دوّت في الغرفة.
نظرت إليه بعينين مشتعِلتين: 
ديلان: "قليل الأدب! من تظن نفسك؟! كيف تطلب مني ان اقترف الحرام؟! أين ستهرب من الله؟! هل أنا زوجتك حتى أسلمك نفسي بإرادتي؟!".
تغير وجهه.
أمسكها بعنف، وجذبها نحوه حتى اصطدمت بصدره:
باران: "أنتِ لا تعلمين مع من تتحدثين!".
اقترب وجهه منها، وعيناه تشتعلان: باران: "أنا باران… ولا أحد يعاندني."
لكن،
حين نظر في عينيها؛
توقف.
رأى شيءٌ فيهما؛ لم يره من قبل في أي فتاة او إمرأة عاشرها.
لم يكن خوفًا فقط،
بل قوة وإيمان.
ثبات.
شيءٌ، أربكه.
تراجع خطوة.
تركها.
وقفت في وسط الغرفة، تلتقط أنفاسها، وتجمع ثيابها الممزقة مرتجفة.
أما هو،
فاستدار فجأة، وخرج.
لكن وجهه لم يكن كما دخل.
وفي الممر،
توقف.
بدأ عقله يعمل بسرعة، فكرة تتشكل، فكرة خبيثة لمعت في ذهنه،
أخرج هاتفه.
اتصل.
باران: "عاكف، تعال فورًا إلى القصر."
صمت لحظة، ثم أضاف بنبرةٍ حاسمة: باران: "وأحضر معك المحامي دوغان."
أغلق الهاتف.
وعيناه، تلمعان بشيءٍ جديد.
لم تكن رحمة.
بل؛ خطة.

______///////------///////_____

ما إن أُغلق الباب خلف باران، حتى انهارت ديلان على الأرض، كأن آخر خيطٍ من تماسكها قد انقطع.
جلست على ركبتيها، جسدها يرتجف، وأنفاسها متقطعة، وعيناها غارقتان بدموعٍ لم تعد تجد طريقًا للتوقف. لم تعد ترى الغرفة، ولا الجدران، ولا حتى نفسها، كل ما شعرت به كان ثقلًا خانقًا في صدرها، وخوفًا يتسلل إلى أعماقها بلا رحمة.
رفعت كفيها المرتعشتين نحو السماء، كأنها تبحث عن بابٍ لا يُغلق.
انكسر صوتها، لكنه خرج صادقًا، نقيًا: ديلان: "يا رب… ليس لي غيرك… فلا تتركني…"
أغمضت عينيها، وسقطت دموعها دفعة واحدة، كأنها كانت تنتظر هذا الانهيار منذ البداية.

ركعت في مكانها، ووضعت جبهتها على الأرض، وكأنها تبحث عن أمانٍ مفقود في أقرب نقطة من الأرض.
أغمضت عينيها، ودموعها تنهمر على وجنتيها، ثم بدأت تهمس بالدعاء، وكأنها تتشبث بكل كلمةٍ لتنجو:
ديلان: "اللهم أنت ربي… لا يخفى عليك ما في قلبي… فاللهم طمأنينة من عندك… يا رب أعوذ بك من ضيقة القلب… ومن شعورٍ لا يُشتكى ولا يُفهم…"
ارتجف صوتها أكثر، وبدأت الكلمات تتساقط منها كأنها تنزف دعاءً، وكأنها تفرغ ألمها في كل حرف: 
ديلان: "اللهم أرح قلبي بما أنت به أعلم… ولا تجعلني أشكو لمن لا يخشى عليّ من حزني… اللهم إني أفوض دنياي كلها لك…"
سقطت دموعها بغزارة، وهمست برجاءٍ مكسور: 
ديلان: "يا رب… أعلم أنه ابتلاء من عندك… فلا تكلني لنفسي طرفة عين…"
ثم سقطت دمعة طويلة على الأرض أمامها، ثم همست:
ديلان: "يارب قوني ..... ولاتجعله يكسرني.........اللهم إستودعتك نفسي وعرضي فإحفظهم وانت خير الحافظين.....يا رب لاتتركني بين يدي هذا الظالم..... ولاتمكنه من نفسي.... إلا كما ترضاه انت يا رب.... اللهم ابعد عني ماحرمته ..... وقرب لي ما أحللته.... "
ساد صمتٌ عميق.
لكن ذلك الصمت لم يكن فراغًا، بل كان امتلاءً بشيءٍ خفي، سكينةٍ بدأت تزحف إلى قلبها المنهك، جعلت قلبها يهدأ، ودموعها تخف، رغم كل ما يحيط بها.
وبين كل جملة وأخرى، كان جسدها يرتجف أكثر… لكن شيئًا خفيًا بدأ يحدث في الداخل…
كأن الدعاء لا يُطفئ الألم فقط… بل يثبّت شيئًا مهددًا بالانهيار داخلها.
ثم جلست في زاوية الغرفة تلملم على نفسها تلك الثياب الممزقة، لكن لسانها لم يتوقف بالتضرع لله والذكر....
في الخارج؛
كان عالمٌ آخر يتحرك.
وقف باران في الممر، ملامحه متجمدة، لكن عينيه تحملان توترًا مكتومًا. كان يسير ذهابًا وإيابًا، وكأن فكرةً ما تلاحقه، تضغط عليه، تدفعه لاتخاذ قرارٍ لا رجعة فيه.
ثم توقف فجأة.
وكأن القرار خرج منه دون رجعة.
رفع رأسه فجأة، وكأنه حسم أمره.
باران: "أحضروا لي إماما فورا… فورًا."
جاء صوته حادًا، قاطعًا، لا يقبل نقاشًا.
أومأ الحراس بسرعة، وانصرفوا لتنفيذ الأمر.
أخرج هاتفه، ونظر إليه لحظة، ثم ضغط على اسمٍ محفوظ.
رنّ الهاتف.
في الجهة الأخرى، كان عاكف قد غادر المستشفى للتو، وما زال صدى ما حدث مع سلمى يتردد في داخله. نظر إلى الهاتف، وحين رأى اسم باران، أجاب مباشرة:
عاكف: "نعم، باران… ماذا حدث؟"،
صمتٌ قصير…
ثم جاء صوت باران، غامضًا، لكنه يحمل شيئًا غير مألوف: 
باران: "تعال إلى القصر… حالًا."
انعقد حاجبا عاكف: "ماذا هناك؟".
توقف الزمن للحظة…
ثم قال باران، وكأنه يلقي قنبلة: 
باران: "سأتزوج."
ساد الصمت.
صمتٌ ثقيل؛ مصدوم.
في الجهة الأخرى، اتسعت عينا عاكف، وتوقف عن الحركة تمامًا: 
عاكف: "ماذا…؟!".
ارتفع صوته دون وعي: 
عاكف: "ماذا قلت؟!".
لكن باران، بنفاد صبر واضح، رد بحدة: باران: "ما بك؟ قلت لك سأتزوج. تعال فقط."
ثم أضاف بنبرةٍ أقل حدة، لكنها تحمل صرامةً خفية: 
باران: "وإن لم ترد المجيء… فذلك شأنك. أنا فقط أخبرتك لأنني لا أحب أن أخفي عنك شيئًا."
تجمد عاكف في مكانه.
كلماته لم تكن تُستوعب بسهولة.
باران… سيتزوج؟،
ذلك الرجل الذي لم يعرف سوى العبث والإنغماس في الشهوات… الذي لم يربطه شيءٌ يومًا… يتخذ قرارًا كهذا؟.
ابتلع ريقه، وما زال تحت وقع الصدمة: عاكف: "دقائق… وسأكون عندك."
أغلق الهاتف ببطء.
بقي واقفًا للحظة، ينظر إلى الفراغ، كأن عقله يحاول أن يربط الخيوط، لكن شيئًا ما لم يكن منطقيًا.
أما في القصر؛
خفض باران الهاتف، وعيناه تلمعان بقرارٍ قاسٍ.
لم يكن في نظرته تردد؛
بل شيءٌ آخر.
شيءٌ يشبه التحدي.
أو… الهروب.
وفي الغرفة؛
كانت ديلان ما تزال على الأرض، يداها مرفوعتان، وقلبها معلقٌ بربٍّ لا يخذل.
بين دعائها، وقراره؛
كانت مصائر تُكتب، دون أن يعلم أحدٌ كيف ستنتهي.

----**----**----**----**----**----

عاد باران إلى الغرفة بخطواتٍ ثابتة، كأن قراره السابق لم يكن يحتاج إلى تفكيرٍ أصلاً، وكأن كل ما يدور حوله لا يستحق لحظة تراجع.
كانت ديلان لا تزال على الأرض.
جالسة بصمتٍ متقطع، ترفع يديها نحو السماء، وتدعو بحرقةٍ خافتة، وكأنها تتمسك بخيطٍ واحد فقط بين الحياة والانهيار.
توقف عند الباب لحظة…
نظر إليها.
ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة، ساخرة، لا تحمل أي دفء.
قال بصوتٍ منخفض، لكنه حاد كالسهم: باران: "نعم… ادعي."
توقفت ديلان فجأة، وارتجف جسدها.
تابع وهو يخطو داخل الغرفة ببطء: باران: "ادعي كثيرًا… لأن القادم لن يكون جيدًا بالنسبة لك."
اقترب أكثر، حتى صار صوته أقرب، أثقل: 
باران: "ولا أحد سينقذك… لن ينقذك أي أحد من بين يدي ."
رفعت رأسها إليه بسرعة، وعيناها تملؤهما الرعب: 
ديلان: "ماذا تريد مني؟!".
توقف أمامها مباشرة.
نظر إليها نظرة طويلة، ثم قال ببرودٍ قاتل: 
باران: "وماذا أريد من فتاة مثلك؟".
تراجعت خطوة إلى الخلف، لكن الأرض خانتها.
صرخت بصوتٍ متوتر: 
ديلان: "بما أنني لا أساوي شيئًا عندك… ولا أصل إلى مستوى طموحاتك… اتركني أذهب! في سبيلي!".
اقترب منها فجأة، حتى كاد أن يلامس وجهها، ثم همس قرب أذنها بصوتٍ منخفضٍ مريب: 
باران: "حتى أُذلّك… وأخذ ما أريده منك."
تجمدت في مكانها.
ثم أكمل وهو يرنقعا بنظرات كلها شهوة، وكأن كلماته تنحدر بلا رحمة: باران: "وأيضًا… أنا لم أجرب هذا النوع من قبل."
ارتجفت شفتيها، ودموعها تجمعت في عينيها: 
ديلان: "أنت لست إنسان طبيعيًا… أنت شيطان."
ضحك.
ضحكة قصيرة، باردة، كأنها خرجت من فراغٍ لا روح فيه.
باران: "أخيرًا… عرفتي من أنا."
استدار نحو الحقيبة الملقاة على الأرض، والتقطها، ثم أخرج منها أوراق هويتها ببطء، كمن يملك كل شيء.
ثم أمسك يدها بقوة، وسحبها خلفه.
باران: "هيا… الإمام بالأسفل ينتظر."
اتسعت عيناها بذهول: 
ديلان: "الإمام؟!".
لم يلتفت إليها حتى: 
باران: "نعم… سيعقد قراننا وإستدعيت المحامي دوغان، محاميا الشخصي ليجهز الاوراق، لنثبت الزواح فينا بعد، اي عندما تبلغين السن القانوني."
توقفت فجأة، وكأن الكلمة لم تدخل عقلها: 
ديلان: "مستحيل! لن أتزوجك تحت أي بند!".
في لحظة، انقلبت ملامحه.
اقترب منها بسرعة، وأمسك شعرها بقوة، فشهقت بألمٍ حاد، وارتفع وجهها نحوه.
قال بصوتٍ غاضب، لكنه منخفض بشكل مخيف: 
باران: "أنا لم يُخلق من يقول لي مستحيل."
شدّها نحوه أكثر: "أنا من يفعل المستحيل… لا من يُقال له."
"ليس لك خيار آخر.... إما ان تقبلي ويكون كل ما سيحدث حلال كما تردين....وإلا لن يمنعني عنك احد.... وسأخذ ما اريده منك......برضاك او بالغصب...... هيا قرري....ماذا تريدين الحلال ام الحرام......انا لافرق لديا.....المهم عندي ان احصل على ما اريد..... فهمتي!!."قال كلمته الأخيرة وهو يضغط على أسنانه. 
ثم جرّها باتجاه الباب.
كانت تقاوم، تبكي، ترتجف، لكنه كان أقوى.
صرخت: 
ديلان: "أنافتاة مححبة و منقبة! لا يمكنني أن أنزل هكذا! ثيابي ممزقة! جسدي مكشوف!".
توقف لحظة.
نظر إليها، ثم إلى ثيابها الممزقة.
صمت.
ثم قال ببرودٍ صادم: 
باران: "وماذا في ذلك؟… انزلي هكذا."
اتسعت عيناها بصدمة لا توصف: 
ديلان: "أنت مجنون! هل أنت رجل أم ديوث…؟ كيف تريدني أن أكون زوجتك ويراني أحد غيرك؟!".
ابتسم بسخرية قاتمة: 
باران: "هل تظنين نفسكِ فعلًا ستصبحين زوجة باران كول أوغلو؟".
اقترب منها أكثر، وصوته انخفض حتى صار كهمسٍ سام: 
باران: "تؤ تؤ… خيالك واسع."
تجمدت.
ثم أكمل بلا أي تردد: 
باران: "عندما أملّ منك… سأرميكِ لرجالي… لينتهوا مما تركته أنا."
كأن الجملة صفعتها بدل اليد.
ارتجفت بالكامل، ودموعها انهمرت: ديلان: "حسبي الله ونعم الوكيل فيك…"🤲😢😢
أمسكها مجددًا من ذراعها بقوة:
باران: "هل انتهيتِ؟ هيا…"
بدأ يسحبها نحو الباب.
كانت تبكي، تتوسل، صوتها ينهار: ديلان:"أرجوك… أرجوك… أقسم بالله عليك بكل عزيز عليك… لا تجعلني أنزل هكذا…"
توقف فجأة.
صمت لثوانٍ.
ثم زفر بضيق، وقال بنبرة حادة: 
باران: "حسنًا… انتظري هنا."
ترك يدها.
ثم خرج من الغرفة.
وقفت ديلان في مكانها، ترتجف، لا تدري هل هذا تأجيل، أم بداية شيءٍ أسوأ.
أما هو؛
فمشى في الممر بخطواتٍ ثابتة، ووجهه لا يحمل أي تعبير.
لكن في داخله؛
كان شيءٌ يتحرك.
شيء لم يعترف به.
ولم يفهمه بعد.
                      الفصل السادس من هنا
تعليقات



<>