الفصل الثامن8
بقلم عاشقة القلم
دخلت ديلان إلى المطبخ بخطواتٍ هادئة تكاد لا تُسمع، وكأنها تخشى أن تثير انتباه أحدٍ في هذا الصباح الثقيل. كانت الأجواء حولها ساكنة على نحوٍ غير مريح، لا يُشبه سكون البيوت الآمنة، بل يشبه صمتًا يسبق عاصفةً مجهولة.
اقتربت من الطاولة الرخامية، وبدأت تُعدّ الإفطار كما طُلب منها دون اعتراض، وجهها خالٍ من التعبير، لكن داخلها كان مضطربًا على نحوٍ لا يُرى. أصوات الأواني الصغيرة وهي تلامس بعضها كانت تتردد في أرجاء المطبخ كأنها تكشف ما تحاول إخفاءه.
وفي تلك اللحظة، تسللت إلى عقلها فكرةٌ حادّة، خاطفة، كشرارةٍ وجدت طريقها إلى هشيمٍ جاف.
تمتمت في سرّها، وعيناها مثبتتان على الطعام:
ديلان:"واللهِ لأجعلنَّ فمك يشتعل من الفلفل الحار…"
لم تتردد. لم تُراجع نفسها. وكأن شيئًا داخليًا اندفع بها نحو فعلٍ لا عودة منه. أفرغت علبة الفلفل الحار كاملة في الطبق، وحرّكت الطعام ببطءٍ حتى تذوب الجريمة بين المكونات، ثم أكملت إعداد الإفطار وكأن شيئًا لم يكن.
لكن في داخلها، كان هناك اضطراب خافت… ذلك الشعور الذي يظهر بعد القرارات المتسرعة، إلا أنها دفنته سريعًا خلف قناع الصمت.
بعد دقائق، خرجت من المطبخ تحمل الطبق بين يديها، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة غامضة، لا هي فرح ولا هي راحة… بل شيء أقرب إلى توترٍ مكتوم. وضعت الطعام أمام باران بصمت، ثم وقفت جانبًا تراقب دون أن تقول شيئًا.
جلس باران بهدوء، كأن وجودها لا يستفزه ولا يستدعي أي اهتمام زائد. مدّ يده وبدأ يتناول الطعام ببطءٍ محسوب، بينما كانت ديلان تراقبه بعينين متسعتين، تنتظر… تنتظر لحظة الانكشاف، لحظة الانفعال، أو ربما لحظة الغضب.
لكن ما حدث كان عكس توقعاتها تمامًا.
توقف باران فجأة، رفع رأسه ببطء، وحدّق فيها نظرة طويلة أربكتها. لم تكن نظرة غضب، بل كانت أقرب إلى قراءةٍ صامتة لما يدور خلف ملامحها.
قال بصوتٍ هادئ، يحمل ثقة باردة:
باران: "ما بالكِ واقفة هناك تُحدّقين إليّ كأنكِ تشاهدين عرضًا؟ تعالي… تقدّمي وتناولي طعام الإفطار."
ثم أمال رأسه قليلًا، وأضاف بنبرة أخف لكنها لا تخلو من حدة: باران: "لا تقلقي… ليس حارًّا كما تظنين."
تجمّدت ديلان في مكانها لحظة. قلبها خفق بسرعة غير مبررة. كيف؟ هل لاحظ؟ هل فهم ما فعلته؟ أم أنه يتلاعب بها فقط؟
تمتمت في داخلها، والشك ينهشها:
ديلان:"هل… هل أدرك أنني وضعت الفلفل؟".
لكن باران لم يمنحها فرصة للغرق في أفكارها، إذ تابع بصوتٍ حاسم، مغمور بمكرٍ خفي:
باران:"لماذا ما زلتِ واقفة؟ ألا تريدين مشاركتي الإفطار؟ أنتِ زوجتي، ومن الطبيعي أن تجلسي أمامي."
كلمة "زوجتي" خرجت منه وكأنها ليست دفئًا، بل قيدٌ ثقيل يُذكرها بمكانها.
تقدمت ديلان ببطء، وجلست على الكرسي المجاور له، ويديها ترتجفان وهي تخفيهما في حجرها. لم ترفع عينيها نحوه مباشرة، وكأنها تخشى أن يُفتَضح ما بداخلها من توتر.
فجأة، ارتفع صوته، حادًّا، قاطعًا الصمت:
باران:"قلتُ لكِ كلي… لا تُجبريني على تكرار كلامي. وإلا فلن يعجبك ما سيحدث."
ارتعشت يدها، ومدّتها نحو الطبق بتردد شديد، وكأنها تلمس شيئًا يهددها. رفعت قطعة صغيرة إلى فمها، وقضمتها ببطء، وما إن لامس الطعام لسانها حتى اشتعلت الحرارة داخليًا بشكلٍ عنيف.
اتسعت عيناها، احمرّ وجهها، ثم بدأ السعال يخرج منها متقطعًا، قاسيًا، كأن صدرها يرفض ما ابتلعته. الدموع انهمرت دون إرادة، وهي تحاول أن تلتقط أنفاسها وسط ذلك الاحتراق المفاجئ.
اندفعت ديلان نحو باب المطبخ بخطوات متعثرة، تحاول الهروب من ثقل اللحظة، ومن السعال الذي مزّق صدرها وترك في حلقها نارًا لا تهدأ. كانت أنفاسها متقطعة، نهضت بسرعة نحو المطبخ، تتعثر بخطواتها، تبحث بعجلة عن الماء، عن أي شيء يطفئ النار التي اشتعلت داخل حلقها. وصوتها الداخلي يصرخ بصمتٍ من شدة الاختناق، وكأنها خرجت للتو من عاصفة لا من إفطارٍ عادي.
لكنها لم تصل إلى الممر.
فجأة، امتدت يد باران كالسهم، وأطبقت على معصمها بقوة، ثم دار بها في حركة سريعة، حتى انقلب وضعها في لحظة واحدة، وأصبح ظهرها محاصرًا بين قبضته.
ضغط على يدها خلف ظهرها، وأحكم السيطرة عليها، ثم انحنى قليلًا وهو يقول بصوتٍ حاد، يحمل سخرية باردة:
باران: "متى قلتُ لكِ أعدّي الإفطار؟ اعديه بدلا من لعب الأطفال هذا الذي اعتدتِ عليه؟".
ارتجف جسدها تحت قبضته، لكنها لم تُجب. كانت تحاول أن تتنفس فقط، وكأن الهواء نفسه صار ثقيلًا في صدرها.
في لحظة مفاجئة، أفلتت يدها بطريقة سريعة، وتملصت منه، وانطلقت نحو المطبخ، وكأنها تبحث عن أي مخرج من هذا الحصار. عيناها وقعتا على كأس حليب فوق سطح المطبخ، فاندفعت نحوه، وكأنها تتشبث بملاذٍ أخير يخفف عنها ما حدث.
وعندما وصلت إلى الكأس، كانت قد أفرغت كل ما في جوفها من طعام في الحوض، تحاول التخلص من أثر الفلفل الذي مزق حلقها.
لكن باران كان أسرع.
تبِعها بخطوات ثابتة، لا استعجال فيها ولا اضطراب، وكأنه كان يتوقع كل حركة ستقوم بها.
ولم يلبث أن لحق بها.
كان يمشي ببطءٍ مقصود، خطواته ثابتة، وقف خلفها مباشرة، ورآها وهي تمسك بالكأس. وصوته خرج بخفوتٍ ممزوج بسخرية باردة، وكأنه يستمتع برؤية ارتباكها: باران:"يبدو أنكِ لا تتحملين ما صنعتِ بيديكِ."
وقفت ديلان أمام الحوض، تحاول أن تتنفس، لكن كلماتها خرجت متقطعة بين سعالها ودموعها.
اقترب باران أكثر، وانخفض صوته، لكنه كان أشد وقعًا: "هذا جزاء من يحاول اللعب من خلف ظهري…"
صمت لحظة، ثم أضاف ببطء، وكأن كل كلمة تُحفر في الهواء: باران: "يبدو أنكِ لم تختبري غضبي بعد… وأنصحكِ ألا تعيدي ما فعلتِه."
اقترب أكثر قليلًا، ونظر إليها نظرة طويلة، باردة، لا تحمل شفقة ولا رحمة:
باران:"لأن المرة القادمة… لن أكون بهذا القدر من التساهل."
في تلك اللحظة، لم يكن الألم فقط في حلق ديلان، بل في داخلها أيضًا. مزيجٌ من الخوف، والارتباك، وإدراكٍ خافت بأنها دخلت لعبةً لا تعرف قواعدها… ولا تعرف كيف ستخرج منها.
نظر إليها بإبتسامة ساخرة، ثم إلتف ليخرج من المطبخ، لكنه بينما كان يتحرك في إتجاه الباب، إلتفت إليها وابتسم ابتسامة باردة، خالية من أي دفء، وقال بهدوءٍ مخيف:
باران:"اعملي حسابك… وتجهزي. اليوم دخلتِ عليّكِ."
تجمدت الكلمات في حلقها، والتفتت إليه بذهول واضح، وكأنها لم تفهم ما سمعته:
ديلان:"ماذا…مستحيل!؟".
لكنها لم تكد تنطق حتى بدأ يقترب منها ببطء، خطواته محسوبة، ثقيلة، كأنها تُسحب نحوها رغم إرادتها. ومع كل خطوة منه، كانت هي تتراجع إلى الوراء دون وعي، حتى اصطدم ظهرها بالحائط البارد خلفها.
انحبست أنفاسها.
اقترب أكثر، حتى أصبح وجهه قريبًا جدًا من وجهها، ثم مال نحوها، وقرب أذنه من شفتيها، وهمس بصوتٍ منخفض، يكاد يكون خيطًا من التهديد:
باران:"ماذا قلتِ…؟ لم أسمع."
لم تجب.
الصمت وحده ملأ المكان، لكن داخلها لم يكن صامتًا أبدًا؛ كان قلبها يضرب بعنف، خفقاته تتسارع حتى شعرت أنه سيقفز من صدرها، وأنه لم يعد ملكها.
أنفاسها خرجت متسارعة، مضطربة، تكشف ما تحاول إخفاءه من ارتباك وخوف.
ابتعد باران قليلًا، ثم وضع كفيه على الجدار على جانبيها، حاصرها بالكامل بين ذراعيه، حتى لم يعد هناك مجال للهرب أو التراجع. انخفضت نظراته نحوها، ثم ببطء، مدّ يده وأنزل نقابها قليلًا.
توقفت اللحظة.
عيناه علقتا على شفتيها المتكرزتين المرتجفتين،تحرك شيئا داخله، اغوته تلك الشفتين ليرتشف من شهدها، مال برأسه ليقترب ، في لحظة رفع عينيه لتلتقي بعينيها، وذلك البريق الغامض فيهما، الذي لم يفهمه لكن كان يكبح جماح مشاعره، نظر إليها مطولا لكن لم يقترب.نظر لشفتيها مرة أخرى ثم رفع بصره ببطء إلى عينيها.
وفي تلك النظرة، لم يجد انكسارًا… بل وجد شيئًا آخر. خوفًا واضحًا، نعم… لكنه لم يكن استسلامًا.
شيء في داخلها ما زال واقفًا.
تغيرت ملامحه لثانية، كأنه لاحظ ذلك التحدي الصامت، ثم اقترب قليلًا أكثر، حتى أصبحت أنفاسه الساخنة تلامس وجهها، فارتجفت بشدة، لا من قربه فقط، بل من ثقل اللحظة ذاتها.
كاد أن ينقضّ على شفتيها في تلك الثواني المشحونة، لكن شيئًا في نظرتها أوقفه. لم تكن نظرة ضعف، بل كانت رفضًا صامتًا، كجدار غير مرئي أحبط عزيمته.
تراجع لحظة، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة، وكأنه قرر أن يخفي ما كاد أن يحدث، وما كاد أن يفقده من توازن داخلي.
رفعت ديلان نقابها بسرعة، كحركة دفاع غريزية، وكأنها تعيد بناء حاجزها الأخير أمامه.
ابتسم باران هذه المرة بوضوح، وقال بنبرة ساخرة يحاول بها إخفاء ما بداخله:
باران:"حسنًا… كما تريدين. اخفي وجهك الآن عني."
اقترب خطوة أخيرة، ثم أضاف بصوتٍ أخفض، لكنه أشد وقعًا:
باران: "لكن في المساء… عندما أعود، لن أرى وجهك فقط… بل سأرى كل شيء.....وجسمك كله سيكون بين يدي...."
ثم أمال رأسه قليلًا، وغمز لها بطرف عينه، وضحكة خافتة خرجت منه قبل أن يستدير ويبتعد.
خطواته تلاشت تدريجيًا خارج المطبخ، تاركًا خلفه فراغًا ثقيلًا، كأن الهواء نفسه خرج معه.
أما ديلان…
فما إن اختفى صوته حتى انزلقت إلى الأرض ببطء، كأن ساقيها لم تعودا قادرتين على حملها. جلست على البلاط البارد، وأسندت ظهرها إلى الجدار، ثم انفجرت بالبكاء.
بكاءٌ لم يكن صوتيًا فقط، بل كان انهيارًا كاملًا.
دموعها انهمرت بحرقة، وكتفاها يرتجفان، وصدرها يعلو ويهبط في اضطراب، كأنها تحاول استيعاب ما حدث، وما لم يحدث، وما قد يحدث لاحقًا.
وفي تلك الزاوية من المطبخ، لم يعد هناك إفطار، ولا حوار، فقط فتاة منهارة، ورجل غادر تاركًا خلفه صمتًا أكثر قسوة من صوته نفسه.
_____///////-----///////-----
كانت زينب تقف في الممر القريب من المطبخ، متجمدة في مكانها، وعيناها معلقتان بما يجري داخله دون أن تجرؤ على الاقتراب. لم تكن تريد التدخل، لكن ما رأته منذ لحظات كان كافيًا ليزرع في صدرها ارتباكًا ثقيلًا لا يُحتمل.
رأت باران… ذلك الرجل الذي اعتاد أن يفرض حضوره بصرامة باردة، يتراجع خطوة، ثم أخرى، أمام ديلان. لم يكن المشهد واضحًا بالكامل، لكنه كان كافيًا لتدرك شيئًا واحدًا: هناك قوة خفية لم تُكسر، رغم كل ما حدث.
وفي الوقت ذاته، كانت تشعر بشيء آخر، ثِقل كلماته الأخيرة، ذلك البرود الذي خرج به من المطبخ، وكأنه لم يكن يعاقب فقط، بل يترك أثرًا مقصودًا خلفه.
وعندما خرج من المطبخ، لمحها باران واقفة في الخارج.
توقف لحظة، ثم اقترب منها بخطوات هادئة، لكن في عينيه تلك الحِدّة التي لا تختفي حتى وهو ساكن. نظر إليها مباشرة وقال بنبرة آمرة، خالية من أي ليونة:
باران: "ادخلي إليها… وافهميها أنها زوجتي، وأن عليها أن تعرف ما يجب عليها فعله. وذكّريها بواجباتها… وبأول حقوقي عليها."
لم يكن طلبًا بقدر ما كان أمرًا.
أومأت زينب برأسها بصمت، لكن داخلها كان مضطربًا. لم يعجبها ما سمعت، ولم تطمئن للطريقة التي يُقال بها الكلام، لكنها لم تجد ما تقوله. فقط التفتت ودخلت المطبخ بخطوات ثقيلة.
كان المشهد في الداخل أقسى مما توقعت.
ديلان تجلس على الأرض، جسدها منكسر، وكتفاها يرتجفان، ودموعها تنهمر بلا توقف. لم تكن تبكي بهدوء، بل كانت تبكي بانهيار، كأن شيئًا داخلها انكسر ولم يعد قابلًا للإصلاح.
اقتربت زينب بسرعة، وانحنت بجانبها، وصوتها خرج محمّلًا بالحنان والقلق:
زينب: "اهدئي يا حبيبتي… اهدئي يا ابنتي."
لكن الكلمات لم تكن كافية لإيقاف ذلك السيل الجارف من الخوف داخل ديلان.
رفعت رأسها بصعوبة، وعيناها محمرتان، وصوتها خرج متقطعًا بين البكاء والاختناق، كأنها تتشبث بأي مخرج:
ديلان: "أريد أن أخرج من هنا… أرجوكِ يا أختي زينب… ساعديني لأخرج من هنا! أنا… أنا لا أستطيع البقاء!".
توقفت للحظة، وكأن الكلمات تخونها، ثم أضافت بصوت مكسور:
ديلان: "أحلفك بكل عزيز عليك … أريد ان تساعديني لأهرب من هنا…ارجوك ياأختي زينب....."
في تلك اللحظة، شعرت زينب أن صدرها يضيق. لم تكن تتوقع هذا القدر من الرعب في صوت ديلان، ولا هذا الانهيار الذي لا يشبه تمثيلًا ولا مبالغة. كان حقيقيًا… حادًا… ومخيفًا.
اقتربت منها أكثر، ومدّت يدها تمسح دموعها برفق، وكأنها تحاول أن تُمسك ما يتفلت منها:
زينب: "اهدئي… أرجوكِ. خذي نفسًا عميقًا. لن أترككِ هنا، سأخرجك من هذا المكان، لكن اهدئي أولًا."
كانت كلماتها هادئة، لكن داخلها كان مضطربًا. فهي تعرف جيدًا أن ما يجري أكبر من مجرد خلاف عابر، وأن هناك شيئًا غير مريح يحيط بهذا البيت وبصاحبه.
رفعت ديلان يدها ومسحت دموعها بعشوائية، كطفلة تحاول أن تستعيد توازنها بعد سقوط مفاجئ. نظرت إلى زينب بعينين ممتلئتين بالخوف والرجاء:
ديلان: "حقًا…؟ ستساعدينني؟".
ابتسمت زينب ابتسامة صغيرة، لكنها كانت مثقلة بالحزن:
زينب: "نعم… حقًا يا ابنتي...... سأحاول....لكنه صعب..... "
لكن ما إن حاولت ديلان أن تنهض، حتى شعرت بدوارٍ مفاجئ اجتاح جسدها. الأرض من تحتها بدت وكأنها تميل، والضوء في عينيها بدأ يتلاشى تدريجيًا. حاولت أن تتمسك بذراع زينب، لكنها لم تستطع.
تراجعت أنفاسها، وارتجف جسدها، ثم سقطت فجأة بين ذراعيها.
زينب: "ديلان!… يا إلهي!"
ارتفع صوتها بصدمة حادة، وهي تحاول أن تمنع سقوطها الكامل على الأرض. احتضنتها بسرعة، لكن جسد ديلان كان ثقيلاً، مستسلمًا، كأن كل طاقتها قد انطفأت دفعة واحدة.
نظرت زينب إلى وجهها الشاحب، وإلى عينيها المغلقتين، وشعرت بقلبها ينقبض بشدة.
لم يكن الأمر مجرد بكاء أو خوف…
كان انهيارًا كاملًا.
رفعت رأسها نحو باب المطبخ للحظة، وكأنها تخشى أن يعود باران في أي لحظة، ثم عادت تنظر إلى ديلان بين ذراعيها، وقد بدأ القلق يتحول إلى ذعر حقيقي.
صرخت زينب بصوت عالى بدهشة وقلق، لكن صوتها مرتجف يختلط بالخوف والغضب:
زينب: يا إلهي… ديلان!.
كانت تشعر بعجزها، قلبها يعتصرها خوفًا على الطفلة الصغيرة التي باتت شبه فاقدة للوعي امامها.
كان القصر غارقًا في سكونٍ ثقيل، لا يقطعه سوى وقع خطوات باران وهو يصعد الدرج متجهًا إلى غرفته. لم يكن في نيّته سوى أمرٍ عابر؛ هاتف نُسي في الأعلى، وعودة سريعة إلى ما كان عليه قبل قليل من انشغال.
لكن السكون لم يدم.
فجأة، اخترق الصمت صوتُ زينب… صرخة قصيرة، حادة، مشبعة بالذعر.
توقف باران في مكانه لحظة واحدة فقط، ثم تغيّرت ملامحه بالكامل. لم يسأل، لم يتردد، بل اندفع بسرعة نحو مصدر الصوت، كأن شيئًا داخليًا قد دفعه دون تفكير.
فتح باب المطبخ بعنف، وما إن وقعت عيناه على المشهد حتى تجمد الزمن في نظره.
ديلان… ملقاة على الأرض، وجهها شاحب بشكل مخيف، وشفتيها فاقدتان للون، وجسدها ساكن كأن الحياة انسحبت منه للحظة.
تغيرت أنفاسه دون أن يشعر. شيء في صدره انقبض فجأة، ليس خوفًا واضحًا، بل ارتباك غاضب… ذلك النوع من القلق الذي لا يعترف به صاحبه.
خطا خطوة إلى الداخل بسرعة، وصوته خرج حادًا، كأنه يحاول استعادة السيطرة على ما فقد توازنه:
باران: "ماذا حدث هنا؟!".
لم ينتظر جوابًا.
تقدم، وانحنى بسرعة، ثم حمل ديلان بين ذراعيه دون تردد، وكأن وزنها لم يكن عائقًا. عيناه لم تفارقا وجهها للحظة، كأنه يبحث عن أي علامة حياة، أي ارتعاش، أي نفسٍ يدل على أنها ما زالت هنا.
صعد بها الدرج بسرعة، خطواته ثابتة لكن داخله مضطرب على نحوٍ لا يظهر.
دخل بها إلى غرفته و وضعها على السرير برفقٍ حاد، كأنه يخشى أن تنهار بين يديه.
ثم استدار فجأة نحو زينب، وصوته انطلق كالسوط:
باران: "أحضري ماءً فورًا!".
ارتبكت زينب، وتراجعت خطوة إلى الخلف، قلبها يرتجف بين الخوف من صوته والخوف الأكبر مما يحدث أمامها. لكنها لم تتأخر، اندفعت نحو الخارج بسرعة، تبحث عن أي شيء ينقذ الموقف.
أما باران، فبقي ثابتًا.
جلس بجانب السرير، عيناه مثبتتان على ديلان دون أن ترمشا تقريبًا. كان وجهه متصلبًا، لكن داخله لم يكن كذلك. هناك شيء غير مفهوم بدأ يتسلل إليه… قلق لم يعتد عليه، وثقل غريب كلما نظر إليها وهي بلا وعي.
وفي أعماقه، كانت أفكار متداخلة تتصارع بصمت،
خفض باران صوته حتى كاد يتحول إلى همسٍ متقطّع، وكأن الكلمات تثقل صدره قبل أن تغادره. كان يقف أمامها ممزقًا بين صرامة قراره واضطراب مشاعره، يحدّق فيها بعينين تعكسان صراعًا لا يُرى، لكنه يُحسّ في كل نَفَسٍ يخرج منه.
كانت ملامحه مشدودة، وكأنّه يقاوم شيئًا داخله، شيءٌ يلحّ عليه أن يتراجع، أن يلين… لكنه كان يرفض.
في داخله، ارتفعت همسات متضاربة:
باران: هي أصغر من أن تحتمل هذا المصير… الفارق بيننا كبير… لا ينبغي أن أنجرف… لا ينبغي أن أضعف امام نزوتي…
لكن فجأة، اشتدّ صوته في أعماقه، حاسمًا، قاطعًا لكل تردد.
شدّ على فكه، وكأنّه يفرض السيطرة على قلبه قبل عقله، ثم تمتم بنبرةٍ تحمل قسوة القرار أكثر مما تحمل قناعة الروح:
باران:"لن أسمح لنفسي بالانكسار أمامك… لن أعود عمّا قررت… الليلة، ستصبحين زوجتي… وهذا أمر لن أتراجع عنه."
وبين كلماته، كان هناك شيءٌ خفي، شيءٌ يشبه الرجاء المكبوت، أو ربما الخوف، لكنه دفنه عميقًا، خلف قناعٍ من الصلابة لا يسمح لأحد برؤيته.
لكن رغم ذلك، كان يراقبها كأنها الشيء الوحيد الذي يمنعه من فقدان السيطرة الكاملة على اللحظة.
عاد صوت خطوات زينب سريعًا، وقدمت الماء بيدين ترتجفان. أخذ باران الكأس دون أن ينظر إليها، ثم مال على ديلان، ورفع رأسها قليلًا، وسكب الماء على شفتيها ببطء، محاولًا إفاقتها.
مسح على جانب وجهها بإصابعه للحظة قصيرة، حركة غير محسوبة، لكنها خرجت منه تلقائيًا، كأنها رد فعل لا يخضع للمنطق.
همس بصوت منخفض، أقرب إلى نفسه منه إليها:
باران: "افتحي عينيكِ…"
لكن ديلان لم تستجب بعد.
لمح باران زينب واقفة في الزاوية تنظر له بغرابة، وحين لمحها ،ورأى تلك النظرات التي ترمقه بها،
فجأة، ارتفع صوته مجددًا، هذه المرة موجّهًا إلى زينب، حادًا، قاطعًا، لا يقبل نقاشًا:
باران: "اخرجي من الغرفة الآن!".
تجمدت زينب في مكانها، كانت مستغربة من ما يفعله باران، لاول مرة منذ زمن تراه بتلك العشاشة، لاول مرة ترى الخوف في عينيه على شخص ما، لاول نرة بدى لها شخص مختلف عن المألوف، لكنها افاقت من شرودها على صوته المرتفع، وعيناها تتسعان من الصدمة والخوف.
زينب: "باران باشا… لكن هي...."
قاطعها بحدة أشد، وصوته هذه المرة انفجر دون تردد:
باران: "قلتُ: اخرجي!"
تراجعت زينب خطوة، ثم خطوة أخرى، وخرجت بسرعة، لكن قلبها ظل عالقًا داخل الغرفة، مع تلك الفتاة التي لا تزال بلا وعي.
أُغلق الباب خلفها، وبقي باران وحده معها.
ساد صمت ثقيل، لا يُكسره إلا صوت أنفاس ديلان الضعيفة.
وبعد لحظات، بدأت عيناها تتحركان ببطء… ارتعاش خفيف في الجفن، ثم فتحت عينيها أخيرًا.
كانت أول صورة تراها… باران.
تجمدت نظرتها.
حاولت النهوض بسرعة، لكن الدوار عاد يهاجمها، فارتجف جسدها، وسقطت مرة أخرى على الوسادة. ارتسم الخوف فورًا في عينيها، وكأنها تحاول الهروب حتى وهي لا تستطيع الوقوف.
اقترب باران قليلًا، وصوته خرج منخفضًا، لكن يحمل أمرًا واضحًا:
باران: "توقفي عن الحركة… أنتِ ما زلتِ ضعيفة."
ارتجفت شفتاها، ودموعها بدأت تتجمع دون إرادة، ثم انفجرت فجأة، وكأن كل ما مرّ بها منذ الصباح خرج دفعة واحدة:
ديلان: "ابتعد عني… أريد أن أذهب من هنا!".
تجمد للحظة.
في داخله، اشتعل شيء غريب… ليس غضبًا هذه المرة فقط، بل شيء أقرب إلى توترٍ مختلط بالقلق، كأن بكاءها لم يكن مجرد صوت، بل ضغط على نقطة حساسة فيه لا يفهمها.
اقترب أكثر، لكن صوته خرج حادًا يحاول كبح ما بداخله:
باران: "لقد قلتُ لكِ أن تهدئي… لماذا ما زلتِ تبكين؟".
لكن ديلان لم تكن تسمعه فعليًا.
كانت ترى وجهه فقط… ذلك الوجه القريب، القوي، المهيمن، والذي في لحظة ضعفها بدا أكبر من قدرتها على الاحتمال.
ارتجفت أكثر، وسحبت نفسها للخلف على السرير، تبحث عن أي مساحة، أي مسافة، أي أمان.
وفي المقابل، كان باران يراقبها بصمت متغير.
الغضب لم يختفِ، لكنه لم يعد وحده. تحته شيء آخر بدأ يظهر تدريجيًا… انتباه مختلف، مراقبة دقيقة لكل حركة: ارتجاف يدها، اضطراب تنفسها، نظرة عينيها التي تتبدل بين الخوف والارتباك.
لم يعد يتعامل معها كخصم أو تحدٍّ فقط… بل كحالة يجب فهمها قبل أن تفلت من السيطرة.
وفي تلك الغرفة، كان كل شيء متشابكًا بطريقة خانقة:
الخوف في عيني ديلان…
التوتر في ملامح زينب خلف الباب…
والغضب المضبوط داخل باران، الذي يحاول أن يبقى ثابتًا بينما شيء داخله يبدأ بالتغير دون إذن.
لم يكن هناك منتصر في تلك اللحظة.
كان هناك فقط… صراعٌ صامت، يشتعل دون صوت، ويُكتب بالكامل على وجوههم جميعًا.
-----*****-----*****------
لم يكد الصمت يهبط على الغرفة بعد صرخة باران السابقة، حتى لمح بطرف عينه ظلًّا ثابتًا عند الباب. كانت زينب… واقفة هناك، يدها على المقبض، كأنها عالقة بين الدخول والفرار، بين خوفٍ تعرفه ورغبةٍ في أن لا تترك تلك الفتاة وحدها.
اشتدت ملامح باران فجأة، وانفجر صوته قاطعًا كل تردد:
باران: "أحضري جهاز قياس الضغط… حالًا!".
ارتجفت زينب، وكأن صوته دفعها دفعًا. لم تجب، لم تتأخر، بل استدارت مسرعة، وقلبها يخفق بعنف، وهي تشعر أن كل لحظة تمر قد تُثقل الوضع أكثر. عادت بعد ثوانٍ بدت أطول من اللازم، تحمل الجهاز بيدين غير ثابتتين.
اقتربت، وقدّمته إليه بصمت.
أخذه منها دون أن ينظر، ثم التفت إلى ديلان.
كانت لا تزال على السرير، جسدها مرهق، أنفاسها متقطعة، ودموعها لم تجف بعد. عيناها تراقبانه بحذرٍ مشوب بالخوف، وكأن كل حركة منه تحمل تهديدًا غير معلن.
مدّ يده نحو معصمها.
في تلك اللحظة، شعرت ديلان أن تلك اللمسة، رغم خفّتها، تحمل ثقلًا أكبر من مجرد فحصٍ طبي. سحبت يدها قليلًا بشكل غريزي، لكن قوته لم تكن عنيفة… بل حازمة. أمسك بمعصمها وأثبت الجهاز حوله.
كان قريبًا منها، أكثر مما تحتمل.
ضغط على الزر، وانتظر.
ثوانٍ قليلة… لكنها بدت ممتدة، كأن الزمن نفسه يتباطأ ليترك المجال لقلقٍ صامتٍ يتشكل بينهما.
عيناه ثبتتا على الشاشة.
ثم تغيّر شيء في نظرته.
رقمٌ واحد… كفيل بأن يشدّ ملامحه، وأن يُسقط قناع السيطرة للحظةٍ عابرة.
ارتفع الضغط.
في داخله، اندفعت موجة مفاجئة، غير مرتبة، غير منطقية. لم يكن مجرد انزعاج… بل قلقٌ حقيقي، مفاجئ، لم يكن مستعدًا للاعتراف به.
لكن صوته حين خرج… لم يعكس ذلك.
خرج صارمًا، حادًا، كما اعتاد:
باران: "الضغط مرتفع… كفى توترًا! توقفي عن البكاء، واحتفظي بعقلٍ هادئ!".
توقف لحظة، ثم أضاف بنبرة أثقل، وكأنها تحمل أكثر مما تقوله الكلمات:
باران:"كفي عن المقاومة… واستسلمي."
كان كلامه قاسيًا في ظاهره، لكنه لم يكن خاليًا من شيءٍ آخر… شيءٍ خفي، متناقض، يمرّ عبر نبرته دون أن يُعلن نفسه.
رفعت ديلان رأسها ببطء.
عيناها، رغم الدموع، لم تكونا منهارتين كما قبل. كان فيهما شيء جديد… شيء أقرب إلى التحدي.
ارتجف صوتها، لكنه خرج واضحًا، ثابتًا بما يكفي ليكسر الإيقاع الذي يفرضه:
ديلان:"لن أستسلم لك."
سقطت الكلمات في الهواء بينهما، ثقيلة، صريحة، كأنها حدٌّ رسمته دون أن تتراجع.
داخلها، كان كل شيء متناقضًا؛ الخوف لا يزال حاضرًا، يضغط على صدرها، لكن خلفه، كان هناك عناد، تمرد صغير، يحاول أن يبقى حيًّا رغم كل شيء.
كانت خائفة… نعم.
لكنها لم تكن مستعدة أن تُكسر.
أما باران…
فقد سكن للحظة.
لم يتحرك، لم يرد مباشرة.
فقط نظر إليها.
نظرة أطول هذه المرة… أعمق… كأنه لا يرى كلماتها فقط، بل ما وراءها. ذلك الإصرار الهش، ذلك الرفض الذي لم يتوقعه، والذي لم يستطع تجاهله.
ثم… ابتسم.
لكنها لم تكن ابتسامة انتصار.
كانت باهتة، باردة، تحمل في طياتها قرارًا أكثر مما تحمل مشاعر.
همس، كأنه يخاطب نفسه قبل أن يخاطبها:
باران: "إذن… هو كذلك."
رفع عينيه إليها، وأضاف بنبرة منخفضة، لكنها حاسمة:
باران:"كل شيء… سينتهي هذه الليلة."
ساد صمتٌ ثقيل.
لم يكن تهديدًا مباشرًا… لكنه لم يكن وعدًا مريحًا أيضًا.
كان شيئًا بين الاثنين… شيئًا يفتح بابًا مجهولًا، لا أحد منهما يعرف ما الذي ينتظره خلفه.
وفي تلك اللحظة، كانت الغرفة تختنق بما لا يُقال:
خوفٌ يحاول أن لا يظهر في عيني ديلان…
قلقٌ يتخفّى خلف قسوة باران…
وزينب… تقف عند الباب، شاهدة على صراعٍ لا تستطيع التدخل فيه، ولا الهروب منه، لكنها كانت متأكدة من شيء واحد....
ان باران بدأ فعلا يتغير،
وان ديلان فعلا بدأت تأثر عليه...
وانها يجب ان تستثمر هذا....
لحماية ديلان من قسوته ..
وإستغلال براءة ديلان لتأثير عليه، حتى يعود ويرجع من هذا الطريق الخاطئ الذي يدمر إنسانيته ببطء.
الوقت لم يتوقف…
لكنه أصبح أثقل.
